العلامة النائيني والحوكمة في عصر الغيبة

الملخص

رغم إقراره الصريح بالحكم الولائي في عصر المشروطة والنظارة، فقد أكد العلامة محمد حسين النائيني على النيابة العامة للفقهاء في فترة الغيبة، ويعتقد أن نطاق وشمول الفقه في الأمور الحسبية أوسع بكثير مما ورد في أقوال عدد من العلماء في أمثلة الولاية على الغيب والقصر ويوسع الأمور الحسبية لتشمل النظام الاقتصادي، وتنظيم الشؤون، والنظام الجماعي، والدفاع عن الحدود والثغور وحكم الشعب. وإذا كانت الأمور الحسبية محصورة في نطاقات محدودة، فإنها تعتبر أمور النظام الاجتماعي أهم من الأمور الحسبية، وتكون ولاية الفقهاء والنواب العامة عنده من القطعيات والأمور المؤكدة في عصر الغيبة. إن أساس الحكم في فكر النائيني هو تأمين المصالح العامة، ومنع تدمير المصالح الخاصة، ومنع الفساد في النظام السياسي، ونفي الحكومة التملكية والاستبدادية. ويرى أن من الخطأ اعتبار الحكام مالكين للشعب، يفعلون ما يشاؤون، ويحكمون بما يشاؤون، دون رقابة أو مساءلة في أمور السيادة. لأن هذه الأمور مفسدة ومثير للفساد وتتعارض مع فلسفة الحكومة ومصالح الأمة. وفي هذه الدراسة ومن خلال تحليل أفكار العلامة النائيني في مجال الحكم في زمن الغيبة الظاهرة للمعصوم (ع) تم الأخذ بعين الاعتبار نظرته العميقة لفلسفة الحكم ورعاية المصالح العامة. وتشير نتائج البحث إلى أنها تعتقد بإثبات ولاية الفقيه، وهي في حد ذاتها مثال واضح على شرعية الحكم الولائي. وفي هذه الدراسة تم استخدام المنهج المكتبي في جمع البيانات، وأما منهج البحث فهو المنهج الوصفي التحليلي.

المقدمة

لقد كانت كيفية وشكل وحقانية الحكومة في عصر غيبة المعصوم (عليه السلام)، على الرغم من أهميتها وتأثيرها، موضع نقاش بين علماء الشيعة، وقد أُبديت تجاهها مواقف متعددة ومتنوعة. وبهذا المنهج، يتم التركيز في هذا التحقيق على كيفية وشكل وحقانية ومشروعية الحكومة في عصر الغيبة الكبرى من وجهة نظر أحد كبار الفقهاء والأصوليين في عصر المشروطة.

إن دراسة كتابات المرحوم النائيني حول منهج الحكم وحقانيته وآراء المفكرين الآخرين بالنسبة لهذه النظرة، هي محط اهتمام واهتمام الكاتب. لقد نظم سماحته نظريته من خلال التوسع في معنى الأمور الحسبية وفلسفة الحكم لخدمة الناس وتأمين المصالح العامة، وأثبت مشروعية ولاية الفقيه في عصر الغيبة.

وقد أُجريت دراسات عديدة حول أفكار النائيني. فقد كتب السيد جواد ورعي مقالاً بعنوان “ولاية الفقيه في الفكر الفقهي – السياسي للنائيني” ونُشر في مجلة “حكومت إسلامي” عام 1381هـ.ش. كما نُشر مقال بعنوان “دراسة مقارنة لأفكار الإمام الخميني (ره) وميرزا النائيني حول ولاية الفقيه” بقلم أحمد رفعت مقام في مجلة جامعة شيراز عام 1381هـ.ش. ونشر مصطفى آغاجاني مقالاً بعنوان “نطاق ولاية الفقيه في الفكر السياسي للعلامة النائيني” في ربيع 1400هـ.ش في مجلة “پژوهشنامه انقلاب إسلامي”.

إن تركيز الباحث في هذا البحث ليس على مقارنة أفكاره مع المفكرين الآخرين، ولا على التركيز فقط على الجانب الفقهي أو السياسي. بل تم الاهتمام بالهندسة الخاصة للمرحوم النائيني في إثبات الحكم ومشروعية حكم الفقيه الجامع للشرائط مع الأخذ في الاعتبار المستندات الشرعية والتوسع في مصاديق الأمور الحسبية.

قدم المفكر الشيعي الكبير العلامة محمد حسين النائيني، من علماء وفقهاء الأصول في عصر المشروطة (توفي 1355هـ)، فكراً منظماً ومنضبطاً وذا هيكلية في مجال الحكم. وقد رحب بحاكمية القانون وتقييد أسلوب الحكم وتجنب كل أنواع الاستبداد برأي الحكام، وفي هذا السياق قدم أثراً قلمياً نفيساً مثل “تنبيه الأمة وتنزيه الملة” إلى عالم الفكر.

