ملخص
من المباحث التي طرقها الفقهاء في «كتاب الحدود» هو سب النبي صلى الله عليه وآله، أي إهانته. وقد أجمعت روايات هذا الباب على وجوب قتل مرتكبه، شريطة أن يأمن السامع على نفسه من الضرر في النفس والمال والعِرض. كما ادعى كثير من الفقهاء الإجماع على هذه المسألة؛ إلا أن كون هذا الحكم حداً أو تعزيراً هو موضع خلاف. وقد بحث مشهور الفقهاء هذه المسألة منذ القدم في «كتاب الحدود» ويبدو أنهم يعتبرونها من باب الحد. ومع ذلك، توجد شواهد وقرائن تدل على أن قتل ساب النبي ليس من باب الحد ولا التعزير؛ بل هو حكم خاص، مما يخدش في رأي المشهور القائل بكونه حداً. تسعى هذه المقالة، بالاعتماد على المنهج التحليلي الوصفي ومراجعة المصادر المكتبية، إلى إثبات هذا المدعى من خلال بيان الشواهد المتوفرة من جهة، ومن جهة أخرى، تبحث في مسائل مثل لزوم أو جواز تنفيذ هذا الحكم، وحاجة أو عدم حاجة تنفيذه إلى إذن الحاكم. ومن البديهي أنه بناءً على الآثار الخاصة بالحدود أو التعزيرات، تترتب ثمرات مختلفة على هذه المسألة.
المقدمة
حكم سب النبي صلى الله عليه وآله، بشرط أمن السامع من الضرر المالي والنفسي والعِرضي، هو قتل السابّ. وقد ادعى كثير من الفقهاء الإجماع على ذلك (ابن زهرة، 1417هـ: ص 428). يوجد في الفقه أصل بعنوان «أصل قضائية العقوبات»، وهو محل اتفاق الفقهاء. وقد أولوا اهتماماً، حتى في أقدم المسائل، لموضوع كون معاقبة المجرم من صلاحيات الحاكم. ويُعد حكم قتل سابّ النبي استثناءً على هذا الأصل؛ بمعنى أن الفرد السامع يمكنه تنفيذه دون حكم الحاكم ومراحل التقاضي (نوبهار، 1389: ص 90). وقد ورد هذا الاستثناء في الفقه في لسان بعض الروايات؛ فمثلاً، في رواية هشام عن الإمام الصادق عليه السلام، يجيز الإمام عليه السلام حكم القتل قبل أن يرفع السامع الجرم إلى الإمام عليه السلام ليحكم فيه (الحر العاملي، 1409هـ: ج28، ص 337).
يحصر الفقهاء في كتبهم الفقهية العقوبات في الحدود والتعزيرات. كما أن المشرّع لدينا في المادة 14 من قانون العقوبات الإسلامي (المصادق عليه عام 1392) يحصر العقوبات المقررة في هذا القانون في الحدود والتعزيرات والقصاص والديات. وعليه، فبناءً على كلام الفقهاء وبيان المشرّع، يجب أن تندرج ماهية كل عقوبة، من حيث القاعدة، تحت أحد العناوين المذكورة ليُصار إلى ترتيب الآثار المترتبة على كل منها. ومع ذلك، توجد في الفقه موارد وقع الخلاف في ماهيتها. ومن هذه الموارد حكم قتل سابّ النبي. وقد نصّ قانون العقوبات الإسلامي (المصادق عليه عام 1392) في المادة 262 على أن حكم سب النبي هو الإعدام. بالطبع، لم يصرّح المشرّع بكون هذا الحكم حداً أو تعزيراً، ولكن ذكر هذا الحكم في الكتاب الثاني، أي كتاب الحدود، يُعد قرينة على أن المشرّع يعتبره من باب الحد. وفي الفقه، يدل لسان روايات الباب فقط على الثبوت القطعي لحكم قتل ساب النبي، والفقهاء أيضاً مجمعون عليه، وموارد الخلاف في مواضع أخرى. وعليه، فإن السؤال الرئيس في هذه المقالة هو: ما هي ماهية حكم قتل ساب النبي؟ من جهة أخرى، تُطرح في هذا الصدد أسئلة فرعية، منها: هل هذا الحكم (القتل) واجب أم جائز؟ وما مفهوم الجواز في هذا الحكم؟ وهل يحتاج إلى إذن الحاكم أم لا؟ وما المراد من إذن الحاكم؟ وما هي الأدلة والقرائن على كونه حداً أو تعزيراً أو ليس بأحدهما؟ وما هي الثمرات التي تترتب على تحديد هذه الماهية؟ وتتضح ضرورة البحث من هذا السؤال الأخير. ونتيجة لذلك، سيتحدد نوع ومقدار عقوبة مرتكبي هذا الجرم، ويكون أقرب إلى الواقع.
1. تحديد المصطلحات
1-1. الحد في اللغة والاصطلاح
يأتي الحد في اللغة بمعانٍ عدة: فقد عرّفه الصحاح بأنه الحاجز أو الحائل بين شيئين (الجوهري، 1410هـ: ج2، ص 462)؛ كما أوردوه بمعنى منع طرف الشيء (ابن فارس، 1404هـ: ج2، ص 3). وأما معناه الشرعي والمقصود هنا، فهو عقوبة خاصة تتعلق بالآلام والأوجاع الجسدية التي يستحقها الإنسان المكلف بسبب ارتكاب بعض الجرائم، وقد حدد الله مقدارها (الشهيد الثاني، 1413هـ: ج14، ص 325).
1-2. التعزير في اللغة والاصطلاح
جاء التعزير في اللغة بمعنى النصرة (صاحب بن عباد، 1414هـ: ج1، ص 383). وأما في المعنى الاصطلاحي، فهو نوع من الضرب أو التأديب لمن أخلّ بواجب أو ارتكب قبيحاً لم يرد في الشرع حد له (الحلبي، 1403هـ: ص 416). وفيما يتعلق بجنس التعزير، يراه البعض «ضرباً دون الحد» (ابن منظور، 1414هـ: ج4، ص 561)، ويرى آخرون أنه «تأديب دون الحد» (الفيومي، بلا تا: ج2، ص 407).
