الملخص
لقد عمد أنصار فكرة أصالة الصلح، في سبيل إثبات رؤيتهم، إلى نقد الأدلة القرآنية لخصومهم (القائلين بالجهاد الابتدائي). ومن بين الآيات التي انتقدتها هذه المجموعة، الآيات ١٩١-١٩٣ و ٢١٦ من سورة البقرة، والآية ٥ من سورة التوبة. وفي ضوء هذا المجال، تتمحور أسئلة (شبهات) البحث حول: من هم المخاطبون بوجوب الجهاد في الآية ٢١٦ من سورة البقرة؟ وهل لمفهوم المقاتلة ظهور في الجهاد الدفاعي أم لا؟ وفي الآيات ١٩١-١٩٣، من المقصود بـ«المشركين»؟ وما هو متعلق ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ ومعنى «الفتنة» في هذه الآيات؟ وفي الآية ٥ من سورة التوبة، هل المقصود هم «المشركون الناكثون للعهد» أم مطلق المشركين؟ يتناول هذا المقال دراسة هذه الأسئلة والشبهات والإجابة عليها بالمنهج الاجتهادي-التفسيري، مع التركيز على آراء آية الله الفاضل اللنكراني. وقد توصل البحث إلى النتائج التالية: من وجهة نظر آية الله الفاضل اللنكراني، فإن الآية ٢١٦ من سورة البقرة، أولاً، هي باتفاق الفقهاء والمفسرين من أولى الآيات الدالة على وجود الجهاد الابتدائي، ومخاطبوها ليسوا فقط بعض أصحاب النبي الأكرم (ص)، بل جميع المسلمين. ثانياً، إن كلمة «القتال» في معظم استعمالاتها القرآنية ظاهرة في القتال الابتدائي. كما أن هذه الآية لم تجعل وجوب القتال مشروطاً بمقاتلة الكفار والمشركين للمسلمين حتى ينتفي المشروط بانتفاء الشرط. وفي الآيات ١٩١-١٩٣ من سورة البقرة، أولاً، يعود ضمير «هم» في ﴿وَاقْتُلُوهُمْ﴾ إلى جميع مشركي مكة ومطلق الكفار والمشركين الذين كان وصفهم البارز هو قتال المسلمين. ثانياً، إن عبارة ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ هي بمعنى ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ولها إطلاق من جهتين: الإطلاق المكاني والإطلاق الفعلي، وهي دالة على وجوب الجهاد الابتدائي. ثالثاً، إن متعلق ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ والفتنة في هذه الآية هو «الشرك والكفر». وفي الآية ٥ من سورة التوبة، المقصود بـ«المشركين» هو «مطلق المشركين» (وليس فقط المشركون الناكثون للعهد).
المقدمة
يُعدّ بحث أسلوب تعامل الدول الإسلامية مع غير المسلمين (سواء كانوا دولاً أم شعوباً) في زمن الحرب والسلم، من أهم المباحث وأوسعها نطاقاً، وفي الوقت ذاته من أكثرها إثارة للجدل والنقاش في «فقه النظام السياسي» عموماً، و«فقه السياسة الخارجية والعلاقات الدولية للدولة الإسلامية» خصوصاً؛ وهو موضوع قد خُصّص له أحد أهم أبواب الفقه، ألا وهو «كتاب الجهاد». ومن جهة أخرى، فإن أهم مسألة تُطرح في «كتاب الجهاد» تتعلق بـ«أنواع الجهاد»، ومن ثم تقسيم الجهاد إلى نوعين: «الجهاد الابتدائي» و«الجهاد الدفاعي». ويُعدّ تقسيم الجهاد إلى النوعين المذكورين من المسائل المتفق عليها بين الفقهاء والمفسرين منذ صدر الإسلام حتى يومنا هذا. وفي غضون ذلك، وفي العصور الأخيرة، ناقش بعض فقهاء مدرسة الخلفاء، واقتداءً بهم بعض الكتّاب في العالم الشيعي، في هذه المسألة المهمة، وأنكروا في إحدى أطروحاتهم أساساً تشريع حكم باسم «الجهاد الابتدائي»، وادّعوا أن المشروع في باب الجهاد هو «الجهاد الدفاعي» فقط، ولا وجود لنوع آخر من الجهاد في الأحكام الإسلامية. وقد أطلق مدّعو هذه الرؤية على أنفسهم اسم «أنصار أصالة الصلح»، وأطلقوا على رؤية المؤيدين للجهاد الابتدائي اسم «أصالة الحرب» حسب زعمهم. وتسعى هذه المجموعة، من خلال تأويل وتوجيه جميع النصوص الدينية المتعلقة أو المرتبطة بمسألة الجهاد الابتدائي، وكذلك تبرير كافة الأحداث والوقائع التي حدثت في صدر الإسلام وعصر المعصومين (عليهم السلام) والتي تدل وتشير إلى هذا الأمر، إلى ترسيخ فكرتهم في هذا المجال كرؤية صحيحة، ولا يترددون في هذا السبيل عن الاستدلال بأي شيء يمكن أن يثبت وجهة نظرهم (راجع: رشيد رضا، ١٤٠٨هـ، ٣١٢؛ هو نفسه، د.ت، ج٢، ص٢٥٨؛ شلتوت، ١٣٩٩، ص٩٣؛ الزحيلي، ١٤٠٣هـ، ١٢٣؛ صالحي نجف آبادي، ١٣٩٤، ص ١٠-١٠٠؛ محقق داماد، ١٣٩٣، ص ٨٨-١٠٩).
على سبيل المثال، من بين أدلتهم في هذا المجال، «عدم انسجام حكم الجهاد الابتدائي» مع «نظام حقوق الإنسان العالمي». يكتب أحد الكتّاب المؤيدين لهذه الفكرة، معترفاً بإجماعية واتفاقية الجهاد الابتدائي: «الحقيقة هي أننا إذا رجعنا إلى مصادر الفقه الإسلامي – سواء مصادر الشيعة أو أهل السنة – سنجد أن هذه المصادر تقول بحزم في باب الحرب والسلام: (يجب قتال الحربي بعد الدعاء إلى الإسلام وامتناعه حتى يسلم أو يقتل، والكتابي كذلك إلا أن يلتزم بشرائط الذمة…). إذا قبلنا هذا الحكم كما يُفهم من ظاهره، واعتبرناه واجب التنفيذ منذ اليوم الأول حتى الآن، فإن لازم ذلك هو أننا، أولاً، نعترف بأن الحقوق الإسلامية منذ اليوم الأول حتى وقتنا الحاضر غير قابلة للتطبيق مع معايير حقوق الإنسان؛ لأن أول وأهم تعاليم وقاعدة في نظام حقوق الإنسان العالمي هو قبول واحترام حقوق جميع البشر لكونهم بشراً، بغض النظر عن انتمائهم إلى أي دين أو عرق أو لون أو جنس أو طبقة اجتماعية… وعلاوة على ذلك، فإن مضمون القاعدة الفقهية المذكورة يتعارض بشكل جدي مع عدة مبادئ أخرى في نظام حقوق الإنسان، من بينها مبدأ (حق الحياة) للإنسان لكونه إنساناً» (محقق داماد، ١٣٩٣، ص ٦٤). وبالإضافة إلى استدلالات من هذا القبيل، يستدل أنصار هذه الفكرة ببعض الآيات والروايات أيضاً (آيات مثل: ١٩٠ سورة البقرة، ٩٠ و ٩١ سورة النساء و ٦١ سورة الأنفال، راجع: نفسه، ص ٨٨-٩٣). كما قامت هذه المجموعة، في سبيل إثبات فكرتها، بدراسة ونقد أدلة خصومهم (أنصار الجهاد الابتدائي). ومن بين الموارد التي تعرضت لنقدهم، الأدلة القرآنية التي استند إليها أنصار نظرية الجهاد الابتدائي. في هذا النوع من النقد والتحليل، تناول أنصار فكرة أصالة الصلح بالبحث والدراسة الآيات المستدل بها على الجهاد الابتدائي، وناقشوا وشككوا في مضمونها ودلالتها على الجهاد الابتدائي. يهدف هذا المقال إلى تبيين بعض المستندات والأدلة القرآنية للجهاد الابتدائي التي تعرضت للنقد والمناقشة من قبل بعض الكتّاب من أنصار أصالة الصلح، والرد على الإشكالات والمناقشات المثارة، مع التأكيد على فكر وفقه آية الله محمد جواد فاضل لنكراني السياسي. وبناءً على هذه النقطة، سيتم الامتناع عن ذكر أقوال الآخرين. نظراً لاتساع نطاق الآيات المستدل بها والمناقش فيها، والتي يتجاوز بحثها ودراستها قدرة مقال واحد، سيتم في هذا المقال تناول بعض الآيات قيد البحث بشكل تطبيقي، وإن شاء الله في مناسبات ومقالات أخرى، سيتم نقد آيات أخرى، وكذلك دراسة الآيات التي يستند إليها أنصار نظرية أصالة الصلح. وعلى هذا الأساس، سيتولى هذا المقال البحث والدراسة فيما يتعلق بالآيات ١٩١-١٩٣ و ٢١٦ من سورة البقرة المباركة، والآية ٥ من سورة التوبة المباركة. وفيما يلي، بعد ذكر كل من الآيات المذكورة، سيتم أولاً تبيين كيفية دلالة الآية على الجهاد الابتدائي، ثم سيتم شرح الإشكالات والمناقشات المطروحة حول مضمون ودلالة الآية، وفي النهاية سيتم تقديم الرد على هذه الإشكالات والمناقشات.