فلسفة الحكم

يرى النائيني أن فلسفة الحكم والحوكمة تقوم على معيار واضح وهو تأمين المصالح النوعية (النائيني، 1393، ص 43)، وينتقد بشدة النظرة السائدة في تلك الفترة في رؤية الحكام الذين يعتبرون الشعب والموارد الإقليمية تحت تصرفهم وإرادتهم الفردية، ويرفضها (النائيني، 1393، ص 42). إن الخلاص من رق وعبودية غير الله هو أصل عام (النائيني، 1393، ص 97)؛ ولهذا السبب، فإن الحكومة خادمة للأمة وموضوعيتها تكمن في تأمين المصالح الحقيقية للناس ونوع الإنسان (النائيني، 1393، ص 44). إن نظرة الحكام المالكية إلى الناس وموارد النطاق الإقليمي وبلد ما مرفوضة ولا تتفق مع الفلسفة الوجودية للحكم (النائيني، 1393، ص 41)؛ لذلك، يجب أن تكون بنية وأعمال الحكم والحاكمية تحت ضابطة (مشروطة)، وأي نوع من الاستبداد والحكم الذاتي غير مقبول؛ ولهذا السبب، دون ذكر مونتسكيو، يمتدحه بوصفه حكيماً ذا جودة استنباط وحسن استخراج، الذي قدم نظرية تفكيك القوى وطريقة لمنع استبداد الحكومات المطلقة (النائيني، 1393، ص 91). يعتبر الاستبداد والاستعباد (استرقاق الآخرين) من الأساليب المطرودة والملعونة (النائيني، 1393، ص 156). وهو يرى أن فاعلية “ما يشاء” (التصرف حسب الهوى) وحاكمية “ما يريد” وقاهرية (السيطرة والغلبة على الرقاب) و”لا يُسأل عما يفعل” (عدم المساءلة عن أعمال الحكم) من شؤون الربوبية، ويدين أي ادعاء في هذا الشأن من باب الشراكة في الربوبية واغتصاب رداء الكبرياء (النائيني، 1393، ص 41-49-59-66-70-162). يعتبر حق المحاسبة والمراقبة للأمة (الإشراف الشعبي والعام على الحكام) ومسؤولية (مساءلة) المتصدين من فروع قانونية الحكم ومن فروع أصلين هما الحرية والمساواة، وهو ما يؤيده الشرع المقدس في الإسلام (النائيني، 1393، ص 50). إن قبول وإذعان لتحكمات الحكام التعسفية هو قبول لعبودية النفس وألوهيتهم، وهو مذموم ومطرود في الشرع (النائيني، 1393، ص 57).

الملكية الدستورية ليست الحكومة المطلوبة بالنسبة له، ولكنها قابلة للدفاع عنها في مقابل الحكومة المطلقة التملكية ولعدم ترتب مفاسدها (النائيني، 1393، ص 45-47 و 63-79). الحرية والمساواة مؤيدتان في الدين. ويذكر الحرية بكلمة جليلة وثناء بليغ باسم الأصل المبارك للحرية (النائيني، 1393، ص 96). ويذكر المساواة بأنها أشرف القوانين المباركة المأخوذة من السياسات الإسلامية وأساس وأصل العدالة وروح جميع تلك القوانين (النائيني، 1393، ص 101).

يرفض العلامة النائيني الحكم المترافق مع الاستبداد ووفقًا للإرادة والميل الشخصي للسلطان والحاكم تحت عناوين التمليكية، الاستبدادية، الاستعبادية، الاعتسافية، التسلطية والتحكمية (النائيني، 1393، ص 42). ويتبرأ من الاستبداد تحت عنوان الشجرة الخبيثة (النائيني، 1393، ص 64). كما ينتقد بشدة الاستبداد الديني الذي يستخدم في تبرير وتعزيز الاستبداد السياسي، والذي بدأ مع الحكم الأموي (النائيني، 1393، ص 144) وتحولهم إلى مالكي رقاب الناس بالتزوير والخداع وبتبريرات غير صحيحة وباللسان والتبرير الديني، تحت عنوان القوة المشؤومة (النائيني، 1393، ص 64-172).

في المقابل، يدافع عن الحكومة المحدودة وسلطة الحكام (النائيني، 1393، ص 43). في عصر الغيبة، حيث لا تتحقق الحكومة الإسلامية المطلوبة، يرى العلامة النائيني بشكل قطعي أن تقييد الحكم من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأصول الأخرى أمر لازم (النائيني، 1393، ص 75). وهو يقبل بحكومة القانون وتقييد الحاكم التي تتضمن الحرية والمساواة. من وجهة نظره، قانون المساواة هو من أشرف القوانين المباركة المأخوذة من السياسات الإسلامية والأساس الجوهري للعدالة وروح كل تلك القوانين (النائيني، 1393، ص 101).

إن الأمن على النفس والعرض والمال والمسكن وعدم التعرض دون سبب، وعدم التجسس في الخفايا، وعدم النفي بلا موجب، وعدم المنع من الاجتماعات المشروعة ونحو ذلك، هي من مصاديق المساواة (النائيني، 1393، ص 102). حقيقة تحول نمط السلطة الغاصبة هي فوز الأمة بهذه الموهبة (الحرية) (النائيني، 1393، ص 97). وحق المحاسبة والمراقبة للأمة ومسؤولية المتصدين من فروع الأصلين (الحرية والمساواة) (النائيني، 1393، ص 50).

في الهندسة الكلامية للعلامة النائيني، توجد علاقة منظومية بين حكومة القانون وتقييد أسلوب الحكم تحت إشراف ومساواة وحرية وسعادة الناس. إن رأسمال السعادة والحياة الوطنية وتقييد السلطة والمسؤولية هي مقدمة لذلك، وحفظ حقوق الأمة كلها تنتهي بهذين الأصلين (الحرية والمساواة) (النائيني، 1393، ص 65). أصل المساواة الطاهر هو مساواة أفراد الأمة مع بعضهم البعض ومع شخص الوالي في جميع الأنواع (النائيني، 1393، ص 100).

يستخدم في كتاباته تعبير “قانون المساواة المبارك” لتحقيق المساواة في الحقوق والانتفاع بين أفراد الشعب والحكام (النائيني، 1393، ص 103). يقدم المرحوم النائيني حلولًا عملية لتحقيق حكومة القانون والابتعاد عن الأساليب المستبدة. من وجهة نظره، وعي الناس ضروري لعلاج الاستبداد الحكومي التمليكي. الخلاص من هذه الشجرة الخبيثة (الاستبداد) والخلاص من هذه الرقية الخسيسة (الاستبداد) يقتصر فقط على التفات وتنبه الأمة (النائيني، 1393، ص 58). كذلك، لعلاج الاستبداد الديني والخلاص منه، يقترح تهذيب النفس، واكتساب ملكة التقوى، والتحلي بالعدالة، وقطع الآمال الملعونة، والمراقبة والرصد الداخلي (النائيني، 1393، ص 161-162).

