تقييم نظرية حجية غير المعين ونفي القول الثالث باعتباره أصلاً أولياً في تعارض الأدلة

الملخص

إن أحد التحديات التي يواجهها الفقيه في عملية الاجتهاد هو تحدي التعارضات القائمة بين الأدلة الظنية المعتبرة، مما يضطره إلى إيجاد مقاربة عقلانية في التعامل معها. والخطوة الأولى في هذه العملية هي تعيين الأصل الأولي ومقتضى العقل في تعارض الأدلة، ليكون مرجعاً للفقيه في الحالات التي لا يوجد فيها حل منصوص أو أصول ثانوية. توجد في هذه المسألة مقاربات ونظريات مختلفة تُبحث في محلها. يرى المحقق الخراساني من بين هذه النظريات حجية أحد الدليلين دون تعيين، ويتحدى آراء الآخرين، ويرى أن فائدة هذه النظرية هي التساقط في المدلول المطابقي ونفي القول الثالث. ولم تسلم هذه المقاربة الاجتهادية أيضاً من نقد كبار علماء الأصول، حيث خضعت للتقييم والنقد. وعلى الرغم من أننا أجبنا عن كثير من هذه الانتقادات ولم نعتبرها واردة، إلا أننا وجدنا نظرية المرحوم المحقق الخراساني قابلة للمناقشة والنقد بإشكالات أخرى. وفي النهاية، وجدنا أن مبانيه النظرية تتلاءم مع نظرية التخيير العقلي، ونتيجة لذلك، أعلنّا بطلان المقاربات المختلفة في نفي القول الثالث بمدلوله الالتزامي أو بدونه، وبدون القول باعتبار أصل الدليل ومدلوله المطابقي. كما لم نجد انسجاماً بين الاعتراف بحجية كلا الدليلين مع تعطيلهما معاً، ووجدنا أن دعوى عدم الاعتبار خالية من الوجاهة العلمية. بناءً على ذلك، فإن التخيير العقلي هو السبيل المناسب للخروج من تحدي التعارض بالنسبة للفقيه.

المقدمة

الاجتهاد في أدلة الأحكام ومنابع الفقه عملية معقدة ودقيقة للغاية، تهدي المجتهد إلى الأحكام الشرعية من خلال دراسة شاملة وجامعة لمصادر الفقه. إن العثور على حكم كل مسألة من بين المصادر التي تحتوي على أدلة صحيحة وشبه أدلة هو عمل دقيق وشاق. القرآن، وهو المصدر الأول للأحكام، لا يبيّن في الغالب تفاصيل الأحكام، وفي كثير من الحالات، يوضح أصل الحكم في إطار الإطلاقات والعمومات، وأحياناً يشير إلى بعض الشروط والقيود والتفاصيل اقتضاءً لأهميتها، وأحياناً يكون فيه إجمال يستلزم رفع ذلك الإجمال وفهم مراد الآية من الراسخين في العلم الإلهي، حضرات المعصومين. وبالطبع، هذه الحقيقة لا تعني نقصاً في الكتاب الإلهي، بل إن كل علم من العلوم البشرية، الذي هو لمحة من المواهب الإلهية، يحتاج أيضاً إلى تخصص دقيق يستلزم الرجوع إلى المتخصص. والحاجة إلى متخصص لا تعني أبداً نقصاً في العلم، بل تعكس سمو الرتبة وعمق وعلو المعاني. لذلك، فإن أصل الرجوع إلى المتخصص أمر متعارف عليه عند أصحاب العقول وأولي الألباب. بناءً على ذلك، نحن بحاجة إلى مصدر ثانٍ يكون تفصيلاً لإجمال المصدر الأول، ومبيناً لمبهماته وموارده التخصصية.

الأحاديث، التي هي المصدر الثاني وحاملة لسنة المعصومين، سواء كانت قولاً أو فعلاً أو تقريراً، تتناول التفاصيل أكثر من القرآن، وهي في الواقع تتولى الأمور التي لم يكن من المقرر ذكرها في القرآن الكريم. لكن الأحاديث على مر التاريخ تعرضت لأحداث كان القرآن في مأمن منها؛ فأحياناً ضاع جزء من الأحاديث، وأحياناً ترك فيها الجعل والتدليس أثره وأُدخلت فيها أمور ليست من الأئمة، وأحياناً طرأ عليها تغيير وتحريف، وأحياناً تسببت التقية في أن يجيب الأئمة عليهم السلام على أسئلة الناس وفقاً للمذاهب الأخرى، وسجلها الرواة والمؤلفون في المجاميع الحديثية. لذلك، فإن كلا المصدرين الرئيسيين للشريعة ليسا خاليين من المشاكل، ولتمييز الصحيح من السقيم والجيد من الرديء، نحتاج إلى ضوابط تم تناولها في عملية تدوين ضوابط الاجتهاد عبر القرون والعصور، وفي مصادر الأصول والرجال والقواعد الفقهية وآيات الأحكام، وقد تُركت إرثاً لطالبي الحقيقة. وما زال هذا العمل العلمي والبحثي مستمراً، وكل يوم تُفتح آفاق وأبعاد جديدة من هذه العملية العلمية على الباحثين والمدققين وذوي البصيرة في المعارف والشرائع الإلهية، وتُضاف إلى عمق أبحاث المتقدمين.

من المشكلات التي يواجهها المجتهد في عملية الاجتهاد وفهم الأحكام الإلهية هي تعارض الأدلة، حيث يقدم دليلان أو أكثر، تتوفر فيهما شروط الاعتبار، حكمين متنافيين أو أكثر في موضوع واحد، بحيث يحصل الاطمئنان بأن أحد الأحكام المستنبطة أو أكثر مخالف للواقع. وهذا في حالة عدم وجود مشكلة ظاهرة من حيث أصل الصدور وجهته، وتوفر الشروط التي يُطمأن بها إلى الصدور، وتنقيح جهة الصدور، وعدم وجود احتمال للتقية. ومع ذلك، يُثبت حكم وفقاً لأحد الأدلة، ويُرد حكم مخالف له أو نفي للحكم نفسه وفقاً لدليل آخر. وكما عرّف الأصوليون الإمامية التعارض أحياناً بأنه تنافي مدلولي دليلين أو أكثر (الميرزا القمي، 1430: 4)، وأحياناً بأنه تنافي دليلين أو أكثر (المحقق الخراساني، 1438: 3/ 291)، وأحياناً بأنه تنافي الأدلة بلحاظ مدلولاتها (الشيخ الأنصاري، د.ت: 2/ 750)، سواء كان هذا التنافي على نحو التناقض أو التضاد الحقيقي أو العرضي. والأصح في تعريف التعارض في نظر كاتب هذه السطور هو أن يقال: التعارض هو وجود ملازمة بين صدق وكذب دليلين أو أكثر. بعبارة أخرى، التعارض يكون حيثما وجدت ملازمة بين صدق دليل وكذب دليل آخر، سواء كانا متناقضين أو متضادين، أو لا يمكن الجمع بينهما في الصحة بسبب دليل خارجي دون تضاد أو تناقض. هنا ينشأ تعارض الأدلة، والخطوة الأولى التي يتخذها الفقيه لتسهيل أمر الاجتهاد هي تأسيس الأصل الأولي وتعيين مقتضى العقل في المسألة.

