ملخص
إن علم الأصول هو منطق الاجتهاد ومفتاح فهم العديد من مباحث علم القانون. ومما لا شك فيه أن طرح ونقد نظريات علم الأصول يسهم إسهامًا كبيرًا في تطور الاجتهاد وعلم القانون. ومن بين هذه النظريات «نظرية حق الطاعة» التي ابتكرها نابغة العصر الشهيد السيد محمد باقر الصدر. على الرغم من كثرة المباحث التي جرت في مختلف أبعاد هذه النظرية، إلا أن ضرورة البحث في بعض جوانبها لا تزال محسوسة؛ ومنها الخلفية التاريخية والمباني، والبراءة العقلية، ودراسة الإشكالات التي أوردت على حق الطاعة. يسعى هذا المقال إلى نقد ودراسة ثلاثة عشر إشكالًا أوردت على هذه النظرية. ولهذا، يبدأ بدراسة الخلفية التاريخية للنظرية ويشير إلى ستة مبانٍ حول البراءة العقلية؛ ثم يقرر محل النزاع، وفي الختام يتناول كل إشكال من الإشكالات ويجيب عليها.
مقدمة
إن علم الأصول من العلوم التي شهدت قواعدها تحولات كثيرة؛ ومنها قاعدة البراءة العقلية في الشبهات التحريمية والوجوبية بعد الفحص واليأس من الدليل. يذهب مشهور الفقهاء الأصوليين إلى جريان البراءة استنادًا إلى هذه القاعدة في الشبهات التحريمية والوجوبية؛ في مقابل الفقهاء الأخباريين القائلين بالاحتياط العقلي والشرعي في الشبهات التحريمية. في هذا النزاع الأصولي والأخباري، فصّل البعض، ومنهم المحقق الداماد والشهيد الصدر، معتقدين أن العقل يحكم بالاحتياط لا البراءة في الشبهات التحريمية والوجوبية؛ وإن كانت الآيات والروايات دالة على البراءة الشرعية. وقد تم في السنوات الأخيرة دراسة هذا الادعاء واستدلاله من جوانب مختلفة في الأدبيات القولية والكتابية للشهيد الصدر تحت عنوان «نظرية حق الطاعة»، وله مؤيدون ومعارضون. وقد قدم القائلون بالبراءة العقلية في الشبهات التحريمية مبانٍ مختلفة لإثباتها، سيتم ذكر ستة منها في بحث الخلفية التاريخية. لكل من هذه المباني خصائص تؤثر في سعة وضيق المدعى؛ ولكن القاسم المشترك بينها جميعًا هو وجوب الاحتياط العقلي في الشبهات بعد الفحص واليأس من الدليل. يمكن القول بجزم إن قبل نابغة العصر، الشهيد السيد محمد باقر الصدر، كان الدور الأكبر في ترسيخ هذه النظرية لسماحة آية الله المحقق الداماد، أستاذ المراجع المعاصرين؛ إذ إن شخصيته العلمية الرفيعة من جهة، وموافقة تلامذته المعظمين من أمثال آيات الله العظام الزنجاني (الحيدري الكاشاني، بلا تا) والطاهري الأصفهاني (الطاهري الأصفهاني، ١٣٨٢ش، ج٢، ص ٢٣٧) ومكارم الشيرازي (القدسي، ١٤٢٤ق، ج٣، ص ٥٥-٥٨) من جهة أخرى، أدّت إلى اعتباره من مؤسسي ومخالفي تيار البراءة العقلية في الشبهة بعد الفحص. يهدف هذا المقال إلى نقد ودراسة ثلاثة عشر إشكالاً أوردها أحد الأساتذة وفضلاء الحوزة العلمية على نظرية حق الطاعة للشهيد الصدر. وبحسب البحث الذي أجراه الكاتب، لم يتم نقد ودراسة هذه الإشكالات حتى الآن. لذلك، فإن البحث جديد، ونظرًا لمكانة صاحب نظرية حق الطاعة وآثارها العلمية والعملية، فإن نقدها ودراستها ضروريان. وقبل الدخول في المباحث الرئيسية، من المفيد التذكير بالنقاط التالية لتوضيح محل النزاع: ١. نظرًا لمحدودية صفحات المقال، لا بد من الإيجاز. لذا، كان لا بد من اختيار عبارات الناقد المحترم. ٢. هناك إشكال منهجي يرد على معظم موارد النقد، باستثناء النقد الثالث عشر، وهو أن الناقد لم يذكر مصدرًا لما نسبه إلى الشهيد الصدر، لا من مصادر تأليفه ولا من مصادر تقريراته الثلاثة. ولو ذكر المصدر، لربما تمكنا من تقييم فهم الناقد للعبارة. والشاهد على ذلك هو النقد الثالث عشر الذي يستدعي التأمل في نقد الناقد المحترم. ٣. من الواضح جدًا أن ما سيأتي هو بحث علمي ولا علاقة له بالشخصية العلمية والاجتماعية للناقد المحترم.
الخلفية التاريخية
إن الإلمام بتاريخ المسائل والمباحث له تأثير كبير في الوصول إلى حقيقة المطلب. ويتضاعف هذا التأثير في المباحث الخلافية. لذا، تُبحث خلفية البحث الحالي في محورين: (أ) خلفية البراءة العقلية بمنهجي أصالة الإباحة وقبح العقاب بلا بيان. يجب البحث هنا في مقامين: ١. البراءة العقلية المبنية على قاعدة أصالة الإباحة؛ ٢. البراءة العقلية المبنية على قبح العقاب بلا بيان. توضيح: القائلون بأن العقل يدرك الحسن والقبح، طرحوا بحثًا في علم الأصول مفاده أن العقل، بصرف النظر عن الأحكام الشرعية، يدرك أحيانًا حسنًا شديدًا، فيحكم بالوجوب، وأحيانًا يدرك قبحًا شديدًا، فيحكم بالحرمة، وأحيانًا لا يدرك الحسن والقبح، وفي هذه الصورة، هناك ثلاثة أقوال في حكم العقل: أصالة الإباحة، وأصالة الحظر، والتوقف. نتيجة أصالة الإباحة هي البراءة العقلية، ونتيجة أصالة الحظر والتوقف هي الاحتياط العقلي.