يرفض العلامة النائيني التذرع بمعارضة الحرية ويعتبرها ضرورة للمجتمع الإنساني لا تستلزم الخروج عن الحدود الشرعية؛ لأن هذه الحرية تُطرح في مقابل الحاكمية غير المنضبطة. لهذا السبب، حتى في المجتمعات التي تعيش بتسامح وتساهل وليس لديها التزام خاص بالقيود الشرعية أو أن الخطاب في دينها أكثر تسامحًا، لا يزالون يطالبون بالحرية، إذن هذه الحرية المقصودة قابلة للطرح في العلاقة بين الحاكم والشعب، وليس القوانين الشرعية.

الحرية والتحرر هي الخلاص من الرق الجائر وإنقاذ الرقاب من هذا الأسر، لا الخروج من ربقة العبودية الإلهية. إذن، لماذا يسعى الكفار المسيحيون مع هذا الاتساع في المشرب (النهج) إلى الحرية؟ (النائيني، 1393، ص 96-99). إن الحكم الولائي والمشروط والحرية والمساواة تؤدي إلى الإشراف والتشاور وحسن النية والمطالبة من قبل الشعب وحق الاعتراض، وتستلزم مساءلة الحكام.

أساس السلطنة يقتصر فقط على إقامة تلك الوظائف والمصالح النوعية المتوقفة على وجود السلطنة واستيلاء السلطان، وهو مقيد ومشروط في تصرفه بعدم تجاوز ذلك الحد (النائيني، 1393، ص 44). الحكم الولائي هو ولاية على إقامة الوظائف المتعلقة بنظم وحفظ المملكة، لا الملكية، وهو أمانة نوعية في صرف قوى المملكة (النائيني، 1393، ص 44). المتصدون للأمور جميعهم أمناء للنوع لا ملاك ومخدومون. وهم مسؤولون أمام الأمة في وظيفة الأمانة. ويسمي هذا النوع من الحكم بالأسماء المقيدة، المحدودة، العادلة، المشروطة، المسؤولة والدستورية (النائيني، 1393، ص 45). جميع أفراد أهل المملكة بمقتضى مشاركتهم ومساواتهم في القوى والحقوق قادرون وآمنون في إظهار اعتراضهم بحرية على المؤاخذة والسؤال والاعتراض (النائيني، 1393، ص 45).

لدى النائيني استظهار مثير للاهتمام في ذيل الخطبة 216: الترغيب والتحريض على عرض الاعتراض والمشورة (النائيني، 1393، ص 86). كما أن لديه تبريراً مثيراً للاهتمام في جواز الإشراف حتى في الحكومة الإسلامية. إن كون السلطنة الإسلامية شورية، وكذلك دفع الناس للضرائب، يمنحهم حق المراقبة والإشراف لإقامة المصالح العامة (النائيني، 1393، ص 112). في غياب المعصوم (ع)، يحل الإشراف الخارجي محل العصمة (في الفكر الشيعي) والعدالة (في نظر أهل السنة) (النائيني، 1393، ص 87). يجب أن يكون للإشراف، بالإضافة إلى الجانب العام، إطار ونظام وأن يوضع في هيكل الحكم. الإشراف الخارجي، الذي يحل محل عصمة الولي، يتم من خلال تدوين الدستور وتشكيل مجلس الشورى الوطني، حيث تخضع السلطة التنفيذية لإشراف المجلس، والمجلس يخضع لإشراف أفراد الأمة (النائيني، 1393، ص 48).

كما تم اقتراح النهي عن المنكر كآلية للرقابة الذاتية الاجتماعية للإشراف الخارجي (النائيني، 1393، ص 166). إشراف نواب الأمة على المنفذين يحل محل العصمة والعدالة الملكات النفسية كإشراف خارجي (النائيني، 1393، ص 88). وقد بيّن المرحوم النائيني شروطاً لنواب الأمة من أجل إرساء حكومة قانونية وفعالة في إشرافهم المنظم على الحكام؛ الاجتهاد في فن السياسة، والتحرر من قوة الطمع، وحسن النية للدين والدولة والمملكة (النائيني، 1393، ص 124-125).

تدوين الدستور ضروري للتحديد والمراقبة تحت ضابطة (النائيني، 1393، ص 88). أساس حفظ المحدودية والمسؤولية مبني على تدوين الدستور (النائيني، 1393، ص 89). في الحكم الولائي، يكون العقل الجمعي هو الحاكم وأساس اتخاذ القرارات يكون بالشورى ومشورة عقلاء القوم. إن كون السلطنة الإسلامية عادلة شورية وحرية ومساواة أفراد المسلمين مع شخص الخلفاء والبطانة (المقربين) في الحقوق والأحكام سيكون من أهم الفرائض لتحويل وتبديل السلطنة الجائرة الغاصبة من النمط الظالم الأول إلى النمط العادل الثاني (النائيني، 1393، ص 81).

تحقق السلطنة الإسلامية يكون بمشورة العقلاء (النائيني، 1393، ص 83). المشورة مع عقلاء الأمة هي هذا المجلس العام وليس بطانة (أسرار) وخواص شخص الوالي (النائيني، 1393، ص 83). آيتا الشورى توسعان نطاق شمول الأعمال الشورية إلى الأمور النوعية وجميع الأمور السياسية (النائيني، 1393، ص 84).

من وجهة نظره، الحكومة الشورية ونظام التشريع المبني على رأي الأغلبية العددية لا موضوعية له في مسار التحدي مع النصوص الشرعية، لأن رأي الأغلبية ليس في مورد القوانين المصرح بها والثابتة شرعاً، بل يُطرح في القوانين المتغيرة والاقتضائية، وفي الحالات التي يوجد فيها تعارض في الآراء والنظريات، لاتخاذ الأساليب وحل المسائل والمشكلات الإدارية والميل إلى الرجحان الأقوى (أقوى المرجحات) (النائيني، 1393، ص 115-117).

يبين العلامة النائيني الحكومة بفلسفة خدمة أفراد الناس، بصورة مقيدة، قانونية وبأسلوب شوري وتحت ضابطة وإشراف فعال داخلي وخارجي، ويذكر السبل المتصورة بشأن حكومة القانون. في فترة وعصر الغيبة، يقترح إذن وإشراف النواب العامين. بهذه المقاربات، تتضح النظرة الهيكلية لسماحته للحكومة وأسلوب الحكم.