ضرورة تأسيس الأصل الأولي وفائدته

تأسيس الأصل الأولي يعني أننا في مسألة معينة، مثل التعارض أو أي مسألة أخرى نبحث عن حكمها، نحدد مقتضى العقل. فائدة هذا العمل أولاً هي أن نعلم لأجل إثبات أي حكم يجب أن نبحث عن دليل. لأن ما هو مقتضى الأصل الأولي للعقل لا يحتاج إلى دليل، ولكن خلافه يحتاج إلى دليل. مثلاً، حيث يكون مقتضى الأصل الأولي الإباحة، لا نحتاج إلى دليل لإثبات الإباحة، ولكن خلاف الإباحة يتطلب دليلاً. كما كان القدماء يعتبرون الأصل في كل عمل هو الحظر والمنع والتحريم، ولإثبات خلافه كانوا يبحثون عن دليل، بينما اعتبر المتأخرون الأصل هو الإباحة، وفي غير ذلك يبحثون عن دليل. إن تحديد الأصل الأولي في كل عملية فكرية وعلمية يحدد التوجه والبنية التحتية الفكرية والأساس لها.

الفائدة الأخرى لتأسيس الأصل الأولي هي أنه إذا كان التعارض في غير الأخبار الآحاد، فإن المستمسك الوحيد للفقيه سيكون هو الأصل الأولي نفسه؛ لأن في أخبار الآحاد يكون مرجع الفقيه هو الأصول الثانوية التي بيّنها الأئمة، وهي عبارة عن التفحص في المرجحات وتقديم الدليل الذي يحمل المرجح على الدليل الذي يفتقر إليه. وفي فرض التساوي في جميع الجهات، يكون تكليف المجتهد هو التخيير بين المتعارضين؛ لأن الإمام عليه السلام في رده على سؤال حول ما يجب فعله عند تعارض الأخبار، ذكر أولاً المرجحات، وفي النهاية وفي فرض التساوي من جميع الجهات، أرجع الأمر إلى التخيير. هذا في حالة تعارض خبرين وروايتين، أما في فرض التعارض في ظواهر القرآن، أو بين أخبار متواترة، أو مستفيضة التي حجيتها باعتبار القطع والاطمئنان الحاصل منها، وكذلك في تعارض الأدلة المتعلقة بالموضوعات الخارجية مثل البينات وقاعدة اليد وغيرها، لا يوجد مرجع سوى الأصل الأولي. لذلك، فإن تأسيس الأصل يحظى بأهمية بالغة في عملية الاجتهاد.

لقد دخل الأصوليون والمجتهدون الإمامية، كما فعل مجتهدو المذاهب الأخرى، في هذا الأمر المهم، واستدلوا لتأسيس الأصل. نظرية التساقط، نظرية التخيير، نظرية التوقف، نظرية تقديم دليل العزيمة على الرخصة، ونظرية حجية أحد الدليلين دون تعيين هي من أهم هذه النظريات في تأسيس الأصل الأولي، والالتزام بكل منها له ثمرات اجتهادية وفقهية كثيرة لا تخفى على العارفين بمجال الاجتهاد. في هذه المقالة، نعتزم نقد ودراسة نظرية حجية أحد المتعارضين دون تعيين، التي أصر عليها المرحوم المحقق الخراساني وأتباعه الأصوليون، ولكن مع تبني وجهة نظر مؤيدة لنظرية التخيير التي يتبناها كاتب هذه السطور كأصل أولي.

بيان نظرية المحقق الخراساني في تأسيس الأصل الأولي في تعارض الأدلة

أولاً، من الضروري أن نعلم أن المحقق الخراساني، مثل كثير من أصوليي الإمامية، ينظر إلى الأدلة الشرعية بنظرة الطريقية (المحقق الخراساني، 1430: 3/ 299)، ولا يقبل بالسببية بمختلف أشكالها وتوجهاتها. لذلك، فهو يُعد من المجموعة التي تعتقد أن الدليل يستمد قيمته من إيصاله المكلف إلى الحكم الإلهي، ولا يُضاف من جانب الدليل شيء بعنوان مصلحة على فعل المكلف. وفي فرض الخطأ في الدليل، يكون المكلف معذوراً في النهاية، ويُعفى من العقاب الأخروي، ويفوت مصالح الأحكام الواقعية، وأحياناً يقع في مفاسد هذا الخطأ. وخاصية الدليل هي أنه يُعتبر منجزاً للتكليف ومعذراً عنه؛ أي في فرض إصابة الواقع، يثبته ويجعله قابلاً للمؤاخذة والمتابعة من جانب المولى تجاه العبد، أي يصح أن يُطلب منه أداء التكليف، ولا يُقبل منه عذر. وفي فرض الخطأ، يكون سبباً لتعذير العبد، ويصح أن يُعتبر العبد معذوراً بسبب خطأ الدليل ولا يؤاخذ. هذا هو كل شيء، ولا يكون الدليل أبداً منشأ لمصلحة وراء ما يتضمنه العمل نفسه ليوجبه، ولا يكون سبباً لحدوث مفسدة في عمل يدل على حرمته، كما يعتقد أنصار نظرية السببية في الأدلة والتصويب في الاجتهاد. هذا هو مسلك الطريقية في الأدلة الشرعية الذي يتبناه غالبية المجتهدين وفقهاء الشيعة (المحقق الخراساني، 1439: 2/ 280).

ثانياً، يقول المحقق الخراساني: إن التعارض ليس سبباً لسقوط كلا الدليلين من الاعتبار والطريقية؛ لأنه لا يمكن الحكم بسقوط كلا الدليلين من الاعتبار إلا إذا ثبت كذبهما معاً، بينما أقصى ما يثبت بالتعارض هو كذب أحدهما. فكذب أحد الدليلين ينشأ من التعارض، بينما العلم بكذب أحدهما لا يمكن تجاهله. وهذا العلم حاصل من عدم إمكانية الجمع بين الدليلين بسبب تعارضهما وتكاذبهما المدلولي.

ثالثاً، إن المانع من الالتزام بحجية كليهما موجود، ولا يمكن اعتبار كليهما حجة، لأن التعارض يستلزم التكاذب، والتكاذب القائم بينهما هو علم بكذب أحد الدليلين، وهو علم لا يمكن تجاهله. وهذا العلم ناتج عن عدم إمكان الجمع بين الدليلين بسبب التعارض والتكاذب المدلولي.

رابعاً، يعتقد المرحوم المحقق الخراساني أن كذب أحد الدليلين دون تعيين لا ينافي صدق الآخر. بعبارة أخرى، علمنا ببطلان أحد الدليلين، لكن الآخر لا يزال لديه شروط الاعتبار واحتمال الصدق، لذا يجب أن يبقى اعتباره. ولكن بما أن الدليل الصادق غير معلوم ومعين، لا يمكن الحكم بصدق أي منهما على وجه التعيين، لأن كلا الدليلين مشتبه في كونه مصداقاً للدليل المعتبر. ولإعلان اعتبار كل منهما بالاستناد إلى دليل الاعتبار، يكون ذلك تمسكاً بالعام في الشبهة المصداقية، وبطلانه واضح. وهو بمنزلة أن يقال: «أكرم العلماء»، ونحن نريد أن نكرم شخصاً لا نعلم هل هو عالم أم لا بحكم هذا القول من المولى. في محل البحث أيضاً، يبدو أن دليل الاعتبار وحجية الخبر يعتبر الخبر المطابق للواقع، ونحن لا نعلم أيهما مطابق للواقع. ولكننا نعلم أن أحدهما كاذب غير معين، والآخر غير معلوم الكذب غير معين. من ناحية أخرى، يعتقد المرحوم المحقق الخراساني أنه لا يمكن تعيين واختيار أحدهما للحجية لأنه يستلزم الترجيح بلا مرجح. لذلك، لا مفر من الالتزام بحجية أحدهما دون تعيين، لأن احتمال الصدق في أحدهما باقٍ على قوته وتتوفر فيه شروط الحجية. والفائدة الوحيدة لذلك هي الحجية في المدلول الالتزامي، وهو عبارة عن نفي القول الثالث. وفي الواقع، إذا كان هناك قول ونظرية أخرى غير مفاد الدليلين المتعارضين، يمكن الاستناد إلى الدليلين المتعارضين لإبطال تلك النظرية. لذلك، من وجهة نظر المحقق الخراساني، فإن كلا الدليلين ساقطان من الاعتبار بالنسبة للمدلول المطابقي، ولكن المدلول الالتزامي للدليل المطابق للواقع يبقى على قوته، وقيمته هي نفي القول الثالث.