المقام الأول: خلفية البراءة العقلية المبنية على أصالة الإباحة
أول فقيه قال بأصالة الإباحة هو الشيخ الصدوق. وبحسب نقل الشيخ المفيد، يقول: «اعتقادنا أنّ الأشياء على الإباحة حتى يرد النهي» (الشيخ المفيد، ١٤١٤ق، ص ٦٩). والنتيجة الحتمية للقول بأصالة الإباحة هي البراءة العقلية. بعده، قال معظم فقهاء الإمامية بأصالة الإباحة. وقال البعض أيضًا بالتوقف، ونتيجته الاحتياط العقلي (الشيخ الطوسي، ١٤١٧ق، ج٢، ص ٧٤١). من الواضح أنه في هذا البحث، لا يمكن اعتبار كل قائل بأصالة الإباحة من القائلين بالبراءة العقلية في مقابل القائلين بالاحتياط العقلي، أي حق الطاعة؛ لأنه من الممكن أن يكون قصدهم من أصالة الإباحة هو الإباحة الشرعية لا البراءة العقلية. إذن، البراءة بهذا المعنى لا تقع في مقابل بحث حق الطاعة.
المقام الثاني: خلفية البراءة العقلية المبنية على قاعدة قبح العقاب بلا بيان في مقابل الاحتياط العقلي المبني على حق الطاعة
يبدو أن أول فقيه طرح هذا البحث في علم الأصول وقبله هو الوحيد البهبهاني. لقد سار على نهج السلف الصالح في كتاب الفوائد الحائرية، الصفحة ٢٣٩، ولم يطرح بحثًا عن قبح العقاب بلا بيان؛ ولكنه في كتاب الرسائل الأصلية، الصفحة ٣٥٠، غير طريقة الاستدلال على البراءة العقلية وقال: «دليل المعظم على البراءة أنه إذا لم يكن نص لم يكن حكم، فالعقاب قبيح على الله». وقد اتبع الفقهاء من بعده هذا النهج، واعتبروا دليل البراءة العقلية هو قاعدة قبح العقاب بلا بيان (الميرزا القمي، ١٤٣٠ق، ج٣، ص ٤١؛ الشيخ الأنصاري، ١٤١٦ق، ج١، ص ١٩١). البراءة بهذا المعنى تقع في مقابل حق الطاعة ووجوب الاحتياط العقلي.
(ب) خلفية مباني وجوب الاحتياط العقلي (حق الطاعة)
لدى القائلين بوجوب الاحتياط العقلي في الشبهات بعد الفحص واليأس من الدليل مبانٍ مختلفة لإثباته، والتي سيشار إلى أهمها بصرف النظر عن النقد المحتمل. ١. مبنى لزوم استيفاء غرض المولى: يعتقد بعض الفقهاء أنه إذا علم العبد أن للمولى غرضًا ملزمًا لا يرضى بتركه، فإن العقل يحكم بلزوم استيفائه، حتى لو لم يرد أمر من المولى؛ مثل وجوب مقدمات الحج قبل موسمه، ووجوب الغسل على الجنب والحائض في شهر رمضان قبل طلوع الفجر. في هذه الموارد، مع أن ذا المقدمة لم يجب، فإن المقدمات المفوتة واجبة بحكم العقل من باب قبح تفويت ملاك وغرض المولى في ظرفه. يقول آية الله الخوئي: «فإذا أحرز العبد ذلك الملاك في فعل وإن علم بعدم التكليف به استحق العقاب على تفويته» (الخوئي، ١٤٢٦ق، ج١، ص ٢٤٧ وج ٢٤، ص ١٨١-١٨٧). وقد طرح المحقق الداماد هذا المطلب نقلاً عن آية الله الشبيري الزنجاني في مبحث البراءة العقلية وقال إنه إذا علم العبد أن غرض المولى قد تعلق بفعل، فيجب عليه الإقدام، والشك في القدرة لا يعد عذرًا. إذن، في صورة احتمال الغرض والتكليف، يجب الإقدام سواء أمر المولى أم لم يأمر؛ لأن الملاك يقيني، وحيث يكون الغرض والملاك معلومين، لا حاجة لأمر الشارع؛ بل يجب تحصيل غرض المولى (الحيدري الكاشاني، بلا تا، ص ١٨٨). يقول آية الله الطاهري الأصفهاني: يمكن المناقشة في قاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ لأن العقلاء لا يترددون في الوصول إلى أغراضهم المحتملة؛ ففي الموالي الحقيقيين من باب أولى لا ينبغي التردد؛ لأنهم يعتبرون العبد فانيًا في مقاصد المولى، ويعتبرونه بمنزلة أعضاء وجوارح المولى (الطاهري الأصفهاني، ١٣٨٢ش، ج٢، ص ٢٣٧). ٢. مبنى أصالة الحظر أو الوقف: يعتقد بعض الفقهاء أن الدافع الرئيسي للقائلين بأصالة الحظر أو الوقف هو نظرية حق الطاعة (الحائري، ١٤٠٨ق، ج٣، ص ٣٢٨). ٣. دفع الضرر المحتمل الأخروي: يعتقد أصحاب هذا المبنى أن دفع الضرر المحتمل، خاصة الأخروي، واجب بحكم العقل، وكلما كان المحتمل أقوى، كان وجوبه آكد، حتى لو كان الاحتمال ضعيفًا. ومن أصحاب هذه النظرية آية الله الزنجاني (الإسلامي، ١٣٨٥ش، ص ٢٢٣). ٤. إنكار كون قاعدة قبح العقاب بلا بيان عقلية: إذا اعتبرنا هذه القاعدة عقلية، فلن تقبل التخصيص، ونتيجتها إثبات البراءة العقلية، وإذا قلنا إن قبح العقاب بلا بيان قاعدة عقلائية لا عقلية، فستقبل التخصيص والتقييد. يعتقد بعض الأكابر مثل آية الله مكارم والمحقق اللاري (اللاري، ١٤١٨ق، ج٢، ص ٢٧١) بذلك. يشكك آية الله مكارم أولاً في كون القاعدة عقلية؛ وثانيًا، بما أن العقل يرى أن ملاك وجوب الطاعة هو ملكية الله ومولويته، يقول: «فلله تعالى حق الطاعة على العبد لأنه مولى حقيقي ومالكه لجميع شؤونه»؛ وثالثًا، بما أنه يعتبر القاعدة عقلائية، فإنه يذكر لها أربعة قيود (القدسي، ١٤٢٤ق، ج٣، ص ٥٦). ٥. إنكار كون العقاب على ترك التكليف الاحتمالي ظلمًا: يعتقد صاحب هذا المبنى أن العقل لا يرى عقاب العبد على ترك التكليف الاحتمالي ظلمًا وقبيحًا؛ لأن الظلم هو ما ينفر منه العقل. فالعقاب على ترك التكليف الاحتمالي حتى في الموالي العرفيين ليس قبيحًا، وعلى فرض التنزل وقبول قبح العقاب بلا بيان على ترك التكليف الاحتمالي في الموالي العرفيين، فإنه ليس قبيحًا في المولى الحقيقي؛ لأن العبد مملوك ومخلوق للمولى، ولا يتصور للعبد أي حق في مقابل الخالق والمولى الحقيقي (الحكيم، ١٤١٦ق، ج٤، ص ٤٣٨). ٦. المولوية الذاتية والحقيقية لله: يعتقد الشهيد الصدر أن مبنى وجوب الاحتياط العقلي (حق الطاعة) هو حكم العقل بالمولوية التامة لرب الأرباب من باب كونه منعمًا ومالكًا.
