الملخص
لمصطلح “النكرة” في الخطاب الأصولي أربعةُ معرّفات، ولدى علماء أصول الفقه ثلاثُ نظريات رئيسة حول مفهومها: فيرى البعض أن مفهومها هو الكلي المستمر، وأبدى البعض الآخر فكرة الجزئية، فيما تبنى فريق ثالث نظرية التفصيل، معتقدين أنها إن وقعت في سياق الإخبار كان معناها جزئياً، وإن وقعت في سياق الأمر كان مفهومها كلياً. من ناحية أخرى، لم يُقدَّم تطبيق فقهي للنزاع الدائر حول دراسة مفهوم هذا المصطلح الأصولي، بل اعتُبر أحياناً فاقداً له. وبناءً على ذلك، يسعى الكاتب في هذا المقال إلى تبيين الآراء المطروحة ونقد آراء الخصوم، مبرهناً على نظريته المختارة. ثم يشرع في توضيح نظرية صاحب الفصول، ومن ثم يشرح مقصود مشهور الأصوليين من “الفرد المردد”، ثم يستدل على عدم صوابية التعبير بـ”التنكير” في تنوين أمثال كلمة “رجل”. وفي الختام، يعرض ويحلل التطبيق الفقهي لهذا البحث.
طرح المسألة
يُعدُّ مبحث الإطلاق والتقييد من المباحث المهمة في علم أصول الفقه، وله دورٌ كبير في عملية الاستنباط. ومن القضايا التي تُطرح في هذا المبحث الألفاظ التي يُطلق عليها من المنظور الأصولي مصطلح “المطلق”. ومن بين المفردات التي تُبحث في هذا المجال “النكرة”. ولا يخفى أن مدلول النكرة الواقعة في سياق النفي أو النهي يُبحث أيضاً في مبحث العام والخاص، وهذا البحث ليس ناظراً إلى ذلك المبحث. من البديهي أن المقصود بهذا المصطلح في الخطاب الأصولي والأدبي متفاوت. وفي مفهوم النكرة الأصولية، من حيث الكلية والجزئية، توجد ثلاث نظريات رئيسة: فالبعض كالمحقق الحائري اليزدي قد برهن على فكرة الجزئية، والبعض كالإمام الخميني قد استدل على الكلية، أما المحقق الخراساني فقد طرح فكرة التفصيل ويعتقد أنه إذا وقعت النكرة في سياق الإخبار فمفهومها جزئي، وإذا وقعت في سياق الأمر فمفهومها كلي.
ينتظم البحث الحالي في بنية منطقية على النحو التالي: أ. دراسة معرفات النكرة في اصطلاح علم أصول الفقه. ب. تبيين الآراء المطروحة في مجال دراسة مفهوم النكرة الأصولية ونقد آراء مخالفي نظرية المحقق العراقي والحكيم. ج. تبيين نظرية صاحب الفصول في مدلول النكرة. د. شرح مقصود مشهور العلماء الأصوليين من “الفرد المردد”. هـ. نقد القول بتنكيرية تنوين أمثال كلمة “رجل”. و. تبيين التطبيق الفقهي للنزاع في دراسة مفهوم النكرة الأصولية في الأبحاث الفقهية، ليكون نقداً مستدلاً على من يرى عدم جدوى هذا النزاع في علم الفقه وعملية الاجتهاد. ونظراً لأن عمليات البحث التي أُجريت تشير إلى أن هذا الموضوع لم يُطرح بشكل جامع في الكتب والأطروحات والمقالات السابقة، فإن إنجاز هذا البحث يُعدُّ ضرورياً.
1. دراسة معرفات النكرة الأصولية
إن النكرة التي وقع مفهومها محل نزاع بين علماء الإمامية في علم أصول الفقه لها أربعة معرفات:
1-1. المعرِّف الأول
النكرة في هذا العلم هي بالحمل الشائع، أي بيان مصاديق النكرة، مثل كلمة “رجلٌ” مع التنوين، لا بالحمل الأولي أي لفظ النكرة[1]؛ لأن هذا من اختصاص علم اللغة الذي يتولى دراسة مفهوم لفظ النكرة.
2-1. المعرِّف الثاني
النكرة في مقابل اسم الجنس، لا في مقابل المعرفة. فالمعرفة اسمٌ إما أن يكون هو نفسه قابلاً لـ “أل” التعريف فتُعرِّفه “أل”، مثل كلمة “الرجل”، أو يكون بمعنى اسمٍ يقبل “أل” فتُعرِّفه، مثل كلمة “ذو” بمعنى “صاحب”. وهذا المعنى يُعدُّ أحد أنواع القسم الأول[2]. والنكرة في مقابل المعرفة تشمل كلاً من النكرة في مقابل اسم الجنس المنكَّر، والنكرة في مقابل اسم الجنس، مثل “رجلٌ جاءني لا امرأةٌ” (النكرة في مقابل اسم الجنس المنكر)، أو “جئني برجلٍ” (النكرة في مقابل اسم الجنس)؛ لأن المعرفة التي تقابل هذه النكرة تشمل كلاً من اسم الجنس المعرَّف وغيره من المعارف[3]. وعادةً ما يُدرس المعنى الأول في علم أصول الفقه، والمعنى الثاني في علم الأدب العربي.
3-1. المعرِّف الثالث
النكرة بالمعنى الأخص؛ أي اسم الجنس الذي دخله تنوين التنكير وأفاد الوحدة، مثل “جاءني رجلٌ لا رجلان”. وبناءً على ذلك، فإن اسم الجنس غير المنصرف (مثل “صفراء” و”حمراء”) أو المنصرف الذي دخلت عليه “لام” التعريف (مثل “الإنسان” و”الحيوان”) أو المبني (مثل “قبل” و”بعد”) أو المعرب الذي يُقرأ ساكناً ولم يدخله التنوين، أو الذي دخله التنوين ولكنه لا يفيد الوحدة (مثل تنوين التمكُّن الذي يدل على أن الاسم معرب لا مبني ولا غير منصرف) لا يُعدُّ نكرة أصولية؛ لأن المقصود من النكرة بالمعنى الأعم هو غير المعرفة، وهي تشمل جميع الحالات المذكورة أعلاه، ما عدا النكرة التي دخلت عليها “لام” التعريف مثل “الإنسان”[4].