وجود المقتضي وفقدان المانع

استدلال المحقق الخراساني في تأسيس الأصل الأولي قائم على قاعدة وجود المقتضي وفقدان المانع. وهذا يعني أن مقتضي الحجية في مقام تعارض الأدلة موجود بلا شبهة، لأن مقتضي الحجية إما أن يكون قابلاً للبحث في مستوى مرحلة الثبوت، أو في مرحلة الإثبات. أما المقتضي الثبوتي فليس سوى احتمال إصابة شخص الدليل للواقع وغلبة الإصابة في نوع الدليل، وهذا المناط موجود في الدليلين المتعارضين؛ لأن كل خبر ثقة نتناوله يحمل معه احتمالاً لا يقل عن خمسين بالمئة من الإصابة بالواقع، وكلما تناولنا نوع أخبار الثقة، فإن معظم مصاديقها تكون مطابقة للواقع وصادقة، ويمكن طرح نسبة لا تقل عن ثمانين بالمئة من المطابقة للواقع، وإلا فلا يمكن إطلاق عنوان خبر الثقة عليه. لذا، كل خبر ثقة باعتباره النوعي يحمل معه احتمالاً غالباً للمطابقة مع الواقع، وشخص الخبر أيضاً يحمل أكثر من خمسين بالمئة احتمال الإصابة بالواقع، وهذا يعني أن ملاك الحجية الثبوتي موجود حتى في فرض وجود التعارض.

أما الملاك الإثباتي فليس سوى صدق عنوان الدليل المعتبر. مثلاً، إذا كان موضوع دليل اعتبار خبر الثقة هو خبر الثقة، فإن محل بحثنا هو خبر ثقة حقيقةً. وإذا كانت اليد أمارة على الملكية، فيجب أن تكون هناك سلطة بحيث يمكن اعتبار الشخص ذا اليد، وهذا أيضاً مفروض.

ومن البديهي أن كلا الملاكين أو كلا المرحلتين من الملاك موجودان في الدليلين المتعارضين؛ لأن التعارض لا يزعزع احتمال المطابقة ولا صدق عنوان خبر الثقة أو البينة أو اليد. وبالتالي، فإن مقتضي الحجية موجود في كلا الدليلين المتعارضين. أما المانع الذي نواجهه في مقام التعارض، فهو مانع من الجمع والالتزام بكليهما، ولا بد لنا من أن نتعامل مع هذا المانع وفقاً لحدوده وبناءً على مدى نفوذه وتأثيره. ومن المعلوم أن المانع الموجود هو مانع من الجمع، ولا يقتضي أبداً ترك كلا الدليلين وإبطالهما؛ لأن العلم بكذب أحدهما ليس كالعلم بكذب كليهما. والتساقط والحكم بإبطال كليهما يكون موجهاً حيثما حصل الاطمئنان بكذب كليهما، وهذا لا يوجد في التعارض. ومن جهة أخرى، بما أن الفقيه لا يعلم أيهما كاذب وأيهما صادق، فليس لديه خيار في الوضع الحالي سوى فرض صدق أحدهما وكذب الآخر. ومعنى هذا الكلام هو ترك كليهما في المدلولات المطابقية والالتزام بصدق أحدهما في الواقع، وهو ما يعني تطبيق المدلول الالتزامي لنفي القول الثالث (المحقق الخراساني، 1430: 3/ 299 – 300). وهذا هو خلاصة الاستدلال الذي أصر عليه المحقق الخراساني لحجية أحد المتعارضين بشكل غير معين.

بالطبع، كما ذُكر، بالإضافة إلى تأكيد المحقق الخراساني على وجود المقتضي ووجود مانع من الأخذ بكليهما، فإن لمباني نظريته ضلعاً ثالثاً أيضاً، وهو أن اختيار أحدهما باطل لاستلزامه الترجيح بلا مرجح، ونظرية التخيير أيضاً غير موجهة لاستلزامها التعبد بالمتناقضين. ونقد كاتب هذه السطور يتجه إلى هذا الضلع الأخير من مباني نظريته، بالقول إن الاعتراف بوجود الاعتبار في كلا الدليلين المتعارضين بسبب توفرهما على مناط الاعتبار إثباتاً وثبوتاً يضعنا في موضع التخيير العقلي، وليس التساقط في المدلولات المطابقية. وفي نظرنا، لا يمكن قبول مناط الاعتبار في كلا الدليلين المتعارضين والقول بالتساقط في المدلول المطابقي. وإذا قيل إن لدينا علماً بكذب أحد الدليلين، فكيف نعتبر كلا الدليلين معتبرين مع وجود ذلك؟ الجواب واضح، وهو أن هذا العلم ليس مانعاً من الحجية أبداً؛ لأن لدينا علماً بالكذب في كثير من المواضع ولا يُعتبر مانعاً. ويجب القبول بأن الحجية والاعتبار يدوران مدار وجود مناطهما الذي بُيّن أنه موجود. وإشكال التعبد بالمتناقضين في فرض التخيير لا يرد أيضاً؛ لأن هذا التخيير ليس شرعياً يستلزم التعبد بالمشار إليه، بل هو تخيير عقلي، وهو نوع من التدبير وليس حكماً. وتدبير العقل لا يساوي حكم الله الذي يستلزم التعبد بالمتناقضين.

نقد المحقق الأصفهاني على نظرية المحقق الخراساني

المحقق الكبير الشيخ محمد حسين الأصفهاني، وهو من خريجي المدرسة الأصولية للمحقق الخراساني، طرح إشكالات كنقد على نظرية أستاذه، نوردها أدناه باختصار:

النقد الأول: يقول المحقق الأصفهاني إن الحجية، باعتبارها صفة من الصفات، تحتاج إلى محل معين ومشخص، وتعلق الصفة بأمر مبهم ومردد غير معقول؛ لأن المردد بالحمل الشائع وباعتبار مصداق هذا المفهوم لا ثبوت له ولا وجود خارجي أساساً، وفقط مفهوم منه يثبت في الأذهان. بعبارة أخرى، حقيقة المردد مفهوماً ومصداقاً ذهنية. وهذا في حين يجب أن يكون الموصوف مقوّماً ومُشخِّصاً لصفته، والشيء الذي لا ثبوت له ولا تحقق لا يمكن أن يكون مقوّماً لصفة من الصفات. وتجدر الإشارة إلى أنه لا يمكن قياس محل البحث على تعلق المعاني الرابطة بأطراف الربط؛ لأن المعاني الرابطة، وإن كانت صفات، إلا أنها تملك محلاً، وبتبع محلها الذي هو أطراف الربط، لها تحقق وعينية. لذلك، يمكن جعل المعاني الرابطة موضوعاً لصفات مختلفة. وفي الواقع، المعاني الرابطة، على الرغم من أنها ليست مستقلة، إلا أن لها عينية وليست مبهمة ومرددة، بخلاف الأدلة المتعارضة التي بسبب العلم بكذب أحدها، لا يمكن نسبة الحجية إلى أي منهما، ولا يمكن وصف أي منهما بالحجية؛ لأن حجيتهما على وجه التعيين غير معلومة، والأمر غير المعين، كما ذُكر، لا وجود خارجي له ليتصف به. بعبارة أخرى، هذا الاتصاف يستلزم تردد المعين أو تعين المردد، مما ينتهي إلى اجتماع النقيضين.

