الأدلة غير النقلية لفقه المقاصد عند العامة: دراسة نقدية

الملخص1

لطالما كان استنباط الأحكام الفرعية الفقهية شاغلاً لفقهاء الفريقين، إذ هو السبيل الوحيد للوصول إلى الشريعة الإسلامية. ومن طرق الاستنباط، منهج تحديد مقاصد الأحكام، الذي سلكه البعض لتخريج الفروع في دائرة تلك المقاصد الكلية. إن قبول مثل هذا المنهج الحديث نسبياً يستلزم تحقيقاً في أدلته. وبما أن منهج فقه المقاصد قد تجاوز موطنه الأصلي ودخل إلى الفقه الشيعي بدرجة أو بأخرى، فقد تضاعفت أهمية دراسته. وقد سعت هذه المقالة، بالمنهج الوصفي التحليلي، إلى بيان الأدلة غير النقلية لفقه المقاصد وتوجيه النقد إليها.

مقدمة

كما أن خلق السماوات والأرض والبر والبحر، والإنس والجن، والشجر والمدر، وجميع مخلوقات العالم لها أغراض وأهداف حكيمة، فلا شك أن الشريعة الإسلامية المقدسة تسعى أيضًا وراء أهداف رام الشارع من خلال وضع قوانينه الهادفة إلى تحقيقها، والتي تتجلى في مجموع الشريعة؛ أهداف مثل إقامة القسط والعدل (المائدة: 8)، ورفع الحرج (الحج: 78)، والراحة وعدم المشقة (البقرة: 185)، ورفع الإصر (الأعراف: 157).

يعرّف القرآن الكريم الهدف الأساسي من إرسال الرسول الخاتم صلى الله عليه وآله بقوله: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ» (الأنبياء: 107)، وهذا يعكس صدى رحمة إرسال النبي في الكون الفسيح، وهو عين نفعه لجميع البشر، وقد نُفخت هذه الروح في جسد جميع أحكام الشريعة.

من مجموع النقاط المذكورة يمكن استنتاج أن أساس الشريعة قائم على إيجاد وحفظ المصالح التي ترتقي بالبشر إلى الكمال، ودفع الأضرار والمفاسد التي تحول دون ذلك، والتي يجب أن تنبثق منها الأحكام المجعولة، بل إن خلو الشريعة من الغائية والهدفية يخالف الحكمة والعقل. وقد أجمع كثير من مفكري العامة (الغزالي، 1406: 1/ 217) على أن مقاصد الشريعة تتمثل في حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.

لكن البحث المهم هو: هل يمكن اعتبار هذه المقاصد أسنادًا عليا للأحكام الشرعية، يمكن من خلالها توجيه الأدلة الأخرى أو تفسيرها أو حتى طرحها جانبًا؟

منذ زمن الشاطبي الغرناطي (790هـ) ومع تأليف كتاب الموافقات، استمر فقه المقاصد بشكل منهجي، وبعد عدة قرون، وبفضل تأكيدات الشيخ محمد عبده (1905م)، نفخ فيه مفكرون مثل ابن عاشور (1393ق) روحًا جديدة، حتى أصبح اليوم يهيمن بشدة على الأجواء العلمية لأهل السنة، ويُتعامل معه كأنه من المسلّمات، دون تتبع كبير لأدلته. ولم تنتهِ القصة عند هذا الحد، بل أصبح هذا المنهج مقبولًا إلى حد ما في الأوساط العلمية الشيعية أيضًا. وتنقسم أدلة فقه المقاصد عند أهل السنة إلى قسمين: نقلي وغير نقلي. وفي هذه المقالة، سنكتفي ببحث الأدلة غير النقلية وما يرد عليها من نقد.

1. دراسة مفهوم الألفاظ

1-1. الأدلة غير النقلية

«أدلة» جمع «دليل»، وهو في اللغة بمعنى المرشد والهادي (إبراهيم مصطفى، 1426: 294). وفي اصطلاح الأصوليين، يُطلق الدليل على ما يمكن من خلاله استنباط حكم شرعي؛ وبتعبير آخر، هو الوسيلة التي توصل المجتهد – وجدانًا أو تعبدًا – إلى الحكم الواقعي.

للأدلة تقسيمات مختلفة، منها: الفقاهتي والاجتهادي، الأولي والثانوي، اللفظي والعقلي واللبي، الشرعي والعقلي، النقلي وغير النقلي، وغيرها… حيث ينظر كل قسم إلى الدليل من حيثية وجهة خاصة. والمراد من الأدلة غير النقلية يتضح ببيان الأدلة النقلية، فالأدلة النقلية هي تلك التي يكون لمتن السند فيها أهمية كبرى؛ مثل متن الآيات القرآنية وأحاديث المعصومين عليهم السلام. وعليه، فإن الأدلة غير النقلية هي تلك الأسناد التي قد لا يكون لمتن الدليل فيها أهمية بحد ذاته، أو لا وجود له أصلًا، بل المهم هو المستفاد من الدليل، مثل الإجماع الذي قد يُنقل بألفاظ مختلفة، لكن المهم هو المستفاد منه. لذلك، في هذه المقالة، ستبحث الأدلة غير النقلية التي تأتي من طريق غير الكتاب والسنة، وإن كانت كاشفة عنه.

1-2. المقاصد

كلمة «مقاصد» في اللغة مشتقة من جذر (قَصَدَ) بمعنى الاستقامة في الطريق (الفراهيدي، 1410: 5/ 54). وتعني الهدف، الغاية (الفيومي، بيتا: 504)، الحكم والأسرار، المطلوب ومحط النظر، العدالة والوسطية (ابن الأثير، 1367: 2: 458 وابن منظور، 1414: 11/ 18). كما تعني طلب أمر والتماسه (نفسه)، والسير على الطريق والسعي والفهم والانتباه (نفسه).