4-1. المعرِّف الرابع
غير المصدر، مثل كلمة “رجل”؛ لأنه لا نزاع في مفهوم المصدر (مثل كلمة “ذِكرَى”)، فالمصدر يدل قطعاً على الحقيقة (الماهية)؛ لأنه وُضع للدلالة على الحقيقة[5].
2. الآراء حول مفهوم النكرة الأصولية
بشكل عام، قدم كبار علماء الأصول ثلاث آراء رئيسة حول مفهوم وموضوع له النكرة من حيث الكلية والجزئية. وفيما يلي، سيتم تقييم هذه الآراء الثلاثة.
1-2. نظرية الجزئية المطلقة
يعتقد مشهور الأصوليين[6] أن مدلول النكرة، على نحو مطلق، هو “الفرد المردد”؛ وبالتالي سيكون جزئياً. ومن بين العلماء المعاصرين، يرى المحقق الحائري اليزدي، انسجاماً مع أستاذه المحقق الفشاركي، الذي بدوره اتبع أستاذه المحقق الميرزا الشيرازي، أن مدلول النكرة في “جاء رجل” و”جئني برجل” متماثل؛ ففي كليهما هو جزئي حقيقي يُعبَّر عنه بـ “الفرد المردد”[7].
وقد برهن المحقق الحائري اليزدي على مدعاه على النحو التالي: الجزئية والكلية من صفات المعقول في الذهن. فإذا كان لمعنى ما في الذهن قابلية الصدق على أفراد كثيرين، فهو كلي، وإلا فهو جزئي. والجزئية المعنائية في الذهن لا تتوقف على تصورها بتمام تشخصاتها الواقعية. ولهذا السبب، إذا رأى شخص شبحاً من بعيد وتردد في كونه زيداً أم عمراً، بل إنساناً أم غير إنسان، فإن هذا التردد لا يُخرج ذلك الشبح عن كونه جزئياً.
بناءً على ذلك، إذا كانت الصورة الذهنية لـ”رجل” في قضية “جاء رجل” جزئية، ففي قضية “جئني برجل” تكون الصورة الذهنية لـ”رجل” جزئية أيضاً؛ إذ لا فرق بين هذين “الرجلين”، إلا أن التعيين في الأولى واقعي، وفي الثانية باختيار المكلف. أما كون وجود الفرد المردد في عالم الخارج غير ممكن – لأنه من البديهي أن الشيء لا يمكن أن يكون مردداً بين نفسه وغيره – فلا ينافي اعتبار الفرد المردد في الذهن؛ كما يُعتبر الكسر المشاع في الذهن مع أنه لا وجود للكسر المشاع في الخارج[8].
1-1-2. تبيين نظرية المحقق الحائري اليزدي
إن تقييم هذه النظرية مبني على الفهم الصحيح لبيانه. ولهذا الغرض، نستعين بكلمات المحقق الأراكي، فهو من أبرز تلاميذ المحقق اليزدي، وقد قرر نظرية أستاذه وتبناها.
تُستعمل النكرة على نحوين:
1. في معنى معين في الواقع. وهذا المعنى نفسه على ثلاثة أنواع:
أ. أن يكون معلوماً عند المتكلم ويخفيه عن المخاطب، كما في الآية الشريفة ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾[9].
ب. أن يكون مجهولاً عند كل من المتكلم والمخاطب، كما لو رأى شخص شبحاً من بعيد ولا يعلم أهو من مصاديق الرجل.
ج. أن يكون معلوماً عند كل من المتكلم والمخاطب، والمقصود إخفاؤه عن شخص ثالث. هذا المعنى له قابلية الصدق البدلي على كثيرين؛ أي أن صدقه على كل واحد من المصاديق يكون بواسطة “أو” (العاطفة). وبناءً على ذلك، فإن المعنى الأول، بلا إشكال، جزئي.
2. في معنى له قابلية الصدق العرضي على كثيرين، مثل “جئني برجل”، حيث يُعطف صدقه على كل مصداق بواسطة “الواو”. ولهذا السبب، تُوُهِّم أن هذا المعنى كلي حقيقي؛ بمعنى أن مادة النكرة (رجل) تدل على الطبيعة الكلية، والتنوين يدل على مفهوم الوحدة، ومفهوم الوحدة أيضاً كلي، وضم كلي إلى كلي يُظهر كلياً ثالثاً دائرته محدودة، مثل إنسان أصفر بالنسبة إلى إنسان.
ولكن الحق أن النكرة في كلتا الصورتين تُستعمل في الجزئي الحقيقي؛ لأن الكلي هو مفهوم له قابلية الصدق العرضي على كثيرين؛ فالكلية بمعنى السعة والجزئية بمعنى الضيق، والمفهوم الذي له قابلية الصدق البدلي على كثيرين هو ضيق. ونهايته أن يكون ذلك الفرد مردداً بين كثيرين.
وفي الحالة الثانية “جئني برجل” أيضاً، لكلمة “رجل” قابلية الصدق البدلي على كثيرين؛ لأن معنى “رجل” في هذا المثال هو “رجل واحد”؛ بحيث لو كان زيداً، فليس عمراً، ولو كان عمراً، فليس زيداً. وعليه، فإن هذا المعنى جزئي أيضاً. ومجرد أن الصورة الذهنية للنكرة الواقعة في سياق الإخبار لها تشخص في الواقع والخارج، بينما في الحالة الثانية التي تقع فيها النكرة في سياق الإنشاء ليس لها تشخص، لا يوجب فرقاً بين هذين المعنيين؛ لأن الجزئية والكلية من المعقولات الذهنية، وبالتالي فإن تدخل الخارج فيها غير معقول. نعم، الفرق الوحيد بين هاتين الصورتين هو أن التعيين في الصورة الأولى واقعي، وهو حبيب النجار؛ ولكن في الصورة الثانية يكون باختيار المكلف[10].
2-1-2. دراسة دلالة الكلي والجزئي المنطقي
بالنظر إلى أن المقياس الكلي المنطقي من وجهة نظر المحقق الحائري اليزدي هو الصدق الشمولي لا البدلي، وأن منشأ هذه القضية هو علم المنطق، فيجب الاستعانة بهذا العلم لتقييم هذا الرأي.
