تُعَدُّ «نظرية الاعتبار» من أبدع المباحث في فكر المحقق الأصفهاني، حيث قام بطرحها وتوسيعها والاستفادة منها في كثير من المسائل الفقهية والأصولية. وقد وجد سماحته، من خلال اقتراح «الاعتبار بما هو إعطاء حد شيء واقعي لشيء آخر وإيجاد فرد اعتباري له»، حلولاً جديدة لمشكلات قديمة. ولهذا السبب، أولى اهتماماً خاصاً لبيان جوانب هذه المسألة في كتابيه “نهاية الدراية” و”شرح المكاسب”، مما أثمر عن التوصل إلى أحكام وخصائص للاعتبار تسري في جميع الاعتباريات. هذه الأحكام، التي وردت متفرقة في آثار المحقق الأصفهاني، تُعَدُّ مرشداً في تبيين ماهية «الاعتبار» وتطبيقه في مختلف الموارد، وتمييز الأمور الاعتبارية عن غيرها. المقال الحاضر يجمع هذه الأحكام ويقدم شرحاً لكل منها. بالطبع، إن معرفة رأي المحقق الأصفهاني في مسألة «الاعتبار» تستلزم دراسة شاملة تتطلب مجالاً أوسع. ومن هذا المنطلق، يتم في هذا البحث تبيين جانب من رؤيته حول «الاعتبار»، وهو جانب لم يحظَ باهتمام كبير، ويُعبَّر عنه بـ«أحكام الاعتبار».
المقدمة
تُعَدُّ «المفاهيم الاعتبارية» من نتاجات الفكر البشري التي كان لها على الدوام تطبيقات كثيرة في حياته الاجتماعية، وقد تركت تأثيراً بالغاً في مختلف العلوم. ومن خلال التحليل الدقيق لـ«الاعتبار» ووظائفه، والالتفات إلى منشأ ظهور «المفاهيم الاعتبارية» في الإدراكات البشرية، يمكن التوصل إلى منظومة متماسكة وممنهجة في هذا الباب. وعليه، يجب معرفة ماهية «الاعتبار» ثم أحكامه.
إن أفكار المحقق الأصفهاني حول مسألة «الاعتبار» هي منطلق الجهد الفكري للعلامة الطباطبائي حول «الاعتباريات» وتحويلها إلى فكر متسق وعملي في مختلف المسائل. فقد تابع العلامة هذا البحث مستفيداً من كتابات أستاذه، وبذل جهده في إبرازه وتطويره¹، وبإدخاله هذا البحث في الفلسفة وتطبيقه على مسائل كالإلزام والوجوب وماهية الثواب والعقاب، أتى بابتكارات في هذا المجال (آملي لاريجاني، ١٣٩٤ش، ج ٥، ص ٤). وتُعَدُّ رسالة «الاعتباريات» ومقالة «الإدراكات الاعتبارية» في أصول الفلسفة استمراراً للمسار المذكور. وقد أكمل سماحته البحث إلى حد كبير من خلال شرح وتبيين مقولة «الاعتبار» وخصائصها وأقسامها.
وقد اهتم المحقق الأصفهاني في شرح المكاسب بهذا المبحث بمناسبة البحث حول «الملكية» و«الحق والحكم». وفي السنوات الأخيرة، قام آية الله الآملي اللاريجاني أيضاً بشرح مسألة «الاعتبار» وبيّن أبعادها المختلفة في كتاب “فلسفة علم الأصول” وكذلك في درس الخارج في الأصول.
واقع معاني «الاعتباري»
لمعرفة حقيقة «الاعتبار» و«الاعتباري»، يجب أولاً معرفة المقصود من هذه الألفاظ؛ إذ إن لمصطلح «الاعتباري» استعمالات كثيرة، وللخروج من الاشتراك اللفظي، لا بد من توضيح المقصود منه في هذا البحث.
وقد ذُكرت أربعة معانٍ على الأقل لـ«الاعتباري»:
١. «الاعتباري» بمعنى ما لا أثر له في عالم الخارج، في مقابل «الأصيل» بمعنى ما له آثار خارجية. هذا الاستعمال شائع في بحث «أصالة الوجود واعتبارية الماهية». فاعتبارية «الماهية» هناك بمعنى «عدم كونها منشأ للآثار»، وأصالة «الوجود» بمعنى «كونه منشأ للآثار».