1-3. السب في اللغة والاصطلاح
السب في اللغة يعني الشتم والذم (الجوهري، 1410هـ: ج1، ص 144). وفي لسان الروايات أيضاً، وإن جاء بعناوين مثل «شَتَم» و«نالَ» و«ذَكَرَ بالسوء»، إلا أن المراد منها جميعاً هو الإساءة والطعن وإهانة المخاطب (الأردبيلي، 1403هـ: ج13، ص 171)، وهو ما يُعد نوعاً من إلحاق النقص بشخصية المخاطب. وفي قاموس المصطلحات القانونية، ورد تحت مفردة «سب» ما يلي: «السب» في الفقه من جرائم الشرف، وهو عبارة عن الشتم وأخص من التوهين (جعفري لنگرودي، 1378: ج3، ص 352).
2. دعوى الإجماع على حكم قتل سابّ النبي
أجمع الفقهاء على أن حكم سابّ النبي هو القتل. ولم يقل أحد منهم بحكم غير القتل في هذه المسألة. ومن الفقهاء الذين ادعوا الإجماع في هذه المسألة يمكن الإشارة إلى ابن زهرة (1417هـ: ص 428)، وصاحب الجواهر (1404هـ: ج41، ص 438)، والميرزا جواد التبريزي (1417هـ: ص 257)، والموسوي الأردبيلي (1427هـ: ج2، ص 425).
بعد الاتفاق والإجماع على أصل هذا الحكم، توجد مسألتان خلافيتان سيأتي بيانهما.
3. وجوب قتل سابّ النبي صلى الله عليه وآله أو جوازه
المسألة الأولى هي: هل حكم القتل هذا واجب أم جائز؟ في هذا الصدد، ذهبت الغالبية العظمى من الفقهاء، عند تحقق الشروط اللازمة، إلى القول بالوجوب؛ أي أنهم يعتبرونه تكليفاً على السامع. ويستدل هؤلاء الفقهاء على وجوب هذا الحكم بإنكار وجوب تعظيم النبي صلى الله عليه وآله من قبل المهين. وفي الواقع، من ينكر هذا الوجوب، فقد خالف ضرورياً من ضروريات الدين، ويعتبر هؤلاء الفقهاء إنكاره كإلقاء كتاب الله في القاذورات (الأردبيلي، 1403هـ: ج13، ص 170). ومن بين هؤلاء الفقهاء يمكن الإشارة إلى الشهيد الأول (1417هـ: ج2، ص 43)، والشهيد الثاني (1412هـ: ج9، ص 196)، وابن إدريس الحلي (1410هـ: ج3، ص 532). وقد ذهب البعض الآخر في هذا الباب إلى القول بالجواز؛ أي أن السامع، حتى مع توفر الشروط، له الحق فقط في تنفيذ الحكم، ولكن يمكنه تركه أيضاً. ومن بين الفقهاء القائلين بالجواز، يمكن الإشارة إلى العلامة الحلي (1421هـ: ص 323)، وابن البراج (1406هـ: ج2، ص 551)، والمحقق الحلي (1418هـ: ج1، ص 221). بالنظر إلى الروايات والشروط والضوابط الواردة حول وجوب هذا الحكم، لا يمكن القبول بأنه مع وجود شروط وجوب قتل سابّ النبي، يكون السامع مختاراً في تنفيذ الحكم؛ بل يبدو أنه يجب تنفيذ هذا الحكم كواجب. وعليه، يجب التفريق على النحو التالي: بعد سماع السب من سابّ النبي وإحراز الشروط الإثباتية والانتسابية في السابّ، إما أن تتوفر لدى السامع شروط تنفيذ الحكم أو لا تتوفر. في حال توفر الشروط، فالمكلف ملزم بتنفيذ الحكم، وفي حال عدم توفرها، لا يجوز له تنفيذه؛ أي أن المكلف ملزم بعدم تنفيذه. وبناءً على ذلك، يمكن القول إن مراد القائلين بالجواز في كلام هذه الفئة من الفقهاء منصرف إلى الحالة التي توجد فيها الشروط ويكون السامع مكلفاً بتنفيذ الحكم، لا أنه بعد وجود شروط التنفيذ يكون مختاراً في تنفيذه؛ لأنه في هذه الحالة، يكون كأنه قد ترك حكم الله (وجوب قتل سابّ النبي).
4. اشتراط إذن الإمام أو الحاكم الشرعي
أما المسألة الثانية فهي هل تنفيذ هذا الحكم من قبل السامع منوط بإذن الإمام أو الحاكم الشرعي أم لا؟ في هذا الصدد أيضاً، فإن لسان الروايات وأكثر الفقهاء قائلون بعدم الحاجة إلى إذن الإمام، ومستندهم هو نفس روايات باب سابّ النبي المتفق عليها جميعاً. وهناك فقهاء أيضاً، مثل المرحوم كاشف الغطاء، يرون لزوم وجود إذن الإمام أو الحاكم. ويذكرون ضمن الموارد التي تحتاج إلى إذن الإمام حكم قتل سابّ النبي أيضاً (كاشف الغطاء، 1381هـ: ج1، ص 476). كما أن صاحب مجمع الفائدة، استناداً إلى مرفوعة إبراهيم بن هاشم عن الإمام الصادق عليه السلام، ينيط تنفيذ هذا الحكم بإذن الإمام؛ معللاً ذلك بأنه إذا كان بإذن الإمام، فلن يكون على قاتل السابّ شيء في الدنيا والآخرة (الأردبيلي، 1403هـ: ج13، ص 173). وينقل المرحوم صاحب الجواهر أيضاً عن العلامة الحلي في مختلف الشيعة، أن الشيخ المفيد والفاضل من الذين يرون لزوم إذن الإمام في هذا المجال (صاحب الجواهر، 1404هـ: ج41، ص 438). وكذلك المرحوم منتظري، بالاستدلال العقلي بأن تنفيذ الحكم دون إذن الإمام يسبب الهرج والمرج في المجتمع، يرى لزوم إذن الإمام (منتظري، بلا تا: ج3، ص 474). يبدو أن السامع، مع وجود الشروط المعتبرة إثباتياً في السابّ وكذلك شروط تنفيذ الحكم في نفسه، يمكنه تنفيذ الحكم دون الحاجة إلى إذن الحاكم؛ أما في حالة الحاجة، أي مطالبة أولياء الدم، فيجب