“الصدق” على نوعين:
1. شمولي (عرضي)، وهو ما يُعطف بـ “الواو”: هذا وذاك و…
2. بدلي (طولي)، وهو ما يُعطف بـ “أو”: هذا أو ذاك…
المقصود من كلمة “الصدق” في تعريف الكلي والجزئي المنطقي هو الصدق الشمولي. وبناءً على ذلك، فإن الشبح الذي يُرى من بعيد وهو جزئي حقيقي لا يُعتبر كلياً حتى لا يكون تعريف الكلي مانعاً للأغيار؛ لأنه على الرغم من أن العقل يجوز صدقه على زيد وعمرو وأمثالهما، إلا أن هذا الصدق بدلي (أي إما زيد أو عمرو أو شخص آخر) لا شمولي (أي أن العقل لا يجوز أن يكون زيداً وعمرواً وأمثالهما). ومن هنا، فإن النكرة التي يُقصد بها فرد واحد على نحو البدلية هي جزئية لا كلية، وإطلاق الكلي عليها مجازي. وهذا الإطلاق إما لكون الشيوع البدلي لمعنى النكرة قد نُزِّل منزلة الكلي الصادق على كثيرين، أو أن النكرة قد لُحظت بدون تنوين. ولا شك أن النكرة بدون تنوين كلية لا جزئية؛ لأنها وُضعت للطبيعة الكلية المطلقة[11].
وعليه، فإن الأبحاث المنطقية تدعم ما ذكره المحقق الحائري اليزدي (بناءً على أن السمة المميزة للكلي المنطقي هي الصدق الشمولي لا البدلي).
3-1-2. نقد نظرية المحقق الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي
1-3-1-2. النقد الأول
إذا كان مدلول النكرة هو الفرد المردد، لزم من ذلك ألا تصدق النكرة على الأفراد الخارجيين؛ لأن الأفراد الخارجيين متعينون لا مرددون بين أفراد. والحال أن صدقها على المصاديق الخارجية بديهي. إضافة إلى ذلك، قد يكون مدلول النكرة “كلياً” له قابلية الانطباق على كثيرين؛ وذلك في حالة وقوع النكرة متعلقاً لـ”الأمر”، مثل “جئني برجلٍ”[12].
2-3-1-2. النقد الثاني
إذا كان معنى النكرة هو الفرد المردد، لزم من ذلك أن يكون امتثال الأمر في الموارد التي يرد فيها الأمر على النكرة ممتنعاً؛ لأن المكلف غير قادر على إيجاد فرد مردد. وهذا في حين أن عدم امتناع الامتثال بديهي.
3-3-1-2. النقد الثالث
لزوم كونها فرداً مردداً هو أن يكون الخبر كاذباً في الموارد التي تقع فيها النكرة في سياق الإخبار؛ لأن الفرد المردد غير قابل للرؤية. والحال أن صدق ذلك بديهي.
4-3-1-2. النقد الرابع
إذا كان معنى النكرة هو الفرد المردد، لزم من ذلك في الموارد التي تُحمل فيها النكرة على فرد خارجي (مثل “زيدٌ رجلٌ”) أو يُحمل فرد خارجي على النكرة، ألا يكون الحمل صحيحاً؛ لأن الحمل يتطلب اتحاداً (وليس بين “زيد” المعين خارجاً والفرد المردد أي اتحاد)، أو أن يكون مجازياً (في حين أن الحمل صحيح دون أن يكون هناك مجاز)[13].
5-3-1-2. النقد الخامس
التردد في ما هو موجود في الخارج غير معقول؛ لأن التردد بمعنى الجهل، والجهل من صفات النفس[14]. وصفات النفس، كالشجاعة والسخاء، تقابل صفات المادة[15]. بعبارة أخرى، لا وجود للفرد المردد في الخارج ليقع الحكم متعلقاً به[16].
6-3-1-2. النقد السادس
المتبادر من مدلول النكرة، بتعدد الدال والمدلول، هو الكلي، وهو عبارة عن الطبيعة المقيدة بالوحدة – بمعنى حرفي وحمل شائع، لا اسمي – مطلقاً؛ سواء وقعت في سياق الإخبار، مثل “جاء رجل”، أو الإنشاء، مثل “جئني برجل”. الدال الأول هو “رجل”، وهو يدل على الطبيعة، والدال الثاني هو التنوين، وهو يدل على الوحدة. أما الجزئية التي تُستفاد من النكرة في سياق الإخبار، مثل “جاء رجل”، فتُستفاد بناءً على قرينة خارجية هي “جاءني”؛ لأن إسناد المجيء إلى الرجل الكلي ممتنع[17]. وليس ببعيد أن يكون أخذ مصداق الوحدة في معنى النكرة تعبيراً آخر عن أخذ الوحدة كبيان لعدد المصاديق. وقد تبنى هذه النظرة المحقق العراقي والحكيم.
7-3-1-2. النقد السابع
لقد حدث خلط بين حيثيتي الوجود الذهني. فللوجود الذهني حيثية موضوعية، وهي ما يُتصور في الذهن. وفي هذه الحالة، ووفقاً لقاعدة التشخص، سيكون جزئياً؛ لأن قاعدة التشخص تدل على أن الشيء ما لم يتشخص ويصبح جزئياً، فإنه لا يوجد؛ سواء في الذهن أو في الخارج. وبناءً على ذلك، ما لم تصبح الصورة الذهنية للرجل جزئية، فإنها لا توجد في الذهن. وللوجود الذهني حيثية طريقية أيضاً؛ أي الحكاية عن الخارج، وهو من هذه الناحية كلي؛ لأن له قابلية الصدق على أفراد كثيرين. والجزئية من الحيثية الأولى لا تنافي الكلية من الحيثية الثانية، وإلا فلن يكون لأي كلي أي مصداق؛ لأن كل كلي باعتبار وجوده الذهني، ووفقاً لقاعدة التشخص، سيكون جزئياً. والصورة الذهنية لـ”رجل” أيضاً، من الحيثية الثانية، كلية. والشبح المردد أيضاً جزئي حقيقي، وتوهم كليته ينشأ من ذلك[18].
1-7-3-1-2. إشكال على النقد السابع
من وجهة نظر الكاتب، النقد المذكور غير وارد؛ لأنه لا يوجد في عبارة المحقق الحائري اليزدي أي أثر لقاعدة التشخص[19]. وبناءً على ذلك، فإن الاستناد إلى هذه القاعدة في نقده يفتقر إلى الدليل.
