خلاصة البحث: تستعرض هذه المقالة حجيّة القطع واليقين (بما هما مترادفان) لدى الميرزا محمد مهدي الأصفهاني (ره) رائد المدرسة المعروفة بالمدرسة التفكيكيّة، في مقابل حجيّة القطع لدى مشهور الأصوليين. ويستند لب الفرق على أنّ القطع محكومٌ بالعلم/العقل الذي هو النور الإلهي الحاكم على سائر المدركات، ومنها اليقين والقطع.
معنى القطع واليقين
إن القطع واليقين حالتان نفسيّتان للإنسان يزول معهما أي احتمال للخطأ في متعلقهما، فيصبح الأمر المتيقنُ منه بمثابة الواقع. وبهذا الاعتبار، يُطلق على القطع واليقين اسم العلم، إلا أنّه لا يمكن للقطع أن يحل محل العلم؛ لأن العلم منزه عن الخطأ والزلل، وهما يجامعان القطع واليقين. ولمكان أنّ القطع واليقين غير مصونَين من الخطأ، فإنّ هناك حقيقةً تحكم القطع واليقين، وهي أن الإنسان يمكن أن يجزم بأن القطع واليقين ليسا بمنأى عن الخطأ، فلا يوجد إنسان – غير المعصوم – يمكنه أن يدعي بأن جميع قطعياته ويقينياته خالية عن الخطأ.
معنى الحجة
تعني الحجة الدليل والبرهان. فكل عمل يقوم به الإنسان في المجتمع الإنساني والديني يجب أن يكون مدللا عليه ومبرهنًا بشكل مقنع وواضح للآخرين، فعلى سبيل المثال: لو تقلد شخص منصبًا ما في المجتمع ورأى عقلاء المجتمع أنه ارتكب مخالفة ونبهوه على ذلك، وجب عليه أن يقدم برهانا واضحا وبينة قاطعة على سبب قيامه بالفعل، كما يجب على منتقديه أن يوضحوا وجه الخطأ ويقيموا الحجة عليه.
ويجب – بالمثل – أن يقدم دليلٌ واضح في العلاقة بين الإنسان والله سبحانه وتعالى، فلو أخطأ الإنسانُ كان الله تعالى محتجًا عليه في معاقبته وتخطئته ونافيًا لأي عذر أو مبرر لدى العبد، وكذلك لو قام العبدُ بعمل ما بدليل وحجة مقبولة عند الله سبحانه وتعالى فإنه يكون معذورًا عنده سبحانه ولن يكون عاصيًا في نظام عدله تعالى.
الحجية الذاتية والحجية العقلائية
إن واحدًا من تقسيمات الحجية تقسيمُها للحجية الذاتية والحجية العقلائية، ويقصد بالحجية الذاتية: الدليل أو البرهان الذي يكون حجة بالذات دون حاجةٍ لأي أمر آخر. وتدور الحجية الذاتيّة لأي حجة حول الكشف الذاتي لها، فتكون كاشفة عن الحقيقة بشكل مستقل، وتُظهرها بذاتها. وفي مقابل ذلك الحجة التي لا تكون كاشفة بذاتها، فتكون حجيتها عقلائية.
ويذهب الشيخ الأنصاري (ره) إلى أن القطع واليقين لهما حجية ذاتية، وليست حجيتهما عقلائية أو مجعولة، قال (ره): “لا إشكال في وجوب اتباع القطع والعمل بمقتضاه ما دام موجودًا؛ لأنه بنفسه طريق إلى الواقع، وليست طريقيته قابلة لجعل الشارع إثباتًا أو نفيًا” (فرائد الأصول، ج1، ص29).
فلا إشكال في وجوب متابعة القطع والعمل بمقتضاه ما دام موجودًا؛ لأنه بذاته طريق للواقع، وهذه الطريقية لا تقبل جعل الشارع له إثباتًا أو نفيًا. ويترتب على ذلك أن القطع حجة وواجب الاتباع أيًا كان مصدره أو موضوعه (متعلقه)، فكلما كان الشخص قاطعًا بشيء وجب عليه اتباعه، وليس للشارع أن يفرق بين قطع إنسان وآخر أو بين قطعيات إنسان واحد، فلا يمكن – مثلًا – إسقاط حجية قطع القطّاع أو القطع الناشئ من الطريق غير المعتبر.