أولاً: الآية ٢١٦ من سورة البقرة ودلالتها على الجهاد الابتدائي
من بين الآيات المستدل بها لإثبات جواز ومشروعية الجهاد الابتدائي، الآية ٢١٦ من سورة البقرة. تقول هذه الآية الشريفة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. في هذه الآية الشريفة، توجد عدة أجزاء مهمة تدل على الجهاد الابتدائي:
١. المخاطب في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾
أولاً، المخاطب في هذه العبارة، وفقاً للقول المشهور بين الفقهاء والمفسرين، هم «عموم المؤمنين». ثانياً، «كُتِبَ» هي إحدى القرائن الواضحة على دلالة الآية على الجهاد الابتدائي، لا الجهاد الدفاعي؛ لأن لفظي «كتاب» و«كُتِبَ» في الموارد التشريعية يُعتبران بمعنى «الوجوب والفريضة»؛ ومن هنا فإن ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ في هذه الآية الشريفة تدل على وجوب القتال؛ مثل ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ في الآية ١٨٣ من سورة البقرة التي تدل على وجوب الصيام. ثالثاً، كلمة «القتال» في معظم استعمالاتها القرآنية ظاهرة في القتال الابتدائي، وهذا بحد ذاته قرينة أخرى على أن الظهور الأولي لكلمة «الْقِتَالُ» في هذه الآية الشريفة هو خصوص القتال الابتدائي (راجع: فاضل لنكراني، ١٣٩٧، ص٣١٠-٣١١). سيأتي تفصيل هذا المطلب في قسم الرد على الإشكالات والمناقشات.
٢. المقصود من ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾
هذه العبارة قرينة أخرى تُظهر بوضوح ظهور الآية الشريفة في الجهاد الابتدائي؛ إذ إن كلمة «كُره» تُطلق على المشقة والعناء الذي يُفرض على الإنسان ولا ترضى به طبيعته، وقتال الكفار من جملة هذه الموارد. بناءً على ذلك، أحد الاحتمالات هو أن مقصود الآية الشريفة هو وجوب الجهاد الابتدائي الذي هو شاق ومجهد، والله تعالى بعبارة ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ قد أوجب الجهاد الابتدائي على المسلمين، وفي هذه الحالة تجد عبارة ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ مصداقها، وتكتسب الكراهة الناشئة عن وجوب الجهاد الابتدائي معنى؛ لأنه كما أن إقامة الصوم المستفادة من عبارة ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ في الآية ١٨٣ من سورة البقرة، من جهات مختلفة كالإمساك عن الأكل والشرب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والذي يرافقه الجوع والعطش والضعف، هو أمر شاق وصعب على الإنسان، كذلك فإن إقامة الجهاد الابتدائي المستفادة من عبارة ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ ضد الكفار غير المهاجمين، من جهات مختلفة كطبيعة الحرب وكراهة النفس البشرية، وما يصاحبها من النهوض لإعداد العتاد والمؤن، وجمع القوة والعتاد، والابتعاد عن الأهل والديار لمواجهة العدو، وفي النهاية قد يؤدي إلى القتل أو القتل، هو أمر شاق وصعب جداً على المسلمين. هذا في حين أنه إذا اعتبرنا أن مقصود الآية هو بيان وجوب الجهاد الدفاعي، فإن ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ لا مصداق لها، وتكون الكراهة الناشئة عن وجوب الجهاد الدفاعي بلا معنى؛ لأنه من الواضح أنه إذا لم ينهض المسلمون في مثل هذا الجهاد للمواجهة والقتال ضد الكفار المهاجمين، فإما أن يُقتلوا أو يُؤسروا أو تُنهب أموالهم؛ ومن ثم فليس لديهم خيار آخر سوى الدفاع والمواجهة حتى ينزعجوا ويجدوا الأمر شاقاً (راجع: نفسه، ص ٣١٤).
٣. مدلول ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
هذه العبارة أيضاً لها ظهور واضح في الجهاد الابتدائي؛ لأنه لو كانت دالة على الجهاد الدفاعي، لكان الإشكال أن التعبير بـ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي علم الله وجهل المسلمين، تعبيراً غير صحيح؛ لأن جميع المسلمين في الجهاد الدفاعي يعلمون بوضوح أنه إذا لم ينهضوا للدفاع عن أنفسهم وعن كيان الإسلام بعد هجوم الكفار والمشركين، فسيفقدون كل شيء؛ من بيوتهم وعائلاتهم التي تُسبى، إلى أموالهم وممتلكاتهم التي تُغصب، إلى أرواحهم وأجسادهم التي تُزهق. أما إذا كانت دالة على الجهاد الابتدائي، فلا يظهر الإشكال المذكور، ويكون تعبير ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي علم الله وجهل المسلمين، تعبيراً صحيحاً ومناسباً تماماً؛ لأنه من الواضح أن ملاك مشروعية ووجوب الجهاد الابتدائي لا يعلمه إلا الله تعالى، وغالب المسلمين من غير الأئمة المعصومين (ع) لا يستطيعون فهم هذا الملاك ولا معرفة لماذا أوصى الإسلام في هذا المورد بسياسة المواجهة ضد الكفار، وأمر المسلمين بإقامة الجهاد الابتدائي بعد مرور مراحل الدعوة الإسلامية وعرضها المنطقي (راجع: نفسه، ص ٣٢٢-٣٢٣).
أ) إشكالات ومناقشات أنصار أصالة الصلح
بناءً على ما تقدم، اتضح مضمون الآية القائم على دلالتها على جواز ومشروعية الجهاد الابتدائي. وفي هذا السياق، طرح القائلون بأصالة الصلح إشكالات ومناقشات حول هذا الفهم للآية. وفيما يلي، سيتم ذكر هذه الموارد ثم سيتم تبيين رد آية الله فاضل لنكراني على هذه الإشكالات. ١. دلالة الآية على وجوب الجهاد على أصحاب النبي الأكرم (ص): أحد الإشكالات على الآية قيد البحث هو أن الآية تدل فقط على وجوب الجهاد على أصحاب النبي الأكرم (ص) وليست واجبة على الآخرين: «الآية ٢١٦ من سورة البقرة تدل على وجوب الجهاد الكفائي. يقول الطبرسي: بناءً على رأي عطاء، تفيد هذه الآية فقط أن الجهاد كان واجباً على أصحاب النبي (ص) وليس واجباً على الآخرين» (راجع: محقق داماد، ١٣٩٣، ص٧٧). ٢. ظهور المقاتلة في الجهاد الدفاعي: إشكال آخر أُورد على الآية، هو دلالتها على الجهاد الدفاعي لا الجهاد الابتدائي: «في هذه الآية، القتال من باب المفاعلة وبمعنى المقابلة، والظاهر هو الجهاد الدفاعي» (نفسه).
بناءً على هذه الإشكالات، يجب توضيح إجابة سؤالين: ١. هل تدل هذه الآية على وجوب الجهاد الكفائي على بعض أصحاب النبي (ص)؟ وما هي وجهة نظر المفسرين والفقهاء عموماً، ووجهة نظر الطبرسي خصوصاً، حول دلالة الآية؟ ٢. هل القتال من باب المفاعلة وله ظهور في الجهاد الدفاعي أم لا؟
ب) رد آية الله فاضل لنكراني على الإشكالات والمناقشات
١. رأي المفسرين والفقهاء
يستند آية الله فاضل لنكراني في رده على الإشكال والسؤال الأول، إلى اتفاق وإجماع الفقهاء على دلالة الآية على الجهاد الابتدائي، قائلاً: «الآية ٢١٦ من سورة البقرة هي إحدى الآيات التي استدل بها جميع الفقهاء وكثير من المفسرين في العديد من كتب الفقه والتفسير كأحد أولى الآيات الدالة على وجوب الجهاد الابتدائي، ولها ظهور واضح جداً في هذا المجال؛ ومنهم الشيخ الطوسي، الذي اعتبر هذه الآية دالة على وجوب الجهاد وقال: (وهذه الآية دالة على وجوب الجهاد وفرضه، وبه قال مكحول وسعيد بن المسيب وأكثر المفسرين) (الطوسي، د.ت، ج٢، ص٢٠٢). وكذلك آية الله محمد حسن النجفي، بعد بحث مفصل حول فرع الجهاد، وبالتمسك بإطلاق الآية الشريفة ٢١٦ من سورة البقرة، يعتبر الجهاد والقتال الأصلي مع الكفار جهاداً ابتدائياً، ويرى أن هذه الآية الشريفة نزلت في وجوب الجهاد الابتدائي، ويكتب: (ولكن لا ريب في أن الأصلي منه قتال الكفار ابتداءً على الإسلام، وهو الذي نزل فيه ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾) (النجفي، ١٩٨١م، ج٢١، ص٤). وكذلك ابن كثير الدمشقي من علماء أهل السنة، في كتاب (تفسير القرآن العظيم) الذي هو أحد التفاسير كثيرة المراجعة، وباستخدام كلمة (كُتِبَ)، يعتبر الجهاد الابتدائي واجباً ويقول: (هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين أن يكفوا شر الأعداء عن حوزة الإسلام) (ابن كثير، ١٤١٢هـ، ج١، ص٢٥٩) (فاضل لنكراني، ١٣٩٧، ص٣٠٨-٣٠٩). ويقول الأستاذ فاضل لنكراني في رده على استشهاد المستشكل ببيان الشيخ الطبرسي بشأن وجوب الجهاد على أصحاب النبي (ص) وعدم وجوبه على الآخرين: «إن جناب الشيخ الطبرسي في (مجمع البيان في تفسير القرآن) يرى أن جميع المفسرين، باستثناء شخص واحد، يعتبرون هذه الآية دالة على وجوب الجهاد: (وأجمع المفسرون إلا عطاء أن هذه الآية دالة على وجوب الجهاد وفرضه، غير أنه فرض على الكفاية). وهو مع إشارته إلى رأي عطاء القائم على لزوم الجهاد على أصحاب النبي (ص) وعدم وجوبه على الآخرين، يعتبر قوله في مقام الحكم والقضاء شاذاً» (نفسه، ص ٣٠٩).