تقرير محل النزاع
إن تقرير محل النزاع من الخطوات الضرورية للوصول إلى حقيقة المطالب العلمية؛ إذ قد يكون كلام كل طرف في بحث علمي ناظرًا إلى حيثية من المسألة الخلافية. وتتضاعف هذه الضرورة في بحث حق الطاعة؛ لأنه يتسم بحيثيات وشؤون مختلفة. يعتقد الكاتب أنه إذا تم تقرير محل النزاع في مسألة حق الطاعة بشكل صحيح، فسيكون مصداقًا لـ «قضية قياساتها معها». توضيح: ١. يتفق الفقهاء الأصوليون في مبحث البراءة على الأمر الأول والثاني من الأمور التالية ويختلفون في الأمر الثالث: (أ) وجوب الاحتياط العقلي والشرعي في الشبهات التحريمية والوجوبية قبل الفحص؛ (ب) البراءة الشرعية في الشبهات الوجوبية والتحريمية بعد الفحص؛ (ج) البراءة العقلية في الشبهات التحريمية والوجوبية بعد الفحص. في الأمر الثالث، قال معظم الأصوليين بالبراءة العقلية. وقال البعض، ومنهم الشهيد الصدر، بمنع البراءة العقلية. إذن، محل النزاع أولاً هو في الشبهات بعد الفحص؛ وثانيًا في البراءة العقلية لا الشرعية. ٢. حق الطاعة ووجوب الاحتياط العقلي يثبتان إلى أن تثبت البراءة الشرعية بدليل معتبر، سواء كان نصًا أو ظهورًا إطلاقيًا أو عمومًا. بعبارة أخرى، ادعاء أنصار حق الطاعة هو وجوب الاحتياط التعليقي. ٣. يقارن معارضو حق الطاعة المولوية الحقيقية والذاتية للخالق الحكيم المنعم بالمولوية الجعلية العرفية ويحصرونها في نطاق الأحكام القطعية؛ ولكن أنصار حق الطاعة يبطلون هذه المقارنة ويقولون إن المولوية الحقيقية للخالق الحكيم المنعم تشمل الأحكام المحتملة أيضًا؛ لأن الملاكات تختلف؛ فملاك الطاعة في الأولى هو وجوب شكر المالك الحقيقي والمنعم بلا حدود، وملاك الطاعة في الثانية هو في نطاق جعل المولوية. وهذان الملاكان غير قابلين للقياس؛ إذن فنطاق وجوب الطاعة غير قابل للقياس أيضًا. ٤. يقول معارضو حق الطاعة: فقط مخالفة التكليف الواصل قطعًا تستوجب العقاب، ومخالفة التكليف المحتمل لا عقاب عليها من باب قاعدة قبح العقاب بلا بيان. يقول أنصار حق الطاعة: هذا الاستدلال صحيح في الموالي العرفيين؛ لأن ملاك مولويتهم هو الجعل. وفي المولى الحقيقي، بالإضافة إلى الوصول القطعي الحقيقي، فإن الوصول الاحتمالي منجز أيضًا بحكم العقل؛ لأن ملاك المولوية والطاعة هو ملكية المولى وكونه منعمًا، وهذا الملاك يقتضي أن تكون تكاليفه المحتملة واجبة من وجهة نظر العقل؛ إلا إذا رخص الشارع نفسه.