2-2. نظرية الكلية المطلقة
لدى القائلين بالرأي الثاني اختلافات في وجهات النظر حول مفهوم النكرة، وهي على النحو التالي:
1-2-2. نظرية المحقق الغروي الأصفهاني
مدلول النكرة هو طبيعة لم تُقيَّد بفرد معين وتُسمى حصة (حصة الطبيعة هي التي تُلحظ مع قيد يضيق دائرتها ولكنه لا يجعلها جزئية)؛ أي أنه على الرغم من أن طبيعة الرجل ذاتاً ليست مقيدة بقيد وليست غير مقيدة، إلا أنها في النكرة، في مرحلة الإسناد (سواء على نحو الإخبار أو الإنشاء)، تُلحظ على نحو غير مقيد بقيد يعينها. وبناءً على ذلك، على الرغم من أن “رجل” في “جاءني رجل” (جاءني رجلٌ) معين في الواقع، إلا أنه في مرحلة الإسناد غير معين. ونتيجة لذلك، سيكون مثل “رجل” في “جئني برجل” (أتني برجلٍ) الذي هو في مرحلة الطلب غير معين. وكذلك، فإن معنى النكرة ليس هو الطبيعة المقيدة بمفهوم الوحدة، الذي أوضحه المحقق الخراساني[20].
والفرق بين عدم التعيين في طبيعي “الرجل” وعدم التعيين في الرجل النكرة هو أن عدم التعيين في الطبيعي يكون بواسطة عدم لحاظ عدم التعيين، وعدم التعيين في الرجل النكرة يكون بلحاظ عدم التعيين[21]. وبين عدم اللحاظ ولحاظ العدم فرق من منظور علم المنطق. فعدم اللحاظ قضية سالبة محصلة المحمول، وهي سلب الحمل (مثل زيد ليس عالماً)، ولحاظ العدم قضية موجبة معدولة المحمول، وهي حمل السلب (مثل زيد غير عالم). وبالطبع، لم يقم المحقق الغروي الأصفهاني في أي من كتابيه الأصولي والفقهي المذكورين أعلاه بإقامة دليل على نظريته.
2-2-2. نظرية المحقق البروجردي والمحقق المشكيني
مدلول النكرة هو الطبيعة المقيدة بمفهوم الوحدة، مطلقاً؛ سواء وقعت متعلقاً للإخبار أو للإنشاء[22]. ويرى المحقق المشكيني أن معنى النكرة هو الحصة الكلية، مع هذا الفارق:
1. إذا وقعت النكرة بعد الأوامر والنواهي وأمثالها، مثل “جئني برجل” (أتني برجل)، تبقى النكرة على كليتها.
2. إذا وقعت النكرة في سياق الإخبار، مثل “جاءني رجلٌ” (جاءني رجلٌ)، أو في سياق الاستفهام، مثل “أيُّ رجلٍ جاءك؟” (أي رجل جاءك؟)، تخرج النكرة عن كليتها. في الحالة الأولى، تتعين في فرد معين عند المتكلم، وفي الحالة الثانية، تتعين في فرد معين عند المخاطب. ولكن ما يدل على التعيين ليس لفظ النكرة، أي مجموع اسم الجنس والتنوين، بل القرينة الخارجية؛ أي الإخبار في الحالة الأولى والسؤال في الحالة الثانية[23].
3-2. نظرية التفصيل بين سياق الإخبار والأمر
1-3-2. بيان النظرية
فصّل المحقق الخراساني في مفهوم النكرة بين سياق الإخبار والأمر:
أ. مدلول النكرة في سياق الإخبار هو فرد معين في الواقع ومجهول عند المخاطب، مثل كلمة “رجل” في الآية الشريفة ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾[24]. ونتيجة لذلك، سيكون معنى النكرة جزئياً حقيقياً[25]، بقرينة إسناد المجيء إلى “رجل”؛ لأن إسناد المجيء إلى الرجل الكلي ممتنع[26]. وقد اعتبر المحقق القمي كلمة “رجل” في الآية المذكورة مجملة؛ لأن الله أراد مصداقاً معيناً مجهولاً عند المخاطب، والمنشأ الأصلي لهذا الإجمال هو كون كلمة “رجل” مشتركة معنوياً[27].
ب. مدلول النكرة في سياق الأمر هو الحصة الكلية التي لها قابلية الانطباق على كثيرين. والحصة هي الطبيعة المقيدة بقيد مفهوم الوحدة؛ بحيث يكون التقييد داخلاً والقيد خارجاً[28]، مثل كلمة “رجل” في “جئني برجل”. ونتيجة لذلك، سيكون معنى النكرة كلياً؛ لأن الطبيعة ومفهوم الوحدة كلاهما كليان، وضم كلي إلى كلي لا يوجب الجزئية، وإنما يضيق دائرته إجمالاً[29]. وبناءً على ذلك، فإن مصاديق “رجل” قبل تقييدها بمفهوم الوحدة هي: كل واحد واحد، كل اثنين اثنين، كل ثلاثة ثلاثة…؛ ولكن بعد تقييدها بمفهوم الوحدة، سيكون كل واحد منهم فرداً من أفراد الرجل[30].
وقد ذكر المحقق العراقي ثلاث خصائص للطبيعة المقيدة بعنوان الواحد:
1. انطباق الطبيعة المقيدة بعنوان الواحد على أفرادها عرضي.
2. إذا أتى المكلف في مقام الامتثال بعشرة أفراد من الطبيعة دفعة واحدة، يتحقق امتثال التكليف بتمام الأفراد العشرة.
3. الخصوصيات خارجة عن المطلوب وهي من لوازم مطلوب المولى. ونتيجة لذلك، إذا قصد المكلف الخصوصية في مقام الامتثال، فقد شرّع في القصد؛ لأن المفروض أن الخصوصيات خارجة عن مطلوب المولى[31].
2-3-2. نقد نظرية المحقق الخراساني
النقد الأول:
صغرى: إذا أُخذ مفهوم الوحدة في مدلول النكرة، لزم من ذلك أن تكون للنكرة، على نحو الشمولية (العرضية والاستغراقية)، قابلية الانطباق على أفراد قليلين وكثيرين.
كبرى: واللازم باطل بالوجدان؛ لأن دلالة النكرة على الأفراد والمصاديق هي على نحو البدلية.
نتيجة: فالملزوم مثله؛ وبناءً على ذلك، لم يُؤخذ مفهوم الوحدة في مدلول النكرة.
والدليل على الملازمة في الصغرى هو أن عنوان الواحد هو أيضاً عنوان كلي، ومثل أسماء الأجناس الأخرى، له قابلية الانطباق على الأفراد القليلين والكثيرين على نحو العرضية؛ لأنه يصدق على كل فرد، عنوان أحد الأفراد، على نحو العرضية[32].