٢. القتال وباب المفاعلة
البحث الآخر هو ما إذا كان القتال من باب المفاعلة وله ظهور في الجهاد الدفاعي أم لا؟ يدعي المستشكل أن: «القتال في هذه الآية من باب المفاعلة وبمعنى المقابلة، [و] الظاهر هو الجهاد الدفاعي» (محقق داماد، ١٣٩٣، ص٧٧). ويكتب آية الله فاضل لنكراني في رده على هذا الإشكال: «بناءً على التحقيق، فإن كلمة (القتال) في معظم استعمالاتها القرآنية لها ظهور في القتال الابتدائي، وهذا بحد ذاته قرينة على أن الظهور الأولي لكلمة (الْقِتَالُ) في هذه الآية الشريفة هو خصوص القتال الابتدائي؛ لأن هذه الآية الشريفة لم تجعل وجوب القتال مشروطاً بمقاتلة الكفار والمشركين للمسلمين حتى ينتفي المشروط بانتفاء الشرط، بأن لا يقاتل المسلمون المشركين إذا لم يبدأ المشركون بقتالهم؛ بل من الناحية الصناعية للاستدلال، فإن عبارة ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ في الآية ١٨٣ من سورة البقرة، والتي لها ظهور في الأمر ببدء عمل الصوم من قبل المسلمين، كذلك عبارة ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ﴾ لها ظهور أولي في الأمر ببدء عمل القتال أو ابتداء القتال من قبل المسلمين، وهذا هو نفسه الجهاد الابتدائي الذي هو عمل شاق جداً» (راجع: فاضل لنكراني، ١٣٩٧، ص٣١١-٣١٢). وهو في هذه المرحلة، ومع فرض قبول أن كلمة «القتال» تُستخدم في الجهاد الدفاعي والجهاد الابتدائي على حد سواء، يعتقد أن الآية في هذه الحالة تدل أيضاً على الجهاد الابتدائي: «وفضلاً عن ذلك، على فرض التنزّل وقبول هذا الادعاء بأن كلمة (القتال) في القرآن وكتب اللغة تُستخدم بالمعنى الأعم أو بكلا معنيي القتال الدفاعي والابتدائي، فإنها تكفي وتفيد الادعاء المحقق؛ لأنه في هذه الحالة تكون عبارة ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ مطلقة وتشمل كلا القتالين الدفاعي والابتدائي. وبناءً على هذا الاستدلال، فإن العبارة المذكورة بمعنى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ) المطلق، وتفيد أن القتال مع الكفار واجب؛ سواء حاربوا المسلمين أم لم يحاربوا، أو تآمروا في أرضهم ضد المسلمين أم لم يتآمروا» (نفسه، ص ٣١٢).
ثانياً: الآيات ١٩١-١٩٣ من سورة البقرة
من الآيات الأخرى التي تدل على جواز ومشروعية الجهاد الابتدائي، الآيات ١٩١-١٩٣ من سورة البقرة. نقرأ في هذه الآيات: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
١. تبيين دلالة الآيات على وجوب الجهاد الابتدائي من منظور آية الله فاضل لنكراني
تُعد هذه الآيات والعبارات المتعددة فيها من بين الأدلة الإثباتية للجهاد الابتدائي. وفيما يلي، نتناول تبيين هذا الأمر المهم من منظور آية الله فاضل لنكراني:
أ) المقصود من «هم» في ﴿وَاقْتُلُوهُمْ﴾
المقصود من ضمير «هم» في ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ في الآية ١٩١ و﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ في الآية ١٩٣، هو جميع مشركي مكة ومطلق الكفار والمشركين الذين كان وصفهم البارز هو قتال المسلمين. وفقاً لهذا القول، فإن الآية تبين أنه أينما وجدتم أي مشرك، فاقتلوه. تعبير ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ بمعنى «حيث وجدتموهم» وله إطلاق من جهتين: إطلاق مكاني، بمعنى أن تقتلوا مشركي مكة في أي مكان وجدتموهم؛ سواء كانوا في الحل أو في الحرم، وإطلاق فعلي، بمعنى أن تقتلوا مشركي مكة في أي حال وجدتموهم؛ سواء كانوا نائمين أو مستيقظين، في حرب أو في ترك للحرب. من هنا، تكتسب هذه الآية الشريفة معناها بالجهاد الابتدائي (فاضل لنكراني، ١٣٩٧، ص ١٠٤).
ب) مدلول وجوب إخراج المشركين
عبارة ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ دالة على وجوب إخراج المشركين، وهذا الأمر من شؤون الجهاد الابتدائي. يبدو أن إحدى القرائن الواضحة جداً على الجهاد الابتدائي هي هذه العبارة؛ لأنه إذا كانت هذه الآية الشريفة تُفسّر بمعنى الجهاد الدفاعي، فإن وجوب إخراج وطرد العدد القليل من المشركين المتبقين في مكة، المستفاد من هذه العبارة، لا معنى له بالنسبة للمسلمين الذين سيطروا على مدينة مكة وغلبوا عليها. على هذا الأساس، فإن وجوب إخراج جميع المشركين من مكة هو أحد شؤون وفوائد الجهاد الابتدائي، والله تعالى يقول: قاتلوا المشركين والكفار؛ ولكن لا تعتدوا، واقتلوهم في كل مكان تجدونهم، وأخرجوهم من مكة وطهروا ذلك المكان المقدس من قذارة ونجاسة وجود المشركين؛ سواء حاربوكم أم لم يحاربوكم (راجع: نفسه، ص ١٠٥-١٠٦).
ج) قتل المسلمين على يد المشركين
من المباحث التي يجب توضيحها، هل المراد بلفظ «القتل» في هذه العبارة هو القتل الذي يمارسه الكفار ضد المسلمين، أم القتل الذي يمارسه المسلمون في الشهر الحرام بحق المشركين؟ يعتقد آية الله فاضل لنكراني في هذا المجال: «المقصود من (القتل) في عبارة ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾، هو قتل المسلمين على يد المشركين. بناءً على هذا البيان، يكون معنى الآية الشريفة كالتالي: (الفتنة التي لدى المشركين والكفار أسوأ من القتل الذي يمارسونه ضد المسلمين). أي بناءً على هذا الاحتمال، قال الله تعالى: لا تظنوا أن قتل المسلمين في مكة أسوأ وأقبح من شركهم؛ بل إن شرك المسلمين في مكة أسوأ وأشد من قتلهم في مكة» (نفسه، ص ١٠٦-١٠٧).
د) «الفتنة» تعني «الشرك» بالله تعالى
حول مفهوم الفتنة في هذه الآية، توجد ثلاثة احتمالات: مؤامرة المشركين ضد المسلمين، تعذيب ونفي المسلمين من وطنهم، والشرك والكفر بالله تعالى. يعتقد آية الله فاضل لنكراني في هذا الصدد: «المراد بالفتنة [في هذه العبارة وكذلك في الآية ١٩٣ ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾] هو (الشرك والكفر بالله تعالى). في هذه الحالة، يكون معنى (الْفِتْنَةُ) أن الكفار والمشركين في مكة كانوا يعذبون مؤمني تلك الديار ويهددونهم بالإخراج من مكة بهدف أن يتركوا دين الإسلام ويصبحوا كفاراً ومشركين من جديد؛ أي أن الكفار والمشركين كانوا يجعلون وجود وحياة المسلمين الجدد في مكة مشروطاً بالعودة إلى الكفر والشرك وترك دين الإسلام، ومن الواضح أن هذين العملين القبيحين والمنكرين هما أكبر جرم عند الله تعالى؛ بحيث إنهما أسوأ حتى من القتل. هذا المعنى يتوافق مع ظاهر الآية ومعنى أشدية الفتنة؛ لأنه من الواضح أن التعذيب والتنكيل الذي كان يقع بهدف إجبار المسلمين على العودة إلى الشرك والكفر، أو ينتهي بالإخراج من المدينة والديار، كان فتنة أسوأ من القتل الابتدائي للمسلمين؛ لا أن مجرد التعذيب والتنكيل وحده يُعتبر فتنة أسوأ من القتل؛ لأن هذا الفعل الشنيع من قبل الكفار والمشركين، وإن كان قد يؤدي إلى فناء الحياة الدنيوية والمادية لمسلم، إلا أنه كان يُمارس بهدف القضاء على حياته الدينية والمعنوية، ولا شك أن مثل هذا العمل والهدف السيئ الذي عُبّر عنه في الكلام الإلهي بـ(الْفِتْنَةُ)، هو أشد من القتل الابتدائي للكفار والمشركين على يد المسلمين، أو أشد من القتل الابتدائي للمسلمين على يد الكفار والمشركين، وهذا هو المعنى الذي يتوافق مع أشدية الفتنة من القتل؛ سواء بناءً على الفهم المذكور، حيث إن معنى لفظ (الْفِتْنَةُ) يتضمن التعذيب والعذاب؛ ومن هنا أُمر المسلمون في هذه الآية الشريفة بأن يقاتلوا الكفار والمشركين في مكة الذين كانوا يعذبون المسلمين لإعادتهم إلى الشرك والكفر. وبعبارة أخرى، بناءً على أن المقصود من (الْفِتْنَةُ) هو الشرك والكفر، فما دام هذان موجودان في العالم، فإن القتال والجهاد الابتدائي موجودان أيضاً، ووجوبهما باقٍ بقوته» (راجع: نفسه، ص ١١٢-١١٤).