٢. «الاعتباري» بمعنى الموجود الذي ليس له وجود مستقل في الخارج، ويعتمد في وجوده على غيره، وهذا الاعتماد هو سبب عدّ وجوده «اعتبارياً». مثل النسب التي توجد بوجود طرفيها، وليس لها وجود مستقل.
٣. «الاعتباري» بمعنى المفهوم الذي لم يؤخذ مباشرة من الخارج عن الذهن؛ بل يتم الحصول عليه من خلال نشاط القوى الإدراكية على المفاهيم المأخوذة مباشرة من الخارج. هذه المفاهيم إما أن تحكي عن مصاديق لا قدرة لها على الورود في الذهن، كمفهومي «الوجود» و«العدم» اللذين يحكيان عن حقيقة «الوجود» و«العدم»، أو أن لها مصاديق لا يكون موطنها إلا الذهن ولا يمكن أن تظهر في موطن غيره؛ كمفهوم «النوع» و«الجنس». وفي مقابل هذه الفئة من المفاهيم، توجد «المفاهيم الحقيقية» التي تُستقى مباشرة من المطابق الخارجي.
٤. «الاعتباري» بمعنى المفاهيم التي لا تحكي عن حقائق عينية أو ذهنية؛ بل هي وصف للأفعال؛ كالمفاهيم الأخلاقية والقيمية مثل «الحسن» و«القبح»، أو مفاهيم مثل «الوجوب» و«الحرمة» التي لها تطبيق في علم الفقه (مصباح اليزدي، ١٤٠٥هـ، ص ٣٧). والمفاهيم التي يصنعها البشر لرفع احتياجاتهم في المجتمع ويستخدمونها، تندرج ضمن هذه الفئة. وهذه المفاهيم تتحقق فقط في ظرف العمل. فـ«الملكية» و«الرئاسة» و«الزوجية» من هذا القبيل.
من بين المعاني الأربعة التي ذُكرت لـ«الاعتباري»، فإن المعنى الرابع هو المقصود؛ أي المفاهيم التي تم اعتبارها لرفع جزء من احتياجات الإنسان. وقد قبِل المحقق الأصفهاني، وتبعه العلامة الطباطبائي، في تبيين ماهية هذه المفاهيم أن «الاعتبار» هو إعطاء حدّ شيء لشيء آخر، ليظهر بهذا العمل فرد ومصداق جديد لمفهوم ما، ويُدّعى أن الحد الماهوي لحقيقة لا يصدق إلا على أفرادها الحقيقيين، يصدق بـ«الاعتبار» على أفرادها الادعائيين أيضاً، والمفهوم المعنيّ يصدق على مصاديقه الواقعية والاعتبارية معاً. وبتعبير آخر، يعطي المعتبر حدّ شيء لشيء آخر، في حين أن الشيء الثاني يفتقر إلى هذا الحد الماهوي. يدّعي المعتبر أن فرداً فاقداً لخصوصية ما في الواقع، يمتلك تلك الخصوصية. على سبيل المثال، «الأسد» حيوان مشهور بالشجاعة، وأفراده هم الأسود الموجودة في الخارج. عندما يُشبَّه إنسان شجاع بالأسد ويُقال: «زيد أسد»، فمعناه اعتبار الأسدية لزيد؛ أي أن ماهية الأسد، وهو الحيوان المفترس، نُسبت إلى إنسان شجاع، وادُّعي أن زيداً هو أيضاً أحد أفراد الأسد. والهدف من هذا العمل هو تمجيد زيد أو إلقاء الرعب في قلوب أعدائه أو غير ذلك. وعليه، فإن للأسد فردين: أحدهما حقيقي وهو الحيوان المفترس، والآخر فرد اعتباري وهو الإنسان الشجاع. هذا النوع من «الاعتبار» يكثر في المجازات والاستعارات. فالوجه الجميل يُسمى «قمراً»، والإنسان سيئ الخلق «ذئباً»، والإنسان الحقود «جملاً»؛ أي يُدّعى فرد جديد لـ«القمر» أو «الذئب» أو «الجمل». وقد قدم المحقق الأصفهاني هذا التحليل أيضاً حول الاعتباريات مثل «الملكية» و«الزوجية» (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ، ج ٢، ص ٤٠)؛ فمثلاً، لـ«الملكية» أفراد واقعيون كالنسبة بين الإنسان وقواه، لكن هذه الماهية الواقعية اعتُبرت للعلاقة بين زيد وأمواله، فنشأت «الملكية الاعتبارية» (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ، ج ٥، ص ١٢١). ولـ«الزوجية» أيضاً ماهية واقعية وهي كيفية خاصة بالكميات، وقد أُوجد لها فرد اعتباري ينشأ بين شخصين.