رد المحقق الشهيد الصدر على النقد الأول:
“الواحد” على ثلاثة أنواع ويندرج في فئتين:
أ. الواحد الثبوتي وفي عالم الثبوت (وله قسمان):
أ/1. الواحد بشرط شيء: وهو الموجود ضمن كل كثير، لأن كل كثير مكون من عدة آحاد. والمقصود بكلمة “واحد” في “العدد مركب من آحاد” هو هذا القسم أيضاً. هذا المعنى من الواحد هو نفسه اسم جنس ومفهوم كلي له صلاحية الشمول وتدخل عليه أدوات العموم الشمولي (الاستغراقي)، مثل “أكرم كل واحد من العلماء”. وليس المقصود بقيد الوحدة هذا القسم من الواحد.
أ/2. الواحد بشرط لا: أي الواحد بشرط عدم الزائد، مثل “أكرم فرداً واحداً فقط”. في هذه الحالة، يكون الإطلاق الشمولي محالاً؛ لأن الإطلاق الشمولي خلاف الواحد بشرط عدم الزائد، والمفروض أن المكلف مأمور بإكرام فرد واحد لا جميع الأفراد. وبناءً على ذلك، إذا أكرم المكلف فردين، لم يمتثل التكليف. وليس المقصود بقيد الوحدة هذا القسم من الواحد أيضاً.
ب. الواحد لا بشرط إثباتي وفي عالم الإثبات: وهو المتعلق بمقام بيان وكلام المتكلم، لا بنفس الأمر والواقع. ونتيجة لذلك، إذا قال المولى “أكرم رجلاً”، وأكرم العبد في آن واحد رجلين، فقد امتثل؛ بخلاف القسم السابق. هذا القسم من الواحد يصدق على فرد واحد فقط، ولكنه لا ينافي صدق الطبيعة المقيدة بالوحدة في الواقع على وحدات أخرى. والمقصود بقيد الوحدة هو هذا القسم من الواحد[33].
إيراد على رد المحقق الشهيد الصدر:
من ناحية، فإن جعل هذه الأمور الثلاثة لمفهوم الواحد لا يخلو من إشكال؛ لأن كلمة “واحد” ليس لها أكثر من معنى واحد. ومن ناحية أخرى، فإن تصوير هذه الاعتبارات الثلاثة في المدلول التصوري، ثبوتاً، مشكل[34]، مع أن الرد المذكور لا يعدو كونه ادعاءً لم يُقدَّم له دليل.
النقد الثاني:
مفهوم النكرة هو الحصة الكلية، مطلقاً؛ سواء وقعت في سياق الإنشاء أو في سياق الإخبار.
النقد الثالث:
التعين في المعنى الأول ليس مستفاداً من النكرة؛ لأن النكرة اسم جنس له تنوين، وكلاهما لا يدل على التعيين. وإنما يُستفاد من القرينة الخارجية، أي الإخبار بالمجيء؛ لأن إسناد المجيء إلى فرد غير معين محال.
النقد الرابع:
عدم التعيين لا يختص بالمخاطب. فقد يكون المقصود من النكرة فرداً مجهولاً عند المتكلم، ولكنه معين عند المخاطب، مثل “أي رجل جاءك؟”[35].
النقد الخامس:
المتبادر من مدلول النكرة، بتعدد الدال والمدلول، هو الكلي. وقد مر شرحه في “النقد السادس على نظرية المحقق الحائري اليزدي”[36].
4-2. التحكيم والنظرية المختارة
يرى الكاتب أن مدلول النكرة بالحمل الشائع جزئي، وبتعدد الدال والمدلول يدل على الطبيعة المقيدة بفرد غير معين، والتي لها قابلية الصدق البدلي على أفراد كثيرين. الدال الأول هو مدخول التنوين، وهو اسم الجنس، ويدل على الماهية المبهمة المهملة. والدال الثاني هو التنوين، وهو يدل على فرد غير معين. ودليل هذا المطلب هو التبادر أيضاً، والمعنى المذكور، بمقتضى الصدق البدلي، يُعدُّ جزئياً منطقياً.
3. تبيين نظرية صاحب الفصول في مدلول النكرة
نسب بعض شراح كفاية الأصول نظرية “الفرد المردد” (بالتفسير الذي قدمه المحقق الخراساني) في حاشية كفاية الأصول (طبعة آل البيت) إلى صاحب الفصول[37]. وقد أيّد المحقق القوچاني، وهو من أبرز تلاميذ المحقق الخراساني، هذا الرأي قائلاً إن معنى النكرة من وجهة نظر صاحب الفصول ليس في الواقع سوى الترديد: “ولا يخفى أن الترديد حينئذ معتبر في واقعه فلا واقع له غير الترديد”، “كما هو الظاهر من الفصول بقوله: فتقييده ترديدي لا تعييني”[38]. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا الفهم لعبارة “مدلولها فرد من الجنس لا بعينه”، الواردة في كلام صاحب الفصول، غير صائب؛ لأن المقصود من الترديد في عبارة “فتقييده تقييد ترديدي لا تعييني”، بقرينة المقابلة، هو التقييد بفرد معين. وصدر كلامه أيضاً صريح في أن مدلول النكرة من وجهة نظره هو فرد غير معين، لا “فرد مردد” بالمعنى الذي قُرِّر في كفاية الأصول: “ومدلولها فرد من الجنس لا بعينه بمعنى أن شيئاً من الخصوصيات غير معتبر فيه على التعيين فيصح أن يجتمع مع كل تعيين لا أن عدم التعيين معتبر فيه فلا يجتمع مع تعيين”[39].
4. مقصود مشهور الأصوليين من “الفرد المردد”
يرى المحقق العراقي والحكيم أن مقصود مشهور الأصوليين من “الفرد المردد” هو أن مفهوم النكرة ماهية لها صلاحية الانطباق على نحو البدلية على أحد الأفراد فقط. وكذلك، فإن كلمة “وحدة” التي أُخذت كقيد في معنى النكرة تشير إلى عدد المصاديق[40]؛ أي أن عنوان الواحد هو بيان لعدد ذلك التشخص، وليس قيداً للطبيعة، لأنه لو كان قيداً للزم أن يكون انطباق النكرة على أفرادها عرضياً لا بدلياً. ولهذا السبب، يُعبَّر عن معنى النكرة بالفرد المنتشر؛ لأن التشخص مأخوذ في مفهوم النكرة، ومن حيث عدم تعين التشخص وصلاحية الانطباق البدلي على كل من المصاديق المعينة، يكون منتشراً. وفي مقابل اسم الجنس، الذي له قابلية الصدق على أفراد كثيرين على نحو عرضي.