هـ) متعلق «انتهوا»
فيما يتعلق بالمقصود من «انتهوا» في عبارة ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ في الآية ١٩٢ وذيل الآية ١٩٣، توجد رؤيتان: الانتهاء عن القتال، والانتهاء عن الكفر. يعتقد الأستاذ فاضل لنكراني أن المقصود هو «الانتهاء عن الكفر والشرك»؛ أي إذا كف المشركون عن الكفر والشرك، فإن الله يغفر لهم (راجع: نفسه، ص ١١٨ و ١٤٨).
و) مدلول ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾
المقصود من هذه العبارة ليس مجرد الحرب حتى تحقيق الإسلام الظاهري للمشركين؛ بل وفقاً لرأي معظم المفسرين، المقصود بـ«الدين» هو القانون والأحكام أو الطاعة والانقياد لله. على هذا الأساس، يكون معنى العبارة المذكورة: «أن تكون الطاعة لله وحده، وألا يطيع الناس معبوداً آخر غير الله»، وهذا المعنى يتوافق مع هدف القرآن من تشريع الجهاد الابتدائي؛ لأن هدف القرآن من تشريع الجهاد الابتدائي ومحاربة الكفار هو إزالة الشرك بالكامل وجعل الطاعة لله وحده، وإقامة حكم الله حتى لا يطيع الناس معبوداً آخر غير الله تعالى، وألا تُقام أحكام غير أحكام الله (راجع: نفسه، ص ١٣٩).
بناءً على ما تقدم، فإن الآيات محل البحث هي من الآيات الدالة على جواز ومشروعية الجهاد الابتدائي.
٢. إشكالات ومناقشات أنصار أصالة الصلح
أ) وجوب قتال المشركين الذين يقصدون الهجوم
يعتقد بعض القائلين بنظرية أصالة الصلح أن مقصود الآية ليس وجوب قتال جميع مشركي مكة ومطلق الكفار والمشركين؛ بل المقصود هم المشركون الذين يقصدون قتالكم أو أخرجوكم من دياركم. وفقاً لهذا البيان، يعود ضمير «هم» في ﴿اقْتُلُوهُمْ﴾ إلى عبارة ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ في الآية السابقة؛ أي فقط المشركون الذين يقاتلون المسلمين. على هذا الأساس، يكون معنى الآية: «رفع شر هؤلاء الكفار المهاجمين الذين بدأوا الحرب ممكن بقتلهم» (راجع: صالحي نجف آبادي، ١٣٩٤، ص ٢٢). ويكتب مؤلف آخر من القائلين بهذه الرؤية: «الآية ١٩١ من سورة البقرة في مقام بيان طريقة المواجهة والرد على الظلم الذي لحق بالمؤمنين من جانب المشركين، وهو إخراج المسلمين من ديارهم. تقول الآية الشريفة: حيثما وجدتم الأعداء مستعدين للقتال، فاقتلوهم. وفي تتمة الآية، نهت عن القتال في المسجد الحرام ثم قالت: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾، وفي الآية التالية تستمر: إذا كفوا عن القتال؛ فكفوا أنتم أيضاً. إن الله غفور رحيم» (راجع: محقق داماد، ١٣٩٣، ص ٧٧).
ب) المقصود من الفتنة: صعوبات وظلم المشركين
إشكال ومناقشة أخرى أُثيرت حول دلالة الآية على الجهاد الابتدائي، وهي أن «ال» في «الفتنة» هي للعهد الذكري، وتشير إلى أمر خاص ومعروف (مثل تعذيب المسلمين أو إخراجهم من ديارهم): «نقطة دقيقة أخرى موجودة في الآية، هي أن (ال) في (الفتنة)، بمصطلح الأدب العربي، هي للعهد الذكري، ومن هنا فإن المقصود بالفتنة هو إيجاد الصعوبات التي أدت إلى تشريد المسلمين من ديارهم» (نفسه). وفي رأي آخر في هذا المجال نقرأ: «الآية ١٩٣ من سورة البقرة ظاهراً تختص بقتال المشركين ولا تشمل أهل الكتاب… في الحقيقة، هذه الآية قد ذكرت غاية القتال والمواجهة بأنها عدم وجود الفتنة، والفتنة من حيث اللغة لها معانٍ واسعة. أصل معناها هو الاختبار والامتحان، وهذه الكلمة تُستخدم أساساً في كل مورد يوجد فيه نوع من الضغط والشدة… القول المطابق للتحقيق هو أنه وفقاً لأصل اللغة، الفتنة والعوامل التي تؤدي إلى الشرك والكفر، وكذلك المحنة والاختبار وحتى أذى المشركين والكفار للمسلمين، يجب أن نفهمها» (نفسه، ص ٧٥). وآخر يكتب في هذا المجال: «الآية تقول إن الفتنة التي أثارها الكفار وعذبوا بها المسلمين في مكة، وصادروا أموالهم، وفرضوا الحرب على المسلمين في المدينة، هي أشد من قتلهم الذي يتم على يد المسلمين» (صالحي نجف آبادي، ١٣٩٤، ص ٢٢-٢٣).
ج) متعلق ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ هو الظلم
كما مر، توجد رؤيتان حول متعلق «انتهوا»: الانتهاء عن الكفر، والانتهاء عن القتال. يعتقد أنصار أصالة الصلح أن مقصود الآية هو الانتهاء عن القتال: «الآية الشريفة تفيد هذا المعنى بأنه يجب محاربة الأعداء المحاربين حتى نهاية فتنتهم، وفي حال توقف الفتنة من جانب العدو، يجب الكف عن القتال. متعلق ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ بقرينة ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، هو (الظلم)، والمراد بالظلم هو إشعال الحرب وإثارة الفتنة؛ لأن الآية في سياق بحث الجهاد مع العدو من حيث إثارته للفتنة وإشعاله للحرب؛ لا من حيث كفره وشركه» (محقق داماد، ١٣٩٣، ص ٧٥).
بناءً على النص المذكور، تُطرح عدة أسئلة حول الآية: ١. من هم المشركون الذين يجب قتالهم؟ هل هم المشركون الذين ينوون الهجوم على المسلمين أم مطلق المشركين؟ وفي أي الحالات يجوز قتلهم؟ في كل الحالات أم في وضع خاص؟! ٢. ما هو متعلق ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ في الآية ١٩٢ وذيل الآية ١٩٣ من سورة البقرة؟ هل المقصود هو الظلم أم الشرك والكفر؟ ٣. ما المقصود بالفتنة؟ هل المقصود هو «الصعوبات وتعذيب المشركين للمسلمين وإخراجهم من ديارهم» أم المقصود هو «الشرك» وما شابهه؟
٣. رد آية الله فاضل لنكراني على المناقشات والإشكالات
أ) وجوب قتال مطلق المشركين
حول عودة ضمير «هم» في ﴿وَاقْتُلُوهُمْ﴾، تم طرح احتمالين: الاحتمال الأول: يعود ضمير «هم» في ﴿وَاقْتُلُوهُمْ﴾ إلى عبارة ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ في الآية السابقة؛ أي يعود فقط إلى المشركين الذين يقاتلون المسلمين. بناءً على هذا، يكون معنى الآية: «إن رفع شر هؤلاء الكفار المهاجمين الذين بدأوا الحرب، ممكن بقتلهم». هذا الاحتمال غير مقبول؛ لأن عودة ضمير «هم» إلى ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ يؤدي إلى تناقض بين هذه العبارة وعبارة ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾؛ كما سيتم توضيحه لاحقاً. الاحتمال الثاني: يعود ضمير «هم» في عبارة ﴿وَاقْتُلُوهُمْ﴾، إلى جميع مشركي مكة ومطلق الكفار والمشركين الذين كان وصفهم البارز هو قتال المسلمين (لا فقط المشركين الذين ينوون الهجوم، ولا غير أهل الكتاب). بناءً على هذا، يكون معنى الآية: «أينما وجدتم أي مشرك، فاقتلوه» (راجع: فاضل لنكراني، ١٣٩٧، ص ١٠٤).