التأمل في الحجية الذاتية للقطع
على الرغم من أن القطع في حد ذاته لا يكشف عن الواقع، لكن الشخص القاطع لا يرى أي احتمال لمخالفة الواقع، بل يعتقد اعتقادا جازما أن قطعه كاشف عن الواقع. ففي آن القطع، (يعلم كل شخص أن القطع في حد ذاته لا يكشف عن الواقع). ويمكن طرح بعض الأسئلة فيما يتعلق بالجملة المقوّسة آنفًا:
هل هي جملة صحيحة؟
ما المقصود بكلمة (يعلم) في هذه الجملة؟
إذا كانت كلمة (يعلم) تعني القطع، فما الفرق بين القطعين المذكورين في الجملة؟
لنفترض أن كلمة (يعلم) تعني القطع، فتصبح الجملة هكذا: (كل إنسان يقطع بأن القطع في حد ذاته غير كاشف عن الواقع)، أي أن كل إنسان يقطع بأن القطع لا يمكن الاعتماد عليه؛ لأنه يقطع بأن القطع في حد ذاته غير كاشف عن الواقع. وهذا تناقض واضح يترتب عليه أنه إذا كانت كلمة (يعلم) صحيحة في هذه الجملة، فلا يمكن أن تعني القطع، بل يجب أن تشير إلى حقيقةٍ يمكنها أن تحكم القطع وتهيمن عليه.
وثمة نقطة أخرى ترتبط بالحجية الذاتية للقطع، وهي: لنفرض أن شخصًا ما يقطع بشيء، ثم يكتشف بعد فترة وجيزة أنه مخالف لواقع، ثم يكتشف بعد فترة أخرى أن القطع الثاني لم يكن صحيحًا أيضًا، فهل سيسعى هذا الشخصُ – الذي يواجه هذه المشكلة المتكررة في قطعياته – إلى حل هذه المشكلة أم لا؟ لا ريب في أن كل عاقلٍ سيسعى لإيجاد الحل، وسيحكم على هذا الإنسان بوجوب أن يتأمل في نفسه ويفحص عن أسباب الوقوع في هذه المشكلة. إلا أنّ هذا الجواب يطرحُ سؤالا آخر أيضًا، وهو: أليس القولُ بوجوب أن يبحث هذا الشخصُ عن حل لهذه المشكلة قطعًا أيضًا؟ ألا ينطبق عليها نفس الإشكال؟ وعليه: فلحل مشكلة هذا الإنسان العاقل، يجب أن تُعالج المشكلة من خلال أمر آخر غير القطع.
الفرق بين العلم والقطع
أشرنا في بداية البحث إلى أن القطع واليقين حالة وجدانية للإنسان، إذ يغيب معهما أي احتمال للخطأ أو الشك في متعلقهما، مع أن هذا القطع قد يكون غير مطابق للواقع.
ويرى من يلتزم بالحجية الذاتية والعقلية للقطع أن العلم هو نفسه القطع. إلا أنّ جانبًا آخر من العلماء عرّفوا العلم بأنّه “الاعتقاد الجازم المطابق للواقع” (رياض السالكين، ج1، ص320).
وقال العلامة المجلسي (ره): “إن الله تعالى لم يبين أحكامه على ظنون الخلق، وإلا لكان العلم جهلًا؛ إذ الظن قد يكون باطلًا، فيكون جعلًا لعدم مطابقته للواقع. وأمر عباده باتباع العلم، وهو اليقين المطابق للواقع” (مرآة العقول، ج25، ص281). وقد بين (ره) اليقين بأنّه: “الاعتقاد الجازم المطابق للواقع” (مرآة العقول، ج7، ص272). وذكر في موضع آخر: “المشهور أن اليقين هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع. ويظهر من بعض الأخبار أنه العلم الذي يترتب عليه العمل” (مرآة العقول، ج5، ص293).
وقال المرحوم الملا صالح المازندراني: “إن الظن قد يكون باطلًا فيكون جهلًا لعدم مطابقته الواقع. وأمر عباده باتباع العلم، وهو اليقين المطابق للواقع” (شرح الكافي، ج12، ص60). وقال أيضًا: “اليقين […] هو الاعتقاد الجازم المطابق الثابت الذي لا يمكن زواله، وهو في الحقيقة مؤلف من علمين: العلم بشيء، والعلم بأنه لا يمكن خلاف ذلك العلم” (شرح الكافي، ج8، ص128-129).