وقد قرر المحقق العراقي ثلاث خصائص للمعنى المذكور:
1. انطباق الطبيعة المقيدة بالتشخص على أفرادها يكون بدلياً.
2. إذا أتى المكلف في مقام الامتثال بعشرة أفراد من الطبيعة دفعة واحدة، فإن امتثال التكليف يتحقق بأحد تلك الأفراد.
3. جميع الخصوصيات داخلة في مطلوب المولى. ونتيجة لذلك، إذا قصد المكلف الخصوصية في مقام الامتثال، فإنه لم يشرع في القصد فحسب، بل يحصل له التقرب بذلك القصد أيضاً؛ لأن المفروض أن جميع الخصوصيات داخلة في مطلوب المولى. ويُعبَّر عن هذا المعنى بالفرد المنتشر؛ لأنه بملاحظة أن التشخص مأخوذ في مفهوم النكرة، فهو فرد، وباعتبار عدم تعين التشخص وقابلية الصدق البدلي على كثيرين، فهو منتشر[41].
5. دراسة دلالة تنوين التمكين والتنكير
إن التعبير بـ”التنكير” عن تنوين كلمة “رجل”، الذي صدر عن مشهور علماء الأصول الإمامية، فيه تسامح، وتشهد الأبحاث الأدبية على عدم صوابيته. فالتنوين على عشرة أنواع: تمكين (تمكُّن، أمكنية، وصرف)، تنكير، مقابلة، عوض (تعويض)، ترنم، غالي، ضرورة في المنادى، ضرورة في غير المنصرف، شاذ، وحكاية[42].
1-5. تنوين التمكين
يلحق هذا النوع من التنوين بالاسم المعرب المنصرف ليفيد أنه باقٍ على أصله ولم يشابه الحرف فيُبنى، ولم يشابه الفعل فيُمنع من الصرف، مثل تنوين “رجل”[43]. وبناءً على النظرية الأصح، يُستعمل في حالتين: 1. الأسماء المنصرفة، مثل كلمة “رجل”؛ 2. الأسماء غير المنصرفة التي نُكِّرت، مثل كلمة “إبراهيم” في عبارة “رُبَّ إبراهيمٍ لقيتُ” (كم من إبراهيم لقيت)[44].
2-5. تنوين التنكير
يلحق هذا النوع من التنوين ببعض الأسماء المبنية لبيان الفرق بين حالتها المعرفة وحالتها النكرة. ولتنوين التنكير استعمالان: 1. سماعي، وهو ما يلحق باسم الفعل، مثل كلمة “صَهٍ” مع التنوين؛ 2. قياسي، وهو في الأعلام المختومة بـ”ويه”، مثل كلمة “سيبويهِ” مع التنوين.
3-5. نوع تنوين كلمة “رجل”
يقول ابن هشام: إن تنوين أمثال “رجل”، وهي معربة، هو تنوين تمكين لا تنكير؛ لأن:
صغرى: لو كان تنوين أمثال “رجل” للتنكير، لزم من ذلك أنه لو صُيِّر علماً لشخص، لزال تنوينه؛ لأنه لم يعد نكرة.
كبرى: واللازم باطل؛ لأن تنوين أمثال “رجل” لا يزول مطلقاً، سواء كانت نكرة أو صُيِّرت معرفة بصيرورتها علماً لشخص.
نتيجة: فالملزوم مثله. وبناءً على ذلك، فإن تنوين أمثال “رجل” ليس للتنكير[45]. وعلة زوال التنوين من أمثال “الرجل” ليست كون التنوين للتنكير، بل التضاد بين التنوين ولام التعريف؛ كما أنه لو دخلت لام التعريف على كلمة “حَسَن” التي صُيِّرت علماً لرجل، بالإجماع، لزال تنوينها، في حين أنه لا شك في أن تنوين “حَسَن” ليس للتنكير[46].
وبالطبع، يقول المحقق الرضي: “لا أرى مانعاً من أن يكون تنوين واحد للتمكين والتنكير معاً؛ لأن الحرف الواحد قد يكون له فائدتان، مثل الألف في مسلمان والواو في مسلمون، فهي تفيد التثنية والجمع والرفع في هاتين الكلمتين. وبناءً على ذلك، فإن التنوين في رجل يفيد التنكير أيضاً، وإذا صُيِّرت كلمة رجل علماً لفرد، تمحضت في التمكن”[47]. ومن البديهي أن هذا القول لا يمكن أن يطابق تعبير تنوين التنكير في “رجل” مع مصطلح علم الأدب العربي ولا يرفع التسامح فيه؛ فمن ناحية، لا يندرج تنوين التنكير في أي من استعمالاته القياسية والسماعية التي شرحناها، ومن ناحية أخرى، ترد عليه الإشكالات السابقة.
ومن هنا، فإن المقصود من تنوين التنكير في أمثال “رجل”، حسب تصريح بعض الأصوليين، هو التنوين الذي يدل على الوحدة. والمقصود من تنوين التمكين هو التنوين الذي لا يدل على الوحدة. وكلا الموردين خلاف اصطلاح الأدباء[48].