ب) وجوب قتال المشركين في كل الحالات
حول ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ يوجد احتمالان: الاحتمال الأول: ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ ناسخ للعبارة الشرطية ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ في الآية السابقة؛ ومن هنا فإن هذه الآية الشريفة تتوافق مع الجهاد الدفاعي. الاحتمال الثاني: عبارة ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ بمعنى «حيث وجدتموهم» ولها إطلاق من جهتين: إطلاق مكاني، بمعنى أن تقتلوا مشركي مكة في أي مكان وجدتموهم؛ سواء كانوا في الحل أو في الحرم، وإطلاق فعلي، بمعنى أن تقتلوا مشركي مكة في أي حال وجدتموهم؛ سواء كانوا نائمين أو مستيقظين، في حرب أو في ترك للحرب. من هنا، تكتسب هذه الآية الشريفة معناها بالجهاد الابتدائي؛ ولكن الذين يفسرون هذه الآية بمعنى الجهاد الدفاعي، يقعون في حيرة من معنى ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ (نفسه، ص ١٠٥).
ج) منع القتال في المسجد الحرام إلا في حال بدء الحرب من طرف المشركين
الجزء الأخير من الآية يمنع القتال في المسجد الحرام، ويجيزه فقط في حال بدأ المشركون القتال: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾. هذه العبارة بصدد تحديد القتال من حيث المكان؛ أي أنه في قتال الكفار والمشركين في مكة، يجب مراعاة حرمة واحترام المسجد الحرام؛ فبناءً على الأمر ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾، إذا حافظ المشركون على حرمة المسجد الحرام ولم يقاتلوا المسلمين في هذا المكان المقدس، فليس للمسلمين الحق في قتالهم هناك؛ ولكن بناءً على الأمر ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ﴾، إذا لم يحترم المشركون المسجد الحرام وقاتلوا المسلمين في ذلك المكان المقدس، فيمكن للمسلمين أيضاً أن يقابلوهم بالمثل في المسجد الحرام ويقاتلوهم. بناءً على ذلك، فإن المستشكل الذي يتجاهل ما قبل الآية القائم على أنه فقط في المسجد الحرام، إذا قاتلكم المشركون، فقاتلوهم أنتم أيضاً، ويعمم ذلك على جميع الموارد، يرتكب نوعاً من المغالطة (راجع: محقق داماد، ١٣٩٣، ص ٧٧). هذا في حين أن هذا الشرط خاص بالقتال داخل المسجد الحرام، لا خارجه.
د) «الشرك والكفر» هو متعلق ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾
لتوضيح معنى عبارة ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾، ومن أي عمل أو فعل كف المشركون والكفار، من الضروري تبيين معنى «انتهوا» في اللغة. هذه الكلمة في اللغة تعني «الامتناع»، «المنع»، «الترك»، «الكف»، «الكف عن الشيء»، و«الامتناع عن النفس» (ابن فارس، د.ت، ج٥، ص٣٦٠؛ ابن منظور، ١٤١٤هـ، ج١٥، ص٣٤٧؛ الراغب الأصفهاني، ١٤١٢هـ، ج١، ص٥٠٧). بناءً على ذلك، فإن المقصود بـ«الانتهاء» هو الامتناع والترك والكف عن الشيء. أما في بيان المقصود بـ«انتهوا» في هذه الآية الشريفة، فتوجد رؤيتان: الأولى: الانتهاء عن القتال والظلم: المراد بـ«انتهوا» هو الانتهاء عن القتال والظلم الناشئ عنه (الرازي، ١٤٢٠هـ، ج٥، ص١٤٤؛ الطباطبائي، ١٣٩٣، ج٢، ص٦٢؛ محقق داماد، ١٣٩٣، ص٧٧). أي إذا كف المشركون عن قتال وظلم المسلمين، فإن الله يغفر لهم أيضاً. الثانية: الانتهاء عن الكفر والشرك: وفقاً لهذه الرؤية، المراد بـ«انتهوا» هو «الانتهاء عن الكفر والشرك»؛ أي إذا كف المشركون عن الكفر والشرك، فإن الله يغفر لهم. يكتب الشيخ الطوسي: «﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ أي امتنعوا من الكفر وأذعنوا للإسلام» (الطوسي، د.ت، ج٢، ص١٤٦؛ راجع: الرازي، ١٤٢٠هـ، ج٥، ص١٤٤). يبدو أن لازم قبول الرؤية الأولى هو انقطاع العلاقة وعدم التوافق بين الشرط أو عبارة ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ والجزاء أو عبارة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. أما وفقاً للرؤية الثانية، فلا يوجد هذا عدم التوافق، وهي متوافقة مع سياق الآية. وفقاً لهذه الرؤية، يوجد تناسب كبير بين الشرط والجزاء؛ لأن ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تعليل يقع مقام جواب الشرط؛ أي إذا كف المشركون عن الشرك والكفر، فإنهم ينالون مغفرة الله. نتيجة لذلك، يصبح هذا الاحتمال بحد ذاته قرينة واضحة على أن المراد بـ«الْفِتْنَةُ» هو الكفر والشرك، وأساساً بناءً على هذا الاحتمال استدل الفقهاء في كتب الفقه من ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في هذه الآية الشريفة كأحد الأدلة القرآنية لقاعدة «الجب» المبنية على زوال العواقب الأخروية المترتبة على عدم أداء التكاليف العبادية في فترة الكفر؛ وهي قاعدة معروفة ليس لها سند قرآني من عبارة ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (الأنفال: ٣٨) أو من ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (النساء: ٢٢) أو من ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ (المائدة: ٩٥) فحسب؛ بل لها روايات كثيرة منها رواية «الإسلام يجب ما قبله» التي لها تواتر إجمالي، وكذلك سيرة النبي (ص) الدالة على عدم الإلزام بقضاء التكاليف العبادية للمسلمين الجدد الذين كانوا كفاراً، وبالطبع بناء العقلاء (المجلسي، ١٤٠٣هـ، ج٢١، ص١١٤) يدعمها (راجع: فاضل لنكراني، ١٣٩٧، ص ١٣١-١٣٥).
هـ) «الشرك» هو المصداق البارز لـ«الفتنة»
في القرآن الكريم، استُخدمت الفتنة بمعانٍ مختلفة: الاختبار والابتلاء الإلهي (الأنفال: ٢٨؛ التغابن: ١٥؛ الأنبياء: ٣٥؛ الأنعام: ٥٣؛ الإسراء: ٦٠؛ القمر: ٢٧)، العذاب والبلاء الدنيوي (البروج: ١٠؛ المائدة: ٧١؛ العنكبوت: ١٠؛ الأنفال: ٢٥)، العذاب والبلاء الأخروي (الذاريات: ١٣-١٤) والضلال والخداع والإغواء (محمد: ٤٥؛ الأعراف: ٢٧؛ المائدة: ٤٩). أما في بعض آيات القرآن، فقد استُخدمت الفتنة بمعنى الكفر والشرك بالله؛ لأنها في الدنيا تسبب سلب الأمن الديني والهوية الفطرية للإنسان، وفي الآخرة تسبب العذاب والخذلان. مثل فتنة دعوة المشركين إلى الشرك، المستفادة من عبارة ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ (النساء: ٩١)، أو فتنة الأعداء بالارتداد إلى الشرك، المستفادة من عبارة ﴿وَ لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ (الأحزاب: ١٤)، أو فتنة الكفار الدائمة في كفرهم، المستفادة من ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾ (التوبة: ٤٨). في العبارة المهمة محل البحث، أي ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾، حول حمل معنى «الْفِتْنَةُ»، تم طرح ثلاثة احتمالات: الأول: مؤامرة المشركين الشريرة ضد المسلمين: المقصود بـ«الفتنة» هو مؤامرة وتآمر الكفار الشرير ضد المسلمين وتوفير مقدمات الحرب، وهذا أسوأ من قتل المسلمين على يد الكفار. هذا معنى يميل إليه العرف. الثاني: تعذيب ونفي المسلمين من وطنهم: المقصود بـ«الفتنة» هو التعذيب والأذى والعذاب وإخراج المشركين، وهذا أسوأ من قتل الكفار على يد المسلمين؛ لأن قتل الكفار لا يسبب لهم سوى انقطاع الحياة الدنيوية؛ ولكن التعذيب ومصادرة الأموال والنفي وإخراج المسلمين من مدينة مكة لم يكن يسبب انقطاعهم عن الحياة الدنيوية فحسب؛ بل كان يسبب انقطاعهم عن الحياة الأخروية أيضاً؛ لأن الكفار عند تعذيب المسلمين الجدد، كانوا يضعونهم بين خيارين: العودة إلى الشرك أو الخروج من مدينة مكة. الشرك والإخراج الذي عُبّر عنه في الكلام الإلهي بـ«الفتنة»؛ سواء في هذا الخيار المثير للفتنة، حيث يضطر المسلمون من حيث الإخراج من المدينة وديارهم إلى الانقطاع