دراسة الإشكالات
الإشكال الأول
يقول الناقد المحترم: إن المدافعين عن نظرية حق الطاعة يرون وجود تلازم بين لزوم طاعة الله ودائرة حق الطاعة، ويعتقدون أن أصل لزوم طاعة الله حكم بديهي أولي عقلي ولا يحتاج إلى استدلال. ودائرة حق الطاعة بديهية وأولية أيضًا؛ ومن ثم يجب على المكلف امتثالها في جميع الموارد، سواء كان الحكم قطعيًا أم احتماليًا. يبدو أنه لا مانع من أن يعتبر العقل لزوم طاعة الله حكمًا أوليًا، ولكنه لا يملك حكمًا بديهيًا في دائرة ونطاق الطاعة. ثم يقدم شواهد على هذا الادعاء وسؤالًا حول ما إذا كان محدد مصداق الطاعة هو العقل أم الشرع (ستوده، ١٣٩٤ش، ص ١٢٤-١٢٨). الجواب: على فرض قبول كبرى المورد المشار إليه من عدم التلازم بين بداهة الشيء ومحدوديته ودائرته، فإن وجوب طاعة المولى في الأحكام الاحتمالية، أولاً، ليس مصداقًا للكبرى؛ لأنه ليس مصداقًا للدائرة؛ بل هو مصداق لحق الطاعة. توضيح ذلك أن الدليل الدال على أصل حق الطاعة هو المولوية الذاتية ووجوب شكر المنعم والطاعة المحضة للمملوك من المالك. هذا الدليل يدل على وجوب الطاعة في الأحكام الاحتمالية، وليس أن العقل يدل فقط على أصل حق الطاعة ومن خلال تلازمه مع طاعة الأحكام الاحتمالية يثبت وجوب الأحكام الاحتمالية. بعبارة أخرى، حق الطاعة عنوان انتزاعي من وجوب طاعة الأحكام الاحتمالية. إذن، كل الأمثلة التي ذكرها هي خطأ في التطبيق؛ أي أنه اعتبر مصداق الأصل مصداقًا للدائرة. ثانيًا، على فرض التنزل، يمكن القول إن الشهيد الصدر منذ البداية يعتبر موضوع حكم العقل هو دائرة حق الطاعة. توضيح ذلك أن العقل يحكم بأنه بما أن المولى الحقيقي منعم على الإطلاق، فإن دائرة وجوب طاعته تشمل الأحكام الاحتمالية أيضًا، لا من باب التلازم بين لزوم الطاعة ودائرتها. بعبارة أخرى، حكم العقل المبني على حق طاعة المولى يتجه مباشرة إلى الأحكام الاحتمالية. ثم يقول بعد السؤال الأول: السؤال الثاني: هل يحدد العقل مصداق الطاعة أم الشرع؟ لا شك أن الشرع هو الذي يحدد. الجواب: نحن نتفق معه على أن تعريف وتعيين مصداق الطاعة منوط بالشرع، ولكن هذا المطلب لا علاقة له بوجوب الطاعة العقلية في الأحكام الاحتمالية؛ لأن تعريف وتعيين مصداق الطاعة من قبل الشارع هو بمنزلة تعيين موضوع حكم العقل. يحكم العقل بوجوب العمل بكل ما هو طاعة من وجهة نظر الشارع، سواء وصل هذا المطلب بالعلم والقطع أم بالاحتمال. بعبارة أخرى، يوسع العقل الحكم الذي يعتبر الشارع اتباعه طاعة، ليشمل الموارد الاحتمالية من باب حق طاعة المولى الحقيقي؛ إلا إذا رخص الشارع نفسه في الأحكام الاحتمالية. إذن، تعيين مصاديق الطاعة منوط بالشارع، والعقل يوسع كيفية تلقي الحكم ليشمل ما يكون العمل به مصداقًا للطاعة.
الإشكال الثاني
يقول الناقد المحترم: لقد بحث المدافعون عن نظرية حق الطاعة المسألة على أساس منعمية الله الذاتية وملكيته… وفي هذا الباب، يوجد عنوان مهم آخر هو نفسه عنوان مستقل وهو كون الشارع مقننًا… كون الله خالقًا ومنعمًا هو حيثية تعليلية لكونه شارعًا وليس عنوانًا تقييديًا (نفس المصدر، ص ١٢٩-١٣١). الجواب: في محل البحث، توجد عدة عناوين أدى الخلط بين رتبتها ومكانتها إلى الإشكال: ١. عنوان كون الله شارعًا؛ ٢. عنوان أن الحكم صادر من حيث الشارعية؛ ٣. حكم العقل بوجوب الطاعة. البحث هو في هل أن وجوب طاعة الأحكام الاحتمالية بحكم العقل هو من باب وجوب شكر المنعم أم من جهة كون الله شارعًا؟ يبدو أن الأول هو الصحيح؛ لأن كون الله شارعًا، أولاً، دخيل في صدور الحكم. فبعد صدور الحكم، من حيث كونه شارعًا، يتحقق موضوع حكم العقل بوجوب طاعة الشارع بسبب كونه مالكًا ومنعمًا. بعبارة أخرى، عنوان الشارعية دخيل في تحقق موضوع وجوب الطاعة، لا في أصل وجوب الطاعة. ثانيًا، عنوان الشارع موجود أيضًا بين العقلاء، ولكن العقل لا يدرك وجوب الطاعة. وهذا شاهد على أن وجوب الطاعة هو بحكم العقل لا من حيث الشارعية؛ وإلا لكان وجوب الطاعة في الشارعين العرفيين أيضًا. أما نقضه بأن الله خالق ومالك للأطفال والموجودات الأخرى أيضًا في حين أنه لا يشرع لهم ولا يدرك العقل وجوب طاعتهم، فيكشف أن حق الطاعة ليس بملاك كونه خالقًا ومنعمًا، بل بملاك كونه شارعًا. الجواب: أولاً، يُنقض بأن الله شارع لهم أيضًا؛ فلماذا لم يشرع في حقهم؟ الجواب هو الجواب.
الإشكال الثالث
يقول الناقد المحترم: من وجهة نظر صاحب منتقى الأصول لا يوجد أي حق للعبد على المولى الحقيقي، من باب «العبد وما بيده لمولاه»؛ في حين أنه إذا كان العبد جاهلاً بالتكليف فلا يستطيع المولى عقابه… هذا المطلب دليل على أن الجهل قد أوجد لهم حقًا. إذن، من وجهة نظر العقل، لا يطرح حق الطاعة بشأن أي مولى من حيث هو مولى، في غير مقولة الأحكام القطعية… ما لم يكن هناك تكليف، لا يوجد حكم بالطاعة أيضًا. نعم، إذا صدر التكليف من ناحية المولى ووصل، فيجب إتيانه من ناحية العبد. إذن، التكليف الاحتمالي، من وجهة نظر العقل، لا يوجب الطاعة (نفس المصدر، ص ١٣١-١٣٢). الجواب: أولاً، في هذا الإشكال، تم الخلط بين ثلاثة مطالب: ١. إذا كان المكلف جاهلاً قاصرًا وترك التكليف، فإنه لا يعاقب، وهذا مطلب حق؛ ٢. إذا لم يكن هناك تكليف، فلا يوجد حكم بالطاعة؛ وهذا أيضًا صحيح؛ ٣. إذا كان هناك تكليف، فإن طاعته واجبة، ولكن البحث هو في هل أن التكليف الاحتمالي مصداق لعدم التكليف أم مصداق لوصول التكليف؟ وطاعته واجبة؛ لأن الوصول الاحتمالي في المولى الحقيقي بمنزلة الوصول القطعي. يقول أنصار حق الطاعة إن الثاني هو الصحيح بسبب حق الطاعة والمولوية الذاتية الناشئة عن كون الله مالكًا ومنعمًا. إذن، قياس التكليف الاحتمالي على الجهل في نفي العقاب هو قياس مع الفارق. ثانيًا، في الجهل بالتكليف (الجاهل القاصر) يوجد تكليف ولكن لا يوجد بعث وتحريك. ولهذا السبب، لا يشمل حق الطاعة هذا المورد.