ويتضح من هذه التعبيرات أنه ليس كل يقين أو قطع علمًا، بل إن العلم هو القطع واليقين المطابق للواقع الذي يستحيل أن يخالفه. وبهذا البيان يتضح أن هذا القطع واليقين – الذي يستحيل أن يكون مخالفا للواقع – يكون ثابتًا أبدًا، ولا يعرض عليه التغيير أو التبدّل، ويبقى مع الإنسان طالما كان الإنسان موجودًا.
والمتحصل أن القطع واليقين حالة وجدانية للإنسان لا تتضمن المطابقة أو عدم المطابقة للواقع، أي أنّها لا تُظهِرُ المطابقة للواقع من عدمها، ومن ثمّ فلا يمكن اعتبار القطع واليقين علمًا، بل العلم هو اليقين المطابق للواقع. نعم، تشير العبارات المتقدمة إلى أمر إضافي وهو أنّ العلم ليس مجرد القطع المطابق للواقع، بل هو النور الذي ينير الواقع للإنسان ويُظهر ما إذا كان القطع قد أصاب الواقع أم لا.
وتشير عبارة المرحوم الملا صالح المازندراني (ره) إلى أنّ اليقين في حقيقته مركب ومؤلف من علمين هما العلم بالشيء والعلم بأنه لا يمكن خلاف ذلك العلم، لكنّ ذلك محل تأمل: فإن العلم بالشيء إذا كان يُقصد به العلم بالواقع، فسيكون العلم الثاني – أي العلم بأنه لا يمكن خلاف ذلك العلم – غير صحيح. ولو كان العلم بالشيء بمعنى القطع بالشيء – سواء كان مطابقًا أم لا – وكان المقصود بالعلم الثاني هو القطع أيضًا، فلن يُتمكن من خلال ذلك من معرفة المطابقة أو عدم المطابقة. وهو ما يشير إلى أن هذا التعبير فيه شيء من المسامحة، نظير المسامحة في التعبير عن الجهل البسيط والجهل المركب.
علم ويقين الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)
إذا كان علم الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) هو مجرد القطع، فإنهم لن يتمكنوا بحالٍ من معرفة حقانية نبوتهم وإمامتهم، وستفقد النبوة معناها أيضًا. وقد نقلَ هذا التفسير لعلم الأنبياء والأئمة المرحوم السيد علي خان المدني، قال: “قال بعض المحققين من أصحابنا المتأخرين: اعلم أن لفظ العلم يطلق في اللغة على الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع، وهذا يسمى اليقين، وعلوم الأنبياء والأئمة عليهم السلام من هذا القبيل” (رياض السالكين، ج2، ص372).
ثم يذكر السيد علي خان نوعا آخر من العلم، وهو العلم الذي يجد فيه الإنسان طمأنينة وسكونًا وتقضي العادة بصدقه، ويبيّن أن هذا العلم هو العلم العادي الحاصل من خبر الثقة وما شابه ذلك، وأن الله سبحانه اكتفى بحصول هذا العلم في أحكامه، وأن ذلك مقتضى الشريعة السمحة، وأن أصحاب النبي والأئمة (عليهم السلام) قد عملوا بذلك، وبعد كل ذلك يقول: “ولا ينافي هذا الجزم تجويز العقل خلافه نظرا إلى إمكانه، كما لا ينافي جزمنا بحياة زيد الذي غاب عنا لحظة تجويز موته فجأة، ولو اعتبرنا في العلم عدم تجويز النقيض عقلا لم يتحقق لنا علم قط بوجود شيء مما غاب عنا أو حضر عندنا، ويلزمنا الشك فيمن رأيناه الآن: أهو الذي رأيناه قبل، أم عدم ذلك؟ وهذا غيره أوجده الله على شكله؟ بل ربما تطرق الشك إلى الضروريات كما تزعمه الأشاعرة، وهو سفسطة ظاهرة. ومن يتتبع كلام العرب ومواقع لفظ العلم في المحاورات جزم بأن إطلاق لفظ العلم على ما يحصل به الجزم عندهم حقيقة، وأنه كلي مقول على أفراده بالتشكيك، وأن تخصيصه باليقين فقط اصطلاح حادث لأهل المنطق دون أهل اللغة، لبناء اللغة على الظواهر دون هذه التدقيقات” (رياض السالكين، ج2، ص373).
وفي كلامه (رحمه الله) نكات جديرة بالتأمل، نذكر منها ما يلي:
يعتقد (ره) أنه إذا كان المقصود من كلمة (العلم) اليقين الجزمي الثابت المطابق للواقع، فلن يمكن تحصيلُه إلا للنبي والأمة (عليهم السلام)، ولن نتمكن من العلم بأي شيء في هذه الحالة.