أن يتمكن من إثبات وقوع الجرم بالشروط المعتبرة ليأمن من القصاص. ولكن إذا قام بعد إثبات الجرم بكل شروطه المعتبرة بمراجعة الحاكم أولاً وأذن له الحاكم ثم نفذ الحكم، ففي حالة مطالبة أولياء الدم، لا حاجة لإثبات وقوع جرم السابّ، وبالتالي سيكون آمناً من القصاص. يمكن تصور الإذن بالحكم على نحوين: الأول أن يبيّن الحاكم شروطاً وضوابط لتنفيذ هذا الحكم بشكل عام، وكل من توفرت فيه هذه الشروط يمكنه تنفيذ الحكم؛ وفي هذه الحالة، يكون تحديد مصداق السابّ على عاتق السامع، وعبء إثبات تحقق الشروط التي حددها الحاكم يقع أيضاً على عاتق السامع، وبإثبات هذه الشروط من جانبه، سيأمن من القصاص. الصورة الثانية هي أن يقوم السامع بعد ثبوت الجرم وقبل تنفيذ الحكم بمراجعة الحاكم، وبتقديم الأدلة الإثباتية والانتسابية، يدين السابّ، ويأذن له الحاكم بتنفيذ الحكم. مع ذلك، في هذا الجرم، وبناءً على الأدلة التالية، يجب على السامع مراجعة الحاكم قبل تنفيذ الحكم:
أولاً: الانتباه للمقتضيات الزمانية. اليوم، يستخدم أعداء الدين والنظام الإسلامي أسلحة من هذا القبيل، ويغذون أذهان الشباب والناشئة بالثقافات الباطلة، ويسعون لإضعاف الدين. إحدى طرق إضعاف الدين هي الترويج لانتهاك حرمة النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام والقيم الدينية الأخرى. ولهذا، فإن الكثير من الأفراد، عن غفلة، يدخلون في هذه اللعبة وقد يرتكبون هذا الفعل. فإذا لم نشترط إذن الحاكم، لوجب علينا اعتبار الكثير من هؤلاء الأفراد مهدوري الدم؛ في حين أن نطاق هذا الحكم لا يتسع إلى هذا الحد.
ثانياً: في المجتمع الحالي، توسعت علاقات الأفراد، وارتبطت مصالحهم المعيشية ومضارهم ببعضها البعض؛ فمن البديهي أن يتشكل حب الأفراد وكرههم لبعضهم البعض على هذا الأساس. وعليه، تنشأ عداوات كثيرة في هذا الوسط، وإذا لم نلزم بإذن الحاكم في مثل هذه الحالات، فقد يتذرع أي شخص بهذه الحجة للقضاء على أعدائه وحتى منافسيه، ويدعي أن الطرف الآخر قد سب النبي صلى الله عليه وآله. وبهذا المسار، وبتعبير المرحوم منتظري، سيصاب المجتمع بالهرج والمرج.
ثالثاً: «أصل قضائية العقوبات» من المبادئ المسلمة في القانون. بمعنى آخر، يجب محاكمة المجرم أمام شخص ذي صلاحية في جلسة ترافعية وإصدار حكمه، وتنفيذ الحكم أيضاً تحت إشرافه. حكم قتل ساب النبي استثناء على هذا الأصل، ولأن هذا الحكم خلاف الأصل، فيمكن في حالات الشك التمسك بالأصل الأولي، أي إذن الحاكم أو محاكمته على يد الحاكم. يبدو أنه في زمن صدور الروايات، حيث لم يكن الوصول إلى الإمام عليه السلام أو الحاكم الصالح متاحاً بسهولة، كان تنفيذ الحكم دون إذن الإمام عليه السلام مقبولاً؛ أما في الوقت الحاضر، مع إمكانية الوصول إلى المحاكم القضائية، فإن ضرورة مراجعة المحاكم واضحة.
رابعاً: من جهة، في حال تنفيذ هذا الحكم على يد السامع، يقع عليه عبء الإثبات ليثبت أن المقتول قد أهان النبي صلى الله عليه وآله، ومن جهة أخرى، فإن هذا الأمر صعب ولا تتوافر الأدلة الكافية والمعتبرة؛ وعليه، فإن حياة القاتل تكون في خطر يقيناً. ورغم أنه قد فعل ذلك امتثالاً لأمر الله، فإنه لن يكون في مأمن من التبعات الدنيوية لفعله. ونتيجة لذلك، فإن هذا لا يتوافق مع تشريع الحكم المقصود. ومع ذلك، إذا تم هذا الفعل بإذن الحاكم، فإنه سيكون، وفقاً للرواية، في مأمن من جميع عواقبه الدنيوية والأخروية (الأردبيلي، 1403هـ: ج13، ص 173).
خامساً: ثبوت أي جريمة منوط بإحراز ثلاثة أركان: القانوني والمادي والمعنوي. الركن القانوني لهذه الجريمة موجود في القانون والشرع. والركن المادي هو تلفظ السب من قبل السابّ؛ ولكن بما أن السامع هو المدعي، فإن عبء الإثبات يقع عليه، وإثبات ذلك في المحكمة سيسبب العسر والحرج للسامع. وأما عن الركن المعنوي لهذه الجريمة، فيجب القول: لا يمكن للسامع أن يحرزه بسهولة ويقدم على قتل سابّ النبي. لهذا السبب، فإن مراجعة الحاكم ضرورية.
5. ماهية حكم قتل سابّ النبي
كان الفقهاء السابقون يحصرون العقوبات في الحدود والتعزيرات، ويبحثون جميع الحدود والتعزيرات ضمن كتاب الحدود. وعليه، فإن بحث عقوبة ما ضمن كتاب الحدود لا يدل بالضرورة على كونها حداً. وقد أوردت الغالبية العظمى من الفقهاء، وفقاً لهذا النهج، حكم سابّ النبي ضمن كتاب الحدود. ومع ذلك، لا يمكن استنباط كون هذا الحكم حداً أو تعزيراً بشكل قطعي. وفي هذه المسألة أيضاً يوجد خلاف بين الفقهاء؛ فبعضهم يراه من باب الحد، والبعض الآخر يراه من باب التعزير. سيتم بحث هذا الموضوع في ما يلي.