الإشكال الرابع
يقول الناقد المحترم: بناءً على حق الطاعة، في كل مكان يوجد فيه احتمال تكليف شرعي، ما لم يصدر إذن شرعي، يحكم العقل بلزوم الطاعة المولوية وتحقق غرض المولى؛ في حين أنه يبدو أن غرض المولى لا يُعتبر سببًا للبعث؛ لذا، فإن تحصيله ليس بواجب بالذات أو بالعرض (ستوده، ١٣٩٤ش، ص ١٣٢-١٤١). الجواب: أولاً، إذا كان المطلوب الشرعي وغرض المولى محتملين، فإنه يوجب البعث؛ لأن الوصول الاحتمالي من وجهة نظر العقل في مورد المولى الحقيقي من حيث هو منعم ومالك على الإطلاق، بمنزلة الوصول القطعي. ثانيًا، يقول كثير من أهل النظر، ومنهم آية الله المحقق الداماد وآية الله الزنجاني، في هذا الصدد: إذا علم العبد أن غرض المولى قد تعلق بعمل، فيجب عليه الإقدام، والشك في القدرة لا يعتبر عذرًا؛ لا فرق بين أن يكون المولى قد أمر أو لم يأمر. وهذا الحكم كالأحكام الأخرى التي إذا لم يتمكن العبد من الطاعة اليقينية، فيجب عليه الطاعة الاحتمالية (حيدر الكاشاني، بلا تا، ص ١٨٨). ورد في تقريرات درس آية الله المحقق الداماد: يمكن المناقشة في القاعدة العقلية لقبح العقاب بلا بيان؛ لأن العقلاء لا يترددون أبدًا في الوصول إلى أغراضهم ومقاصدهم في إنجاز المحتمل المطلوب وترك المحتمل المغضوب. فإذا كان العقلاء هكذا في أمورهم، ففي أمور الموالي من باب أولى هم كذلك؛ لأن العقلاء يعتبرون العبد فانيًا في مقاصد المولى ويعتبرونه بمنزلة أعضاء وجوارح المولى (الطاهري الأصفهاني، ١٣٨٢ش، ج٢، ص ٢٣٧). ثالثًا، قال كثير من الفقهاء في المقدمات المفوتة إن استيفاء غرض المولى يوجب أن يحكم العقل بوجوبه على العبد حتى لو لم يجب ذو المقدمة؛ مثل مقدمات الحج. يقول آية الله الخوئي في مقام دفع إشكال وجوب المقدمات المفوتة قبل وجوب ذي المقدمة: «يمكن دفعه بالتزام بحكم العقل بلزوم الإتيان بها بملاك إدراك العقل قبح تفويت الملاك الملزم في ظرفه حيث إنه لا يفرق في القبح بين تفويت الملاك الملزم في موطنه ومخالفة التكليف الفعلي فكما يحكم بقبح الثاني يحكم بقبح الأول» (الخوئي، ١٤٢٦ق، ج٤٤، ص ١٨٢). ويعتبر تحصيل غرض المولى واجبًا أيضًا حتى لو لم يؤمر به: «لا فرق في حكم العقل باستحقاق العقاب بين مخالفة التكليف الإلزامي وبين تفويت حقيقة التكليف وروحه وهو الملاك التام الملزم الذي يدعو المولى إلى اعتبار الإيجاب» (نفس المصدر، ص ١٨٧).
الإشكال الخامس
ذكر الناقد المحترم في النقد الخامس أن الله، إلى جانب وصفي «المنعم» و«المالك»، له وصفان آخران هما «الرحمن» و«الرحيم»، وبمقتضى هذين الوصفين، ما لم يصل تكليف إلى العبد، فلن يكون هناك مجال لحق الطاعة (ستوده، ١٣٩٤ش، ص ١٤١-١٤٢). الجواب: أولاً، لا يوجد تنافٍ بين حكم العقل بوجوب الطاعة في الأحكام الاحتمالية ودلالة وصفي الرحمن والرحيم والآيات الدالة على التوسعة والرحمة؛ لأن وظيفة حكم العقل في حالة المخالفة هي استحقاق العقاب في مقام الثبوت، ووظيفة وصفي الرحمن والرحيم هي العفو والمغفرة في مقام الإثبات. بعبارة أخرى، يحكم العقل من منطلق حق الطاعة بأن العبد بترك الحكم الإلزامي الاحتمالي يستحق العقاب، ويحكم الشرع من منطلق كون الله رحمنًا ورحيمًا بأن استحقاق العقاب يُعفى عنه. ثانيًا، حكم العقل بحق الطاعة تعليقي إلى أن تثبت البراءة الشرعية. والآيات وأوصاف الرحمن والرحيم هي منشأ حكم الشارع بالبراءة الشرعية وحاكمة على حكم العقل. ثالثًا، ينظر العقل في مقام تعيين وظيفة العبد من حيث وجوب احترام المنعم بشكل مطلق، وآيات الرحمن والرحيم في مقام تبيين مغفرة رب الأرباب. ويكون لحكم العقل قيمة ما لم يحدد الله وظيفة العبد.