العلم بالمعنى المذكور هو اصطلاح حديث لأهل المنطق، أما في المحاورات العرفيّة فالعلم هو ما يحصل الإنسان بواسطته على الجزم والقطع، وهو حقيقة كليّة تنطبق بصورة مشككة على أفرادها.
نسبة العلم إلى الضروريّات بالمعنى الاصطلاحي للعلم صحيحة، أي أنّ العلم بالضروريات معناه الاعتقاد الجازم المطابق الثابت، ولكنه لم يوضح المقصود بالضروريات.
ينبغي الانتباه إلى قوله: “ولا ينافي هذا الجزم تجويز العقل خلافه”، فإنّه يعني من الجزم العلمَ العادي كالناشئ من خبر الثقة وأمثاله. فهو يُطلق العلم والجزم على ما ينشأ من خبر الثقة، مع أنّ الأصوليين يذكرون أن خبر الثقة إنما ينتج الظن الخاص ذا الحجية العقلائيّة لا الحجية الذاتيّة.
ومن الملفت أنه (ره) يرى أنّ الجزم الناشئ من خبر الثقة قد يجيز العقل خلافَه. والأهمّ في كلامه: أنه يعتبر العقل البشري حقيقة تشرف على هذا الجزم والقطع، بحيث يتمكن الإنسان من خلال العقل أن يدقق في جزميّاته وقطعياته ويقيمها. ولو كان المقصود من العقل هو الجزم والقطع نفسه لما كان هناك مجالٌ لأن يجيز العقل خلافه.
وهذه الفكرة التي نستخلصها من كلام المرحوم السيد علي خان المدني نجدها واضحة في مؤلفات المرحوم الميرزا الأصفهاني.
دور العقل والعلم في معرفة الإنسان
يعتقد الميرزا الأصفهاني (ره) أنّ العقل والعلم ظاهران بذاتهما، يقول في (أبواب الهدى): “فاعلم أن العقل الذي يشار إليه بلفظه في العلوم الإلهية هو النور الخارجي، الظاهر بذاته لكل عاقل حين ظهور حسن الأفعال وقبحها له، ويعرف به الجزئيات وغيرها، والصادق على الله والكاذب، والناصح الأمين والغاش الخائن” (أبواب الهدى، ص105).
ويرى أن العقل والعلم نورٌ مجرد خلقه الله تعالى بمشيئته وإرادته في الإنسان، قال: “فمن عرفه يعرف أنه الظاهر بذاته، المظهر لكل شيء، فإنه يجد أن كل شيء مظلم ليس ذاته الظاهرية والمظهريّة والشعور والفهم، فيعرف أن المظهر لتلك الحقائق المظلمة هو هذا النور المجرد” (أبواب الهدى، ص191).
ومقصوده (ره) من النور المجرّد هو النور والحقيقية العاريَين عن الظلمة والغموض، ولذا يعبّر بأن ذاته ظاهرة.
العقل والعلم باب معرف الحقائق
يقول الميرزا الأصفهاني: “وأما طريقه تعالى في العلوم الإلهية فهو النور، وهو العقل الذي باب العلم. ولهذه الجهة يثير الأنبياء دفائن العقول ويعلمون الناس الكتاب والحكمة، ويخرجونهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد” (أبواب الهدى، ص252).
فالإنسان يصل لعالم النور بنور العقل، وأن الأنبياء يثيرون نور العقل لدى الإنسان: فالأنبياء الحجج الخارجية، والعقل البشري هو الحجة الداخلية للإنسان التي وهبها الله إياه، وهي خارجة عن حقيقة الإنسان. ومن ثم، لا يمكن للنبي أن يُرشد إلى الله والحقيقة بدون وجود العقل، ولا يمكن للعقل أن يصل لمعرفة الله والحقائق بدون النبي. فالأنبياء في الحقيقة يوجّهون الإنسان إلى عقله، ويثيرون له دفائنه، ويكشفونه له، حتى يدرك النور الذي يمتلكه، ومن ثم يدرك الإنسان حقائق الأشياء، ويعرف الخير والحق والباطل، والصدق والكذب، والدُنوّ والرفعة، وينتقل من الظلمات إلى النور.