في اعتقاد كاتب هذه السطور، هذا النقد من المحقق الأصفهاني قابل للدفع؛ لأن المحقق المحترم افترض أن الحجية خاصة بالدليل المطابق للواقع، وبما أنه ليس معلوماً على وجه التعيين أيهما مطابق للواقع، فقد اتجه إلى عنوان «أحدهما»، واعتبره أيضاً بسبب الإبهام والتردد غير قابل للاتصاف بأي صفة، ومنها صفة الحجية. هذا في حين أن المحقق الأصفهاني نفسه ذكر مراراً في تعليقته الشريفة على الكفاية أن مناط الحجية هو احتمال الإصابة في شخص الدليل وغلبة الإصابة في نوعه. وهذا المناط موجود في الأدلة المتعارضة. فلماذا لم يقتنع بأن كلا الدليلين المتعارضين يتصفان بالحجية؟ الله العالم.

النقد الثاني:

حقيقة الحجية، سواء بمعنى تنجيز الواقع في حال إصابته، أو بمعنى جعل حكم مماثل في فرض الخطأ عن الواقع وعدم الإصابة به، هي من سنخ ونوع المعنى الذي لا ينسجم مع التردد؛ لأن لدينا واقعاً معيناً نسعى للحصول عليه بالحجج، والأدلة تنجز ذلك الواقع المعين وتجعله في متناول المكلف. وفي فرض جعل المماثل، فإن ذلك الواقع نفسه بغطاء وعنوان آخر يوضع في متناول المكلف. (المحقق الأصفهاني، 1408: 3/ 124)

بناءً على ذلك، كيف يمكن تصور المنجِّز مردداً أو افتراض مماثل الواقع مردداً؟ بعبارة أخرى، هل يمكن أن نفترض في حالة الخطأ في الأدلة، التي تكون الحجية فيها بمعنى جعل حكم مماثل، أن أمراً مردداً قد جُعل كمماثل للحكم الواقعي، وأن الواقع المطلوب قد وُصل إلى المكلف في قالب أحد أمرين بشكل مردد؟ من المعلوم أن ما يحل محل الحقيقة المعينة يجب أن يكون معيناً أيضاً (المحقق الأصفهاني، 1408: 6/ 285).

في اعتقاد كاتب هذه السطور، يمكن الإجابة على هذا الإشكال والنقد أيضاً، وهو أنه على فرض تفسير الحجية بالمنجز والمعذر، لا يوجد تنافٍ مع التردد والإبهام. وهذا يعني أنه إذا كان الحكم الواقعي بين دليلين متعارضين، وتمكن المكلف بالاتفاق من العمل به عن طريق اختياره، فبها ونعمت. وإذا لم يكن بينهما، أو اختار الخاطئ، فإنه سيكون معذوراً. وهذا ليس بالأمر الغريب، وهو مثل جميع الحجج التي تحمل معها احتمال الخطأ؛ لأن كون الدليل حجة لا يعني دائماً الإصابة بالواقع.

النقد الثالث:

الأثر المتوقع من الحجية، أياً كان المعنى الذي نقبله للحجية، هو لزوم الحركة وفقاً لمفاد الدليل الذي نعتبره حجة. فهل يمكن للمكلف أن يتحرك نحو جهة مبهمة، بل متضادة أو متناقضة، ويتجه نحو المبهم وغير المعين؟ من البديهي أن البعث المطلق غير قابل للتحقق. (نفس المصدر: 286)

أجاب بعض كبار الأصوليين عن الإشكال الثالث بأنه في موارد التخيير أيضاً، يكون البعث والتحريك دائماً نحو عنوان «أحدهما» (أحد المطلوبين). وبأي طريقة نحل التردد في الواجب التخييري، بنفس الطريقة نعمل في الحجية بلا عنوان وغير معين، ونرفع المحذور.

ولكن يجب الانتباه إلى أن ماهية موارد الوجوب التخييري تختلف عن موارد تعارض الأدلة؛ ففي الواجب التخييري، يكون كلا الطرفين أو الأطراف الثلاثة للتخيير مطلوبة للمولى، والسبب الوحيد للتخيير هو تسهيل الأمر على المكلف، حيث يُسمح له بترك أحدهما والاكتفاء بالآخر. بخلاف موارد تعارض الأدلة، حيث يُفهم كذب أحدهما بسبب التعارض. وهناك فرق بين كون أمرين مطلوبين وطلب أحدهما لتسهيل الأمر على المكلف، وبين أن نكون مترددين بين المطلوب وغير المطلوب، وللخروج من الحيرة نجعل أحدهما حجة. فهل يمكن تصور التخيير بين الحق والباطل؟ أبداً. هذا في حين أن التخيير بين أمرين مطلوبين ليس فقط قابلاً للتصور، بل هو أمر معهود ومتعارف عليه بين العقلاء.

تدبير المحقق المشكيني في الدفاع عن نظرية المحقق الخراساني

المحقق المشكيني (المتوفى 1358هـ) في حاشيته القيمة يحاول تقديم جواب مناسب للإشكالات التي طرحها المحقق الأصفهاني، فيكتب:

الاعتبارات الوضعية والتعاقدية من حيث تعلقها بموضوع تنقسم إلى قسمين: بعضها لا يمكن أن يتعلق إلا بشيء معين، مثل الزوجية (بمعنى الزوج والزوجة)، لذا لا يمكن عقد إحدى المرأتين لشخص. وبعضها الآخر يمكن أن يتعلق بالمردد، مثل الملكية. فكما أن الملكية الكلية في المعين موجودة، مثلاً عندما يعطي المشتري ثمن كيلو من صبرة قمح للمالك، فإنه يملك كيلو من هذه الصبرة. وتعبير «صاعاً من صبرة» مشهور في الفقه ويشير إلى ملكية الكلي في المعين. وهذا الاتصاف لأمر غير معين بصفة من الصفات، وكما أن الملكية المرددة وغير المعينة قابلة للتصور والمعقولية، فإن الحجية غير المعينة والمرددة ستكون قابلة للتصور أيضاً؛ لأن الحجية أيضاً يمكن أن تُحسب من هذه الفئة من الأوصاف. (المشكيني، 1366: 2/ 384)

ومشابهاً لكلام المرحوم المشكيني وتأييداً له، يمكن الإشارة إلى حجية الإجماع على أساس مبنى دخول الإمام المعصوم، حيث إن الحجة الواقعية هي كلام الإمام الذي فُرض وجوده بين المجمعين. وعلى الرغم من التردد في أن أي فتوى هي قول الإمام، فإننا نقبل أصل الاعتبار. وفي محل البحث أيضاً الأمر كذلك.