وفي الاصطلاح، يبدو أن المتقدمين اكتفوا بوضوح هذا المفهوم ولم يتطرقوا إلى تعريفه مباشرة؛ إلا أن استنباطاتهم الضمنية تشير إلى تعريفه. على سبيل المثال، يرى أبو حامد الغزالي أن المقصود بالمصلحة هو الحفاظ على مقاصد الشارع، وهي: «حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. فكل ما يعرّض هذه المصالح للخطر فهو مفسدة، ودفعه مصلحة» (الغزالي، 1406: 1/ 217).

ويشير عز الدين بن عبد السلام في بيان هدفه من تأليف كتابه إلى جزء من معنى المقاصد، حيث يذكر بيان مصالح العبادات والمعاملات وسائر الموارد التي يسعى العباد لتحقيقها، وكذلك بيان المفاسد التي يسعى العباد لدفعها، فجميع أحكام الشريعة مشتملة على المصالح، سواء بدفع المفاسد أو جلب المنافع (ابن عبد السلام، 1428: 11/1).

وهذا القول يسعى في مجمله إلى إثبات وجود المصالح والمفاسد في أوامر ونواهي الشارع المقدس، وتبيين المقاصد كهدف وغاية للشارع للوصول إليها، والمفاسد كأمور يجب الابتعاد عنها.

وهو نفسه يكتب عن فقه المقاصد: «لقد أرسل الله العظيم الأنبياء وأنزل الكتب لإقامة مصالح الدنيا والآخرة، ودفع مفاسدهما، والمصلحة هي: اللذة أو سببها، والسرور أو سببه. والمفسدة هي: الألم أو سببه، والغم أو سببه. ولم تفرق الشريعة بين الخفي والظاهر، والقليل والكثير في هذه الأمور» (ابن عبد السلام، 1416: 11).

ولعل أول من عرّف فقه المقاصد بشكل مباشر هو الشاطبي. فبحسب الشاطبي، المراد بمقاصد الشريعة في الاصطلاح هي الأمور التي هدف إليها الشارع من مجموع تشريع الأحكام، سواء كلها أو أكثرها؛ سواء عادت تلك الأمور إلى المجتمع الإنساني، أو المجتمع الإسلامي، أو حتى أفراد المجتمع، سواء في أمور الدنيا أو الآخرة أو حتى الأخلاق (الشاطبي، 1417: 3/ 120-123).

1-3. المصلحة

بناءً على ذلك، فإن فقه المقاصد هو منهج فقهي يولي فيه الفقيه في مقام الاستنباط اهتمامًا للمقاصد الكلية، فيفسر النصوص الشرعية ويخصصها بناءً عليها، أو حتى يطرحها جانبًا لتعارضها مع الأهداف الكلية للشارع، أو يُدخل تلك الأهداف الكلية في اجتهاداته ويزيل بها التعارض بين النصوص الشرعية، أو يتعرف على حكم الأمور التي ليس فيها نص خاص (ابن عاشور، 1425: 15-18)، ويوجد حكمًا غير منصوص، ويقلل من الأحكام التعبدية (ابن عاشور، 1977: 31-41)، ويحقق التوازن والاعتدال في الأحكام ويتجنب الاضطراب (الزحيلي، 1416: 311).

يقول صاحب أقرب الموارد: المصلحة هي ما يترتب على الفعل ويوجب الصلاح. وهذا القول الذي يرى الإمام المصلحة من هذا الباب، يعني أنها الشيء الذي يوجب الصلاح؛ ومن هنا فإن الأعمال التي يقوم بها الإنسان وتؤدي إلى نفعه تسمى «مصلحة» (الشرتوني، 1416: 3/ 222).

خلاصة قوله أن المصلحة هي فائدة تعود على الإنسان نتيجة قيامه بعمل ما، ويمكن القول: إن المصلحة في كلمات الفقهاء تُستخدم أيضًا بمعنى المنفعة – سواء كانت دنيوية أو أخروية. (راجع: النجفي، 1404: 22/ 344).

بناءً على ذلك، من وجهة نظر العرف، يسمى العمل الذي يتضمن منافع مادية دنيوية أو أخروية أو كليهما عملًا ذا مصلحة. والعمل الذي يلحق ضررًا بالدنيا أو الآخرة يسمى عملًا ذا مفسدة.

مكانة المصلحة في النظام الاستنباطي لأهل السنة

من وجهة نظر بعض مذاهب أهل السنة، وعلى رأسها المذهب المالكي، تُعتبر «المصلحة» أحد مصادر الاستنباط والاجتهاد. وقد اعتبروها مصدرًا من مصادر التشريع في حالة غياب النص المعين. وبناءً على ذلك، يحق للفقيه في حالة غياب النص في أمر ما، أن يبحث عن المصلحة ويشرّع الحكم وفقًا لرأيه. وبالنظر إلى نظرية علماء أهل السنة، تُقسم «المصلحة» إلى ثلاثة أنواع:

أ) المصالح المعتبرة: وهي المصالح التي صرح الشارع باعتبارها؛ مثل تصريح الشارع بحد شرب الخمر لحفظ العقل.

ب) المصالح غير المعتبرة: وهي المصالح التي صرح الشارع بإلغائها؛ مثل المصلحة المتصورة في الربا التي صرح الشارع بإلغائها.