6. التطبيق الفقهي لدراسة مفهوم النكرة الأصولية
لقد عُرضت آراء مختلفة حول مفهوم النكرة الأصولية ونُقدت وحُللت. والسؤال الأساسي هنا هو: هل للنزاع في دراسة مفهوم النكرة تطبيق فقهي وثمرة عملية وفقهية، أم هو مجرد بحث علمي؟ لقد أظهر بحث الكاتب في كتب كبار الأصوليين الإمامية أنهم لم يتعرضوا، نفياً وإثباتاً، للثمرة الفقهية للمبحث المذكور. والجواب الوحيد الذي عُثر عليه في هذا الصدد هو النظرة السلبية للمحقق البروجردي. فهو يرى أن النزاع المذكور ليس له ثمرة عملية وفقهية[49]. ولكن يبدو أن بحث إمكان وعدم إمكان تحقق الفرد المردد، وقابلية وعدم قابلية تعلق الأحكام به في مبحث العلم الإجمالي والواجب التخييري له تطبيق أصولي. كما أن الثمرة العملية والفقهية للنزاع في دراسة مفهوم النكرة تتجلى في باب المعاملات، حيث يتبادل المتعاملان كلمة نكرة – سواء في البيع أو غيره. وفي هذه الحالة، إذا اعتقدنا، مثل المحقق الحائري اليزدي، أن مفهوم النكرة هو الفرد المردد، فإن المعاملة المذكورة ستكون باطلة؛ لأن تحقق الفرد المردد في الخارج محال. وأحد المصاديق الواضحة للتطبيق الفقهي المذكور هو مسألة “بيع صاع من صبرة”، وشرحها كالتالي:
إذا قال البائع: “بعت صاعاً من الصبرة”، وشككنا في مقصوده، على نحو الشبهة الحكمية (الناشئة من الشبهة في تعيين ظهور اللفظ)، بعد الفراغ من أن ما يظهر منه اللفظ هو المراد، فإن المراد يكون معلوماً. وبناءً على ذلك، فإن الشك في المراد ناشئ من الشك في الظهور (بحيث لو حصل العلم بالظهور، لما بقي شك في المقصود)، لا في الشبهة الموضوعية، أي تعيين مراد المتعاملين[50].
يمكن تصور ثلاث صور للبيع المذكور، ولكل منها آثاره الخاصة:
1. البيع على نحو الإشاعة: في هذه الصورة، تكون المعاملة صحيحة؛ كما لو اشترى المشتري مناً من القمح الموجود في الخارج، دون أن يعلم نسبة المن إلى مجموع القمح؛ لأنه لا يعلم مقدار مجموع القمح.
2. البيع على نحو الكلي في المعين: أي الكلي المنسوب إلى الخارج. في هذه الصورة أيضاً تكون المعاملة صحيحة؛ لأن مثل هذه المعاملات متعارفة بين العقلاء. ومعنى كونه كلياً هو أن جميع خصوصيات وتشخصات أفراد الصاعات مملوكة للبائع، ولم تنتقل ملكيتها إلى المشتري. ولهذا السبب، ليس للمشتري حق مطالبة حصة معينة من الصاعات؛ لأن البائع سيجيب قائلاً: “لقد اشتريت صاعاً من القمح، لا صاعاً معيناً”.
3. البيع على نحو الفرد المردد: أي أن المبيع فرد غير معين ونكرة مرددة بين الأفراد. في هذه الصورة، ستكون المعاملة باطلة؛ لأن الفرد المردد ليس له وجود خارجي، لأنه وفقاً لقاعدة التشخص، الشيء ما لم يتشخص ويصبح جزئياً، لا يوجد؛ سواء في الذهن أو في الخارج. وبناءً على ذلك، فإن تحقق المبيع ممتنع، ونتيجة لذلك تكون المعاملة باطلة[51].
والفرق بين الفرد المردد والكلي في المعين هو نفس الفرق بين الكلي الطبيعي (الماهية المقيدة بالوحدة) والفرد المنتشر (الفرد المردد)[52]؛ أي أن المبيع في الفرد المردد جزئي حقيقي، ولكن في الكلي في المعين المبيع كلي[53].
يقول الشيخ الأعظم: مقتضى الوضع في “صاعاً من الصبرة” هو الفرد المنتشر (المردد)، وقد أُجمع على بطلان مثل هذه المعاملة[54]. ووجه الظهور ومقتضى الوضع في “صاعاً من الصبرة” في الفرد المنتشر (المردد) هو أن كلمة “صاعاً” اسم جنس، وبواسطة التنوين الذي ظهوره في التنكير (مثل “رجل” بالتنوين)، فإنها تظهر في الفرد المنتشر ووُضعت له[55]. ومن البديهي أنه إذا كان مدلول النكرة هو الفرد المنتشر (المردد) الذي هو جزئي حقيقي، فإن البيع المذكور سيكون باطلاً؛ لأن مصداق الفرد المردد ليس له أي واقعية، لا في الخارج ولا في العقل والذهن. وهذا المصداق غير قابل للتصور حتى، فكيف يُراد أن يكون محلاً للنقل والانتقال، ولو على نحو الإنشاء[56].
وكذلك، فإن المردد محال ذاتاً؛ لأنه فاقد للذات والوجود ذاتاً ووجوداً. ونتيجة لذلك، لا يمكن أن يتعلق به أي صفة، سواء كانت حقيقية أم اعتبارية؛ لأن تقوم الصفة التعليقية بطرفها، وعندما يكون طرفها المقابل محالاً، فإن تحقق تلك الصفة لن يكون معقولاً. وعلاوة على أن تعلق الصفة بالشيء المردد يستلزم أمراً محالاً يسمى تردد المعين أو تعين المردد، وكلاهما خلف وخلاف الفرض[57].
ولكن إذا كان موضوع له النكرة هو الكلي، فسيكون البيع كلياً في المعين، ومثل هذه المعاملة صحيحة (بنفس البيان الذي مر)[58]. وهو في تتمة كلامه، يستظهر من المعنى العرفي الإشاعة، ثم يستدرك بكلمة “لكن” ويقول: “الإنصاف أن العرف يعد البيع المذكور معاملة كلية، ويجعل البائع صاحب الخيار في التعيين. وهذا الأمر علامة على أن فهم العرف هو المعاملة الكلية”[59]. ويرى المحقق الغروي الأصفهاني في استظهار الإشاعة عرفاً من كلمة “صاع”: “كلمة صاع ظاهرة في أنها بعنوانها وذاتها وقعت مبيعاً، لا بعنوان المعرِّف والمشير إلى الكسر المشاع”[60]. وقد اعتبر المحقق الإيرواني الاستظهار المذكور، سواء من جهة اللغة، مخالفاً لظاهر كلمة “صاع”، أو من جهة العرف[61]. ويرى المحقق الشهيدي أن استدراك الشيخ الأعظم ناظر إلى عدم صوابية وضع النكرة للفرد المنتشر[62]، وهو قول متين. وبناءً على ذلك، فإن النزاع في دراسة مفهوم النكرة، بوصفه مسألة أصولية، له تطبيق فقهي، وليس مجرد بحث علمي أصولي.
الاستنتاج
نتائج وابتكارات البحث الحالي هي على النحو التالي:
1. تحليل معرفات النكرة في الخطاب الأصولي: يمنع هذا التحليل من توحيد النكرة في هذا الخطاب مع النكرة في اصطلاح علم اللغة والأدب العربي. وقد تمثلت معرفات النكرة الأصولية في: أ. النكرة بالحمل الشائع، أي مصداق النكرة، مثل كلمة رجل مع التنوين. ب. النكرة في مقابل اسم الجنس. ج. النكرة بالمعنى الأخص. د. النكرة غير المصدر.