ولكن قد يناقش في هذا المثال بأن المجمعين في فتوى واحدة يتفقون جميعاً على قول واحد، ودخول الإمام الافتراضي بين المجمعين في الفتوى المتفق عليها، والتي اطمأننا بأن كلام الإمام من بينها، يمنحها الاعتبار. وهذا يختلف كثيراً عن أن تكون الحجة مرددة بين أمرين متعارضين ومتناقضين.

ويُجاب عن المناقشة بأن المحقق الخراساني في الحجية غير المعينة بصدد إثبات الاعتبار في حدود نفي القول الثالث. وهذا الغرض ينسجم مع حجة كلا الدليلين المتعارضين. والمناقشة ترد عندما يريد المحقق الخراساني بمثال الإجماع الدخولي أن يثبت حجية المدلول المطابقي لأحد الدليلين. وبذكر الفرق بين بحث التعارض ومسألة الإجماع الدخولي يمكن الإجابة عنه. ولكن في الحجية في حدود المدلول الالتزامي وإرادة نفي القول الثالث، لا يلزم التوافق في المدلول المطابقي، والتوافق في حدود المدلول الالتزامي ونفي القول الثالث موجود. لذلك، المناقشة المشار إليها لا ترد.

لم يجد المحقق الأصفهاني حل المحقق المشكيني صواباً، ويعتبر أن أهم سبب لعدم التسليم بالحجية غير المعينة هو عدم إمكانية التحريك نحو غير معين؛ لأن الغرض من الحجية هو التحريك نحو عمل خاص، وجانب وحقيقة غير معينين كيف يمكن أن يكونا هدفاً لتحريك المولى؟ ومسألة ملكية الكلي في المعين وصاع من صبرة، وإمكانية الوقف على أحد مسجدين، والإجماع الدخولي، يعتبرها أجنبية عن محل البحث وغير قابلة للقياس.

هذا الإشكال من جناب المحقق الأصفهاني قابل للرفع أيضاً؛ لأن الحجية، كما قالوا، محركة. بالطبع، الحجة ليست بمعنى المحرك، بل من لوازم قيام الحجة التحريك نحو مفادها. ويكفي أن يكون لها أثر عملي حتى لا يكون جعلها واعتبارها لغواً وعبثاً. وفرض كلامنا، وفقاً لما أفاده المحقق الخراساني، يمتلك هذه الجهة، ولا يلزم أبداً من فرض الحجية غير المعينة لغوية. لأن فائدتها ستكون هي نفي القول الثالث. لذلك، فإن نظرية المحقق الخراساني قابلة للدفاع في مقابل إيرادات المحقق الأصفهاني، ولكن هناك إشكالات أخرى سنبحثها.

نقد المحقق الآقا ضياء العراقي على نظرية المحقق الخراساني

الآقا ضياء العراقي، وهو أيضاً من تلاميذ المحقق الخراساني، لم يوافق أستاذه في نظرية تأسيس الأصل، ومثل المحقق الأصفهاني، دافع عن نظرية التساقط. نقده على نظرية المحقق الخراساني هو كالتالي:

أولاً، يعلن المحقق العراقي موافقته للمحقق الخراساني في إمكانية شمول دليل الاعتبار والحجية لكلا الدليلين المتعارضين في تعارض الأدلة، ولا يرى أن العلم الإجمالي بسبب التعارض بأن أحد الدليلين باطل سبب لعدم شمول أدلة الاعتبار لكلا الدليلين المتعارضين؛ لأن مناط الحجية والاعتبار في الأدلة التعبدية هو مجرد احتمال الصدق واحتمال الإصابة بالواقع، وليس اليقين بالصدق والإصابة؛ لأن في محله ثبت أن ملاك الاعتبار التعبدي هو احتمال إصابة يكون في حد الظن، لأن الحجية التعبدية لا تُعطى لدليل قطعي، فهذا تحصيل حاصل، ولا لمعلوم الكذب، لأنه طبقاً لمبنى الطريقية، حجية معلوم الكذب لا معنى لها، ولا يمكن اعتبار الخطأ طريقاً، ولا لاحتمال مساوٍ لضده ونقيضه، الذي نعبر عنه بالشك؛ لأن الشك لا يمكن أن يكون طريقاً إلى الواقع. بل لإعطاء اعتبار تعبدي لدليل، يلزم وجود احتمال ظني، وهو ما يُعبر عنه بـ «احتمال الإصابة شخصياً وغلبة الإصابة نوعياً». لذلك، فإن شمول دليل الحجية لكلا الدليلين المتعارضين أمر مفروغ منه ومعقول. ومن هذا الشمول، لدينا نظائر كثيرة في الفقه، حيث لم يمنع اليقين بوجود خطأ من الحجية، مثل معاملة الفقهاء مع إقرارين مختلفين في مورد مال واحد، ومعاملة مع دعوى ذي اليدين في مال واحد، وتعارض بينتين في مورد ملكية مال واحد، حيث مع وجود العلم ببطلان أحدهما، لم يُحكم بعدم الاعتبار أبداً، وغالباً ما يُحكم بالمصالحة والتنصيف، وهو ما يعني اعتبار الأمارات مع وجود العلم بكذب بعض الأمارات، ومحل بحثنا من هذا القبيل.

ولكن ما هو موجود في محل البحث، ولم يكن موجوداً في تعارض بينتين وإقرارين متضادين، هو لزوم التعبد بالمتناقضين. بعبارة أخرى:

إمكان الجمع بين إقرارين على مال واحد والتنصيف في ادعاء المتخاصمين وإقامة بينة من جانب كل منهما كان ممكناً. ولكن في تعارض الأدلة الذي هو محل البحث، كيف يمكن الالتزام بشمول أدلة الاعتبار والحجية لكلا الدليلين؟ ألا يستلزم ذلك التعبد بالمتناقضين؟ هل يمكن تصور أن الله يريد منا عملاً خاصاً ولا يريده؟ وأوجبه ولم يوجبه؟ الجواب معلوم أنه سلبي قطعاً. وهذه الاستحالة موجودة حتى في التعارض بالتضاد العرضي. هذا من جهة، وهو يعتبر التخيير صحيحاً في موضع يمكن فيه تصور خلو الواقعة من أي عمل، مثل خصال كفارة الإفطار العمدي في الصوم، حيث يمكن تصور أن المكلف المفطر لا يلتزم بتحرير رقبة، ولا إطعام، ولا صيام، ومن تلك الجهة أصدر الله أمراً تخييرياً ليؤدي واحداً من هذه الثلاثة. ولكن في محل البحث، الواقعة محل التعارض لن تكون خالية من الانطباق على مقتضى أحد الدليلين (بالطبع هذا فقط في التناقض الصحيح وليس في التضاد الحقيقي ولا في التضاد العرضي). لذلك، عندما نواجه مثل هذه الظروف، لا يوجد طريق أمام الفقيه سوى التساقط، ومبنى المحقق الخراساني لا ينسجم مع المبادئ المشار إليها. (المحقق العراقي، 1422: 4/ 174 – 175)