الإشكال السادس
نسب الناقد المحترم إلى الشهيد الصدر أن البراءة العقلية توجب محدودية مولوية الله، وهو لا يرى هذا المطلب صحيحًا؛ لأنه في الحالة التي لم يصدر فيها التكليف من الله أو لم يصل إلى المكلف بشكل قطعي، فإن المكلف معذور في عدم الامتثال (نفس المصدر، ص ١٤٢). الجواب: أولاً، كون المكلف معذورًا في الموارد التي لم يصل فيها التكليف القطعي هو أول الكلام ومحل النزاع؛ فهذه مصادرة على المطلوب. ثانيًا، لا شك أنه إذا لم تثبت صحة أدلة البراءة العقلية، فإن نطاق المولوية ولزوم الطاعة يشمل الأحكام الإلزامية القطعية والاحتمالية، وإذا ثبتت البراءة العقلية، فإن المولوية تصبح محدودة بموارد وصول التكليف القطعي؛ فكما أن أدلة البراءة الشرعية تحد من دائرة المولوية التي يحكم بها العقل، فإن العقل العملي يعتبر نطاق مولوية المولى الحقيقي أعم من الأحكام الإلزامية القطعية والاحتمالية. وبما أن لزوم شكر المنعم على الإطلاق يقتضي أن يطيع العبد كل حكم إلزامي، حتى لو كان احتماليًا عقلائيًا، بصرف النظر عن أدلة البراءة الشرعية، فإذا قلنا بالبراءة العقلية، فإن نطاق مولوية المولى الحقيقي يصبح محدودًا من حيث حكم العقل العملي.
الإشكال السابع
ينسب الناقد المحترم في هذا النقد إلى الشهيد الصدر أن موضوع العقاب هو تضييع حق المولى، وبناءً على هذا المبدأ، يطرح سؤالاً: ما هو طريق تشخيص هذا الحق، هل هو العقل أم العقلاء؟ العقلاء يرون العقاب لإزالة حق ثابت ومحرز، وبمجرد احتمال بدوي، لا يثبتون حقًا في هذا المجال (نفس المصدر، ص ١٤٢-١٤٣). الجواب: أولاً، ثبت في الأصول أن الإهمال في حكم العقل في مقام الثبوت محال عقلاً. إذن، يجب على العقل الحاكم بحق الطاعة واستحقاق العقاب أن يعلم ما إذا كان نطاقه محدودًا بإيصال التكليف القطعي أم يشمل الأحكام الاحتمالية أيضًا. يحكم العقل من حيث وجوب احترام حق طاعة المنعم على الإطلاق بأن النطاق أعم من التكاليف الإلزامية الواصلة والاحتمالية. بعبارة أخرى، استحقاق وعدم استحقاق العقاب أعم. ثانيًا، طبقًا لبعض المباني في حق الطاعة، ومنها مبنى المحقق الداماد، فإن تشخيص حق المولى أعم من التكليف والأصل والاحتمال. يقول: مرجع تشخيص موضوع حق الطاعة هو العرف والعقلاء؛ لأن العقلاء لا يجيزون التردد في تحصيل الأغراض الشخصية للمولى العرفي وإن كانت محتملة؛ ففي المولى الحقيقي من باب أولى (الحيدري الكاشاني، بلا تا، ص ١٨٨). في هذا النقد، تم الخلط بين المولى العرفي والحقيقي. وكلام الناقد المحترم صحيح بشأن المولى العرفي؛ لأن ملاك وجوب الطاعة هو العقد العقلائي. إذن، طريق التشخيص هم أيضًا، بخلاف المولى الحقيقي؛ لأن ملاك وجوب الطاعة هو حكم العقل المبني على وجوب الاحترام المتمحور حول شكر المنعم وتبعية المملوك للمالك الحقيقي.
الإشكال الثامن
ينسب الناقد المحترم إلى الشهيد الصدر أنه أرجع الحجية إلى المولوية، ويعتبر هذا المطلب غير صحيح. وفي مقام الاستدلال على بطلانه يقول: لم يقدم دليلاً على هذا الادعاء؛ ويمكن القول إن الحجية مرتبطة بالدليل والطريق (ستوده، ١٣٩٤ش، ص ١٤٣). الجواب: للإجابة على هذا الإشكال، من الضروري توضيح نقطتين: ١. نطاق المولوية في الموالي العرفيين يختلف عنه في الموالي الحقيقيين؛ لأن منشأ الأول هو العقلاء، والعقلاء يلزمون بالطاعة فقط في الأحكام الواصلة، ومنشأ المولوية الذاتية لله هو حق وجوب الطاعة من باب وجوب شكر المنعم على الإطلاق في التكاليف الإلزامية، سواء كانت واصلة أم محتملة. ٢. الحجة هي الشيء الذي يمكن للعبد أو المولى أن يحتج به. إذن، إذا كانت المولوية الذاتية لله تعني وجوب الطاعة العقلي حتى في الأحكام الإلزامية الاحتمالية، فلا شك أن المولى يمكنه أن يحتج بهذه المولوية على العبد. إذن، مولوية المولى الحقيقي هي دليل احتجاج المولى. يبدو أن ما سبب الاشتباه هو الخلط بين مباني المولوية الذاتية المستندة إلى وجوب شكر المنعم والمالك، والمولويات العرفية المجعولة المستندة إلى العقد. من الواضح جدًا أن هذين النوعين من المولوية مختلفان من زوايا مختلفة؛ منها أن المولى الحقيقي يمكنه قطعًا أن يحتج بحق المولوية على العبد.