بناءً على ذلك، فإن كل اعتبار يرتكز دائماً على حقيقة، ويُعطى حدّ الفرد الحقيقي لفرد آخر، فيُجعل فرداً ادعائياً واعتبارياً. وقد تبنى العلامة الطباطبائي هذا التعريف لـ«الاعتبار» (الطباطبائي، بلا تا، ج ١، ص ٧٢؛ وهو، ١٣٨٩ش، ج ٢، ص ١٦٧) وقام الشهيد المطهري بتبيينه في هوامش كتاب أصول الفلسفة (الطباطبائي، ١٣٨٩ش، ج ٦، ص ٣٩٥).
أحكام الاعتباريات
ذكر المحقق الأصفهاني أحكاماً وخصائص للاعتباريات بشكل متفرق وفي ثنايا كلامه، وإن جمعها والالتفات إلى مجموعها يعطي صورة أفضل عن «الاعتباري».
١. سهولة «الاعتبار»
كون الاعتبارات «خفيفة المؤونة» عبارة مشهورة بين الأصوليين يتمسكون بها كثيراً (للاطلاع، انظر: الخوئي، ١٣٥٢ش، ج ١، ص ٢٢٨؛ الحلي، ١٤٣٢، ج ٩، ص ١٨٠؛ الصدر، ١٤١٧، بحوث في علم الأصول، ج ١٠، ص ١٧١). وقد أقر المحقق الأصفهاني بهذه النقطة أيضاً (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ، ج ٣، ص ٥٦). وبناءً على تعريف المحقق الأصفهاني لـ«الاعتبار»، تُفسّر العبارة المذكورة على النحو التالي: إن إعطاء حد شيء لشيء آخر لا يحتاج إلى علل وأسباب كثيرة؛ بل يمكن لأي شخص، بناءً على احتياجاته ومصالحه أو دوافعه، أن يطبق حد شيء على شيء آخر ويُوجد فرداً ادعائياً. وبتعبير آخر، بمجرد اعتبار شيء، يوجد ذلك الشيء في نفس الشخص المعتبر، دون الحاجة إلى أسباب وعلل حقيقية (الخوئي، ١٤١٧هـ، ج ٣، ص ٦٦). على عكس الموجودات الحقيقية التي يجب تهيئة أسباب وعلل متنوعة لوجودها، ولا يكفي مجرد تصورها أو اعتبارها لوجودها.
وقد حل الأصوليون في كثير من المواضع التي كان فيها اعتبار الشيء يواجه صعوبة، المشكلة بالاستعانة بهذه القاعدة (الخوئي، ١٤١٧هـ، ج ٤، ص ٢٨٤). بالطبع، سهولة الاعتبار لا تتنافى مع الشروط الموضوعة له؛ ولكن على أي حال، يمكن للإنسان أن يعتبر أمراً اعتبارياً (المعتَبَر) في الحالات التي يحتاج إليه فيها. وبتعبير آخر، فإن إعطاء حد شيء لشيء آخر هو أهم عمل يتم في عملية «الاعتبار» ولا يحتاج إلا إلى نوع من التصور والتصديق.
٢. وجود الفرد التكويني للأمر المعتَبَر
كما ذُكر سابقاً، «الاعتبار» هو إعطاء حد شيء واقعي لشيء آخر؛ أي أن كل «اعتبار» يعتمد على حقيقة تشكل أساس «الاعتبار». وبتعبير آخر، الفرق بين الماهية الواقعية والماهية الاعتبارية هو أن الأولى مندرجة في إحدى المقولات العشر، والثانية هي اعتبار تلك المقولة، ويمكن للفرد الاعتباري أن يكون فرداً اعتبارياً لتلك المقولة. وبناءً على هذه المسألة، لو فرضنا أن الأمر الاعتباري تجرد من كونه اعتبارياً، أي تحول من كونه فرداً ادعائياً إلى فرد حقيقي، فإنه حينئذٍ يعود إلى أصله ويصبح موجوداً من موجودات العالم الخارجي؛ أي مصداقاً لمقولة واقعية من المقولات الخارجية (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ، ج ٣، ص ٥٦). وهذه النقطة تدل على الارتباط الوجودي الوثيق بين «الاعتبار» و«الواقع».