في اعتقاد كاتب هذه السطور، نقد المحقق العراقي قابل للدفع أيضاً؛ لأنه أولاً، يلزم التعبد بالمتناقضين عندما نعتبر التخيير شرعياً وحكماً من الله، وليس في حالة اعتباره تدبيراً عقلياً للخروج من المشكلة التي نشأت في مرحلة الامتثال. ومعلوم أنه عندما تشمل أدلة الاعتبار كلا الدليلين المتعارضين، ولا يكون الجمع بينهما ممكناً بأي دليل، فإن العقل هو الذي يحكم بالتخيير، وليس الشارع المولى، حتى يقال إن التعبد بالمتناقضين لازم. كما أننا لا نقبل اختيار أحدهما بشكل تعييني الذي يستلزم الترجيح بلا مرجح؛ لأن ما هو محال هو الترجيح بلا مرجح، وليس الترجيح بلا مرجِّح. وشرط إمكان خلو مقام العمل من جميع الأطراف للواجب التخييري هو قول غريب، ومن محقق في مستوى المحقق العراقي غير مقبول. والواجب التخييري ليس مشروطاً به أبداً، بل في نوعه العقلي، عدم إمكان الجمع كافٍ للتخيير، وفي نوعه الشرعي، وجود مصلحة ملزمة في الأطراف بشرط إرادة تسهيل المولى هو مبرر لوجوب التخيير الشرعي.

حكاية نفي القول الثالث في تعارض الأدلة

على الرغم من أن في تعارض الأدلة، المسألة الأولى هي تحديد تكليف المدلولات المطابقية للدليلين المتعارضين، والمجتهد يريد تحديد تكليف موضوع التعارض، وتأسيس الأصل أيضاً قابل للتقييم في هذا الصدد، إلا أنه في تحديد الأصل الأولي، أياً كانت النظرية والمبنى الذي نؤيده، وكذلك في بيان الأصول الثانوية لتحديد تكليف الأدلة المتعارضة، وأياً كانت النظرية التي نرجحها، لا يمكننا أن نتجاهل مسألة واحدة، وهي التأثير الذي قد يكون لمواقفنا في تأسيس الأصل على القول الثالث. ولهذا السبب، فإن أنصار التساقط في المدلول المطابقي للأدلة المتعارضة يعتقدون أحياناً بالتساقط الكلي، ويعتبرون الأدلة المتعارضة كأن لم تكن، ويجعلون المكلف مخيراً في موضوع تعارض الأدلة، وكأنه لا يوجد دليل في المسألة. وأحياناً يقولون بالتساقط النسبي، ويبقون على المدلولات الالتزامية، ونتيجة لذلك ينفون القول الثالث في مقام التعارض، كما قال به المحقق الخراساني. في هذا القسم من المقال، نحن بصدد تقييم هذه المقولة؛ لأن من أهم آثار قول المحقق الخراساني هو نفي القول الثالث في مقام التعارض. على سبيل المثال، إذا دل أحد الدليلين المتعارضين على حرمة عمل والآخر على وجوبه، وهو ما نسميه تعارضاً تضادياً، فطبقاً لرأي المرحوم الآخوند وتلك المجموعة من العلماء القائلين بنفي القول الثالث، لا يمكن اعتبار العمل المشار إليه مباحاً أو مستحباً أو مكروهاً، بل مع التساقط في العمل المشار إليه، نتوقف أو نحتاط. وفي فرض أن دليلاً يدل على الوجوب والآخر على عدم الوجوب، لا يمكن القول بالحرمة، وسيكون الاحتياط هو أن نأتي بالعمل المشار إليه. وبعبارة أخرى، طبقاً لهذا المبنى، لا ينبغي تجاهل المدلول الالتزامي للدليلين الذي هو نفي القول الثالث. توجد مقاربات ومواقف مختلفة في مواجهة هذه المسألة، سنتناول نقدها ودراستها أدناه:

المقاربة الأولى لنفي القول الثالث كانت مقاربة بيّنها المحقق الخراساني، وهي أن القول الثالث يُنفى بواسطة أحد الدليلين دون تعيين، وهو نفس الدليل الذي يطابق الواقع. وذلك الدليل ليس متعيناً ولا مشخصاً، ويُشار إليه بعنوان «أحدهما».

المقاربة الثانية أيضاً من المحقق الخراساني، التي بيّنها في حاشيته على الرسائل، وهي أن نقول: نفي الثالث يقع بواسطة كلا الدليلين المتعارضين. ووجهه قد يكون أن دليل الاعتبار والحجية يشمل كلا الدليلين، وبناءً على ذلك، فإن كلا الدليلين معتبران وحجة، وعدم الالتزام بهما ليس بسبب فقدان المقتضي، بل بسبب وجود المانع. والمانع موجود فقط في المدلول المطابقي، والمدلول الالتزامي الذي هو نفي وإبطال سائر الأقوال والنظرات يبقى على قوته. لذلك، يقع نفي الثالث أيضاً من خلال المدلول الالتزامي لكلا الدليلين.

المقاربة الثالثة هي مقاربة بيّنها المحقق الكبير السيد أبو الحسن الأصفهاني، وهي أن كل واحد من الدليلين المتعارضين له مدلول مطابقي ومدلولان التزاميان. والتعارض سبب لسقوط المدلول المطابقي لكلا الدليلين وأحد المدلولين الالتزاميين لكليهما. وفي كل منهما، يبقى المدلول الالتزامي. لأن ذلك خارج عن محل التعارض، بل ينسجم مع المدلول الالتزامي للدليل الآخر أيضاً. وهذا المدلول الالتزامي هو الذي ننفي به القول الثالث. ببيان أوضح: إذا دل الدليل (أ) على وجوب عمل، ودل الدليل (ب) على استحباب نفس العمل، فإن الدليل (أ) يدل مطابقةً على الوجوب، وبدلالة التزامية أولى على نفي الاستحباب، وبدلالة التزامية ثانية على نفي الكراهة. والدليل (ب) يدل مطابقةً على استحباب نفس العمل، وبدلالة التزامية أولى على نفي الوجوب، وبدلالة التزامية ثانية على نفي الكراهة. لذلك، بواسطة تعارض المدلول المطابقي لكليهما، ومطابقة كل منهما مع الالتزامي الأول للدليل الآخر، يُبطل كل من الدليلين في مدلوله المطابقي ومدلوله الالتزامي الأول. والمدلول الالتزامي الثاني لكلا الدليلين، اللذين ليس لهما معارض، وكلاهما يدل على نفي الكراهة، يبقى. لذلك، يمكن إثبات نفي القول الثالث من الأدلة المتعارضة واعتباره معتبراً؛ لأنه لا يوجد وجه لسقوطه. (أبو الحسن الأصفهاني، منتهى الوصول إلى غوامض كفاية الأصول).