الإشكال التاسع
يقول الناقد المحترم: العقاب يصح في فرض يكون فيه تفويت التكليف مستندًا إلى المكلف، وفي الموارد الاحتمالية، لا ينشأ مثل هذا العنوان أبدًا (نفس المصدر، ص ١٤٣). الجواب: أولاً، هذا النوع من الإشكال هو مصادرة على المطلوب؛ لأن عدم تحقق تفويت التكليف في موارد احتمال التكليف هو أول الكلام ومورد الخلاف. لقد اعتبر نفس المطلب الذي هو محل النزاع أمرًا مسلمًا به. في المقابل، يستدل أنصار حق الطاعة بأن ترك محتمل الوجوب أو محتمل الحرمة هو تفويت للغرض والتكليف؛ لأن احتمال التكليف في نطاق المولى الحقيقي من وجهة نظر العقل بمنزلة الإيصال القطعي بسبب وجوب شكر المنعم وكون العبد مملوكًا. ثانيًا، الإشكال النقضي في الشبهات البدوية قبل الفحص وكذلك الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي، مع أن التكليف احتمالي لا قطعي، فإن تركه يتبعه تفويت واستحقاق للعقاب. إذن، يتضح أن تفويت التكليف مستند إلى ترك التكليف الاحتمالي. ثالثًا: طبقًا لمبنى كبار الفقهاء مثل المحقق الداماد، فإن احتمال التكليف منجز على العبد وتركه مستند إلى التكليف (الحيدري الكاشاني، بلا تا، ص ١٨٨).
الإشكال العاشر
يدعي في النقد العاشر أولاً أن الشهيد الصدر، مثل كبار الفقهاء كالمحقق النائيني والمحقق الأصفهاني، يعتبر موضوع حق الطاعة هو إحراز التكليف، لا وجود التكليف الواقعي؛ إلا أنه يوسع دائرة الإحراز. ثم يطرح سؤالاً على شكل إشكال: لماذا يجب أن يكون الحاكم في هذا الإحراز هو العقل، في حين أنه بالعكس يمكن أن يكون الحاكم هو العرف؛ لأن العقل لا يستطيع تفسير موضوع حكمه (ستوده، ١٣٩٤ش، ص ١٤٣-١٤٤). الجواب: أولاً، ثبت في الأصول أن الإهمال في حكم العقل في مقام الثبوت محال. إذن، يجب على العقل الحاكم بحق الطاعة أن يعلم ما إذا كان نطاقه محدودًا بالإيصال أم أعم من الإيصال. إذن، هذه النظرية القائلة بأن العقل هو الحاكم بحق الطاعة وأن تفسير وتشخيص الموضوع منوط بالعرف غير صحيحة؛ لأنها توجب ثبوتًا الإهمال في حكم العقل. ثانيًا، جواب النقد السابع الأول، المبني على الخلط بين المولى العرفي والحقيقي، جارٍ هنا أيضًا، ولا حاجة لتكراره. ثالثًا، هو طبقًا لبعض المباني في حق الطاعة، ومنها مبنى المحقق الداماد – مع أن مرجع تشخيص موضوع حق الطاعة هو العرف والعقلاء – يوجب طاعة الحكم الاحتمالي؛ لأن العقلاء لا يجيزون التردد في تحصيل الأغراض الشخصية للموالي العرفيين وإن كانت محتملة؛ ففي المولى الحقيقي من باب أولى (الحيدري الكاشاني، بلا تا، ص ١٨٨).
الإشكال الحادي عشر
في هذا النقد، يرى تعارضًا بين وجوب التكاليف الاحتمالية والإباحة الاقتضائية ويقول: قد يكون الشارع قد أباح نفس ذلك التكليف لوجود مصلحة؛ إذ كما أن للشارع أحكامًا إلزامية، فله أحكام ترخيصية كالإباحة، والعمل بخلاف الإباحة هو خلاف للمولوية الذاتية (ستوده، ١٣٩٤ش، ص ١٤٤-١٤٥). الجواب: أولاً، لا يوجد تعارض وتنافٍ بين وجوب الاحتياط العقلي في الأحكام الاحتمالية وحكم الشارع بالترخيص والإباحة؛ لأنه تم التصريح مرارًا بأن حق الطاعة تعليقي؛ فإذا ثبتت أدلة الإباحة والبراءة في مورد حكم العقل قطعًا، فإن الحق يتقدم لأدلة حكم الترخيص والبراءة. ثانيًا، يقول الشهيد الصدر في الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي: في فترة الجمع بين حفظ الأغراض الترخيصية والإلزامية، مع عدم وجود ترخيص شرعي ظاهري بصورة أدلة البراءة أو أمارة الترخيص، يحكم العقل بتقديم الأغراض الإلزامية من باب حق الطاعة؛ لأنه مع عدم إحراز الإباحة الاقتضائية، يحرز موضوع حق الطاعة. إذن، في المورد الذي يكون كلاهما محتملاً، تقدم الأغراض الإلزامية التي هي حكم العقل.
الإشكال الثاني عشر
يرى الناقد المحترم في هذا النقد تعارضًا وتنافرًا بين حكم العقل بوجوب الاحتياط في الأحكام الاحتمالية وقاعدة كون الدين سمحًا وسهلاً، ويقول: حق الطاعة لا يتوافق مع كون الدين سمحًا وسهلاً (نفس المصدر، ص ١٤٥). الجواب: أولاً، يبدو أن ادعاء التنافر بين حكم العقل بالاحتياط وقاعدة السهولة والسماحة في الدين غير صحيح، بنفس البيان الذي مر في إجابات النقدات السابقة، وخاصة النقد الخامس. ثانيًا، السهولة والسماحة في الدين مرتبطة بالمولوية الشرعية التي يبرئ الشارع على أساسها من الحكم، وبحثنا مرتبط بالمولوية العقلية للمولى. ثالثًا، السهولة والسماحة تقتضي ألا تكون الأحكام موجبة للعسر والحرج، وحق الطاعة جارٍ إلى الحد الذي لا يوجب العسر والحرج. وخلاصة القول إن حق الطاعة تعليقي ومشروط بعدم إثبات البراءة والترخيص. بعبارة أخرى، سماحة وسهولة الدين لا تنافي أن يوجب العقل، بصرف النظر عن قاعدة السهولة والسماحة، الاحتياط. وبعبارة أخرى، مظهر سماحة وسهولة الدين هو الأدلة الشرعية، ومع إثبات البراءة الشرعية، لا تصل النوبة إلى الاحتياط العقلي؛ إذن لا يوجد تنافٍ بينهما. رابعًا، الفهم من الروايات هو أن السهولة والسماحة ناظرة إلى الأديان السابقة التي كانت أحكامها متشددة؛ أحكام مثل لزوم قص موضع النجاسة من الثوب. إذن، بنظرة كلية، أحكام النظام الفقهي الإسلامي تتسم بالتسامح والتساهل أكثر من أحكام الأديان السابقة.