الفرق بين العلم والقطع
يقول الميرزا الأصفهاني (ره): “إن صاحب الشرع فرّق بين العلم وبين القطع واليقين، فإن اليقين والقطع ما يتطرق إليه الخطأ بعد الإصابة ولو لم يحتمله حين قطعه ويقينه، وكثيرا ما نرى خطأهما، فيكون جهلا مركبًا ويكون معذورا، ولا يمكن ردعه؛ لأنه لا يحتمل الخلاف، إلا أن حجيتها في الأمور المعاشية والشارع رخص العمل بها في الفروع العمليّة لعدم إمكان العلم فيها […] وأما العقائد الدينية، فسلوك هذه الطريق فيها ممنوع للتحفظ عن الخطأ فيها لأهميتها” (أنوار الهداية، ص88).
للوهلة الأولى، قد يتوهم أن المرحوم الميرزا الأصفهاني ابتلي بالتهافت والتناقض في هذه العبارة، حيث قال أولًا بعدم إمكان نهي القاطع عن العمل عن قطعه لعدم احتمال الخلاف، ثم يقول بأن الشارع أجاز العمل بالقطع في الأحكام ومنعه في العقائد، فالعبارتان تبدوان متناقضتين؛ لأنه إن لم يمكن منع القاطع من العمل بقطعه، فلا معنى للإذن أو المنع في ذلك؛ لأن الإذن يكون مستساغًا إذا كان خلافُه ممكنًا.
إلا أن الميرزا (ره) يرى أن الإنسان يمتلك نور العلم، ومن خلال هذا النور يمكنُه أن يُلاحظ كل حالاته ويقرّها أو يلغيها، فعلى سبيل المثال: نهى الشارع عن نقض اليقين بالشك وأمر بنقض اليقين بنقض آخر، وهذا ما يعني أن الإنسان يجب أن يُلاحظ يقينياته (حالاته) دائمًا وأن يُراجعها، فإن وجدها مطابقةً للأصول العملية الواضحة في نظام حياته أبقاها، وإن وجدها مخالفة لتلك الأصول تركها ولم يعمل بها.
عدم تقسيم العلم إلى موضوعي وطريقي
يرى المرحوم الميرزا الأصفهاني أنّه لا يمكن أن يُقسّم العلم بمعنى النور الذي يكون ظاهرًا بذاته ومظهرًا لغيره، أي ما له كاشفية ذاتيّة ويكون هو عين الكشف عن الحقائق، فيقول: “حيث إنّه لا جامع بينه وبين سائر الطرق، فلا يتصور فيه الطريقية والموضوعية كما هو المتصور في اليقين الذي يكون الجامع بينه وبين غيره حيث الطريقية العقلائية” (مصباح الهدى، ص501).
ويستفاد من هذه العبارة نكات:
أولًا: إن حجية القطع واليقين وطريقيتهما عقلائيّة، بخلاف رأي أغلب علماء الأصول الذين يعتبرون القطع ذا حجية ذاتية. فهو يرى أن القطع – مثل خبر الثقة وظواهر الأحاديث والقرآن – طريق عقلائي إلى الواقع، ويمكن للشارع المنع منه وتحديد كاشفيته للواقع، وذلك بخلاف حجيّة وكاشفيّة العلم التي تكون بذاتها كشفا عن الواقع ولا تعتمد حجيته على اعتبار العقلاء.
ثانيًا: لا يوجد جامع مشترك بين العلم والطرق العقلائيّة؛ لأن طريقية الطرق العقلائية مترتبة على العقل، ولا يترتب العقل – في كشفه عن الواقع – على أي شيء آخر، فالعلم ليس طريقا للواقع، بل هو عين الكشف عن الواقع، بخلاف اليقين وغيره من الطرق العقلائية التي تعتمد في طريقيتها على اعتبار العقلاء.
ثالثًا: قد يطابق القطع الواقع وقد لا يطابقه، وعليه فلا يوجد – من الناحية العقلية – أية حجية أو كاشفيّة للقطع. أما العلم، فهو كما يكشف عن الواقع يكشف أيضا عن عدم كاشفية القطع واليقين عن الواقع. ويترتب عليه: إمكان أن يجعل الشارع القطع موضوعًا لحكم، فيقول مثلًا: (اجتنبوا السائل الذي قطعتم بأنه خمر)؛ لأن الشارع يعلم أن الإنسان له نورٌ علمي يمكّنه من خلاله أن يُلاحِظ قطعه بحيث يجتنبُ الشيء حينما يقطع بأنه متعلق النهي للمولى.