أولاً: الحوكمة في عصر الغيبة

في مجال الفكر الإسلامي من منظور شيعي، يُعد أصل الحكومة وهيكلها وأسلوبها ومشروعيتها في فترة وزمان الغيبة الكبرى موضوع بحث جاد. منذ عام 329 هـ، عام وفاة آخر وكيل ونائب خاص للإمام المهدي (عج)، وهو علي بن محمد السمري، تبدأ فترة الغيبة الثانية (الكبرى) (الكليني، 1429هـ، ج1، ص 39؛ ابن بابويه، 1395هـ، ج2، ص 516؛ الطوسي، 1411هـ، ص 395).

في فكر النائيني، الحكومة في عصر الغيبة لغير الإمام المعصوم ونوابه، هي غصب. في عصر الغيبة، تكون الحكومة للآخرين (غير الإمام المعصوم ونوابه) اغتصاباً (غصباً). يمكن استنباط هذا المطلب من نقل رؤياه الصادقة التي شبه فيها الحكومة بجارية سوداء متسخة اليدين، وأن المشروطة تغسل يديها المتسختين (النائيني، 1393، ص 79).

في مواضع أخرى، صرح العلامة النائيني بغصبية الحكم في نوعين، التمليكي والولائي العرفي. غصب التمليكية هو ظلم لساحة الأحدية المقدسة، وغصب لمقام الولاية، وظلم للناحية المقدسة للإمامة، وغصب لرقاب البلاد والعباد، بخلاف الولائية التي يكون ظلمها واغتصابها لمقام الأمة المقدس، وهي خالية من الظلمين والغصبين الآخرين (النائيني، 1393، ص 77).

يرى أن الحل للابتعاد عن الغصب هو الحكم القائم على إذن من هو صاحب هذا المقام، وفي عصر الغيبة يقتصر على النواب الخاصين. هذا الغصب بإذن “من له ولاية الإذن” يمكن أن يلبس لباس المشروعية، ويمكن أن يخرج من اغتصاب وظلم مقام الولاية والإمامة والولاية بواسطة الإذن المذكور (النائيني، 1393، ص 77).

الاستثناء في هذا المورد هو “من له إذن الولاية” (من له إذن الولاية) وهم النواب العامون في اصطلاحه. هنا تُطرح ولاية الفقهاء الجامعين للشرائط من باب حق النيابة. في حالة عدم إمكانية قيام حكومة شرعية للفقهاء، يدور الأمر بين حكومة مطلقة استبدادية غير منضبطة (ولاية تمليكية) أو حكومة منضبطة تحت إشراف مقيد في الحكم (مشروطة)، وكلاهما غصبي مع فارق، ولكن شدة الغصب في التمليكية أكبر. ويسمي حكومة المشروطة بعنوان الولائية ذات الغصب الخفيف والأقل. فالحكم يكون تحت إشراف، ومحدود ومشروط بالقوانين والضوابط، وتكون السيادة في خدمة أفراد مجتمع لتأمين مصالحهم وإيجاد نظم ونسق اجتماعي ودفاع في مقابل الأعداء وإظهار القوة في مقابل خارقي القانون. في هذا الحكم، تتحول نظرة الحكام إلى الإصلاح وحقهم المطلق في الحكم نوعاً ما إلى نظرة خدمة للناس وينحسر الاستبداد عن المجتمع.

إذا لم تكن الحكومة الشرعية للفقهاء قابلة للتحقيق من باب النيابة، فما هو التكليف؟ تجدر الإشارة إلى أنه مع ظروف زمن العلامة النائيني وفقدان الكادر وعدم الاستعداد النفسي للمجتمع، لم يكن يرى ضرورة لتصدي الفقيه المباشر في مجال الحكم (النائيني، 1393، ص 113). في هذه الحالة، بإذن النائب العام، يقل اغتصاب الحكم ويتجه نحو المشروعية. في هذا الأمر، إذن النائب العام ضروري. من هذه الزاوية، يرى العلامة النائيني أن الإدارة الأصلية والقيادية تتعلق بالنائب العام والمجتهد العادل. ويرى أن إقامة السياسة المتعلقة بالأمة من شأن الفقيه الجامع للشرائط. سياسات أمور الأمة من وظائف الحسبة ومن باب الولاية، فإقامتها من وظائف النواب العامين والمجتهدين العدول (النائيني، 1393، ص 112).

للعلامة النائيني نظرة تخصصية وتفكيكية للقوانين المطلوبة في المجتمع، حيث يكون الحكام هم المتصدين لتنفيذها. هنا أيضاً يصرح بمكانة الفقهاء العدول والنواب العامين في تنفيذ القوانين والمقررات والأحكام. في الفقرات التالية من هذا المقال، تم بيان نوعين من القوانين بشرح أوسع، وهنا من باب الحاجة إلى المطلب تم بيانه بشكل عام.

القوانين إما ثابتة منصوصة ويجب تنفيذها دون تنازل، أو متغيرة تُترك لنظر وترجيح الولي النوعي. القسم الثاني يتبع مصالح ومقتضيات العصور (الأزمنة) والأمصار (الأقاليم)، وهو قابل للاختلاف والتغيير باختلافها، وفي عصر الغيبة أيضاً يُترك لنظر وترجيحات النواب العامين (النائيني، 1393، ص 134).

في عصر الغيبة، تكون الترجيحات مع النواب العامين أو المأذونين من جانبهم ملزمة لا محالة بمقتضى النيابة الثابتة القطعية على كل تقدير، في مورد الأمور المتغيرة (النائيني، 1393، ص 135). في غياب المعصوم (ع) الظاهري، تكون الحكومة المطلوبة من وجهة نظره والمفكرين الشيعة هي إقامة الأمور العامة للمسلمين وتنفيذ الأحكام النظامية وتأمين المصلحة النوعية والدفاع عن حدود وثغور المسلمين، التي لا يقر الشرع المقدس التهاون والتساهل فيها، مع الفقهاء العدول. هرم السلطة من الأعلى إلى الأسفل في رؤيته ينزل. سلطة الله وأوليائه وخلفائهم هي هرم السلطة المشروع والمقبول، ولهذا السبب يعتقد أن السلطنة الإسلامية من شؤون الإمامة (النائيني، 1393، ص 39).