5-1. كون حكم قتل سابّ النبي حداً
يرى كثير من الفقهاء هذا الحكم من باب الحد؛ فمثلاً الميرزا جواد التبريزي في «إرشاد الطالب» يعتبر تنفيذ الحدود وظيفة الحاكم ومن يأذن له الحاكم، ويعتبر سب النبي من الموارد التي أذن فيها الحاكم إذناً عاماً. بمعنى آخر، اعتبر سب النبي من باب الحد (التبريزي، 1416هـ: ج1، ص 278). والإمام الخميني في «زبدة الأحكام»، يعتبر سب النبي من موارد ثبوت الحد الشرعي، ويعرّف نوع هذا الحد بأنه القتل (1404هـ: ص 231). والمرحوم منتظري أيضاً يرى الإعدام في ساب النبي من باب الحد (بلا تا: ج2، ص 540). وفي موضع آخر، يوضح بوضوح شديد كون هذا الحكم من باب الحد (1429هـ: ص 81). ومن الفقهاء الآخرين الذين يعتبرون جنس هذا الحكم حداً، يمكن الإشارة إلى العلامة الحلي (العلامة الحلي، 1411هـ: ص 187).
5-2. كون حكم قتل سابّ النبي تعزيراً
هناك فقهاء يعتبرون جنس الحكم تعزيراً؛ فمثلاً الشهيد الثاني في «حاشية الإرشاد» يعتبر كل ترك لواجب أو ارتكاب لحرام موجباً للتعزير؛ ثم يعتبر سابّ النبي مصداقاً من مصاديق ارتكاب الحرام الموجب للتعزير (1414هـ: ص 103). وقد كان الشهيد الأول قبل الشهيد الثاني على نفس الرأي (الشهيد الأول، 1414هـ: ص 103؛ نفسه: ج4، ص 232). وابن البراج أيضاً يبدأ بالقول بأن التعزير واجب على المتكلم في كل لفظ يوجب إيذاء مسلم؛ ثم يطرح في تتمة كلامه مسألة سب النبي، ويبدو أنه يعتبر سب النبي مصداقاً من مصاديق سب المسلم، ويوحّد أحكام كليهما من حيث كونهما تعزيراً (1406هـ: ج2، ص 551). ويبدو أن فقهاء مثل عبد الكريم الموسوي الأردبيلي على نفس هذا الرأي ويعتبرون أي سب، سواء كان سب النبي أو غيره، موجباً للتعزير؛ وإن كان حكم سب النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام يختلف عن حكم سب غيرهم (الموسوي الأردبيلي، 1427هـ: ج2، ص 357). والمؤمن القمي السبزواري أيضاً في «جامع الخلاف» ينسب القول بتعزير السابّ إلى الشافعي (من علماء العامة) (1421هـ: ص 588).
6. دراسة وتحليل والرأي المختار
كما ذُكر في الأقسام السابقة، يرى البعض أن جنس هذا الحكم حد، وآخرون يرونه تعزيراً. لكن هذا البحث يوضح أن جنس هذا الحكم ليس حداً ولا تعزيراً؛ بل هو حكم تعبدي خاص. وعليه، لإثبات هذا المدعى، يلزم تقديم قرائن وشواهد على عدم كونه حداً، وشواهد أخرى على عدم كونه تعزيراً، حتى يكون هذا المدعى مقبولاً. في البداية، تُعرض القرائن والشواهد التي تبين أن هذا الحكم ليس من جنس الحد.
6-1. شواهد عدم كون حكم قتل المهين للنبي صلى الله عليه وآله حداً
6-1-1.
في الروايات الخاصة بالحدود، إذن الإمام لازم؛ لكن الفقهاء لم يعتبروا إذن الإمام لازماً في قتل سابّ النبي، بل ادعى البعض الإجماع على ذلك (ابن زهرة، 1417هـ: ص 428). وعليه، فإن هذا الأمر، كقرينة، يمكن أن يخرجه عن كونه حداً (التبريزي، 1417هـ: ص 258).
6-1-2.
في الحدود، لا يُشترط في تنفيذ الحد دفع الضرر، أما في سب النبي، فيُشترط ألا يؤدي تنفيذ الحكم إلى ضرر؛ فلا يمكن أن يكون من باب الحد (الشهيد الثاني، 1410هـ: ج9، ص 195؛ فاضل لنكراني، 1422هـ: ص 403).
6-1-3.
لا تسقط الحدود بإسلام الكافر، وهي واحدة بالنسبة للكافر والمسلم (الشريف المرتضى، 1415هـ: ص 480)؛ أما في سب النبي، فلو سب كافر النبي صلى الله عليه وآله ثم أسلم، فإن «قاعدة الجب»1 تؤمنه ولا يجوز قتله بعد ذلك. وهذا أيضاً دليل على عدم كونه حداً؛ أي لو كان حداً، لما كان لكونه كافراً أو مسلماً مدخلية في المسألة (الحلي، 1387هـ: ج1، ص 474).
6-1-4.
يعدّ الفقهاء في كتاب الحدود أعداد الحدود. وفي جميع هذه الموارد، تُستخدم كلمة «حد»؛ فمثلاً حد السرقة وحد القذف. ولكن عندما يصلون إلى سابّ النبي، لا يستخدمون كلمة «حد». وهذا يدل على أن كون حكم السب حداً كان محل تردد لديهم (الإمام الخميني، 1404هـ: ص 231؛ المرعشي النجفي، 1406هـ: ج2، ص 275).
6-1-5.
رغم أن الفقهاء يبحثون سب النبي في كتاب الحدود، إلا أنه كما قيل، كانت سيرة معظم الفقهاء هي بحث جميع العقوبات، سواء كانت حدوداً أو تعزيرات، في كتاب الحدود. ومع ذلك، فقد بحثوا سب النبي في لواحق كتاب الحدود، وهي أيضاً أعم من الحدود والتعزيرات. وبما أن الفقهاء كانوا في مقام البيان، فلو كان كونه حداً أمراً مسلماً به، لأوردوه ضمن الحدود (المحقق الحلي، 1408هـ: ج1، ص 221). وقد ذكره البعض الآخر في بحث منفصل بعنوان «خاتمة» (السبزواري، 1413هـ: ج28، ص 29). وذكر آخرون أيضاً عدداً من العقوبات في بحث «اللواحق»، بعضها من باب الحد وبعضها الآخر من باب التعزير؛ وقد ذكروا سب النبي في نفس الباب، لكنهم لم يذكروا شيئاً عن كونه حداً أو تعزيراً (صاحب الجواهر، 1404هـ: ج41، ص 432؛ التبريزي، 1417هـ: ص 257؛ الأردبيلي، 1427هـ: ج2، ص 423).