عن الدنيا، ومن حيث عودتهم إلى الشرك، إلى الانقطاع عن الآخرة؛ لكن قتل الكفار والمشركين لا يسبب سوى انقطاعهم عن الدنيا (راجع: صالحي نجف آبادي، ١٣٩٤، ص ٢٢-٢٣). يعتقد كاتب آخر في هذا المجال أن المقصود بالفتنة هو المشاكل والأذى الذي أوجده المشركون للمسلمين وأدى إلى تشريدهم: «المقصود بالفتنة هو إيجاد الصعوبات التي أدت إلى تشريد المسلمين من ديارهم» (محقق داماد، ١٣٩٣، ص ٧٧). الثالث: الشرك والكفر بالله تعالى: المقصود بـ«الفتنة» هو الشرك والكفر بالله تعالى. في هذه الحالة، يكون معنى «الْفِتْنَةُ» أن الكفار والمشركين في مكة كانوا يعذبون مؤمني تلك الديار ويهددونهم بالإخراج من مكة بهدف أن يتركوا دين الإسلام ويصبحوا كفاراً ومشركين من جديد؛ أي أن الكفار والمشركين كانوا يجعلون وجود وحياة المسلمين الجدد في مكة مشروطاً بالعودة إلى الكفر والشرك وترك دين الإسلام، ومن الواضح أن هذين العملين القبيحين والمنكرين هما أكبر جرم عند الله تعالى؛ بحيث إنهما أسوأ حتى من القتل. هذا الرأي هو رأي كثير من المفسرين الشيعة والسنة؛ على سبيل المثال، يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة، في ذيل الآية الشريفة ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾، يعتبر الشرك أكبر جرم عند الله تعالى ويكتب: «والفتنة أشد من القتل، يعني الشرك أعظم جرماً عند الله من القتل في الشهر الحرام» (يحيى بن سلام، ٢٠٠٧م، ج١، ص ١٧٩). وكذلك فخر الدين الرازي يعتبر الفتنة هي الكفر، ويرى الكفر أعظم من القتل، ويكتب: «أن المراد من الفتنة الكفر بالله تعالى، وإنما سمي الكفر بالفتنة لأنه فساد في الأرض يؤدي إلى الظلم والهرج، وفيه الفتنة، وإنما جعل الكفر أعظم من القتل، لأن الكفر ذنب يستحق صاحبه به العقاب الدائم، والقتل ليس كذلك، والكفر يخرج صاحبه به عن الأمة، والقتل ليس كذلك، فكان الكفر أعظم من القتل» (الرازي، ١٤٢٠هـ، ج٥، ص ١٤٢). وكذلك الشيخ الطوسي يعتبر معنى الفتنة بالشرك من منقولات الإمام الباقر (ع)، ويرى هذا المعنى هو رأي معظم المفسرين والمحدثين من أهل السنة ويقول: «والفتنة الشرك في قول ابن عباس وقتادة ومجاهد والربيع وابن زيد، وهو المروي عن أبي جعفر (ع)، وإنما سمي الكفر فتنة، لأن الكفر يؤدي إلى الهلاك كما تؤدي الفتن إلى الهلاك، ولأن الكفر إظهار الفساد عند الاختبار، والفتنة إنما هي الاختبار» (الطوسي، د.ت، ج٢، ص ١٤٧). وكذلك العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، بعد بيان المعاني اللغوية وذكر مصاديق استعمالها في القرآن، ودون بيان دليل لوجهة نظره، يعرف الفتنة بأنها الشرك والكفر بالله تعالى عن طريق التعذيب والعذاب، ويكتب: «والمراد به في الآية الشرك بالله ورسوله بالزجر والعذاب كما كان يفعله المشركون بمكة بالمؤمنين بعد هجرة رسول الله (ص) وقبلها» (الطباطبائي، ١٣٩٣، ج٢، ص ٦١).
ثمرة النزاع بين الاحتمالين الثاني والثالث: الثمرة المهمة للنزاع بين الاحتمالين الثاني والثالث هي أنه بناءً على الاحتمال الثاني، الذي نعتبر فيه كلمة «الْفِتْنَةُ» بمعنى التعذيب والعذاب وإيجاد المشاكل والمضايقات التي أدت إلى تشريد المسلمين، لم يعد هناك واجب باسم القتال والجهاد الابتدائي في زمن لا يتعرض فيه المسلمون للتعذيب والعذاب من قبل الكفار، وهم مثل بعض الكفار في العصر الحاضر الذين يعيشون في بلاد بعيدة أو قريبة ولا شأن لهم بالمسلمين (راجع: فاضل لنكراني، ١٣٩٧، ص ١١٤). أما بناءً على الاحتمال الثالث، الذي عُرّفت فيه كلمة «الْفِتْنَةُ» بمعنى الشرك والكفر، فما دام هذان موجودان في العالم، فإن القتال والجهاد الابتدائي موجودان أيضاً، ووجوبهما باقٍ بقوته.
نقد الاحتمال الثاني: أما من بين هذه الاحتمالات الثلاثة، فإن الاحتمال الثاني، الذي يرتبط بالقائلين بأصالة الصلح ومنكري الجهاد الابتدائي، له عدة إشكالات: أ) النزاع في متعلق القتل: خلافاً لفكرة الاحتمال الثاني، قد يكون المراد بكلمة «الْقَتْلِ» هو قتل المسلمين على يد الكفار، لا قتل الكفار على يد المسلمين. ب) النزاع في التعذيب بقصد الشرك: إن الحديث عن مصادرة أموال المسلمين في مكة، وتعذيب المسلمين الجدد، وطردهم من المدينة والديار، وإشعال الحرب ضدهم دون بيان المقصد الأساسي من القيام بهذه الأفعال اللاإنسانية ليس صحيحاً؛ لأنه حتى مفسري أهل السنة مثل فخر الدين الرازي قد احتملوا أنه إذا كانت «الْفِتْنَةُ» بمعنى التعذيب والإخراج من المدينة والديار، فلا شك أنه تم بهدف إرغام المسلمين على الشرك (الرازي، ١٤٢٠هـ، ج٥، ص ٢٩٠). وهو قصدٌ بُيّنت فلسفته جيداً في عبارة ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾ في الآية ٢١٧ من سورة البقرة، و﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ في توازن تام مع ذلك القصد الاستمراري. توازنٌ أوضح معنى ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ وكشف عن خطة الكفار والمشركين إلى يوم القيامة. خطة كانت لدى الكفار منذ صدر الإسلام وستبقى إلى يوم القيامة، ولهذا السبب قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. ج) النزاع في أشدية التعذيب من القتل: على فرض قبول الاحتمال الثاني وغض النظر عن الرواية، لا يوجد أي وجه لأشدية التعذيب والقتل والإخراج من المدينة والديار، وتصبح الأشدية لاغية؛ بل باعتبار شأن نزول الآية، لا يمكن تصور وجه لذلك؛ لأنه لا شك أن التعذيب لعشرة أو عشرين يوماً أو أكثر، والخروج من المدينة والديار والنفي إلى أماكن بعيدة، ليس أشد من القتل وعدم البقاء على قيد الحياة؛ بل من الواضح أن القتل والموت أشد من التعذيب والإخراج من المدينة والديار. د) النزاع في اختيارية الغايتين في الآية: بناءً على الاحتمال الثاني، فإن عبارتي ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ و﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ في الآية ١٩٣ من سورة البقرة غاية قهرية، لا غاية اختيارية؛ لأنه بهزيمة الكفار، يزول «التعذيب» من تلقاء نفسه؛ بينما هذا الفهم يخالف ظاهر الآية الشريفة، وهاتان الغايتان هما غايتان اختياريتان، لا غايتان قهريتان؛ أي أن المسلمين باختيارهم يزيلون الشرك؛ لا أن الشرك يزول قهراً. أي أن المسلمين باختيارهم يجعلون الدين لله؛ لا أن الدين يصبح لله قهراً.
قبول الاحتمال الثالث: يبدو أن الاحتمال الثالث، وهو رأي غالبية ومشهور مفسري الإمامية وأهل السنة (الطباطبائي، ١٣٩٣، ج٢، ص ٦١)، يتوافق مع ظاهر الآية ومعنى أشدية الفتنة؛ لأنه من الواضح أن التعذيب والتنكيل الذي كان يقع بهدف إجبار المسلمين على العودة إلى الشرك والكفر، أو ينتهي بالإخراج من المدينة والديار، كان فتنة أسوأ من القتل الابتدائي للمسلمين؛ لا أن مجرد التعذيب والتنكيل وحده يُعتبر فتنة أسوأ من القتل؛ لأن هذا الفعل الشنيع من قبل الكفار والمشركين، وإن كان قد يؤدي إلى فناء الحياة الدنيوية والمادية لمسلم، إلا أنه كان يُمارس بهدف القضاء على حياته الدينية والمعنوية، ولا شك أن مثل هذا العمل والهدف السيئ الذي عُبّر عنه في الكلام الإلهي بـ«الفتنة»، هو أشد من القتل الابتدائي للكفار والمشركين على يد المسلمين، أو أشد من القتل الابتدائي للمسلمين على يد الكفار والمشركين. وهذا هو المعنى الذي يتوافق مع أشدية الفتنة من القتل؛ سواء بناءً على الفهم المذكور، حيث إن معنى لفظ «الفتنة» يتضمن التعذيب والعذاب؛ ومن هنا أُمر المسلمون في هذه الآية الشريفة بأن يقاتلوا الكفار والمشركين في مكة الذين كانوا يعذبون المسلمين لإعادتهم إلى الشرك والكفر (فاضل لنكراني، ١٣٩٧، ص ١١٦).