الموجود الاعتباري ليس منفصلاً عن الواقع ولا ارتباط له به ليُعد خيالاً أو وهماً؛ بل يمكن اعتباره على الحد الفاصل بين الحقيقة والتوهم. فمن جهة، ليس وهماً ولا توهماً لأنه يرتكز على أساس حقيقي، ومن جهة أخرى، ليس حقيقة؛ لأن حد الحقيقة لا يصدق عليه. وقد التفت العلامة الطباطبائي أيضاً إلى هذه النقطة وقال: كل من هذه المعاني الوهمية يرتكز على حقيقة؛ أي أن كل حد وهمي نعطيه لمصداق ما، له مصداق واقعي آخر أُخذ منه هذا الحد؛ مثلاً، إذا جعلنا إنساناً «أسداً»، فهناك أسد أيضاً في عالم الواقع حد «الأسد» مأخوذ منه (الطباطبائي، ١٣٨٩ش، ج ٢، ص ١٦٥).
٣. لزوم وجود المصلحة في «الاعتبار»
«الاعتبار» عمل سهل و«خفيف المؤونة» كما هو مشهور. ومع ذلك، فإن صحة «الاعتبار» تحتاج إلى وجود مصلحة وغاية عقلائية، وهذه المصلحة هي التي تدفع العقلاء نحو «الاعتبار» (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ، ج ١، ص ٤٦). ولهذا، لا يقبل العقلاء اعتباراً لا مصلحة من ورائه. فوجود المصالح هو ما يدفع العقلاء إلى اعتبار بعض الأمور؛ مثلاً، وجود مصلحة في اعتبار «الملكية» هو ما دفع العقلاء إلى اعتبارها (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ، ج ١، ص ١٣٧). وعليه، يرى المحقق الأصفهاني أن «الاعتبار» لا ينبغي أن يكون مبغوضاً للمعتبر؛ لأن «الاعتبار» يجب أن يكون ذا مصلحة، وإذا كان الشيء مبغوضاً للمعتبر، فلا توجد فيه مصلحة ليتعلق به «الاعتبار» (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ، ج ١، ص ٤٠٢).
وهنا يُطرح سؤال يؤثر في مصير بعض المسائل، وهو: هل يمكن اعتبار مفهوم لفرد هو حقيقة ذلك المفهوم؟ مثلاً، هل يمكن اعتبار الخضرة للشجرة الخضراء، أو اعتبار «الملكية» لله تعالى الذي هو مالك جميع الموجودات وملكيته حقيقية؟ يعتقد البعض أن مثل هذا الاعتبار لا إشكال فيه؛ ولكن البعض الآخر، كالمحقق الأصفهاني وبعض تلامذته، يرونه غير صحيح (الخوئي، بلا تا، ج ٢، ص ٥٩؛ الميلاني، ١٣٩٥، ج ٤، ص ٢٤٦)؛ لأن اعتبار المفهوم لشيء يصح عندما لا يكون لذلك الشيء ثبوت حقيقي لذلك المفهوم. في هذه الحالة، يُجعل الفرد الذي ليس مصداقاً لذلك المفهوم فرداً له بواسطة «الاعتبار»؛ أما إذا كان الشيء متصفاً بذلك المفهوم ويُعد فرداً حقيقياً له، فإن مثل هذا الاعتبار يكون لغواً (الأصفهاني، ١٤١٨هـ، ج ١، ص ٣٩)، وكون الاعتبار لغواً يمنع من تحققه. وعليه، فإن اعتبار «الملكية» لله الذي هو المالك الحقيقي لكل شيء، سيكون بلا معنى (انظر: الآملي اللاريجاني، ١٣٩٤ش، ج ٥، ص ٤٤-٥١؛ وهو، جزوة درس خارج الأصول، الجلسة ٩٦).
٤. بساطة الاعتباريات
بناءً على ما قيل، فإن الموجود الاعتباري يختلف عن الموجود الحقيقي. فالموجود الحقيقي له ماهية واقعية تتكون من جنس وفصل؛ أما الموجود الاعتباري، فبما أنه غير مندرج في أي من المقولات الماهوية، بل هو اعتبار لمقولة أو فرد اعتباري لمقولة، فهو لم ينشأ من تركيب جنس وفصل وهو بسيط؛ بل حتى لو صدقت عليه إحدى المقولات، فإنه لن يكون مركباً؛ لأنه ثبت في الفلسفة أن المقولات العشر أجناس عالية، وأنها غير مركبة من أجزاء ماهوية وهي بسيطة.