6-1-6.
في الموارد التي يبحث فيها الفقهاء عن عقوبة موارد ثبوت الحد، يستخدمون لفظ الحد؛ ولكنهم عندما يصلون إلى سب النبي يقولون: «فجزاؤه القتل». وهذا يدل على أنهم لا يعتبرون عقوبة السب من باب الحد (المحقق الحلي، 1418هـ: ص 22).
6-1-7.
في موارد الحدود، لا يكون المرتكب بمجرد ارتكابه الجرم مستوجباً للحد مهدور الدم بشكل عام؛ أي أنه قد يُطلق اسم مهدور الدم على أفراد معينين فقط. ومع ذلك، فإن مرتكب سب النبي، بمجرد سبه، يصبح مهدور الدم بشكل عام ودمه مباح (نفسه، 1408هـ: ج1، ص 221)؛ وعليه، يمكن القول إنه قد ابتعد عن زمرة الحدود. وفي هذا السياق، هناك فقهاء لا يرون هذا الحكم من باب الحد فقط؛ ولكن هذا لا يعني أنهم يرونه من باب التعزير، بل يجيزون قتله من باب كونه مهدور الدم. ومن هؤلاء الفقهاء يمكن الإشارة إلى المرحوم الخوئي (1410هـ: ص 75 و 76) والسيد محمد سعيد الحكيم (1415هـ: ج3، ص 136).
6-1-8.
ليس غريباً أن تكون عقوبة ما ليست من باب الحد ولا من باب التعزير. فهناك موارد أخرى في الفقه؛ مثل قتل الكفار أو الأعداء في الجهاد الابتدائي أو الدفاعي، وهو ليس حداً ولا تعزيراً. كما أن هناك موارد قبل فيها البعض كونها حداً، والبعض الآخر تعزيراً، وفئة ثالثة عقوبة خاصة؛ فمثلاً، وطء المرأة الحائض أو وطء البهيمة. بالطبع، في المثال الثاني، هناك خلاف: فالمشهور هو التعزير، وقبل البعض 25 جلدة، والبعض الآخر الحد الكامل (المحقق الحلي، 1408هـ: ج4، ص 174؛ الشهيد الثاني، 1413هـ: ج15، ص 42).
6-1-9.
توجد روايات استُخدمت فيها كلمة «حد»؛ لكن الفقهاء يدعون أن المراد منها هو التعزير، لأن مقداره لم يُحدد. وبناءً على ذلك، يمكن القول إنه حتى الفقهاء الذين يرون حكم سب النبي من باب الحد يواجهون هذا الإبهام؛ معللين ذلك بأن الروايات التي استُخدمت فيها كلمة «حد» يُراد بها أحياناً التعزير؛ فما بالك بالروايات التي لم تُستخدم فيها كلمة «حد» أصلاً. ومن هذا القبيل من الروايات، يمكن الإشارة إلى رواية عبد الرحمن بن الحجاج عن الإمام الصادق عليه السلام حول «أخذ رجلين في لحاف واحد» (الكليني، 1407هـ: ج7، ص 182). والمولى أحمد الأردبيلي أيضاً في نفس بحث حد الشهود، فيما يتعلق بالشهود الذين شهدوا زوراً، يعتبر هذا الحد بمعنى التعزير (الأردبيلي، 1403هـ: ج13، ص 98)؛ وفي بحث قطع يد السارق العبد (صاحب الجواهر، 1404هـ: ج41، ص 491) الأمر كذلك أيضاً. وقد أورد سلطان العلماء في حاشية «روضة البهية» هذا النقد مستدلاً بأنه إذا حُمل لفظ الحد على التعزير، فهو خلاف الظاهر؛ لأن اللفظ يُحمل على ظاهره. وكذلك، إذا كان تعزيراً، فيجب على الحاكم تحديد مقداره، لا على المعزِّر؛ وعليه، فهو ليس حداً ولا تعزيراً (الشهيد الثاني، 1412هـ: ج2، ص 360). ويرى الشيخ الطوسي أنه لا يوجد تنافٍ بين هذه الروايات، ورغم استخدام كلمة «حد»، فإنها تُحمل على التعزير (الشيخ الطوسي، 1390هـ: ج4، ص 215).
6-1-10.
توجد في الفقه موارد، وفقاً لتعريف الحد، واجدة لعقوبة مقدرة، لكنها ليست حدوداً؛ بل تعزيرات. وعليه، في سب النبي أيضاً، رغم أن عقوبته محددة ومعينة، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة أنه من باب الحد. ومن هذه الموارد، مثل عقوبة تزويج الذمي بامرأة مسلمة، ووطء الزوجة الحائض في زمن الحيض أو في نهار شهر رمضان، وكذلك إتيان البهائم وأمثالها، رغم أن عقوبتها معينة، إلا أن هناك إجماعاً على أنها ليست من باب الحد (صاحب الجواهر، 1404هـ: ج41، ص 254).
6-2. شواهد عدم كون حكم قتل سابّ النبي تعزيراً
في الأعلى، ذُكرت شواهد على عدم كون حكم قتل المهين للنبي صلى الله عليه وآله حداً. وفي المقابل، توجد شواهد تبين أن هذا الحكم ليس من نوع التعزير أيضاً، ولا يتوافق مع معايير كون الأحكام تعزيرية. وفيما يلي، تُبيّن هذه الشواهد.
6-2-1.
في الأدلة الفقهية، تُجاز التعزيرات إلى حد لا يؤدي إلى جرح أو قتل، وتكون لها فقط صفة إصلاحية. ويرى كثير من العلماء أنها من باب وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن الواضح أن حكم قتل سابّ النبي ليس من مصاديق الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه بقتل المهين، ينتفي موضوع الإصلاح. وعليه، فإن قتله ليس من باب التعزير (كاشف الغطاء، 1423هـ: ص 189).
6-2-2.