من وجهة نظره، تتجلى السيادة الحقيقية الإسلامية في الإمامة. حقيقة السلطنة الإسلامية هي الإمامة والولاية (النائيني، 1393، ص 71). في عصر الغيبة، أمور المسلمين العامة ليست قابلة للإهمال والتعطيل، لذا فإن الأمور النوعية وسياسات أمور الأمة من وظائف النواب العامين في عصر الغيبة على مغيبه السلام (النائيني، 1393، ص 49). يقبل بولاية الفقهاء في المجالات العامة في عصر الغيبة، وبنظرة موسعة في مصاديق الأمور الحسبية، يوسع نطاقها إلى الأمور النظامية والحكمانية (النائيني، 1393، ص 76). إذا لم يكن تصدي الفقهاء العدول والنواب العامين ممكناً، فبتقييد وتقنين الحكم (تحديد السلطنة) بمشورة يؤيدها الشرع وسيرة القادة وقبول الإشراف الخارجي، يمكن الوصول إلى الحد الأدنى في الحكم الإسلامي والمقبول في الشرع (النائيني، 1393، ص 43-84-87).

ثانياً: النيابة القطعية للفقهاء في عصر الغيبة

يصرح المرحوم النائيني بالنيابة القطعية للنواب العامين لإمام العصر (عج) في زمن الغيبة (النائيني، 1393، ص 135). بالإضافة إلى التصريح بالمطالب المدرجة في كتاب “تنبيه الأمة وتنزيه الملة” بنيابة الفقهاء عن حضرة الحجة (عج)، يذكر في نهاية الكتاب أنه كان قد كتب فصلين في إثبات نيابة الفقهاء العدول في عصر الغيبة في إقامة سياسة أمور الأمة وفروع وكيفيتها، ولكنه لم يدرجهما في الكتاب لملاحظات وحذف الفصلين الأخيرين (النائيني، 1393، ص 175).

يرى أن القيام بضرورات المجتمع والولاية على الأمور النوعية وسياسة أمور الأمة من الأمور الحسبية (النائيني، 1393، ص 112). وعلى فرض عدم النيابة العامة وعدم شمول العناوين المذكورة للأمور الحسبية، التي أجمع عليها كل العلماء في إدارتها من قبل الفقهاء، فإن أهمية حفظ الحياة الجماعية ونظام المعيشة والممالك الإسلامية وأساس الإسلام، من الأمور الحسبية، أكبر، والتساهل والإهمال في ذلك لا يرضي الشارع، لذا فإن نيابة الفقهاء العدول في هذه الأمور قطعية وغير قابلة للتشكيك من وجهة نظره (النائيني، 1393، ص 68-113).

يصرح العلامة النائيني بضرورة وجود هيئة منتخبة من عدد من المجتهدين العدول أو المأذونين من قبلهم في تأمين مشروعية قوانين مجلس الشورى والإشراف على مصوباته، مشيراً إلى مكانة المجتهدين العدول والنواب العامين في إدارة الأمور السياسية والعامة للمجتمع. بناءً على أصول طائفتنا الإمامية، فإن هذا النوع من الأمور النوعية وسياسة أمور الأمة من وظائف النواب العامين في عصر الغيبة على مغيبه السلام (النائيني، 1393، ص 49). من وجهة نظره، يعتبر جميع العلماء أن تدابير الأمور السياسية للأمة وتكفل الأمور العامة التي تتعلق بنوع الإنسان تقع في حيطة وظائف وتكاليف وأداء الفقهاء. ويصرح في فقرات أخرى من كتابه بمكانة وشأن نيابة الفقهاء بوضوح تام.

من قطعيات مذهبنا، طائفة الإمامية، أنه في عصر الغيبة هذا، على مغيبه السلام، ما كان من الولايات النوعية التي يكون عدم رضا الشارع المقدس بإهمالها معلومًا حتى في هذا المجال، تسمى وظائف حسبية، نيابة فقهاء عصر الغيبة فيها ثابتة ومؤكدة إلى درجة أنه حتى مع عدم ثبوت النيابة العامة في جميع المناصب، وبسبب عدم رضا الشارع المقدس باختلال النظام وذهاب بيضة الإسلام، بل وأهمية الوظائف المتعلقة بحفظ ونظم الممالك الإسلامية من جميع الأمور الحسبية، فهي من أوضح القطعيات، لذا فإن ثبوت نيابة الفقهاء والنواب العامين في عصر الغيبة في إقامة الوظائف المذكورة سيكون من قطعيات المذهب (النائيني، 1393، ص 76).

ويصرح في صفحة أخرى من كتابه بأن عدم تمكن النواب العامين بعضًا وكلاً من إقامة تلك الوظائف لا يوجب سقوطها (النائيني، 1393، ص 113). يمكن تبيين مطلبه في شأن ووظيفة الفقيه الجامع للشرائط والنائب العام في عصر الغيبة في بضع جمل:

  1. الأمور التي تتعلق بالنوع وعموم الناس، والتي لا يقبل المشرع الإسلامي الطاهر والمنزه (الشارع المقدس) إهمالها والتساهل فيها، تندرج تحت عنوان الأمور الحسبية.
  2. الأمور التي تتعلق بالمجتمع كله ونوع الناس، يجب أن يكون فيها جدية ولا يمكن التساهل فيها.
  3. في الأمور الحسبية، بناءً على مذهب الشيعة الإمامية ونظر فقهاء هذا المذهب، فإن ولاية ونيابة الفقهاء الجامعين للشرائط والنواب العامين لإمام العصر (عج) قطعية.
  4. الأصل الأولي هو أن ولاية الفقهاء الجامعين للشرائط والنواب العامين لإمام العصر (عج) عامة وتشمل جميع المناصب.
  5. إذا لم نقبل بنيابة الفقهاء في جميع المناصب وحصرنا الأمور الحسبية في مصاديق خاصة مثل الولاية على الغائبين (المفقودين الذين لا خبر عنهم لفترة طويلة) أو القُصّر (قصار العقل غير القادرين على تدبير أمورهم)، فإننا نعلم بشكل قطعي أن المشرع الأجل، الشارع المقدس، لا يرضى بالفوضى والاختلال في الأمور الجماعية وتزعزع أساس الإسلام، وهذه الموارد من الأمور الحسبية أهميتها أكبر بكثير. في هذه الأمور، ولاية الفقهاء ونيابتهم من طرف إمام العصر (عج) قطعية وغير قابلة للتشكيك.