الإشكال الثالث عشر
يوجه الناقد المحترم في النقد الثالث عشر نقده إلى مباني حق الطاعة ويقول: يربط الشهيد الصدر هذه النظرية بأصالة الحظر… ولكن في الواقع، أصالة الحظر تختلف موضوعيًا عن حق الطاعة. وهذا أيضًا هو النقد الوحيد الذي أعطى فيه عنوانًا لانتساب المطلب إلى كلام الشهيد الصدر، مع أن فهمه وانتسابه غير صحيح (نفس المصدر، ص ١٤٥-١٤٦). الجواب: أولاً، الشهيد الصدر لا يقول جزمًا؛ بل يقول: «والمظنون». ثانيًا، كان دافعه نفي ادعاء الإجماع على قاعدة قبح العقاب، لا إثبات مبنى ودليل لحق الطاعة.
النتيجة
مما سبق، تتلخص المطالب التالية: ١. نظرية حق الطاعة هي عنوان جديد لوجوب الاحتياط في الشبهات البدوية التحريمية والوجوبية بعد الفحص واليأس من الدليل، في مقابل مشهور الفقهاء الأصوليين القائلين بالبراءة العقلية. ٢. الخلاف الأساسي بين مؤيدي ومعارضي حق الطاعة هو أن المعارضين يقولون ما لم يصل الحكم فلن يكون هناك وجوب للطاعة. وفي الموالي الجعليين والحقيقيين لا فرق. ويقول أنصار حق الطاعة إن الحكم الاحتمالي في المولى الحقيقي بمنزلة الوصول. ٣. لا شك أن مبتكر هذه النظرية تحت عنوان حق الطاعة والتنظير الخاص بها هو الشهيد الصدر، أما عنوان وجوب الاحتياط العقلي في الشبهات بعد الفحص فله جذور في مبانٍ مختلفة وله سابقة. ومن ذلك في بيانات المحقق الداماد. ٤. الكثير من الإشكالات على حق الطاعة لها جذور في مقارنة المولى العرفي والجعلِي بالمولى الحقيقي. وهذه المقارنة غير صحيحة؛ لأن المولوية في الموالي العرفيين، الجعليين، ووجوب الطاعة يدور مدارها؛ أما المولوية في المولى الحقيقي فناشئة عن كونه مالكًا ومنعمًا، وهي غير محدودة بحد. ومن ثم فإن أحكامه الاحتمالية، مثل أحكامه القطعية، واجبة الطاعة بحكم العقل؛ لأنها مصداق للتكليف والأصل، وواردة على قاعدة قبح العقاب بلا بيان. ٥. حكم العقل مشروط بلزوم طاعة الأحكام الاحتمالية للمولى الحقيقي، بشرط ألا يرد ترخيص من المولى لهذه الأحكام. فبإثبات أدلة البراءة الشرعية، لا تصل النوبة إلى الاحتياط العقلي. ٦. الإشكالات الثلاثة عشر على نظرية حق الطاعة غير تامة.
فهرس المصادر
١. إسلامي، رضا (١٣٨٥ش). نظرية حق الطاعة. الطبعة الأولى. قم: پژوهشگاه علوم و فرهنگ اسلامي. ٢. الأنصاري، مرتضى (١٤١٦ق). فرائد الأصول. الطبعة الخامسة. قم: انتشارات إسلامي. ٣. البهبهاني، وحيد (١٤١٥ق). الفوائد الحائرية. الطبعة الأولى. قم: مجمع الفكر الإسلامي. ٤. الحائري، السيد كاظم (١٤٠٨ق). مباحث الأصول (تقريرات درس الشهيد الصدر). الطبعة الأولى. قم: مكتب الإعلام الإسلامي. ٥. الحكيم، السيد عبد الصاحب (١٤١٦ق). منتقى الأصول (تقريرات درس آية الله الروحاني). الطبعة الثانية. قم: نشر الهادي. ٦. حيدري الكاشاني (بلا تا). نگرشی بر شخصيت محقق داماد (نسخة قبل الطباعة). ٧. الخوئي، أبو القاسم (١٤٢٦ق). موسوعة الإمام الخوئي (المستند في شرح العروة). الطبعة الثانية. قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي. ٨. ستوده، حميد (١٣٩٤ش). نظرية حق الطاعة في ميزان النقد والبحث (تقريرات درس آية الله محمد جواد فاضل لنكراني). الطبعة الأولى. قم: معاونت پژوهش مركز فقهي أئمه أطهار. ٩. الطاهري الأصفهاني، السيد جلال الدين (١٣٨٢ش). المحاضرات، مباحث في أصول الفقه (تقريرات آية الله محقق داماد). الطبعة الأولى. أصفهان: انتشارات مبارك. ١٠. الطوسي، محمد بن الحسن (١٤١٧ق). العدة في أصول الفقه. قم: مطبعة ستاره. ١١. القدسي، أحمد (١٤٢٤ق). أنوار الأصول (تقريرات آية الله مكارم الشيرازي). قم: نشر علي بن أبيطالب ٧. ١٢. اللاري، السيد عبد الحسين (١٤١٨ق). التعليقة على فرائد الأصول. الطبعة الأولى. قم: مؤتمر تكريم الشيخ الأنصاري. ١٣. المحسني، محمد آصف (١٣٨٢ش). الفقه والمسائل الفقهية. قم: بوستان كتاب. ١٤. المفيد، محمد بن محمد بن النعمان (١٤١٤ق). تصحيح الاعتقادات. الطبعة الثانية. بيروت: دار المفيد. ١٥. المقدس الأردبيلي، أحمد بن محمد (١٤٠٥ق). مجمع الفائدة والبرهان. قم: مؤسسة نشر إسلامي. ١٦. الميرزا القمي، أبو القاسم بن محمد حسين (١٤٣٠ق). القوانين المحكمة في الأصول. الطبعة الأولى. قم: إحياء الكتب الإسلامية.