ج) المصالح المرسلة: في الاصطلاح، هي المصالح التي لم يصرح الشارع المقدس بإلغائها أو اعتبارها. المصلحة المرسلة هي مصلحة لم يرد دليل خاص على وجوب رعايتها أو حرمتها من قبل الشارع. (المرعشي، 1371: 27).

وقد قسم العامة الأحكام المترتبة على المصالح بحسب الأهمية إلى ثلاثة أقسام:

1. الضرورية: الأحكام أو المصالح الضرورية هي التي تتضمن حفظ مقصد من المقاصد الخمسة التي اتفقت جميع الشرائع على حفظها. (الشوكاني، 1419: 2/ 129).

2. الحاجية: وهي المصالح التي وإن لم يؤدِ عدم مراعاتها إلى اختلال النظام، إلا أن إغفالها يؤدي إلى تحمل نوع من المشقة، ووجودها لازم. (راجع عمر بن صالح، 1423ق، 147).

3. التحسينية: يعرّفها الغزالي بأنها ما لا يعود إلى ضرورة ولا حاجة، ولكنه يقع في موقع التحسين والتيسير، ورعاية أفضل الطرق في العادات والمعاملات. (الغزالي، 1406: 175).

بتعبير آخر؛ هي المصالح التي لا يؤدي عدم مراعاتها إلى اختلال النظام الإسلامي ولا إلى المشقة والحرج؛ بل شُرعت فقط لحفظ مكارم الأخلاق والآداب الحسنة، مثل القناعة في أمور الحياة. (عميد زنجاني، 1384: 96).

ويرى بعض فقهاء أهل السنة أن المصالح، خاصة في باب المعاملات، توجب تخصيص نصوص القرآن والسنة النبوية. (علم الهدى، 1373: 17). وذهب بعض فقهاء أهل السنة الآخرين في خصوص نطاق المصلحة المرسلة إلى حد القول بأن الحاكم الإسلامي يمكنه، بناءً على العمل بالمصلحة المرسلة، أن يقتل ثلث الأمة لإصلاح الثلثين الآخرين. (ابن أبي الحديد، 1404: 13/10). وبناءً على ذلك، من وجهة نظر أهل السنة، تُعتبر المصالح المرسلة من مصادر استنباط أحكام الشريعة؛ وإن كان لها تطبيقات في الأحكام الحكومية أيضًا. ونتيجة لذلك، في هذه النظرة، يُعد الحكم المبني على المصلحة المرسلة نوعًا من التشريع وسن القوانين الذي يُعمل به من قبل جميع الفقهاء وفي جميع الأحكام (الأولية والثانوية)، ويُعتبر جزءًا من الأحكام الثابتة.

ارتباط المصالح بالمقاصد

كما ورد في كلام السابقين في دراسة مفهوم المقاصد، فإن المنفعة والمصلحة في الأعمال هي الغاية النظرية لحياة الإنسان وتشمل المنافع والمصالح الدنيوية والأخروية، ولا تقتصر على المنافع الدنيوية. وبما أن أحد مقاصد الشريعة هو رعاية مصالح الإنسان، فإن بحث المصالح يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالمقاصد، ومن هنا يرى البعض مثل محمد سعيد رمضان البوطي أن المصلحة الشرعية مطابقة للمقاصد الشرعية، وبذكر المقاصد الخمسة، يعرّف الضابط الأول للمصلحة في نطاق المقاصد الشرعية. (البوطي، 1422ق، 107-113).

2. الأدلة غير النقلية لفقه المقاصد ونقدها

بالطبع، قلما تطرق علماء الأصول من أهل السنة إلى بيان دليل مستقل لإثبات هذه النظرية، واعتبروا حجيتها قطعية ومسلمًا بها، ولكن يمكن استخلاص بعض الأدلة من بين طيات كلماتهم. تتناول هذه المقالة دراسة ثلاثة أدلة غير نقلية لفقه المقاصد (الإجماع، الاستقراء، العقل).

2-1. الإجماع

2-1-1. الإجماع في اللغة والاصطلاح

الإجماع في اللغة يعني العزم والتصميم وجمع الأمور المتفرقة في مكان واحد (ابن منظور، 1414: 8/ 57 / 58). وفي اصطلاح الأصوليين أيضًا يعني اتفاق النظر. (الحكيم، 1418: 243). ولكن ما هو نوع «الاتفاق» الذي يُسمى إجماعًا، توجد وجهات نظر مختلفة بين أهل السنة، فالبعض يرى الإجماع اتفاق جميع الأمة الإسلامية، والبعض الآخر يرى أنه اتفاق المجتهدين في عصر وزمان معين، ومالك يعتبر اتفاق أهل المدينة إجماعًا، أو اتفاق أهل الحرمين مكة والمدينة، أو اتفاق نظر أهل الكوفة والبصرة، وقد ضيّق بعض العامة الدائرة أكثر واعتبروا اتفاق الشيخين أو الخلفاء الأربعة إجماعًا. وفي بعض المذاهب، يعتبر اتفاق مجتهدي المذهب أنفسهم إجماعًا. (الخضري، بيتا: 270).

2-1-2. بيان الدليل

فيما يتعلق بدليلية الإجماع لإثبات مقاصد الشريعة، يقول الغزالي: «مقاصد الشرع تُعرف بالكتاب والسنة والإجماع». (الغزالي، 1406: 1/ 210). ثم يقول: «كل مصلحة تؤدي إلى حفظ أحد مقاصد الشرع فهي بلا شك مقصود الكتاب والسنة والإجماع، ولا تخرج عن هذه الأصول». (نفسه: 311/1).