لهذا السبب، فإن أي نوع من التصدي من وجهة نظر العلامة النائيني يحتاج إلى إذن مجتهد (النائيني، 1393، ص 113-135). إذا أُقيم حكم ولائي ومشروط بإجازة الفقيه الجامع للشرائط تحت عنوان نائب عام، فلن يكون له حكم الغصب، ويُعتبر حكومة شرعية دينية وسلطنة إسلامية. هذا الغصب بإذن “من له ولاية الإذن” (من له إذن الولاية) يمكن أن يلبس لباس المشروعية، ويمكن أن يخرج من اغتصاب وظلم مقام الولاية والإمامة والولاية بواسطة الإذن المذكور (النائيني، 1393، ص 77).

هذه النظرة مأخوذة من فكر استراتيجي وأساسي ونظرة قرآنية. القرآن يعتبر العالم كله ملكاً طلقاً لله. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: 189). فكل تصرف في ملك الله يحتاج إلى إذن؛ ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (البقرة: 247). هذا التصرف الملكي والإدارة السياسية للناس فُوِّض إلى الأنبياء، ومنهم إلى أوصيائهم. النبي المعظم (ص) هو الولي الإلهي. ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (الأحزاب: 6). ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: 59).

من جهة أخرى، عرّف النبي (ص) خلفاءه وأولي الأمر وأوصياءه؛ “أيها الناس من كنت مولاه فعلي مولاه، ألست أولى بكم من أنفسكم؟” (الحميري، 1413، ص 431). “من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه”؛ ثلاث مرات (الكليني، 1429، ج2، ص 24). “من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه” (ابن بابويه، 1413هـ، ج1، ص 230).

عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: “دخلت على النبي (ص) فإذا الحسين بن علي على فخذه وهو يقبل عينيه ويلثم فاه ويقول أنت سيد ابن سيد أنت إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة أنت حجة الله ابن حجته” (ابن بابويه، 1395هـ، ج1، ص 262).

وأسند قول النبي (ص) لابن مسعود: “علي بن أبي طالب إمامكم بعدي وخليفتي عليكم فإذا مضى فالحسن فإذا مضى فالحسين ثم تسعة من ولد الحسين واحد بعد واحد قائمهم تاسعهم لا يحبهم ويواليهم إلا مؤمن طابت ولادته ولا يبغضهم ويعاديهم إلا كافر خبثت ولادته من أنكر واحدا منهم فقد أنكرني ما أنا ناطق عن الهوى في علي والأئمة من ولده” (العاملي النباطي، 1384هـ، ج2، ص 127).

الجملة الختامية من كلام النبي (ص) مقتبسة من الآية الكريمة المشيرة إلى الشأن الإلهي والرباني لمكانة الأئمة الأطهار في الوصاية والخلافة للنبي (ص)؛ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ (النجم: 3-4).

“فأوحى الله إلي يا محمد إني اطلعت إلى الأرض اطلاعة فاخترتك منها فجعلتك نبيا ثم اطلعت ثانيا فاخترت منها عليا فجعلته وصيك ووارث علمك والإمام بعدك وأخرج من أصلابكما الذرية الطاهرة والأئمة المعصومين خزان علمي فلولاكم ما خلقت الدنيا ولا الآخرة ولا الجنة ولا النار يا محمد أتحب أن تراهم قلت نعم يا رب فنوديت يا محمد ارفع رأسك فرفعت رأسي فإذا أنا بأنوار علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والحجة يتلألأ من بينهم كأنه كوكب دري فقلت يا رب من هؤلاء ومن هذا قال يا محمد هم الأئمة بعدك المطهرون من صلبك وهو الحجة الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا” (الخزاز الرازي، 1401، ص 73).

الأوصياء الكرام قد حددوا نوابهم أيضاً؛ “وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليه” (ابن بابويه، 1395، ج2، ص 484).

ثالثاً: تفاوت الأحكام الثابتة والمتغيرة كمنطقة فراغ

من وجهة نظر النائيني، القوانين اللازمة لإدارة وتدبير المملكة وسياسة وسعادة الناس والمجتمع قسمان. الطرق والمناهج الجديدة في مجال الحكم في التاريخ المعاصر موجهة في الغالب نحو الأحكام والمقررات، نوع خاص (النوع الثاني) منها. الأمر الصريح (المنصوصات) الذي حُددت وظيفته العملية بشكل خاص وحكمه محدد في الشرع. الأوامر غير الصريحة التي لم تحدد تكليفها وتُركت لنظر ولي الأمر. القسم الأول ثابت ولا يتغير بتغيرات الزمان والمكان والتحولات المعهودة (الأعصار والأمصار) (النائيني، 1393، ص 134). تشخيص هذه الموضوعات والمسائل والأحكام المترتبة عليها في زمن الغيبة يتم بواسطة الخبير الممتاز في الدين أي المجتهد المستنبط. القسم الثاني يتبع المصالح وهو متغير واقتضائي. هذه الأمور موكولة إلى الولي المنصوب إلهياً في حالة إمكانية تنفيذ الأمور (بسط اليد) وترجيحات منصوبيه في الممالك الأخرى (غير محل استقرار الولي المنصوب). في عصر الغيبة، يُترك الأمر لنظر وترجيحات النواب العامين ومن هو مأذون في الولاية (النائيني، 1393، ص 134).