وبغض النظر عن مسألة الماهية، وبالتأمل في وجود الموجودات الاعتبارية، يمكن إدراك بساطتها؛ لأنه بتعبير المحقق الأصفهاني، الموجودات الاعتبارية تولد في أفق الاعتبار، وهذا يعني أنها ليست حقيقية ولا تملك أجزاء واقعية، وما ليس له أجزاء واقعية فهو بسيط (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ، ج ١، ص ٣١٧). وبتعبير آخر، «الاعتباريات» موجودات من سنخ الأمور القائمة بالنفس. وهذه الأمور كسائر الموجودات النفسانية، ومن وجهة نظر المحقق الأصفهاني، هي أمور وجودية، وكـ«الوجود» تتصف بالبساطة.
٥. افتقار «الاعتبار» إلى مصحِّح
من وجهة نظر المحقق الأصفهاني، كل اعتبار يحتاج إلى مصحِّح؛ مثلاً، مصحِّح اعتبار «الأسدية» لـ«رجل شجاع» هو جرأته وشجاعته، ومصحِّح اعتبار «الملكية» للمالك والمملوك هو مصلحة قائمة على هذا الاعتبار. بالطبع، المصحِّح غير المصلحة التي اشترطوها أيضاً في «الاعتبار»؛ فمثلاً، في اعتبار «الأسدية» لزيد، مصلحة هذا الاعتبار هي تمجيده أو إلقاء الرعب في قلب الأعداء؛ أما مصحِّح هذا الاعتبار فهو الجرأة والشجاعة. هذا المصحِّح غير موجود في تشبيه زيد بـ«الفأر»، ولهذا السبب، فإن من يشبه الشجاع بـ«الفأر» أو يعتبر حد «الفأر» لشخص ما بهدف إلقاء الرعب في قلب العدو، لا يكون قد قام بعمل صحيح من وجهة نظر العقلاء، واعتباره ناقص؛ لأن مثل هذا الاعتبار يفتقر إلى مصحِّح (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ، ج ٢، ص ٤٠ و ٦٤). وبالطبع، فإن تشخيص المصحِّح يكون بالعرف، وهو أيضاً ينشأ من الأمور الواقعية لدى العرف. ولهذا، فإن «الاعتبار» الذي هو ممكن بسبب سهولته دائماً (حتى في المواضع التي لا يوجد فيها مصحِّح)، بما أن صحته تعتمد على العرف، ففي حال عدم وجود مصحِّح، يعتبره العرف غير صحيح أو لغواً.
٦. انعدام الروابط الحقيقية في الاعتباريات
يرى المحقق الأصفهاني أن أحكاماً مثل «التضاد» و«التماثل»¹ هي من حالات الموجودات العينية. فـ«التضاد» هو علاقة بين وجودين عينيين متخالفين، و«التماثل» هو علاقة بين وجودين عينيين متشابهين. هذه الروابط خاصة بالموجودات الواقعية؛ ولهذا، فإن اجتماع موجودين متضادين غير ممكن؛ ولكن مثل هذه الروابط غير موجودة بين الموجودات الاعتبارية، ولهذا السبب، فإن أحكاماً مثل «امتناع اجتماع الضدين» و«اجتماع المثلين» لا تجري في الاعتباريات؛ بل يمكن الجمع بين متضادين اعتباريين أو متماثلين اعتباريين (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ، ج ٢، ص ٣٠٨).
٧. انعدام الشدة والضعف في الاعتباريات
يؤكد المحقق الأصفهاني بشدة على عدم وجود الشدة والضعف والحركة في الاعتباريات، وقد استخدم ذلك في مواضع من الفقه. على سبيل المثال، يعتقد سماحته أنه إذا كان «الوجوب» و«الاستحباب» أمرين اعتباريين نابعين من الإنشاء بداعي جعل الداعي، فإنهما لا يندرجان في المقولات؛ لأن الاشتداد لا يجري في الاعتباريات (الأصفهاني، ١٤١٨هـ، ج ١، ص ١٣٣). ودليل المحقق الأصفهاني على هذه المسألة هو أن الحركة، وهي التغير التدريجي من حد إلى حد آخر، خاصة بالمقولات الحقيقية؛ فما ليس بمقولة، لا تجري فيه الحركة، وقد ثبت سابقاً أن الموجود الاعتباري ليس مصداقاً لمقولة؛ وبالتالي، فإن الحركة لن تجري فيه (الأصفهاني، ١٤١٨هـ، ج ١، ص ٤٤٤).