اليقين المطابق للواقع
يقول المرحوم الميرزا الأصفهاني: إن العلم “أساس المعارف الإلهية، وبه يظهر المباينة بينها وبين العلوم البشرية، فإن العلم عندهم هو اليقين الحاصل بالنتائج بعد إقامة القياس عليها، وعليه أساس المعارف والعلوم البشريّة. لا على [أ] العلم الإلهي، ولا على [ب] اليقين الذي أحرز إصابتُه للواقع بنور العلم والعقل؛ فإنه لا كلام فيها، وإليها يرجع الروايات الراجعة إلى قلة اليقين وأنه مما قسمه الله بين العباد، فإن هذا اليقين راجع إلى معرفة الله تعالى، ويكون له الروح، ويكون العقل والعلم حجتين على إصابته للواقع.
كما أنه ليس الكلام في [ج] اليقين الحاصل من الحواس المحرز مطابقته للواقع بنور العقل والعلم أيضا، أو اليقين الحاصل بسبب إخبار الله ورسوله وخلفائه، فإن في أمثال ذلك يكون النور العلمي ونور الله ورسوله حجة على الواقع.
بل الذي عليه أساس المعارف والعلوم البشريّة هو: مجرد اليقين والجزم بثبوت المحمول على الموضوع في القضية المعقولة […] بل هو حالة نفسانية، وهي الجزم والاطمئنان والسكون للإنسان بثبوت محمول لموضوع على وجه ينقطع عن النفس احتمال خلافه […] فهذه الحالة من حيث إبرامه وإحكامه يقال لها اليقين، ومن حيث انقطاع احتمال الخلاف عنه يقال لها القطع. وظاهرٌ أنه ليس عين كشف تحقق الشيء وثبوته كما ظهر خطاؤه كثرا بالعيان، فتوهّم أن حجيته ذاتية له لا عرضية بديهي البطلان، فإذا لم تكن ذاتية فلا بد من إثبات حجيته في الشريعة” (مصباح الهدى، ص503-504).
فيرى المرحوم الميرزا الأصفهاني أن القطع واليقين حالة وجدانية لا تكشف في حد ذاتها عن الواقع، ومن ثم فلا يمكن اعتبار حجيتهما ذاتية بل يجب أن تكون عرضيّة. وعليه: فالقطع المستند لحجة ذاتية لا يقبل النقاش في حجيته، أما القطع واليقين اللذين لا يستندان لحجية ذاتية فليسا معتبرَين بحد ذاتهما، فإن كانا من الطرق العقلائية التي أمضاها الشارع في أحكامه وأوامره فتكون لهما الحجيّة، وإلّا فليسا حجة.
ويوضّح (ره) أنّ القطع واليقين اللذين يستندان للحجة الذاتيّة هما القطع بمعرفة الله تعالى، والقطع بالحقائق العينية التي تدركها الحواس البشريّة بوضوح، والقطع الناشئ من إخبار الله ورسوله وخلفائه. (انظر: مصباح الهدى، ص507 و508).
وأما اليقين الناشئ من المفاهيم الفلسفيّة التي تتشكل في نفس الإنسان نتيجة المباحث الفلسفية وتثبت في النفس على شكل قضايا حمليّة ولا توجد طريقة للتحقق من مطابقتها للواقع، أو اليقين الناشئ نتيجة تعامل النفس مع المفاهيم الذهنية وقياس بعضها ببعض، أو من خلال الرمل والجفر والأحلام، أو من خلال القياس والاستحسان أو المصالح المرسلة في الأحكام الإلهيّة دون تحقق من مطابقة ذلك كله للواقع بنور العقل والعلم، فلا يكون كل ذلك حجةً.
فهرست المصادر:
- الأصفهاني، ميرزا مهدي، أبواب الهدى، مؤسسة معارف أهل البيت عليهم السلام قم.
- الأصفهاني، ميرزا مهدي، مصباح الهدى، مؤسسة معارف أهل البيت عليهم السلام قم.
- الأنصاري، الشيخ مرتضى، فرائد الأصول، لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم، مجمع الفكر الإسلامي قم.
- المازندراني، ملا صالح، شرح أصول الكافي، تحقيق على أكبر الغفاري، المكتبة الإسلامية، طهران.
- المجلسي، محمد باقر، مرآة العقول، تحقيق هاشم رسولي محلاتي، دار الكتب الإسلامية، طهران.
- المدني الشيرازي، السيد علي، رياض السالكين، تحقيق: السيد محسن حسيني أميني، دفتر انتشارات إسلامي، قم.