الأحكام المتغيرة الاقتضائية موكولة إلى نظر ولي الزمان، بنظام المشورة والاستفادة من مجتمع النخبة والخبراء، ومجال إصدار الأحكام فيه هو نفسه منطقة الفراغ في اصطلاح بعض المفكرين مثل المرحوم محمد باقر الصدر. من النتائج الهامة لهذين الأصلين يمكن استخلاص عدة مواضيع:

  • تطبيق القوانين الجارية والسارية ومصوبات المجلس مع الأحكام الثابتة والأولى ضروري.
  • المشورة في مجال الأحكام الثانية والمتغيرة.
  • الالتزام بالقوانين المتغيرة بعد ترجيح الولي المعصوم أو منصوبيه (النواب الخاصين) أو النواب العامين للمعصوم (عج) الذين لهم نيابة ثابتة قطعية، ضروري.
  • معظم السياسات في الحكم من القسم الثاني والمتغير، لذا فإن تدوين القوانين لإدارة الأمور ونظام المعيشة في مجال أحكام هذا القسم له موضوعية.
  • الأحكام المتغيرة تابعة لمصالح الناس واقتضائية (النائيني، 1393، ص 134-140).

رابعاً: النظرة التنزّلية للحاكمية

وجود حكومة للمجتمعات الإنسانية أمر ضروري. هذا الأمر محل وفاق عقلاء العالم من مختلف الملل والنحل. يؤكد العلامة النائيني على هذا الأمر باستخدام قاعدة الحسن والقبح والمستقلات العقلية. فلسفة الحكم هي تأمين مصالح نوع الإنسان وهي نوع من الأمانة التي يؤيدها جميع عقلاء البشر سواء كانوا متدينين أو مخالفين للدين (النائيني، 1393، ص 67-163).

تصدي الحكم في نظرة الدين الإسلامي يكون بالإنسان الكامل والأئمة المعصومين (ع). اعتبار كلمة “العصمة” الإلهية في الولاية على سياسة أمور الأمة في نظرة الطائفة الإمامية قطعي (النائيني، 1393، ص 72). سياسات أمور الأمة من وظائف الحسبة ومن باب الولاية، فإقامتها من وظائف النواب العامين والمجتهدين العدول (النائيني، 1393، ص 112). التصرفات الولائية ثابتة شرعاً لأهلها (النائيني، 1393، ص 77). بعد المعصومين (ع)، يذكر المجتهد النافذ الحكومة كنائب عام (النائيني، 1393، ص 105-114-123). في المرحلة التالية بعد نواب الإمام المعصوم (عج)، يتكفل المؤمنون غير الفقهاء، وفي مرحلة أدنى، الفساق من المسلمين بتصدي الوظائف المتعلقة بالاجتماع (النائيني، 1393، ص 113). لذا، فإن الحكومة ليست قابلة للتعطيل.

استراتيجية وجود الحاكمية من الأعلى إلى الأدنى وعدم قبول فقدان الحكومة في بيان أمير المؤمنين (ع) نُقلت بوضوح تام. بالطبع، هذا الأمر لا يدل على مشروعية جميع أنواع الحكومات، بل في هذه النظرية والخطاب، مع التأكيد على الحكومة المشروعة، في حالة عدم التمكن من إقامتها، يتم الاهتمام بالمراتب الدنيا وعدم قبول الفوضى والاضطراب الناشئ عن غياب الحكومة؛ “إنه لا بد للناس من أمير بر أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر ويبلغ الله فيها الأجل ويجمع به الفيء ويقاتل به العدو وتأمن به السبل ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح بر ويستراح من فاجر” (نهج البلاغة، خطبة 40؛ الشريف الرضي، 1414هـ، ص 82؛ الهاشمي الخوئي، 1400، ج4، ص 181).

مفاد قول أمير المؤمنين (ع) يثبت ضرورة أصل الحاكمية لا مشروعية حكومة الفاجر. ذكر هذه النقطة هو أنه في حالة عدم إمكانية حكومة الصالحين، يُفضل حكم الفاجر على غياب الحكومة. أصلان في تبرير الحكم والحكومة يحظيان باهتمام جاد من العلامة النائيني: 1- حفظ النظم الداخلية للمملكة وتربية نوع الأهالي وإيصال كل ذي حق إلى حقه ومنع تعدي الناس على بعضهم البعض وأداء الوظائف المتعلقة بالمصالح الداخلية للمملكة والأمة. 2- التحفظ من تدخلات الأجانب ومنع حيلهم بإعداد القوات الدفاعية والحربية.

أحكام الشريعة المطهرة للإسلام لإقامة هذين التكليفين الحكوميين حظيت بالاهتمام بعنوانين. لإنجاز وظائف النوع الأول، حظيت الأحكام السياسية والمدنية بالاهتمام، وللثاني، الحكمة العملية (النائيني، 1393، ص 40). وجود حكومة في جميع الأمم والملل مسلّم به ومورد وفاق العقلاء… لهذا السبب، قررت الشريعة المطهرة حفظ أساس الإسلام كأهم التكاليف جميعها، والسلطنة الإسلامية من شؤون الإمامة (النائيني، 1393، ص 39).

نموذج الحكم لديه في فترة غياب المعصوم (ع) الظاهري، وفقاً لنظر كثير من الفقهاء (ابن فهد الحلي، 1407، ج2، ص 328؛ المحقق الكركي، بي تا، ج1، ص 142؛ النراقي، 1365، ص 97؛ النجفي، 1981، ج21، ص 393-397؛ البروجردي، 1362، ص 52-57). الأمور الاجتماعية ليست قابلة للتعطيل. النموذج الأصلي والمعيار الممتاز هو حكومة المعصوم (ع). هذا النوع من الحكومة الولائية هو المعيار المطلوب بوجود المعصوم (ع) وملكة العصمة هي حافظ السلطنة الولائية (النائيني، 1393، ص 45). في غياب المعصوم (ع) الظاهري، لدينا دليل فقط على نيابة الفقهاء في الأمور العامة وتأمين المصالح النوعية. في غياب التصدي من الفقيه، نرضى بأسلوب عقلاني مجرب في تقييد أعمال الحكم (المشروطة).