الطريق الوحيد الذي يقترحه المحقق الأصفهاني لتصور الحركة أو الاشتداد في الاعتباريات هو أن تتم اعتبارات متعددة، بمعنى أن كل مرتبة تُعتبر بشكل مستقل لشيء، وهذا أيضاً يعتمد على اعتبار المعتبر مرة أخرى. على سبيل المثال، «الطلب» من الأمور الواقعية التي تقبل الاعتبار أيضاً. الطلب الواقعي يمكن أن يشتد؛ بمعنى أن يبدأ من مرتبة دنيا ويصل إلى مراتب أعلى، وبمقتضى علو الطلب، تصبح إرادة الطالب أقوى؛ أما الطلب الاعتباري، فهو فاقد لهذه الخاصية، والاشتداد لا معنى له فيه؛ ولهذا السبب، لا يصل الطلب الاعتباري في مرتبته الدنيا إلى مرتبة أعلى؛ بل إن المعتبر، بالإضافة إلى الطلب في المرتبة الدنيا، يعتبر طلباً آخر في مرتبة أعلى يكون أقوى وأوكد من الطلب الأدنى. ففي الحقيقة، تُصنع طلبات اعتبارية جديدة بالاعتبارين الثاني والثالث (الأصفهاني، ١٤١٨هـ، ج ٤، ص ٤٥). بالطبع، قابلية الشيء الاعتباري للاشتداد مشروطة بأن تكون المقولة الحقيقية التي هي أساس ذلك الأمر الاعتباري قابلة للاشتداد؛ مثلاً، «الإضافة» من المقولات التي تقبل الشدة والضعف، و«الجِدَة» مقولة تقبل الزيادة والنقصان.
٨. وجود الملازمة بين «الاعتبار» و«المعتَبَر»
أكد المحقق الأصفهاني على الفرق بين «الاعتبار» (فعل المعتبر المباشر) و«المعتَبَر» (حاصل عملية الاعتبار). «الاعتبار» هو عمل يقوم به «المعتبر» مباشرة، وهذا العمل هو عين إيجاد «المعتَبَر». بعبارة أخرى، «الاعتباري» بمعنى ما تم اعتباره، له ماهية اعتبارية ولا يندرج في إحدى المقولات الواقعية، ولا تصدق عليه المقولة (مثل «الملكية» التي ليست مصداقاً حقيقياً لمقولة «الجِدَة» أو «الإضافة»)، أما «الاعتبار» بمعنى العمل الذي يقوم به «المعتبر»، فهو أمر واقعي، وبما أن هذا الاعتبار يحتاج دائماً إلى معتَبَر ليتعلق به، يمكن القول إن ما تم اعتباره ليس خالياً من الواقعية؛ لأن الأمر الاعتباري (بمعنى حاصل عمل المعتبر) من حيث كونه متعلقاً للاعتبار، يمكن نسبة واقعية ما إليه. بالطبع، واقعية المعتَبَر لن تكون في مرتبة واقعه الخاص؛ ولكن اعتماده على أمر واقعي يجعله بهرهمنداً من الواقعية (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ، ج ٢، ص ٤٠). بتحقق «الاعتبار»، يتحقق «المعتَبَر» أيضاً. يقول المحقق الأصفهاني: «الملكية الاعتبارية هي عين اعتبار الملكية. الملكية الاعتبارية لها نسبة من جهة إلى المعتبر وهي نسبة إيجادية، ومن جهة أخرى لها نسبة إلى طبيعة الملكية التي هي وجودها الاعتباري. ولهذا، فإن العلاقة بينهما هي نفس العلاقة بين «الإيجاد» و«الوجود» التي لا ينفك تعقلهما ووجودهما عن بعضهما البعض. لذا، لا معنى لأن يفعل «الاعتبار»، ولكن يتحقق المعتَبَر لاحقاً» (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ، ج ٢، ص ٦٤).