ويرى بعض معاصري العامة أيضًا أن الإجماع الشرعي الصحيح يُعد من مصادر التشريع بعد القرآن والسنة، ويمكن من خلاله التعرف على مقاصد الشريعة وفوائدها، مثل إجماع العلماء على أن القرآن الكريم كتاب هداية وصلاح وخير، وكذلك أجمع الفقهاء على أن الأحكام شُرعت لمصالح الناس في الدارين، وأن الأمر بالعبادات جاء لتحقيق عبادة الخالق ونيل رضاه. (الخادمي، 1423: 37).

2-1-3. نقد الإجماع

يبدو أن إثبات مثل هذا الإجماع حتى عند كبار أهل السنة صعب جدًا، وتتوجه إليه عدة انتقادات تُذكر فيما يلي.

النقد الأول

في حجية الإجماع وكيفية تحققه عند فقهاء المذاهب السنية، توجد مبانٍ مختلفة لا يمكن بموجبها جميعًا إثبات مثل هذا الإجماع، والشاهد على ذلك أن الفقهاء المقاصديين قلما أشاروا إلى هذا الدليل، بل إن الشاطبي أنكر صراحة وجود مثل هذا الإجماع. (الشاطبي، 1395ق، 2: 51). فبحسب الشاطبي، يتطلب قبول مثل هذا الإجماع نقله عن جميع أهل الإجماع، وهو أمر يصعب إثباته، بل قد لا يمكن إثباته.

من ناحية أخرى، في حال ثبوت نقل مثل هذا الإجماع، فإن ذلك لا يكفي، بل يجب أن يتضح مستند المجمعين، فربما أجمعوا بناءً على دليل ظني. وبذلك، تصبح المسألة ظنية لا قطعية ويقينية، لأن الإجماع يكون يقينيًا إذا كان على مسألة يقينية لها مستند يقيني. ومن هنا، إذا كان الإجماع مبنيًا على دليل ظني، فإن الكثيرين ممن يقولون بحجيته لا يعتبرونه حجة.

بناءً على ذلك، لا يقبل الشاطبي إثبات مثل هذا الإجماع ويعتقد أن إثبات هذه القواعد الشرعية المعتبرة (المقاصد) بدليل شرعي قطعي أمر صعب جدًا. (نفسه).

من ناحية أخرى؛ على الأقل، فإن الظاهرية من أهل السنة، بالاعتماد فقط على ظواهر الروايات، عارضوا بشدة بحث التعليل والمقاصد، ولا شك أن الظاهرية من كبار علماء الفقه والحديث عند أهل السنة، ومعارضتهم تمنع تحقق مثل هذا الإجماع.

النقد الثاني

بفرض قبول وجود مثل هذا الإجماع، يجب القول: إن مورد الإجماع الذي يقصده الغزالي وأمثاله هو أصل وجود مثل هذه المقاصد في الشريعة، ولكن إثبات أن الشريعة كلها يجب أن تدور حول منظومة هذه المقاصد الخمسة وأمثالها لم يثبت.

النقد الثالث

القرآن الكريم بلا شك كتاب صلاح وخير، وهذه مسألة مسلم بها وضرورية لا تحتاج إلى إجماع لإثباتها، وكذلك تشريع الأحكام لمصالح الناس في الدارين، والأمر بالعبادات لتحقيق عبادة الخالق ونيل رضاه لا يحتاج إلى إجماع لإثباته. ولكن أين هذا، وأين إثبات فقه المقاصد ورفع اليد عن ظواهر الروايات لمخالفتها المقاصد الكلية؟ كما أن تشريع الأحكام لمصالح الناس في الدارين والأمر بالعبادات لتحقيق عبادة الخالق وتحصيل رضاه لا علاقة له بإثبات فقه المقاصد بأي شكل من الأشكال.

لا شك أنه وفقًا لنظرية الشيعة وبعض أهل السنة، تدور الأحكام حول المصالح والمفاسد النفس الأمرية، ولكن القول بأن فرعًا فقهيًا معينًا يجب طرحه جانبًا بالنظر إلى بعض المصالح الكلية يتطلب دليلًا قطعيًا ويقينيًا، ويجب إقامة مثل هذا الدليل.

2-2. الاستقراء

2-2-1. بيان الدليل

يرى أحمد الريسوني، أحد علماء المقاصد، أن (الريسوني، 1430: 158) أهم دليل على الضروريات الخمس هو الاستقراء في الشريعة، لأن جميع الأدلة تُجمع فيه مرة واحدة، وهو تركيب إجمالي من جميع الأدلة، وبرأيه، كلما كان الاستدلال بآية أو حديث كافيًا وقويًا، فإن الدليل المركب من عشرات الآيات ومئات الأحاديث في الأحكام الفرعية الجزئية يكون أقوى.

بالاستقراء يثبت أن مدار كل الشريعة أو معظم أحكامها يقوم على أمور خمسة، ولا تخرج أي مصلحة أو حكم شرعي عن هذه الضرورات الخمس، وكل حكم يُدرس بدقة يكون لحفظ أحد الأمور الخمسة: الدين، النسل، المال، العقل، أو النفس، وسائر المصالح تعود إلى الضروريات الخمس المذكورة، أو على الأقل تكون أقل أهمية.

وإذا أُشكل بأن مثل هذا الاستقراء يحتاج إلى إحاطة بجميع السنة والنصوص، بينما يقول الشافعي: لا يحيط بلغة العرب إلا نبي، فكيف يمكن لشخص أن يحيط بجميع السنة؟ الجواب هو أن الحديث ليس عن استقراء شخص أو بضعة أشخاص، بل استقراء مجموع العلماء أو معظمهم، وإن كان قد طُرح في القرن الرابع، إلا أنه ثمرة جهود العلماء السابقين التي أثمرت في القرنين الرابع والخامس.