ورد في أدلة التعزير: للحاكم أن يفعل ما يراه مصلحة. والمراد من المصلحة، المصلحة الفردية؛ لأن التعزير للتأديب، ومن الواضح أنه بقتل المرتكب، تفوت مصلحة تأديبه (المرعشي النجفي، 1406هـ: ج2، ص 275). وكذلك، إذا فسرنا التعزير بـ «بما يراه الحاكم»، فإنه لا يوجد في قضية سابّ النبي حكم إضافي معين مسبقاً وفي يد الحاكم. ومن جهة أخرى، لا توجد جريمة تعزيرية بعنوان القتل وقطع العضو، وجميع الجرائم التعزيرية تشمل الحبس والجلد و… إلخ.
6-2-3.
يرى الفقهاء أن أحد معاني التعزير هو «بما دون الحد» (الشيخ المفيد، 1413هـ: ص 789؛ الشيخ الطوسي، 1387هـ: ج8، ص 69؛ ابن إدريس، 1410هـ: ج3، ص 469؛ العلامة الحلي، 1413هـ: ج3، ص 533؛ الشهيد الأول، 1410هـ: ص 256). وبما أن أقصى حد هو القتل، فلا يمكن أن يكون قتل سابّ النبي من باب التعزير.
6-2-4.
اعتبر الشهيد الأول في كتاب «القواعد والفوائد» في بحث أنواع القتل الواجب، أن أحد أنواعه هو «أصحاب الكبائر بعد التعزيرات». مع الأخذ في الاعتبار أن سابّ النبي يُقتل بسبه للنبي في المرة الأولى، فكيف يمكن أن يكون محكوماً بالقتل دون تعزير سابق؟ وعليه، بما أن القتل واجب في نفس المرتبة الأولى من السب، يمكن القول إنه ليس من باب التعزير (الشهيد الأول، بلا تا: ج2، ص 7؛ السيوري الحلي، 1403هـ: ص 474).
6-2-5.
قال بعض الفقهاء في تبيين مفهوم التعزير: يجب التعزير في الحالات التي يرتكب فيها شخص فعلاً قبيحاً أو يخل بواجب لم يُعين له في الشرع حد ومقدار، أو أن مقداره معين في الشرع ولكن شروط إقامته لم تكتمل (القمي السبزواري، 1421هـ: ص 597)؛ أما في قضية سابّ النبي، فإن عقوبة القتل معينة؛ وعليه، لا يمكن أن تكون من باب التعزير.
6-2-6.
في الحالات التي حكم فيها الفقهاء بالتعزير، ذكروا علته أيضاً؛ تعليلاً مثل المصلحة أو حفظ النظام. وعليه، لو كان سب النبي من باب التعزير أيضاً، لكان ينبغي بيان وجهه أيضاً. فمثلاً، المرحوم السبزواري في «مهذب الأحكام»، في بحث القذف، يخيّر الحاكم في التعزير من أجل حفظ النظام (1413هـ: ج28، ص 9)، وفي موضع آخر، يعتبر الاهتمام ببقاء الأحكام سبباً للتعزير (نفسه، ص 66).
6-2-7.
بحسب الفقهاء، إذا تلفظ شخص بكلام دون السب، يُعزر، وفقط في الحالات التي تكون مصداقاً للسب يُقتل. وهذا يدل على أن قتله ليس من باب التعزير؛ بل ما دون السب يُعزر (العراقي، 1414هـ: ج4، ص 353).
6-2-8.
ورد في بعض الروايات أن سابّ النبي إذا كان ذمياً، لا يُقتل؛ بل يُعزر. وهذا يدل على أن قتله ليس من باب التعزير. وينسب صاحب «الانتصار» هذا القول إلى أبي حنيفة وأصحابه (الشريف المرتضى، 1415هـ: ص 480). وهذا الاختلاف في الفتوى بين الإمامية والعامة، هو نفسه دليل على وجود تردد في كون هذا الحكم تعزيراً.
7. ثمرات عدم كون حكم سب النبي حداً أو تعزيراً
تتبلور نتيجة البحث والدراسة في أي موضوع في آثاره. وفي موضوع سابّ النبي أيضاً، تظهر ثمرة البحث في كونه حداً أو تعزيراً أو ليس بأحدهما في الخصائص والقواعد الكلية المتعلقة بكل من الحدود والتعزيرات. فكل من الحدود والتعزيرات له قواعد وضوابط خاصة به؛ وعليه، إذا كان سب النبي من باب الحد أو التعزير، فلا يمكن تطبيق قواعد أخرى عليه، ويجب بالضرورة تطبيق جميع ضوابط ولوازم نفس الجنس عليه. وكذلك، إذا لم تكن عقوبة هذا الجرم حداً ولا تعزيراً، فلا تسري عليه أي من قواعد وضوابط الحد أو التعزير. والآن، تُبحث بعض هذه القواعد.
7-1. قواعد باب الحدود
هنا، تُبحث بعض القواعد الخاصة بباب الحدود ليتضح كيفية شمول أو عدم شمول هذه القواعد لحكم إهانة النبي صلى الله عليه وآله. بعض هذه القواعد لا تشمل هذا الحكم صراحة (لأنه في التوضيحات السابقة، خرج هذا الحكم عن كونه من باب الحد)؛ ولكن بعضها الآخر، من باب الأولوية، يشمل هذا الحكم، وهو ما سيتم بحثه. وفي هذا الصدد، فإن قاعدة «عدم قبول الكفالة في الحدود» من القواعد المسلمة في باب الحدود. قيل إن الكفالة أضعف من الشفاعة. وبما أن الشفاعة تؤدي إلى تعطيل أو تأخير الحدود وهي غير مقبولة، فإن الكفالة أيضاً غير مقبولة؛ لأن كليهما لهما نفس الملاك في هذا المجال (عميد زنجاني، 1391: ج2، ص 199). وبهذا التوضيح، يجب القول عن سابّ النبي: إذا ثبت أن جنس حكم قتل سابّ النبي ليس حداً، فيجب قبول الكفالة فيه. ورغم أنه قد يُقال إن الكفالة غير متصورة هنا، فبمجرد خروجه من زمرة الحدود، يمكن القول إنه على الأقل ينشأ حق أخذ كفيل من المهين. وقد يكون تطبيق هذا الحق متصوراً في ظروف خاصة؛ مثلاً، حيث ثبت الجرم، ولكن يوجد مانع من تنفيذ الحكم. وهنا، يمكن للحاكم الموافقة على طلب الكفالة.