٩. انعدام التخطئة والتصويب في «الاعتبار»
من الواضح أن القضايا الواقعية تتصف بالصدق والكذب أو التخطئة والتصويب؛ ولكن هل يمكن وصف القضايا الاعتبارية بالصدق أو الكذب؟ هل كما أن للصدق والكذب معنى في الأخبار، والخبر المطابق للواقع يُعد صادقاً والخبر غير المطابق للواقع كاذباً، يمكن الحديث عن صدق وكذب الاعتبارات؟
من وجهة نظر المحقق الأصفهاني، التخطئة في الاعتباريات غير ممكنة؛ لأن التخطئة إنما يكون لها معنى حيث يوجد واقع وتحكي قضية ما عن ذلك الواقع، وفي هذه الحالة، يكون للمطابقة أو عدم المطابقة مع الواقع وللصدق والكذب معنى. قضية «الثلج أسود» كاذبة لأنها لا تطابق الواقع، وقضية «الثلج أبيض» صادقة لأنها مطابقة للواقع. في كلتا الحالتين، يوجد واقع وراء القضية تُقاس به القضية وتتضح مطابقتها أو عدم مطابقتها له؛ أما إذا لم يكن هناك واقع وراء القضية، فإن المطابقة مع الواقع لا معنى لها، والصدق والكذب أيضاً يصبحان بلا معنى. وبتعبير آخر، في الاعتباريات، مثل اعتبار «زيد أسد»، ما تحقق هو صورة القضية؛ وإلا فإن هذا الكلام لا يحكي عن عالم الخارج، وليس غرض المعتبر أن يخبرنا بقوله هذا عن حقيقة خارجية، أي كون زيد أسداً واقعياً؛ بل هذا الكلام لإظهار شجاعته بأسلوب أبلغ.
«الاعتبار» من هذه الجهة شبيه بـ«الكنايات» حيث لا تكون معاني الألفاظ مرادة بجد؛ أي أن الحكاية عن الواقع ليست مقصودة بها، والغرض من إلقاء الكلام هو الحكاية عن شيء آخر، وأحياناً لا تكون الحكاية عن الواقع مطروحة أصلاً بل هي للمدح فقط؛ بينما الكلام يتصف بالصدق والكذب عندما يريد المتكلم من ألفاظه معنى ويقصد من المعنى الحكاية عن العالم الخارجي، والاعتباريات التي تفتقر إلى هذه المرحلة الثالثة ولا يوجد فيها قصد الحكاية عن الواقع، لا يمكن أن تتصف بالكذب أو الصدق (الآملي اللاريجاني، ١٣٩٣ش، ج ٥، ص ١٧٠ و ١٦٦-١٧٤). بالإضافة إلى ذلك، «الاعتبار» بمعنى فعل المعتبر لا يقبل الصدق والكذب أيضاً؛ لأنه لا يوجد واقع وراءه ليُقاس به حتى يُحكم بصدقه أو كذبه بناءً على مطابقته أو عدم مطابقته له؛ مثلاً، «الملكية» أمر اعتباري اعتبره معتبر ما؛ ولكن لا يوجد واقع وراء هذا الفعل النفسي للمعتبر ليُتصف بالصدق أو الكذب على أساسه. كما أن سائر أفعال الإنسان، مثل المشي والضحك، لا تقبل الاتصاف بالصدق والكذب (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ، ج ١، ص ١٣٧).
بالطبع، قدم المحقق الأصفهاني طريقاً آخر لتخطئة أو تصويب الاعتبارات، وهو تخطئة الاعتبارات في مرتبة المصالح والمفاسد. الاعتبارات تعتمد دائماً على المصالح، وإذا لم تكن هناك مصلحة، فإن «الاعتبار» يكون لغواً. بالطبع، قد ينفي حاكم آخر تلك المصلحة العقلائية ولا يعتبرها مصلحة. هنا يمكن لشخص حكيم كالشارع أن يتدخل في هذه المرحلة ويعتبر ما يراه العرف مصلحة، مفسدة؛ لأنه على علم بالواقع وليس مصاباً بالجهل المركب أو الخطأ في التطبيق، ويشخص المصالح والمفاسد الواقعية بشكل صحيح. في هذه الحالة، يمكن تخطئة الأمر الاعتباري (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ، ج ١، ص ١٣٧).