من هنا، يرى الشاطبي أنه باستقراء الأحكام الإلهية وتفاصيلها نصل إلى نتيجة أن الله قد راعى مصالح العباد في كثير من الأحكام، لأن وجود مثل هذه المصالح يتجلى بوضوح في كثير من الأحكام الفقهية. حتى في بعض الآيات مثل 165 من سورة النساء و 107 من سورة الأنبياء، صُرح بأن غاية بعثة الأنبياء هي التبشير والإنذار وإقامة الحجة على الناس حتى لا يكون لهم عذر بعد ذلك في عدم معرفة الحق، وجُعلت علة رسالة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وجهة رحمته للعالمين، وهي هداية الناس وإرشادهم نحو الفطرة.

وبرأي الشاطبي، فإن آيات كثيرة في الأحكام الفقهية تتناول بيان العلة والغايات، ونتيجة لهذا الاستقراء، نصل إلى علم بأن الشارع قد اتبع أهدافًا وغايات في شريعته. (الشاطبي، 1395: 47/2).

وهو يعتقد أن من لديهم قدرة الاجتهاد لا يشكون في القواعد الثلاث (حفظ الضروريات، الحاجيات، والتحسينيات)، لأن الاستقراء في الشريعة والدقة في الأدلة الكلية والجزئية كافية لإثباتها. بالإضافة إلى ذلك، بالنظر إلى مجموع أدلة الشريعة وملاحظة أغراضها، يثبت الاستقراء المعنوي لأهداف مختلف الأحكام، مثل إثبات كرم حاتم الطائي وشجاعة علي عليه السلام وأشياء من هذا القبيل.

بناءً على ذلك، لا يطلب الناس لإثبات قصد الشارع في هذه القواعد الثلاث دليلًا خاصًا بوجه خاص، بل تُثبت هذه المقاصد من مجموع ظواهر الأدلة والعمومات والمطلقات والمقيدات والأحكام الجزئية والوقائع المختلفة في جميع أبواب الفقه، إلى درجة أنهم يعتبرون جميع الأدلة الشرعية لحفظ هذه المقاصد، بالإضافة إلى القرائن المنقولة وغير المنقولة.

ويرى الشاطبي أن علمية الخبر المتواتر تكون بنفس الطريقة، لأن كل خبر من الأخبار الآحاد التي تشكل الخبر المتواتر يكون ظنيًا بمفرده، ولكن اجتماع هذه الأخبار الآحاد له خاصية لا يمتلكها كل واحد منها بمفرده. (الشاطبي، 1395: 51/2). ولابن عاشور أيضًا رأي مشابه بخصوص الاستقراء. (ابن عاشور، 1425: 3: 37).

2-2-2. نقد الاستقراء

الدليل المقدم له ثلاث مراحل طولية:

1. هدفية الشريعة الإلهية؛

2. إثبات مقاصد خاصة وضروريات خمس (حفظ الدين، النسل، المال، العقل، والنفس)؛

3. طريقة التحصيل: الاستقراء من مجموع الأدلة بواسطة عدد كبير من العلماء على مدى عدة قرون.

مع مراعاة المراحل المذكورة، ترد عدة انتقادات:

النقد الأول

لا شك في هدفية الشريعة الإلهية وبناء الأحكام على المصالح والمفاسد النفس الأمرية، وهو ما يقبله الشيعة الإمامية خلافًا للسنة الأشعرية، ولكن إثبات هدفية الشريعة لا علاقة له كثيرًا بإثبات المنهج المقاصدي إلا إذا قيل إن المرحلتين التاليتين من الاستدلال تعتمدان على إثبات هدفية الشريعة، وبالتالي فإن الهدفية هي من مباني المسألة لا من أدلتها؛ بينما ربما أغفل جميع العلماء المقاصديين هذا المطلب واعتبروه من الأدلة المهمة.

النقد الثاني

إثبات المقاصد الخاصة وأن الشريعة تدور حول محور الضروريات الخمس يثبت أيضًا بنفس الاستقراء المزعوم، لذا يجب توضيح المكانة العلمية والعملية لمثل هذا الاستقراء قبل ذلك، ومن ناحية أخرى، فإن إثبات أن الشريعة جُعلت لحفظ هذه الضروريات قد يكون إرشادًا إلى أن الشريعة هي الضامن لحفظ هذه المقاصد الخمسة الأساسية، وأن سبيل نيلها هو هذه الخطابات الشرعية نفسها التي أُخذت منها الأمثلة المذكورة.

النقد الثالث

إثبات وجود مثل هذه المقاصد لا فائدة كبيرة له في المنهج المقاصدي، حتى أن بعض فقهاء الشيعة مثل فخر المحققين (الحلي، 1387: 469/4)، والفاضل المقداد (السيوري الحلي، 1404: 1/ 15)، والشهيد الأول (المكي العاملي، بيتا: 1/ 15)، وابن أبي جمهور الأحسائي (الأحسائي، 1410: 44)، وصاحب الرياض (الطباطبائي، 1418: 459/2)، وصاحب الجواهر (النجفي، 1404: 41/ 285)، الذين لا يتبنون وجهة النظر المقاصدية بأي حال، أشاروا إلى الضروريات الخمس. بالإضافة إلى النقد الثاني، فإن أحد أهم إنجازات المنهج المقاصدي هو الترتيب الطولي للضروريات الخمس، بمعنى أن حفظ الدين مقدم على جميع المقاصد، وفي حالة التزاحم بين حفظ الدين وحفظ النسل أو العقل والنفس، يُقدّم حفظ الدين، بينما توجد حالات في الشريعة يُقدّم فيها حفظ النفس بلا شك، مثل مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو قول كلام يخالف العقائد الإسلامية للأمان من كيد الأعداء؛ مثل قضية عمار بن ياسر وحالات مشابهة.