قاعدة «عدم قبول الشفاعة في الحدود» هي أيضاً من القواعد المسلمة والقطعية في الفقه الإمامي. وقد تناول عدد كبير من الفقهاء في باب الحدود وذكر قواعده هذه القاعدة (العلامة الحلي، 1410هـ: ج2، ص 191؛ السيوري الحلي، 1404هـ: ج4، ص 354). ونظراً لأن الأدلة المتعلقة بهذه القاعدة صريحة، لم يقل الفقهاء بانصراف أو استثناء لها؛ وعليه، فهي سارية في جميع الحدود. ولكن بما أنه ثبت أن حكم قتل المهين للنبي صلى الله عليه وآله ليس من نوع الحد، فإن هذه القاعدة أيضاً لا تسري عليه. إذن، يمكن الشفاعة لمرتكب هذا الجرم. وكذلك قاعدة «درء الحدود بالشبهات»، التي يُعبر عنها بـ«قاعدة درء»، وهي محل اتفاق بين فقهاء الإمامية والعامة، قابلة للتطبيق في هذا الموضوع أيضاً. وقد اعتبر الفقهاء أساس هذه القاعدة الامتنان والتخفيف في حقوق الله، ولهذا، خصصوها بالحدود الناشئة عن حق الله (صاحب الجواهر، 1404هـ: ج41، ص 157). ويبدو أن إطلاق النصوص أعم من موارد الامتنان وغير الامتنان، وعلى أقصى تقدير، إذا قُبل الامتنان والتخفيف كحكمة، فلا يُقبل كعلة (عميد زنجاني، 1391: ج2، ص 246). وفيما يتعلق بسابّ النبي، إذا قُبل أن جنسه ليس حداً، فلا يمكن تطبيق هذه القاعدة. وعدم تطبيق هذه القاعدة يعني أنه حتى في الحالات التي توجد فيها شبهة في سب النبي، يُعاقب أيضاً. ويبدو أن هذا الاستنتاج غير صحيح؛ لأنه من جهة، الحدود هي أعلى الجرائم ولكنها تُدرأ بالشبهة؛ أما هنا، حيث ثبت أن عقوبة سب النبي ليست من باب الحد، فكيف لا تُدرأ العقوبة بوجود شبهة؟ بالطبع، من باب أولى يجب أن تُدرأ العقوبة هنا. إذن، في هذا المورد، عدم كون هذا الجرم حداً لا يمنع من درء العقوبة بوجود شبهة. ويؤيد قانون العقوبات الإسلامي (المصادق عليه عام 1392) في المادة 263 هذا الرأي أيضاً؛ فقد جاء في هذه المادة: «كلما ادعى المتهم بالسب أن أقواله كانت عن إكراه، أو غفلة، أو سهو، أو في حالة سكر، أو غضب، أو سبق لسان، أو دون الانتباه لمعاني الكلمات، أو نقلاً عن قول آخر، لا يُعتبر ساباً للنبي.» من جهة أخرى، تُستخدم هذه القاعدة في التعزيرات أيضاً. وتبصرة هذه المادة نفسها اعتبرت الحالات التي يكون فيها السب في حالة سكر أو غضب أو نقلاً عن قول آخر موجبة للتعزير وتصدق عليها الإهانة.
وحول قاعدة «لا يمين في الحد»، يمكن القول أيضاً: اليمين لا محل له في الحدود، وطرق إثباتها غير اليمين. ومع ذلك، في سب النبي، في الحالة التي يدعي فيها شخص سباً من قبل آخر ولا يملك دليلاً على إثباته، كالدعاوى الجنائية، يجب قبول يمينه؛ لأن الفرض هو أن هذا الجرم ليس من باب الحد.
وكذلك، في قاعدة «عدم التأخير في تنفيذ الحدود»، يرى الشهيد الأول والشهيد الثاني أنه في حال وجود عذر يمنع، وكذلك في الحالات التي يوجد فيها ضرر، يجوز تأخير الحد (الشهيد الأول، 1410هـ: ص 257؛ الشهيد الثاني، 1410هـ: ج9، ص 165). وفخر المحققين الحلي أيضاً لا يجيز تأخيره في حال القدرة على التنفيذ؛ إلا إذا كانت هناك مصلحة في تأخيره (الحلي، 1387هـ: ج4، ص 491). ويجيز العلامة الحلي تأخير تنفيذ الحد فقط لوجود ضرورة (العلامة الحلي، 1421هـ: ص 322). والمحقق الحلي أيضاً يجيز تأخير تنفيذ الحد في حال عدم الأمن من الضرر (المحقق الحلي، 1408هـ: ج4، ص 148). ومع وجود هذه القيود، فقد قُيد إطلاق القاعدة، وفي كثير من الحالات، يمكن جواز التأخير؛ وعليه، فإن هذا التأخير في سب النبي قابل للتطبيق من جهتين: الأولى أن هذه القاعدة خاصة بالحدود، والحال أن الفرض هو أن هذا الجرم ليس من زمرة الحدود، فلا يوجد مقتضٍ؛ والثانية، على فرض أنه من زمرة الحدود، فبسبب وجود الموانع المذكورة، قد يتأخر؛ أي من باب وجود المانع. وعليه، فإن التأخير بشأن مرتكب هذا الجرم جائز، وربما لأسباب أخرى يكون لازماً أيضاً. وحول قواعد أخرى من باب الحدود، فالوضع على هذا المنوال أيضاً. فمثلاً، في قاعدة «عدم سقوط الحد بالتوبة قبل الإثبات»، وهي خاصة بباب الحدود، فإن المهين للنبي صلى الله عليه وآله مبرأ من هذه القاعدة، وإذا تاب قبل الإثبات، فمن الطبيعي أن تسقط عقوبته.