الخاتمة
لـ«الاعتبار» أحكامٌ معرفتها ذات أهمية بالغة ومؤثرة جداً في الفهم الدقيق لماهية «الاعتبار». بناءً على هذه الأحكام، فإن تحقق «الاعتبار» ليس صعباً، وكل اعتبار لا بد أن يرتكز على حقيقة يُعد فرداً تكوينياً لها. يجب أن يكون لـ«الاعتبار» مصحِّح وغاية ليوجد على أساسهما، بالإضافة إلى حاجته إلى مصحِّح. الأمر الاعتباري بسيط وليس له أجزاء، ولا تجري فيه العلاقات الحقيقية مثل «الشدة» و«الضعف». لا خبر فيه. «التخطئة» و«التصويب» لا مجال لهما في الاعتباريات، وهناك دائماً ملازمة بين «المعتبر» و«المعتَبَر». إن تبيين هذه الأحكام المتعددة للاعتباريات التي قُدمت في المتن، يساعد على إيضاح المباحث المتعلقة بالاعتباريات بشكل أكبر.
الهوامش
١. دخل العلامة الطباطبائي (١٣٢١ – ١٤٠٢هـ) إلى النجف عام ١٣٤٤هـ، وهو العام الذي بدأت فيه آخر دورة لدرس أصول المحقق الأصفهاني. كان عمر المحقق الأصفهاني آنذاك ٤٨ عاماً. ويُقال إن العلامة حضر درس أصول المحقق الأصفهاني لمدة ست سنوات ودرس فقهه لمدة أربع سنوات. وبناءً على ذلك، فإنه لم يكمل دورة الأصول عند المحقق الأصفهاني. كتب العلامة الطباطبائي رسالته الأولى بعنوان “الأفكار التي يخلقها الإنسان” عام ١٣٤٦هـ، والرسالة أو المقالة الثانية عام ١٣٤٨هـ، ورسالة “التركيب” أيضاً في عام ١٣٤٨هـ؛ أي في نفس سنوات حضوره لدرس أصول المحقق الأصفهاني، مما يدل على أن أفكار المحقق الأصفهاني كانت منشأً لأبحاثه حول الاعتباريات.
٢. بالطبع، التماثل الاصطلاحي هو التشابه في «الكيف»؛ ولكن يُطلق التماثل على كل نوع من التشابه.
المراجع
١. الآملي اللاريجاني، صادق (١٣٩٩). تقريرات درس خارج الأصول. amolilarijani.ir.
٢. الآملي اللاريجاني، صادق (١٣٩٤ش). فلسفة علم الأصول (علم الأصول ونظرية الاعتبار). الطبعة الأولى. قم: منشورات مدرسة ولي العصر العلمية.
٣. الأصفهاني، محمد حسين (١٤١٨هـ). حاشية كتاب المكاسب. تحقيق: عباس محمد آل سباع القطيفي. الطبعة الأولى. قم: أنوار الهدى.
٤. الأصفهاني، محمد حسين (١٤٢٩هـ). نهاية الدراية في شرح الكفاية. الطبعة الثانية. قم: آل البيت.
٥. الحلي، حسين (١٤٣٢). أصول الفقه. الطبعة الأولى. قم: مكتبة الفقه والأصول المختصة.
٦. الخوئي، السيد أبو القاسم (١٣٥٢ش). أجود التقريرات (تقريرات درس ميرزا محمد حسين النائيني). الطبعة الأولى. قم: مطبعة العرفان.
٧. الخوئي، السيد أبو القاسم (بلا تا). مصباح الفقاهة. بلا مكان.
٨. الخوئي، السيد أبو القاسم (١٤١٧هـ). محاضرات في أصول الفقه. الطبعة الأولى. قم: أنصاريان.
٩. الصدر، محمد باقر. بحوث في علم الأصول (تقريرات عبد الساتر)، ١٤١٧، الدار الإسلامية، الطبعة الأولى، بيروت.
١٠. الطباطبائي، محمد حسين (بلا تا). حاشية كفاية الأصول. قم: بنياد علمي وفكري علامة طباطبائي.
١١. الطباطبائي، محمد حسين (١٣٨٩ش). أصول الفلسفة والمنهج الواقعي. مقدمة وهوامش: مرتضى مطهري. الطبعة الثانية. قم: صدرا.
١٢. مصباح اليزدي، محمد تقي (١٤٠٥هـ). تعليقات على نهاية الحكمة. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة در راه حق.
١٣. الميلاني، محمد هادي (١٣٩٥). محاضرات في فقه الإمامية. الطبعة الأولى. مشهد: مؤسسة چاپ ونشر دانشگاه فردوسي.