المقاربة الرابعة: مقاربة يطرحها المحقق النائيني لنفي القول الثالث، وهي أن نفي القول الثالث يقع بواسطة ومعية كلا الدليلين المتعارضين. وهذا في حالة لم يكن التعارض بين الدليلين عرضياً بل ذاتياً، مثل أن يكون مفاد الدليلين متناقضين أو متضادين. والدليل الذي تمسك به لإثبات مدعاه هو قوله: على الرغم من أن اللازم دائماً في الثبوت والإثبات تابع لملزومه ولا ينفك عنه، إلا أنه في الحجية ليس تابعاً للملزوم؛ لأن التساقط في تعارض الأدلة ليس بمعنى إنكار وجود الدليلين، بل إنكار حجيتهما. وسبب عدم الحجية في الأدلة المتعارضة هو وجود المانع، وليس فقدان المقتضي. وهذا المانع هو وقوع التعارض، الذي يوجد ويحضر فقط في المدلول المطابقي. وهذا المانع لا يوجد في المدلول الالتزامي ليواجهه أيضاً بالتساقط أو التوقف. لذلك، لا يوجد وجه لأن تكون الأدلة المتعارضة في مدلولها الالتزامي أيضاً ساقطة عن الحجية والاعتبار. وهذا يعني أن نقول: إمكان نفي الثالث في الأدلة المتعارضة باقٍ على قوته. وهذا القول في حالة كان التعارض ذاتياً. ولكن إذا كان عرضياً، أي نشأ التعارض بسبب أمر خارج عن ذات الدليلين، كما في دليلين يحدد أحدهما صلاة نهار الجمعة ظهراً والآخر جمعة، لا يوجد تضاد ذاتي بينهما؛ لأن إثبات الشيء لا ينفي شيئاً آخر. ويمكن تصور وجوب عدة صلوات في نهار الجمعة. ولكن قام دليل مستقل على عدم وجوب أكثر من صلاة واحدة عند زوال الجمعة. وهذا سبب تعارضاً عرضياً بين مثبت صلاة الظهر ومثبت صلاة الجمعة. في هذا الفرض، بما أنه لا يوجد تعارض ذاتي، فإن هذين الدليلين لا علاقة لهما بنفي القول الثالث. وفي هذا الفرض، لا يمكن بمساعدة هذين الدليلين نفي وإبطال القول الثالث. (المحقق الكاظمي، د.ت: 4/ 756 – 757).

المقاربة الخامسة: هناك طريقة أخرى طُرحت لإثبات إمكان نفي القول الثالث، وهي أنه يمكن إبطال القول الثالث واحتمال خروجه عن مقتضى الأدلة المتعارضة بالاستناد إلى ذات الدليلين المتعارضين دون الحاجة إلى حجيتهما. لذلك، على الرغم من أن وجود التعارض يسقط كلا الدليلين من الحجية في نظر هذه المجموعة، ولكن بما أننا نعلم أن الحقيقة لا تتجاوز هذين الدليلين، فإن وجود هذين الدليلين دليل على بطلان القول الثالث.

ولكن هذه النظرية أيضاً مردودة وقابلة للمناقشة بهذا البيان: إن التعارض ينفي صدق كلا الدليلين، ولكنه لم يبطل بطلان كليهما. ولم يثبت لزوماً أن أحدهما حق ومطابق للواقع. وفي مورد التعارض، ليس لدينا اطمئنان بأن أحدهما حتماً مطابق للواقع. لذلك، في الواقع، قد تكون الأدلة المتعارضة باطلة، والقول الثالث والخارج عن مفاد الأدلة المتعارضة هو الحق والصحيح. لذلك، لا يمكن إثبات بطلان القول الثالث بوجود المتعارضين.

المقاربة السادسة: هناك مقاربة أخرى طرحها المحقق الأصفهاني، وهي مبنية على عدم حجية المتعارضين، وتقوم على أن نقول: إذا لم نتمكن من اعتبار الدليلين المتعارضين حجة لأنهما ليسا قابلين للإصابة بالواقع، وأحدهما دون تعيين أيضاً مردد ومبهم، والتحريك الذي هو غرض الحجية نحو المبهم غير ممكن، ولكن ما المانع من أن تُعطى الحجية بهدف آخر يمكن تحقيقه لكلا الدليلين، وهو نفي القول الثالث؟ بعبارة أخرى، عدم إمكان الحجية في المدلول المطابقي واجه مانعاً، ولكن في نفي القول الثالث لا يوجد مانع. لذلك، تُعطى الحجية في حدود نفي القول الثالث لكلا الدليلين، وبواسطته يُنفى القول الثالث. بالطبع، هذا الحل ينظر فقط إلى إحدى المشكلات الثلاث التي طرحها المحقق الأصفهاني في نقد كلام المحقق الخراساني، وهي عدم إمكان التحريك نحو المبهم والمردد. ولكن بناءً على الإشكال الآخر، وهو عدم تعقل اتصاف المبهم بصفة من الصفات، يبقى الإشكال قائماً. ولا يمكن تصور الحجية قائمة ومستقرة بالنسبة للمدلول الالتزامي، إلا إذا قيل إننا أجبنا عن ذلك الإشكال بشكل مستقل، مثل الجواب الذي قدمه المحقق المشكيني، أو أننا شككنا في تبعية المدلولات الالتزامية في الحجية للمدلولات المطابقية وأنكرناها، كما طرح السيد الأصفهاني.

أخيراً، يقول المحقق الأصفهاني: بما أنه لا يمكن إثبات نفي القول الثالث بأحد الدليلين بشكل معين في عالم الواقع باعتبار أن الحجية الثابتة للملزوم تشمل اللازم أيضاً، لأنه ليس لدينا حجية في الملزوم لتعمم على اللازم، ولا يمكن نفي الثالث بمساعدة حجية كليهما لأن كليهما ليسا بحجة، ولكن يمكن نفي الثالث لا باعتبار الحجية بل باعتبار ذات الدليلين؛ لأن للدليلين مدلولاً مطابقياً والتزامياً، وفي المدلول المطابقي نواجه مشكلة التعارض، وهذا لا يؤدي إلى أن يكون الخبران في مدلولهما الالتزامي حجة بسبب توافق كليهما في نفي الثالث. والتوافق في الوجود لا يستلزم التوافق والتبعية في الحجية. والتأمل في بيان المحقق الأصفهاني يظهر أن هذه النظرية هي نفسها التي ذُكرت في القول السابق ونوقشت ونُقدت.

حكاية نفي القول الثالث في الأدلة المتعارضة تُنسب أحياناً إلى أحد الدليلين، كما دافع عنه المحقق الخراساني، حيث توجه إليه إشكال المحقق الأصفهاني بعدم تعقل إعطاء الحجية للمردد والمبهم، وتوجه إليه أيضاً إشكال المحقق العراقي. وأحياناً يُقال إن نفي الثالث قابل للتحقق بالتمسك بكلا الدليلين، وفي هذه الصورة أيضاً، ترد إشكالات من بعض الكبار، منهم المرحوم السيد المحقق أبو الحسن الأصفهاني، سنتناولها باختصار أدناه:

إيرادات السيد أبو الحسن الأصفهاني على نفي القول الثالث بواسطة كلا الدليلين المتعارضين

الإيراد الأول للسيد الأصفهاني: الإشكال الأول الذي يوجهه المرحوم السيد أبو الحسن الأصفهاني لنظرية نفي القول الثالث بواسطة كلا الدليلين المتعارضين هو مخالفته وإنكاره للدلالة الالتزامية التي تأسست عليها النظرية المذكورة. ببيان أنه يقال: الأدلة، سواء كانت آيات أو روايات، هي أخبار عن الأحكام، وهذه الأخبار ساكتة بالنسبة للوازم الخبر. لذلك، هذه اللوازم لا وجود لها أساساً لتكون مشمولة بأدلة الاعتبار والحجية أم لا. وشمول شيء لأدلة الاعتبار فرع وجوده. ببيان أوضح، يقول المرحوم السيد:

المدلولات الالتزامية ليست من نتائج الخبر لتكون مشمولة بأدلة الاعتبار والحجية، بل هي من نتائج المُخبَر به (بالفتح). لذلك، عندما يُقال في الخبر: فلان عمل لا ينبغي تركه، يُفهم فقط عدم جواز الترك. وإبطال الاستحباب والإباحة ليس مطروحاً. وعندما يُستفاد من هذا الخبر الوجوب، الذي نُعبر عنه بالمُخبَر به، يدخل نفي الاستحباب والإباحة في إطار البحث. وهذا يعني أن نفي القول الثالث من لوازم المُخبَر به، لا من لوازم الخبر. أو يُقال إنه من لوازم ثبوت الوجوب نفي الاستحباب ونفي الإباحة. وبما أنه كان هناك تعارض، ومانع من الوصول إلى مرحلة الوجوب، وبعبارة أخرى، في الواقع بسبب التعارض لم يتحقق وجوب، حتى يكون هناك نفي للاستحباب ونفي للإباحة. فأي مدلول التزامي يوجد حتى نتمكن بواسطته من نفي القول الثالث؟ وثانياً، الخبر أمر قصدي وتابع لإرادة المتكلم والقائل، ونحن نعلم أن صاحب الكلام في الخبر القصدي ليس له قصد سوى بيان المدلول المطابقي. ونتيجة لذلك، فإن كلامه له مدلول مطابقي فقط. وبما أن المدلول المطابقي يسقط بسبب التعارض، فلا ينبغي تصور مدلول التزامي آخر ليقع به نفي القول الثالث. والشيء الذي لا وجود له لا ينبغي البحث عن حجيته وآثاره ونتائجه. (منتهى الوصول إلى غوامض كفاية الأصول، تقريرات الشيخ محمد تقي العاملي عن دروس السيد الأصفهاني)

الإيراد الثاني للسيد الأصفهاني: الإيراد الثاني الذي طرحه السيد هو أنه على فرض قبول وجود المدلول الالتزامي في مرحلة الخبر وقبل تحقق المُخبَر به، بسبب الإصرار على وجود التفات إجمالي من القائل للوازم كلامه وكفايته في تحقق المدلول الالتزامي، فإننا لا نقبل حجية المدلول الالتزامي؛ لأن المدلول الالتزامي هو نتاج عقلي، بينما دليل الحجية ناظر إلى كلام المتكلم، مثل «صدق الثقة» أو ما يدل على اعتبار الظواهر أو اعتبار البينة واليد. حتى لو كان دليل السيرة العقلائية، فإنه ناظر تماماً إلى نفس الدليل ولا علاقة له بلوازمه العقلية.

الإيراد الثالث للسيد الأصفهاني: يقول السيد: على فرض أننا لم نقبل الإيرادين السابقين، وقلنا إن المدلول الالتزامي موجود للخبر لا للمُخبَر به، واعتبرنا دليل الاعتبار شاملاً للمطابقي والالتزامي، كما قبله كثير من العلماء، فإنه في محل بحثنا، الذي هو عن التعارض، فإن هذا الشمول والاعتبار والحجية غير ممكن. لأنه عندما يخرج المدلول المطابقي عن الاعتبار بسبب التعارض، كيف يمكن أن يبقى المدلول الالتزامي على الاعتبار ومشمولاً بدليل الحجية؟ أما أن بعض العلماء قالوا: في حال التعارض، نرفع اليد عن حجية الدلالة المطابقية، لا عن وجودها. وفي فرض بقاء وجود المدلولات المطابقية، فإن المدلولات الالتزامية ستكون موجودة أيضاً. والتبعية بين هذين المدلولين هي في الوجود فقط، لا في الحجية. لذلك، فإن عدم حجية المدلول المطابقي لا يستلزم عدم حجية المدلول الالتزامي؛ لأن المانع من الحجية موجود في المدلول المطابقي، لا في المدلول الالتزامي، حتى نرفع اليد عن حجيته أيضاً. (هذا القول) غير مقبول؛ لأنه إذا كان المدلول الالتزامي مشمولاً بأدلة الاعتبار بشكل مستقل، ولا يتبع حجية المدلول المطابقي، فلا ينبغي أن يُسمى مدلولاً التزامياً. هذا في حين أنه فُرض التزامياً، وكونه التزامياً يقوم على التبعية، وبدونها لن يكون التزامياً. أما إذا قبلنا هذه التبعية، ففي هذه الحالة، طالما لم تثبت حجية الأصل (المدلول المطابقي)، كيف تثبت حجية الفرع (المدلول الالتزامي)؟ لأن سقوط الأصل يستلزم سقوط الفرع أيضاً. (الأصفهاني، د.ت: 273 – 274).

النتيجة

التدبر في نظرية المحقق الخراساني وأدلتها ومستنداتها، والنقود التي وجهها كبار علماء الأصول وأساطين الفقه والاجتهاد لنظريته، والتي تناولنا جزءاً منها في هذا المختصر، على الرغم من أننا ناقشنا جزءاً من النقود، إلا أننا أوردنا نقوداً أخرى على مختار المرحوم المحقق الخراساني. ونتيجة البحث هي أنه في فرض الاعتراف بشمولية الأدلة المتعارضة لمقتضى أدلة الحجية والاعتبار من جهة، وإمكانية الالتزام بالتخيير العقلي من جهة أخرى، لا يوجد وجه للإصرار على سلب الاعتبار من المدلولات المطابقية للأدلة المتعارضة والإصرار على بقاء وحجية المدلولات الالتزامية. وبقولنا بالتخيير، يمكن الخروج من هذه المشكلة، ولم نعد بحاجة إلى التفريق بين المدلول المطابقي والالتزامي. والمشكلات التي طُرحت لنظرية التخيير قد أُجيب عنها. لذلك، فإن نفي القول الثالث مع فرض اعتبار المدلول المطابقي ممكن، ولا حاجة للسعي لإيجاد طريق لإثبات اعتبار المدلول الالتزامي بدون اعتبار المدلول المطابقي. والأخذ الاختياري بأحد الدليلين يخرجنا من هذه المعضلة.

المصادر

الأنصاري، مرتضى، فرائد الأصول، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، د.ت.

الخراساني، محمد كاظم، كفاية الأصول، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1438 هـ.

الأصفهاني، محمد حسين، نهاية الدراية، قم، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، 1415 هـ.

العراقي، ضياء الدين، نهاية الأفكار، تقريرات الشيخ محمد تقي البروجردي، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1422 هـ.

النائيني، محمد حسين، فوائد الأصول، تقريرات الشيخ محمد علي الكاظمي، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1404 هـ.

المروج الجزائري، سيد محمد جعفر، منتهى الدراية في توضيح الكفاية، قم، مطبعة الخيام، 1403 هـ.

القمي، ميرزا أبو القاسم، القوانين المحكمة في الأصول، قم، إحياء الكتب الإسلامية، 1430 هـ.

الأصفهاني، سيد أبو الحسن، منتهى الوصول إلى غوامض كفاية الأصول، تقريرات الشيخ محمد تقي العاملي، طهران، شركة سهامي چاپخانه فردوسي، د.ت.

المشكيني، أبو الحسن، حواشي بر كفاية الأصول، طهران، كتابفروشي إسلاميه، 1366 ش.

الهوامش

1. تاريخ الوصول: 15/05/1402؛ تاريخ القبول: 30/09/1402.

2. أستاذ مساعد وعضو الهيئة العلمية في مجمع الفقه العالي للتعليم. (Jafar_yousefi@miu.ac.ir)

Scroll to Top