النتيجة

قدم العلامة النائيني بنظرة هيكلية للسلطة في عصر المشروطة، نموذجًا للحكم بمبادئ خاصة. الحكومة من أجل تأمين مصالح الناس وهي نوع من الأمانة، لذا فإن النظرة المالكية للناس والموارد الإقليمية مرفوضة، وأي نوع من ممارسة الذوق الشخصي للحاكم والاستبداد بالرأي غير مقبول، وحرية ومساواة أفراد الشعب والحكام أمام القانون تحظى باهتمامه. أسلوب الحكم يعتمد على التجربة البشرية وتصريح المصادر الدينية بأنه شوري. بشكل أساسي، الحكم على البشر من شؤون الربوبية، والولاية على الناس قد فُوضت إلى الأولياء المعصومين (ع). للمعصومين (ع) في عصر الغيبة نواب عامون نيابتهم قطعية ولا تقبل الخدش. أي تصرف وتصدٍ مع النواب العامين أو بإذنهم مشروع. إذا لم تكن الحكومة الشرعية قابلة للتحقيق بفقدان الشروط والظروف الزمانية والمكانية، فمن بين نوعي الحكم الغاصب التمليكي والولائي، حيث الأول يحكم بلا ضابطة ولجام، والثاني منضبط ومحدود، فإن الثاني أكثر قبولًا والغصب فيه أضعف وأنحف. في الأول، تم ادعاء رداء الكبرياء وغصب مقام الإمامة، وبغير حق فُرضت أعمال الحكم على مصير الناس ولم تُؤد حقوقهم في هذا النوع من الحكم، والظلم بكل أنواعه الثلاثة متصور. في رأي المرحوم النائيني، في الثاني، يُطرح فقط غصب مقام الإمامة، والناس يعيشون في راحة نسبية وقانونية، لذا فإن مفاسده أقل من الأول. بالطبع، إذن الولي والنائب العام يزيل عدم مشروعية النوع الولائي من الحكم ويخلق نوعًا من المشروعية له. على أي حال، وجود الفقيه العادل والنائب العام، سواء من باب التصدي المباشر في الحكم أو بالإذن والإشراف، هو موضع تأكيد العلامة النائيني. إذن، ولاية الفقهاء في الأمور السياسية والإدارية في فترة وعصر الغيبة ثابتة من وجهة نظره، وظهور وبروز وأسلوب ممارسة ولايتهم يتغير حسب مقتضيات الزمان والمكان.

الهوامش

1. آقاجاني، مصطفى؛ جمال زاده، ناصر؛ عزيزي، مجتبى (1400). گستره ولايت فقيه در انديشه سياسى علامه نائينى (نطاق ولاية الفقيه في الفكر السياسي للعلامة النائيني). پژوهشنامه انقلاب اسلامى (دورية دراسات الثورة الإسلامية)، العدد 38.

2. ابن بابويه، محمد بن علي. (1395هـ.ق). كمال الدين وتمام النعمة. طهران: انتشارات إسلامية.

3. ابن بابويه، محمد بن علي. (1413هـ.ق). من لا يحضره الفقيه (ج4، الطبعة الثانية). قم: دفتر انتشارات إسلامي التابع لجماعة المدرسين في حوزة قم العلمية.

4. ابن فهد الحلي الأسدي، أبو العباس جمال الدين أحمد بن شمس الدين محمد (1407هـ.ق). المهذب. قم: انتشارات جماعة المدرسين.

5. البروجردي، السيد حسين. (1362). البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر (مقرر: حسينعلي منتظري). قم: مركز انتشارات دفتر تبليغات إسلامي في حوزة قم العلمية.

6. الحميري، عبد الله بن جعفر. (1413هـ.ق). قرب الإسناد (ط-الحديثة). قم: مؤسسة آل البيت (ع).

7. الخزاز الرازي، علي بن محمد. (1401هـ.ق). كفاية الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر. قم: بيدار.

8. رفعت مقام، أحمد. (1381). پایان نامه، بررسى تطبيقى انديشه هاى امام خمينى و ميرزاى نائينى در رابطه با ولايت فقيه (رسالة، دراسة مقارنة لأفكار الإمام الخميني وميرزا النائيني حول ولاية الفقيه)، جامعة شيراز.

9. الشريف الرضي، محمد بن حسين. (1414هـ.ق). نهج البلاغة (للصبحي صالح). قم: هجرت.

10. الطوسي، محمد بن الحسن. (1411هـ.ق). الغيبة. قم: دار المعارف الإسلامية.

11. العاملي النباطي، علي من محمد بن علي بن محمد بن يونس. (1384هـ.ق). الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم. نجف أشرف: المكتبة الحيدرية.

12. الكليني، محمد بن يعقوب بن إسحاق. (1429هـ.ق). الكافي (ط-دارالحديث). قم: دار الحديث.

13. المحقق الكركي، علي بن حسين العاملي. (بي تا). رسائل المحقق الكركي. قم: مكتبة آية الله مرعشي النجفي.

14. النائيني، محمد حسين. (1393). تنبيه الأمة وتنزيه الملة (مصحح ومحقق: سيد جواد ورعي). قم: بوستان كتاب.

15. النجفي، محمد حسن. (1981م). جواهر الكلام. بيروت: دار إحياء التراث العربي.

16. النراقي، أحمد. (1365). عوائد الأيام. طهران: إدارة كل انتشارات وتبليغات وزارت إرشاد.

17. ورعي، سيد جواد. (1381). ولايت فقيه در انديشه فقهى سياسى نائينى (ولاية الفقيه في الفكر الفقهي السياسي للنائيني). نشرية حكومت إسلامى (مجلة الحكومة الإسلامية)، العدد 24.

18. الهاشمي الخوئي، ميرزا حبيب الله. (1400هـ.ق). منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة وتكملة منهاج البراعة. طهران: المكتبة الإسلامية.

Scroll to Top