7-2. قواعد باب التعزيرات
فيما يتعلق بقواعد باب التعزيرات، فالشروط تشبه باب الحدود؛ بمعنى آخر، القواعد الخاصة به مخصصة لباب التعزيرات. وبما أنه قد تبين أن حكم قتل المهين للنبي صلى الله عليه وآله ليس من باب التعزير أيضاً، فإن قواعد هذا الباب أيضاً لا تُطبق على هذا الحكم. إحدى هذه القواعد، قاعدة «التعزير بما يراه الحاكم» (في التعزيرات، ما يحكم به الحاكم هو الذي يكون)؛ أي أنه بحسب الزمان والمكان، قد يكون حكم جرمي واحد مختلفاً. ومع ذلك، في جرم الإهانة، ليس رأي الحاكم هو الملاك؛ لأنه ليس من باب التعزير. قاعدة أخرى هي «كل ما فيه التعزير من حقوق الله يثبت بالشاهدين». في هذه القاعدة، في التعزيرات التي هي حق الله، تكفي شهادة شاهدين لإثباتها وتُعتبر لازمة. ورغم أن جرم إهانة النبي صلى الله عليه وآله هو حق الله، ولكن بما أنه خارج عن باب التعزيرات، فإن له برداشتين من شهادة الشاهدين: الأولى أن شهادة شاهدين ليست لازمة في هذا الجرم؛ أي أنه يثبت بشهادة شاهد واحد أيضاً (في الواقع، بالنسبة للتعزيرات، الشروط أسهل)؛ والثانية، يُقال إنه يجب أن يثبت بشهادة أكثر من شاهدين؛ أي أنه تُطبق شروط أكثر صرامة بالنسبة للتعزيرات. في المقابل بين هاتين البرداشتين، لا تبدو البرداشت الأولى معقولة؛ لأنها قد تكون لها توابع فاسدة، ولأن الإسلام في حقوق الله لا يسعى لإثبات الجرائم؛ وإن كان بعد الإثبات يسعى للعقاب. وهنا أيضاً، يجب أن تكون الشروط بحيث يثبت هذا الجرم بسبب حكم قتل مرتكبه، وبما أنه يتعلق بالدماء، في ظل شروط أكثر صرامة حتى لا نبتعد عن الاحتياط في الدماء. وعليه، فإن البرداشت الثانية (إثبات الجرم بأكثر من شاهدين)، بالنظر إلى الاحتياط في الدماء ومنع إهانة قوانين الإسلام الجزائية، أقرب إلى الواقع.
الخاتمة
1. حكم قتل سابّ النبي إجماعي بين الفقهاء. واختلافهم في وجوب أو جواز هذا الحكم؛ ورغم أن المشهور قائلون بالوجوب، فبالنظر إلى الأدلة الموجودة، يمكن القول إن مراد القائلين بالجواز في كلام بعض الفقهاء منصرف عن الوجوب؛ أي في فرض وجود الشروط، يكون السامع مكلفاً بتنفيذ الحكم، لا أنه بعد وجود شروط التنفيذ يكون مختاراً في تنفيذه؛ لأنه في هذه الحالة يكون كأنه قد ترك حكم الله (وجوب قتل سابّ النبي).
2. بشأن لزوم إذن الإمام في تنفيذ الحكم، يجب القول: رغم أن لسان الروايات لا يلزم بإذن الإمام، ولكن بالنظر إلى مقتضيات الزمان والمكان، والمصالح الاجتماعية، وكذلك التوابع الفاسدة لتنفيذ مثل هذه الأحكام دون إذن الإمام أو الحاكم، يبدو أنه بدون إذن الحاكم، يختل نظام المجتمع. والمراد من إذن الإمام أو الحاكم هو أن يكون الإمام أو الحاكم قد أذن مسبقاً بشكل عام أو خاص، حتى يقوموا بتنفيذ الحكم عند المشاهدة، أو أن يقوموا بعد مشاهدة هذا الجرم بإثباته أولاً بالأدلة المعتبرة، ثم يأذن الحاكم للسامع بتنفيذ الحكم.
3. بالنظر إلى الشواهد والقرائن الموجودة، فإن ماهية حكم قتل سابّ النبي ليست حداً ولا تعزيراً؛ بل هي حكم خاص تعبدي. وعليه، فإن الأحكام والقواعد الخاصة بباب الحدود والتعزيرات لا تُطبق عليه أيضاً. وهذه الأحكام الخاصة في الفقه، التي ليست جزءاً من الحدود ولا التعزيرات، لها سابقة ومصاديق أخرى أيضاً؛ مثل قتل الكفار أو الأعداء في الجهاد الابتدائي أو الدفاعي، وهو ليس حداً ولا تعزيراً. والفقهاء من أدلة ذلك، مثل قتل سابّ النبي، استنبطوا حكمه فقط ولم يقدموا بياناً حول كونه حداً أو تعزيراً.
4. تنفيذ حكم قتل سابّ النبي، كما أن له شروطاً من جانب السامع، فله شروط أيضاً لثبوته من جانب السابّ. ومع وجود هذه الشروط، لا يمكن بالضرورة اعتبار قائله مستحقاً للقتل بمجرد سماع السب. فكما أنه في الجرائم الأخرى يجب وجود أركان قانونية ومادية ومعنوية لإثبات الجرم، فيجب أن يكون الأمر كذلك في هذا الجرم أيضاً. بالطبع، ركنه القانوني مبين في الشرع والقانون، ولكن مراجعة الحاكم بشأن الأركان الأخرى، خاصة الركن المعنوي، ضرورية؛ لأن الحيل التي يستخدمها الأعداء في إغفال المسلمين من هذا الطريق، تؤدي إلى عدم تحقق هذا الركن المهم من الجرم، وهذا الجرم، في الغالبية العظمى، يُرتكب عن جهل وغفلة. ونتيجة لذلك، لا ينبغي للسامع أن يقدم على تنفيذ الحكم بمجرد سماع السب ودون علم ببقية الشروط والأوضاع والأحوال الجانبية.
5. في النهاية، بالنظر إلى كل ما ذُكر، يجب القول: قتل سابّ النبي له شروط خاصة: بعض الشروط إثباتية وانتسابية في السابّ، وبعض الشروط الأخرى تتعلق بالسامع. إذا اجتمعت كل هذه الشروط، يمكن تنفيذ الحكم؛ ولكن عبء الإثبات يقع على عاتق السامع. يجب عليه أن يثبت وجود شروط السابّ بالأدلة المعتبرة، أو أنه بعد سماع السب، بمراجعة الحاكم وإثباته، وفي النهاية، بإذن الحاكم، ينفذ الحكم. ويبدو أن الرأي الثاني ومراجعة الحاكم هو الأفضل؛ لأن عدم قبول مثل هذا الرأي لا يترتب عليه سوى اختلال النظام الاجتماعي، وقد يقتل أي شخص آخر بمجرد هذا الادعاء.
الهوامش
1. الإسلام يجبّ ما قبله.