النقد الرابع

من ناحية أخرى، لا يمكن للاستقراء أن يثبت حكمًا شرعيًا إلا إذا كان استقراءً تامًا وعلميًا، لا ناقصًا وظنيًا. وكما مر في نقد المباني، فإن أهم إشكال في الاستقراء هو أن نتائجه غير يقينية، لأنه لا يمكن بالاستقراء أخذ جميع التفاصيل في الاعتبار، وما لم يحصل اليقين، لا يمكن الكشف عن مقصد وجعل الحكم دائرًا مداره. ومن ناحية أخرى، في معظم الحالات، يكون الاستقراء التام مستحيلًا أو غير معتاد، وبمجرد مشاهدة المقارنة بين شيئين في بضعة حالات محدودة، لا يمكن اعتبار مقارنتهما جارية وسارية في جميع الحالات، ولا يمكن استنتاج حكم كلي من البحث في هذا القدر من التفاصيل.

في النهاية، إذا تم فحص الاستقراء بمعزل عن سائر الأدلة، فلن يكون سوى تطبيقًا لنظرية الاحتمالات التي تنتقل من الجزئي إلى الكلي، وعندما ترتفع قيمة الاحتمال مع تعميم الاستقراء إلى درجة الوصول إلى مرحلة الاطمئنان، فإن الاطمئنان بالحكم الشرعي في هذه الحالة يكون حجة، لأن هذه القيمة الاحتمالية العالية تتحول إلى يقين في ظل ظروف خاصة. (راجع: الصدر، 1420: 368). وبالتالي، فإن الاستقراء بحد ذاته ليس له خصوصية.

2-3. العقل

ذكر بعض الأصوليين السنة بيانات كدليل عقلي، وهي كالتالي.

2-3-1. بيانات الدليل العقلي

البيان الأول

بما أن النصوص الشرعية محدودة ومتناهية، بينما الحوادث والمسائل غير محدودة وغير متناهية، ولا يمكن للمتناهي أن يكون جوابًا لغير المتناهي، فلا بد من الكشف عن العلة والحكم الخفية في النصوص للوصول إلى مقاصد الشارع الكلية أو الجزئية، وبواسطتها استخراج حكم المسائل الجديدة التي لم تُذكر في أي آية أو رواية لا بالدلالة المطابقية ولا الالتزامية.

يقول الشافعي في هذا الصدد: الوقائع الجزئية لا حصر لها، لكن أدلة الفروع التي تُقتبس منها المعاني والعلل محدودة ومتناهية جدًا، والمتناهي لا يمكن أن يغطي غير المتناهي. فلا بد من إثبات أحكام المسائل الجزئية بطريقة أخرى، وهي التمسك بالمصالح المستندة إلى الشريعة ومقاصدها الكلية، وإن لم تكن مستندة إلى دليل خاص. (راجع: الزنجاني، 1398: 1/ 322).

ويقول الدكتور وهبة الزحيلي، من المفكرين السنة المعاصرين، في هذا الصدد: الحياة الاجتماعية في تغير مستمر، والناس يسعون وراء مصالحهم بطرق مختلفة تختلف في كل عصر، وفي الوقت نفسه قد تحدث مصالح جديدة للناس، لذا إذا اكتفينا بالأحكام الشرعية المبنية على النصوص الشرعية، فسيتم تجاهل الكثير من مصالح الناس، ويترتب عليها أضرار كبيرة، وهو ما ينافي هدف الشريعة في جلب المصالح ودفع المفاسد، لذا يجب إصدار أحكام تتطابق مع مقاصد وأهداف الشريعة العامة والكلية لتحقيق خلودها. (الزحيلي، 1416: 2/ 763).

البيان الثاني

يرى البعض كدليل عقلي أن لازم الحكمة والغاية في الأحكام الشرعية هو استحالة عدمها. وبهذا البيان، فإن خلو الأحكام الإلهية من الحكمة والغاية والهدف لا يخرج عن عدة صور: إما عدم معرفة الله بعلة وحكمة التشريع، وهو محال، أو عجز الشارع عن معرفة تلك العلل والحكم، وهو أيضًا غير ممكن، أو أن الله لا يريد إيصال الخير للآخرين، وهو أيضًا محال في حق الله الرحيم الذي الإحسان والجود من لوازم ذاته، أو أن لازم وجود مثل هذه الحكمة هو النقصان وعدم الكمال، وهذا أيضًا تغيير للحقائق وعكس للفطرة وفهم العقل؛ ونتيجة لذلك، فإن نفي الحكمة والهدفية لله في الأحكام بمنزلة نفي مثل هذه الصفات وإثبات عكسها في الله، وهو منزه عن كل ذلك. (الغزالي، 1390: 429).

البيان الثالث

الأحكام الشرعية هي لتحصيل مصالح الناس، وهذه المصالح التي هي أساس الأحكام الشرعية عقلية، والعقل يدرك حسن الأوامر وقبح النواهي، وكلما لم يوجد نص في مسألة، وأصدر المجتهد حكمًا بناءً على إدراكه العقلي للمصالح والمفاسد، فإن هذا الحكم يقوم على أساس شرعي، بالطبع هذا الاستصلاح يجري فقط في المعاملات. (راجع: خلاف، 1398: 75).