2. تبيين الأفكار المطروحة حول دراسة مفهوم النكرة الأصولية وإثبات النظرية المختارة ونقد آراء الخصوم نقداً مستدلاً.
3. شرح نظرية صاحب الفصول حول مدلول النكرة.
4. تبيين مقصود المشهور من “الفرد المردد” في مدلول النكرة.
5. إثبات عدم صحة تعبير التنكير من قبل بعض الأصوليين في مورد تنوين أمثال كلمة “رجل” وتبيين معنى تنوين التنكير في الأبحاث الأدبية.
6. تقديم تطبيق فقهي للنزاع في دراسة مفهوم النكرة الأصولية في قالب أحد مصاديقه الواضحة: المسألة المعروفة بـ “صاع الصبرة”.
الهوامش
1. راجع: المشكيني، 1413هـ، ج2، ص477.
2. راجع: السيوطي، 1422هـ، ج1، ص81.
3. راجع: الموسوي القزويني، 1427هـ، ج4، ص792.
4. راجع: محمد حسين الأصفهاني، 1404هـ، ص163؛ الفيروزآبادي، 1400هـ، ج2، ص360.
5. راجع: الدسوقي، د.ت (أ)، ج1، ص558.
6. راجع: الحكيم، 1408هـ، ج1، ص553؛ آل الشيخ راضي، 1426هـ، ج4، ص299.
7. راجع: الخرازي، 1422هـ، ج4، ص274.
8. راجع: الحائري اليزدي، 1418هـ، ص233.
9. القصص: 20.
10. الأراكي، 1375هـ.ش، ج1، ص320-324.
11. راجع: اليزدي، د.ت، ص30، 31، 48، 208، 216، 218؛ محمد تقي الأصفهاني، 1429هـ، ج1، ص129.
12. راجع: الخراساني، 1409هـ، ص246.
13. راجع: المشكيني، 1413هـ، ج2، ص484.
14. راجع: الإيرواني النجفي، 1370هـ.ش، ج1، ص312.
15. راجع: له أيضاً، 1422هـ، ج2، ص211.
16. راجع: المصدر نفسه، ج1، ص118.
17. راجع: الإمام الخميني، 1415هـ، ج2، ص324؛ له أيضاً، 1418هـ، ج2، ص331؛ له أيضاً، 1423هـ، ج2، ص270.
18. راجع: السبحاني التبريزي، 1424هـ، ج2، ص698.
19. راجع: الحائري اليزدي، 1418هـ، ص233.
20. راجع: الغروي الأصفهاني، 1429هـ، ج2، ص495.
21. راجع: له أيضاً، 1418هـ، ج3، ص336.
22. راجع: البروجردي، 1412هـ، ج1، ص583.
23. راجع: المشكيني، 1413هـ، ج2، ص481.
24. القصص: 20.
25. راجع: الفيروزآبادي، 1400هـ، ج2، ص361.
26. راجع: الإيرواني النجفي، 1370هـ.ش، ج1، ص311؛ الإمام الخميني، 1423هـ، ج2، ص270.
27. راجع: القمي، 1430هـ، ج2، ص197.
28. راجع: المشكيني، 1413هـ، ج2، ص483.
29. راجع: القوچاني، 1430هـ، ج1، ص531.
30. راجع: الإيرواني، 1370هـ.ش، ج1، ص312.
31. العراقي، 1417هـ، ج2، ص566.
32. راجع: الحكيم، 1408هـ، ج1، ص553؛ العراقي، 1420هـ، ج1، ص497؛ له أيضاً، 1417هـ، ج2، ص566.
33. راجع: الصدر، 1433هـ (أ): الجزء الرابع من القسم الأول، ص503؛ له أيضاً، 1433هـ (ب)، ج3، ص433.
34. المصدر نفسه، ص434.
35. راجع: المشكيني، 1413هـ، ج2، ص482 و 483.
36. راجع: الإمام الخميني، 1425هـ، ج2، ص324؛ له أيضاً، 1418هـ، ج2، ص331؛ له أيضاً، 1423هـ، ج2، ص270.
37. راجع: الخراساني، 1409هـ، ص246؛ الفيروزآبادي، 1400هـ، ج2، ص362؛ اعتمادي التبريزي، 1418هـ، ج1، ص278.
38. القوچاني، 1430هـ، ج1، ص531 و 532.
39. محمد حسين الأصفهاني، 1404هـ، ص163.
40. راجع: الحكيم، 1408هـ، ج1، ص553.
41. العراقي، 1420هـ، ج1، ص497 و 498؛ له أيضاً، 1417هـ، ج2، ص565 و 566.
42. السيوطي، د.ت، ج2، ص110؛ ابن هشام الأنصاري، 1367هـ.ش، ج1، ص449.
43. راجع: ابن هشام الأنصاري (المصدر نفسه).
44. المهدي، د.ت، ج2، ص1232.
45. راجع: ابن هشام الأنصاري، 1367هـ.ش، ج1، ص449؛ الدسوقي، د.ت (ب)، ج2، ص3.
46. راجع: ابن حاجب، د.ت، ج2، ص272.
47. راجع: رضي الدين الاسترآبادي، 1384هـ.ش، ج1، ص45.
48. الحائري، 1991م، ص105 و 106.
49. البروجردي، 1428هـ، ج1، ص533.
50. الشهيدي التبريزي، 1428هـ، ج3، ص475 و 476.
51. الخوئي، 1430هـ، ج2، ص388-392.
52. فخر المحققين، 1387هـ.ش، ج1، ص430.
53. الأنصاري، 1415هـ، ج4، ص254.
54. المصدر نفسه، ص258.
55. الغروي الأصفهاني، 1418هـ، ج3، ص336؛ الهمداني، 1420هـ، ص400.
56. الإمام الخميني، 1430هـ، ج3، ص414.
57. الغروي الأصفهاني، 1429هـ، ج2، ص271 و 272.
58. الخوئي، 1430هـ، ج2، ص391.
59. الأنصاري، 1415هـ، ج4، ص258.
60. الغروي الأصفهاني، 1418هـ، ج3، ص337.
61. راجع: الإيرواني، 1406هـ، ج1، ص203.
62. الشهيدي، 1428هـ، ج3، ص478.