وجه تسمية الشرك والكفر بالفتنة: أحد الأسئلة التي قد تُطرح في ذيل الاحتمال الثالث، هو لماذا استخدم الله تعالى لفظ «الفتنة» بدلاً من ألفاظ الشرك أو الكفر. في الإجابة على هذا السؤال، قُدمت إجابات مختلفة؛ منها إجابة الشيخ الطوسي، واقتداءً به إجابة الشيخ الطبرسي؛ وهي أنه كما يؤدي الكفر إلى الهلاك، كذلك تؤدي الفتنة إلى الهلاك: «إنما سمي الكفر فتنة، لأن الكفر يؤدي إلى الهلاك كما تؤدي الفتن إلى الهلاك» (الطوسي، د.ت، ج٢، ص ١٧٤؛ الطبرسي، د.ت، ج٢، ص ٥١١). بينما لا يبدو التعليل المطروح في كلامهم صحيحاً؛ بل كانت فتنة الكفار تُمارس بهدف العودة إلى الكفر. بناءً على هذه الإجابة، وبناءً على التحقيق، حيث إن القرآن الكريم كمعجزة إلهية لا نظير لها مليء بالصناعات الأدبية، فقد استخدم كلمة «فتنة» بدلاً من كلمة «شرك»؛ وذلك لأن إحدى الصناعات الأدبية في اللغة العربية هي «المجاز المرسل» أو «ذكر السبب وإرادة المسبب»، وهو أن يُستبدل لفظ بلفظ آخر مرتبط به؛ مثل استبدال المعلول بالعلة أو استبدال العلة بالمعلول، أو استبدال الصفة بالاسم، ولكل منها شواهد قرآنية لا حصر لها، وهنا أيضاً لأن الفتنة كانت منشأ للكفر، فقد ذكر الله تبارك وتعالى السبب أو الفتنة، ولكنه في الحقيقة أراد المسبب أو الكفر. أي أن الكفار كانوا يعذبون المسلمين ويخرجونهم من ديارهم ليعيدوهم إلى الكفر والشرك (فاضل لنكراني، ١٣٩٧، ص ١٢٠-١٢١).
ثالثاً: الآية ٥ من سورة التوبة
من الآيات الأخرى التي استُدل بها لإثبات مشروعية الجهاد الابتدائي، الآية ٥ من سورة التوبة. تقول هذه الآية الشريفة: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. بعد تبيين دلالة الآية على الجهاد الابتدائي، تُطرح إشكالات ومناقشات أنصار أصالة الصلح، ثم تُدرس وتُنقد.
١. تبيين دلالة الآية على وجوب الجهاد الابتدائي
تُعد هذه الآية، إلى جانب آيات أخرى في بداية سورة براءة، من أوضح وأفضل الأدلة على مشروعية الجهاد الابتدائي في الإسلام، وتشمل جميع المشركين من صدر الإسلام حتى الآن؛ وذلك لأن: أ) شمول ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ لجميع المشركين: عبارة ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ليست تفريعاً على خصوص عبارة ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ ليكون المراد بها خصوص مشركي زمن النزول الذين أمهلهم الله مدة؛ بل هي تفريع على جميع الآيات، وخاصة عبارة ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾، وتشمل مشركي زمن نزول القرآن حتى أفول العالم (راجع: فاضل لنكراني، ١٣٩٨، ص ٤٣٥-٤٣٦). ب) عمومية وشمول البراءة من المشركين إلى يوم القيامة: أي مفسر له أدنى أنس بالقرآن، يذعن بأن المراد من البراءة الإلهية والنبوية، وكذلك المراد من المشركين في عبارة ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ الحاكمة على سائر آيات بداية سورة براءة، ليس مجرد قراءة الآيات المذكورة من قبل أمير المؤمنين (ع) وإعلان البراءة من بضع عشرات من قبائل مشركي مكة وأرض الحجاز في يوم عيد الأضحى وفي حضور الحجاج وجمع من الناس؛ بل لها ظهور في الإعلان العام للبراءة الإلهية والنبوية من جميع المشركين على وجه الأرض إلى يوم القيامة، ومن الواضح أن مثل هذا الإعلان يعني جواز قتل جميع المشركين، وهو ما يُستفاد من خلال معنى رفع الأمان أو هدر دمائهم وعدم حرمتهم. بناءً على ذلك، لو لم يكن في آيات بداية سورة براءة سوى عبارة ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ بالإضافة إلى القرائن المذكورة، لكان احتمال اختصاص القتل بمشركي زمن النزول صحيحاً ولا نقاش فيه؛ بينما لم تأتِ العبارة المذكورة وحدها، بل يوجد بين هذه الآيات أيضاً ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ التي لها مصاديق كثيرة من صدر الإسلام حتى نهاية الزمان (راجع: نفسه، ص ٤٣٩-٤٤٠).
٢. إشكالات ومناقشات أنصار أصالة الصلح
لقد أثار أنصار نظرية أصالة الصلح الإشكال التالي حول مضمون ودلالة الآية على الجهاد الابتدائي: الإشكال: المقصود فقط المشركون الناكثون للعهد: هذه الآية، مثل آيات كثيرة أخرى، مطلقة. وهذه الفئة من الآيات، بالنظر إلى سائر المقيّدات، تُحدَّد. إن العناية بالآية السابقة للآية المذكورة والآيات التي تليها، تُفيد بأن المراد من الناكثين للعهد في هذه الآية هم الناكثون من المشركين، لا جميعهم؛ وبعبارة أخرى، الآية المذكورة، بشهادة الآيات التي تليها، تتحدث فقط عن المشركين الذين نكثوا العهد وقاموا بمعارضة صريحة للإسلام والمسلمين (محقق داماد، ١٣٩٣، ق٧٧). الرد: بما أن «الفاء» في عبارة «فَإِذَا» من الناحية الأدبية هي فاء التفريع، وتجعل العبارة التي تليها فرعاً ونتيجة للعبارة التي تسبقها، فإن السؤال الآن هو: هل ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ تفريع على خصوص الآية الرابعة التي تتحدث عن حكم المشركين الذين لم ينكثوا العهد، أم على الآية الثانية التي تتحدث عن حكم المشركين الناكثين للعهد، أم أنها تفريع على عموم الآيات السابقة؟ بما أن تفريع الآية الخامسة على كل من الحالات المذكورة يؤثر على النتيجة المستخلصة ويغير معنى الأوامر الإلهية بشأن المشركين، فسيتم دراسة هذا الأمر المهم فيما يلي: ١. التفريع على الآية الرابعة: إذا اعتُبرت ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ متفرعة على خصوص الآية الرابعة، فستكون النتيجة أن الله تعالى بعد نكث العهد مع المشركين الناكثين في الآية الأولى، ثم إمهالهم أربعة أشهر للتوبة أو القتل في الآية الثانية، ثم بيان حكم المشركين الذين لا عهد لهم في الآية الثالثة، ثم الأمر بمراعاة ما تبقى من العهد مع المشركين الذين لم ينكثوا في الآية الرابعة، يعود في الآية الخامسة لبيان تفاصيل حكم المشركين الذين لم ينكثوا العهد والذين تحدث عنهم في الآية الرابعة، ويؤكد باستخدام عبارة ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ أن هؤلاء المشركين أيضاً، مثل المشركين الناكثين، ليس لديهم مهلة أكثر من أربعة أشهر للتوبة أو القتل، ويجب على المسلمين بعد انتهاء هذه المهلة أن يتعاملوا مع جميع المشركين. وبعبارة أخرى، على الرغم من أن الله تعالى في الآية الرابعة لا ينكث العهد مع المشركين الذين لم ينكثوا، وبناءً على عبارة ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ يأمر بإتمام العهد المبرم معهم؛ إلا أنه في الآية الخامسة، بالاستفادة من عبارة ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾، لا يمنح هذه المجموعة من المشركين – مثل المشركين الناكثين – مهلة أكثر من أربعة أشهر للتوبة أو القتل. في هذه الحالة، على الرغم من أن الآية الخامسة لها ظهور في التفريع على الآية الرابعة؛ إلا أن إشكالها هو أنه بناءً على مبدأ اختصاص عبارة ﴿الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ بالأشهر الأربعة المعروفة عند المفسرين، فإن عبارة ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ ستكون في تنافٍ مع عبارة ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ التي وردت بشأن المشركين الذين لم ينكثوا العهد؛ لأن عبارة ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ في الآية الخامسة تتحدث عن واجب المسلمين بعد انتهاء مهلة الأربعة أشهر؛ بينما عبارة ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ في الآية الرابعة تتحدث عن واجب المسلمين بإتمام مدة العهد التي تزيد عن أربعة أشهر مع المشركين الذين لم ينكثوا العهد، ومن الواضح أن هذين الواجبين يتنافيان (فاضل لنكراني، ١٣٩٨، ص ٤٣٤). ٢. التفريع على الآية الثانية: إذا اعتُبرت عبارة ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ متفرعة على خصوص الآية الثانية، فستكون النتيجة أن الله تعالى بعد نكث العهد مع المشركين الناكثين في الآية الأولى، ثم إمهالهم