2-3-2. نقد الدليل العقلي

لا يقبل الشاطبي، إمام المقاصديين العامة، الدليل العقلي لإثبات أصول الشريعة؛ لأن نتيجته هي تحكيم العقل في أحكام الشريعة، وهو ما لا يراه صحيحًا. (الشاطبي، 1395: 49/2).

كما مر، ذُكرت ثلاثة بيانات للدليل العقلي من قبل بعض أصوليي أهل السنة، ويرد على كل منها انتقادات.

نقد البيان الأول

الجواب الذي يمكن بيانه هو أن كليات الأحكام الشرعية لا تقل أبدًا عن مصلحة وحاجة الناس، وكلما تم النظر إلى الأدلة الأولية والثانوية للشريعة بشكل مجموعي، سيتضح هذا المطلب. بالطبع، تأثير الزمان والمكان والحالات المختلفة للمجتمعات البشرية يكمن فقط في تغيير المصاديق. على سبيل المثال، الآية الكريمة «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ» (الأنفال: 60) تأمر المسلمين بالاستعداد لمواجهة أعدائهم وأعداء الله، وفي ذلك الزمان كان الاستعداد يتم بتجهيز السيوف والسهام والأقواس والخيول وأمثالها، ومع مرور الزمن والتقدم في وسائل الحرب، تغيرت مصاديق الاستعداد أيضًا، وحلت محل الوسائل القديمة معدات مثل الطائرات الحربية والدبابات والصواريخ والقنابل والألغام وغيرها، وبالطبع مع هذا التغيير في المصداق، لم يتغير مفهوم الإعداد والاستعداد، وإنما حدث التفاوت في المصاديق والأساليب فقط.

من ناحية أخرى؛ يفتح الشارع المقدس من خلال طرح العناوين الثانوية مجالًا واسعًا في مجالات الأحكام الشرعية. العناوين الثانوية هي وصف ثابت للشيء بالنظر إلى العوارض الخارجية، مثل عناوين العسر والحرج والضرر وأمثالها. وبهذا البيان، كلما أصدر الشارع حكمًا بالنظر إلى عوارض خارجة عن ذات وطبيعة الشيء، مثل حالة شك المكلف في الحكم الواقعي للموضوع، فإنه يلحظ تلك الحالة وبناءً عليها يصدر حكمًا خاصًا يقابل الحكم الأولي (الوصف الثابت للشيء بغض النظر عن العوارض الخارجية)، مثل أن حكم الحرمة يقع على عنوان الميتة الأولي، والذي بالنظر إلى الحالة الثانوية مثل الاضطرار أو الجهل بالموضوع يتحول إلى جواز. (الخوئي، 1417: 2/ 244).

بناءً على ذلك، لا يوجد موضوع، قديمًا كان أو جديدًا، بدون حكم أولي أو ثانوي، واقعي أو ظاهري، يمكن الوصول إليه بالتدقيق الفقهي.

نقد البيان الثاني

البيان الثاني للدليل العقلي كان له مقدمات نتيجتها إثبات الحكمة والهدفية لله في تشريع جميع الأحكام الشرعية، ويبدو أن هذا الدليل أيضًا غريب عن ادعاء المقاصديين، لأن الحكمة والهدفية في التشريع من مباني مقاصد الشريعة لا دليل إثباتها. وبتعبير آخر؛ هو شرط لازم لكنه غير كافٍ، فربما يرى جميع فقهاء الإسلام أن تشريع الأحكام قائم على أساس الحكمة والهدفية، ولا أحد ينكر ذلك، لكن لازم قبوله ليس فقه المقاصد بمعناه الخاص، وكثير من علماء السنة والشيعة لم يقبلوه.

نقد البيان الثالث

بناءً على البيان الثالث للدليل العقلي، كلما لم يوجد نص في مسألة، وأصدر المجتهد حكمًا بناءً على إدراكه العقلي للمصالح والمفاسد، فإن هذا الحكم يقوم على أساس شرعي. هذا البيان وإن كان له ظاهر عقلي، إلا أنه ليس عقليًا، لأنه بأي حكم قطعي من العقل يكون إدراك المجتهد للمصالح والمفاسد منشأً لشرعيته هو نفسه، إلا إذا كان الشخص يعتقد بالتصويب، فإن عودة هذا الدليل تكون إلى قبول أو عدم قبول مبدأ التصويب ولا علاقة له بمحل البحث. من ناحية أخرى، إدراك المجتهد للمصالح والمفاسد إدراك ناقص وقابل للخطأ، وقد يدرك مصلحة ولكنه لا يعلم بمفاسدها التابعة، أو يدرك مفسدة شيء ولكنه يغفل عن مصالح أهم بكثير منه، بناءً على ذلك، فإن إرجاع مصدر تشريعي مهم إلى إدراك المجتهد الناقص أمر خاطئ جدًا، وبما أن إدراكات المجتهدين تختلف باختلاف الظروف الزمانية والمكانية، فإن ذلك يؤدي إلى فوضى في الاجتهاد.

الإشكال الآخر في البيان الثالث هو أنه لا يمكن الاكتفاء بإدراك المجتهد إلا في المعاملات، لا في العبادات، لذا لا يمكن أن يكون حلًا شاملًا أمام المجتهدين، وهو أخص من المدعى.

الخاتمة

بناءً على التحقيق الذي مر، يتضح أن فقه المقاصد، بكل الضجة التي أحدثها بين العامة، وكل المؤلفات والمقالات ورسائل الدكتوراه الكثيرة التي كُتبت عنه، ليس بديهيًا إلى هذا الحد، وأن مثل هذا المنهج يحتاج إلى إقامة براهين محكمة ومنضبطة. لذا، من المناسب أن يقوم الباحثون الكبار بإجراء بحوث جديدة في هذا المجال وتوضيح حدوده وثغوره، لأنه في الحوزة العلمية الشيعية تم القيام بعمل قليل، بينما بُنيت الكثير من الآراء الفقهية وشبه الفقهية، خاصة في المسائل الجديدة، عليه وعلى ما يشبهه.