أربعة أشهر للتوبة أو القتل في الآية الثانية، وبيان حكم المشركين الذين لا عهد لهم في الآية الثالثة، ثم بيان حكم المشركين الذين لم ينكثوا العهد ولزوم مراعاة العهد المبرم معهم إلى أي وقت كان – وإن زاد عن أربعة أشهر – يعود في الآية الخامسة لبيان حكم المشركين الناكثين في الآية الثانية، وبالاستفادة من عبارة ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ يأمر المسلمين بأن يتعاملوا معهم فقط بعد انتهاء مهلة الأربعة أشهر؛ وبعبارة أخرى، فإن الله تعالى في الآية الأولى، بإيراد عبارة ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وإعلان البراءة من المشركين الناكثين، ينكث العهد معهم، وفي الآية الثانية، بناءً على عبارة ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾، يمنح هؤلاء المشركين مهلة أربعة أشهر فقط للتجول في الأرض والتفكير في آيات الله بغية قبول التوحيد وحسن العاقبة، أو التمسك بعبادة الأوثان والهلاك، ويعود في الآية الخامسة، بالاستفادة من عبارة ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾، بشأن هذه المجموعة من المشركين الناكثين الذين نُكث عهدهم من جانب واحد في الآية الأولى والثانية، ليأمر المسلمين مجدداً بأن يتعاملوا معهم بعد انتهاء مهلة الأربعة أشهر وانقضاء هذه المهلة. بالطبع، الله تعالى في غضون الآيتين الثانية والخامسة، أي في الآية الثالثة والرابعة، قد تناول بيان حكم مجموعة أخرى من المشركين الذين لا عهد لهم والذين لم ينكثوا العهد، وأصدر أوامر بشأنهم. في هذه الحالة، على الرغم من أن أصل تفريع الآية الخامسة على الآية الثانية صحيح بناءً على مبدأ اختصاص عبارة ﴿الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ بالأشهر الأربعة المعروفة عند المفسرين، لأنه لا يوجد خيار آخر؛ إلا أن إشكاله هو أن واجب المسلمين في التعامل مع المشركين المستفاد من عبارة ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ يختص بالمشركين الناكثين للعهد؛ بينما ليس الأمر كذلك، وهذا الأمر يشمل جميع المشركين (نفسه، ص ٤٣٥). ٣. التفريع على عموم الآيات السابقة: إذا اعتُبرت عبارة ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ متفرعة على عموم الآيات السابقة، وبتعبير أدق على كل من الآيتين الثانية والرابعة، فستكون النتيجة أن الله تعالى في الآية الأولى، بإعلان البراءة ونكث العهد مع المشركين الناكثين، ثم في الآية الثانية بإمهالهم أربعة أشهر للتوبة أو القتل، ثم في الآية الثالثة بإعلان البراءة وعدم إمهال المشركين الذين لا عهد لهم، ثم في الآية الرابعة ببيان لزوم مراعاة العهد المبرم مع المشركين الذين لم ينكثوا العهد إلى أي وقت كان – وإن زاد عن أربعة أشهر – ثم في الآية الخامسة، يتناول بيان واجبات المسلمين تجاه كل من المجموعتين الأولى والثالثة من المشركين، أي المشركين الناكثين المستفاد من الآية الأولى والثانية، والمشركين الذين لم ينكثوا العهد المستفاد من الآية الرابعة، وبالاستفادة من عبارة ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ في الآية الخامسة، يأمر المسلمين بأن ﴿الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ بالنسبة للمشركين الناكثين هي أربعة أشهر فقط، وبالنسبة للمشركين الذين لم ينكثوا العهد، حتى نهاية مدة عهدهم – وإن كانت أكثر من أربعة أشهر أو سنة – وبعد انتهاء المهلة والمدة المخصصة لكل مجموعة، يجب التعامل معهم بناءً على عبارة ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾. من الواضح أنه بناءً على هذا التحليل، لن تختص عبارة ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ في هذه الآية الشريفة بالمشركين الناكثين للعهد؛ على الرغم من أنها ظاهراً تختص بالمشركين الناكثين الذين انتهت مهلتهم؛ ولكنها في الواقع، وبشكل متكامل وموحد، تطرح جواز قتل المشركين الناكثين للعهد والذين لا عهد لهم؛ بشرط أن تنتهي المهلة الممنوحة لهم، أو تنتهي مدة العهد المبرم معهم، وألا يبقى أي عهد بينهم (نفسه، ص ٤٣٦).
الاستنتاج
بناءً على ما تقدم، وفي أعقاب مسألة كيفية تعامل الدول الإسلامية والمسلمين مع الدول والشعوب غير المسلمة، طُرح بحث «الجهاد وأقسامه» في الفقه. أحد أقسام الجهاد هو الجهاد الابتدائي. وقد طرح بعض فقهاء أهل السنة، واقتداءً بهم عدد من الكتاب الشيعة، من خلال التشكيك في تشريع وجواز الجهاد الابتدائي، فكرة بعنوان «أصالة الصلح». هذه المجموعة، بالتمسك ببعض الآيات المتعلقة بـ«السلم والصلح» في القرآن والروايات، وكذلك سيرة المعصومين (عليهم السلام)، تدعي أن الجهاد الابتدائي ليس من أحكام الإسلام، وأن الفقهاء والمفسرين على مر التاريخ، بسوء فهم وتفسير خاطئ للآيات والروايات وسيرة المعصومين (عليهم السلام)، وصلوا إلى هذا الحكم. وقد قامت هذه المجموعة، لإثبات ادعائها، بعملين: الأول، تقديم أدلة فكرة أصالة الصلح من القرآن والسنة وسيرة المعصومين (عليهم السلام). الثاني، نقد أدلة نظرية الجهاد الابتدائي. وفي القسم الأخير، سعوا إلى تحدي الآيات والروايات وغيرها من الأدلة التي يستند إليها القائلون بالجهاد الابتدائي. من بين الأدلة التي سعى أنصار نظرية أصالة الصلح إلى نقدها، «الأدلة القرآنية» للخصوم. بعض الآيات التي تعرضت للنقد والمناقشة من قبل هذه المجموعة هي آيات من قبيل ١٩١-١٩٣ و ٢١٦ من سورة البقرة، وكذلك الآيات ٥، ٢٩، ٣٦، ٣٨، ٤١، ٧٣، ١١١ و ١٢٣ من سورة التوبة، والآية ٦٥ من سورة الأنفال. وقد تناول هذا المقال، نظراً للقدرة المحدودة لمقال واحد، بحث ودراسة خمس آيات ابتدائية من الآيات المذكورة، بناءً على آراء وفتاوى فقهية-سياسية لآية الله محمد جواد فاضل لنكراني. بشأن الآية ٢١٦ من سورة البقرة، ادعى المستشكل أولاً أن الآية تدل على الوجوب الكفائي، ومخاطبها بعض أصحاب النبي الأكرم (ص)؛ وثانياً، أن المقاتلة من باب المفاعلة، وظهورها في الجهاد الابتدائي. وفي الآيات ١٩١-١٩٣، أولاً، المقصود من المشركين الذين يجب قتالهم هم المشركون الذين ينوون الهجوم على المسلمين، لا مطلق المشركين؛ وثانياً، جواز القتل لا يشمل جميع الحالات، بل يقتصر على وضع وحالة خاصة؛ وثالثاً، متعلق ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ في الآية ١٩٢ وذيل الآية ١٩٣ هو الظلم، لا الشرك والكفر؛ ورابعاً، المقصود من الفتنة هو «رفع الصعوبات التي أوجدها المشركون للمسلمين»، لا الشرك وما شابهه. والآية ٥ من سورة التوبة، أولاً، هي آية مطلقة وتُقيَّد بآيات أخرى؛ وثانياً، هذه الآية تتحدث عن المشركين الذين نكثوا العهد وقاموا بمعارضة صريحة للإسلام والمسلمين، لا جميعهم. هذا في حين أن الآية ٢١٦ من سورة البقرة، أولاً، باتفاق الفقهاء والمفسرين، هي من أولى الآيات الدالة على وجود الجهاد الابتدائي؛ وثانياً، لفظة «القتال» في معظم استعمالاتها القرآنية ظاهرة في القتال الابتدائي. كما أن هذه الآية الشريفة لم تجعل وجوب القتال مشروطاً بمقاتلة الكفار والمشركين للمسلمين حتى ينتفي المشروط بانتفاء الشرط. وفي الآيات ١٩١-١٩٣ من سورة البقرة، يعود ضمير «هم» في ﴿وَاقْتُلُوهُمْ﴾ إلى جميع مشركي مكة ومطلق الكفار والمشركين الذين كان وصفهم البارز هو قتالهم للمسلمين؛ وثانياً، ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ بمعنى «حيث وجدتموهم» ولها إطلاق من جهتين: إطلاق مكاني وإطلاق فعلي، ودالة على وجوب الجهاد الابتدائي؛ وثالثاً، متعلق ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ والفتنة هو «الشرك والكفر». وفي الآية ٥ من سورة التوبة، المقصود هو مطلق المشركين. بناءً على ذلك، لا يرد أي من الإشكالات والمناقشات المثارة حول هذه الآيات الخمس، والآيات محل البحث تدل على وجوب الجهاد الابتدائي.
الهوامش
1. دكتوراه في الفقه السياسي ومدرّس فيه، وباحث في مركز فقه الأئمة الأطهار (عليهم السلام). meshkani.a@chmail.ir