المصادر والمراجع

القرآن الكريم.

إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، طهران، مؤسسة الصادق، 1426هـ.

ابن أبي الحديد، عبد الحميد، شرح نهج البلاغة، قم، منشورات مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1404هـ.

ابن الأثير الجزري، مبارك بن محمد، النهاية في غريب الحديث والأثر، قم، مؤسسة المطبوعات الإسماعيلية، 1367هـ.ش.

ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير، تونس، الدار التونسية للنشر، د.ت.

ـــــــــــــــ، مقاصد الشريعة الإسلامية، وزارة أوقاف قطر، 1425هـ.

ـــــــــــــــ، مقاصد الشريعة الإسلامية، الأردن، دار النفائس، 1421هـ.

ابن عبد السلام، سلمي الدمشقي، أبو محمد عز الدين بن عبد العزيز، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، بيروت، دار المعارف، 1428هـ.

ابن منظور، أبو الفضل، جمال الدين محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع – دار صادر، 1414هـ.

أبو القاسم الخوئي، مصباح الأصول، تقرير محمد سرور البهسودي، قم، مكتبة الداوري، 1417هـ.

الأحسائي، محمد بن أبي جمهور، الأقطاب الفقهية، قم، منشورات مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1410هـ.

البوطي، محمد سعيد رمضان، ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1422هـ.

الحكيم، السيد محمد تقي، أصول العامة في الفقه المقارن، قم، المجمع العالمي لأهل البيت، 1418هـ.

الحلي (فخر المحققين)، محمد بن حسن بن يوسف، إيضاح الفوائد في شرح مشكلات القواعد، قم، مؤسسة إسماعيليان، 1387هـ.ش.

الخادمي، نور الدين بن مختار، المقاصد الشرعية: تعريفها، أمثلتها، حجيتها، السعودية، الرياض، دار إشبيليا للنشر والتوزيع، 1423هـ.

الخضري، محمد، أصول الفقه، بيروت، دار الحديث، د.ت.

خلاف، عبد الوهاب، نجم الدين الطوفي، مصادر التشريع فيما لا نص فيه – رسالة الطوفي في ضوابط المصلحة، دمشق، دار القلم، 1398هـ.

الخوئي، السيد أبو القاسم الموسوي، محاضرات في أصول الفقه، تقريرات محمد إسحاق الفياض، قم، دار الهادي للمطبوعات، 1417هـ.

الريسوني، أحمد، أهداف الدين من وجهة نظر الشاطبي، ترجمة سيد حسن إسلامي وسيد محمد علي أبهري، قم، مركز الدراسات الإسلامية، 1376هـ.ش.

ـــــــــــــــ، محاضرات في المقاصد الشرعية، الرباط، دار الأمان، 1430هـ.

الزحيلي، وهبة، أصول الفقه الإسلامي، بيروت، دار الفكر الإسلامي، 1416هـ.

الزنجاني، شهاب الدين محمود بن أحمد، تخريج الفروع على الأصول، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1398هـ.

السيوري الحلي، مقداد بن عبد الله، التنقيح الرائع لمختصر الشرائع، قم، منشورات مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1404هـ.

الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي، الموافقات، بيروت، دار المعرفة، 1395هـ.

الشرتوني، سعيد، أقرب الموارد، طهران، دار الأسوة، 1416هـ.

الشوكاني، محمد بن علي بن محمد، إرشاد الفحول، بيروت، دار الكتاب العربي، 1419هـ.

الصدر، السيد محمد باقر، (بقلم: السيد محمود هاشمي شاهرودي)، بحوث في علم الأصول، قم، مؤسسة دائرة المعارف الفقهية على مذهب أهل البيت، 1417هـ.

الطباطبائي، السيد علي، رياض المسائل، قم، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، 1418هـ.

علم الهدى، عبد الجواد، الدليل والحجة، قم، أمانة مؤتمر الشيخ الأنصاري، 1373هـ.ش.

عمر بن صالح بن عمر، مقاصد الشريعة عند الإمام العز بن عبد السلام، الأردن، دار النفائس، 1423هـ.

عميد الزنجاني، عباس علي، قواعد فقه سياسي (مصلحت)، طهران، انتشارات أمير كبير، 1384هـ.ش.

الغزالي، أبو حامد، المستصفى في الأصول، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1417هـ.

ـــــــــــــــ، شفاء الغليل في مسالك التعليل، بغداد، مطبعة الإرشاد، 1390هـ.

الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد، المستصفى في الأصول، بيروت، دار الكتب العلمية، 1406هـ.

الفراهيدي، الخليل بن أحمد، كتاب العين، قم، نشر هجرت، 1410هـ.

الفيومي، أحمد بن محمد المقري، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، قم، منشورات دار الرضى.

المرعشي، محمد حسن، «مصلحت وپايه‌هاى آن» (المصلحة وأسسها)، طهران، مجلة حقوقى وقضائى، دادگسترى، العدد 6، 1371هـ.ش.

النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1404هـ.

الهوامش

1. تاريخ الوصول: 25/4/1401، تاريخ الإقرار: 30/11/1401.

2. أستاذ مساعد بجامعة المصطفى (ص) العالمية (khansari5@yahoo.com).

Scroll to Top