دراسة مقارنة حول خصائص المدارس الأصولية (سامراء، كربلاء، النجف وقم)

ملخص: تعدّ دراسة المدارس الأصولية من الأنشطة العلمية البالغة الأهمية وذات التأثيرات العميقة في عملية الاجتهاد. إنّ الكثير من تضييع الفرص، والتأخر في الإبداعات، والضعف في الاستجابة للاحتياجات، ينشأ عن غياب هذه الدراسة. يوجد في أصول فقه الإمامية أربع مدارس مهمة، وهي: المدرسة الأصولية في كربلاء، والمدرسة الأصولية في سامراء، والمدرسة الأصولية في النجف، والمدرسة الأصولية في قم. يتناول هذا البحث، بأسلوب وصفي تحليلي، التعريف بهذه المدارس الأربع عند الإمامية، وقد خلص إلى أن علماء هذه المدارس يمكن تصنيفهم إجمالاً في ثلاث فئات: الفقهاء التطبيقيون، والفقهاء التحليليون، والفقهاء التنزيهيون. إن علل الاختلاف في المدارس الأصولية تكمن في وجود مسائل غير أصولية في علم الأصول والخلط بينها. ويمكن أن يكون وجود هذه المسائل في علم الأصول ناشئاً عن عوامل مختلفة؛ أولها، انتقال بعض المباحث الزائدة من كتب أهل السنة إلى كتب الشيعة. والعامل الآخر هو أن علم الأصول لم يكن له إطار محدد، فكان كل عالم يضيف إليه ما يراه مناسباً لذوقه. أما العامل الثالث فهو الحاجة إلى بعض المسائل التي انتفت الحاجة إليها بعد أن استقرت في علم الأصول.

مقدمة

إنّ دراسة المدارس، سواء كانت أصولية أو فقهية أو مختصة بالقواعد الفقهية، تُعدّ من الأنشطة العلمية البالغة الأهمية والصعوبة في آنٍ واحد، والتي قلّما يُعتنى بها، إلا أنها ذات تأثيرات عظيمة وبالغة في عملية الاجتهاد. إن الكثير من تضييع الفرص، والتأخر في الإبداعات والابتكارات، والضعف في الاستجابة للحاجات، ناشئ عن غياب الدراسات التي تركز على المدارس الفقهية والأصولية، وبتعبير آخر، ناشئ عن غياب دراسة المدارس، وهذا النقص بالذات هو ما أدى إلى تضخم علم الأصول. إنّ دراسة المدارس الأصولية تمنهج عملية بناء الفكر وتمنع نمو الأفكار غير المنظمة. وتجدر الإشارة إلى أن تحقيق هذا الأمر المهم يؤدي في النهاية إلى تحصين علم الأصول من الآفات. بالإضافة إلى ذلك، فإنه يتيح إمكانية إجراء دراسات مقارنة بأسلوب علمي وعلى مستوى المباني والمناهج والأفكار الأصولية، ويزيد من القدرة على المقارنة بين وجهات النظر المختلفة، مما يؤدي إلى زيادة التفاعل العلمي. ترسم دراسة المدارس الفضاء المنطقي لتطور العلم وتجعل إمكانية التقدم في هذا الإطار في متناول اليد. إذا لم تتم دراسة المدارس وبناؤها أصولياً، فإن الاجتهادات التقليدية ستحل محل الاجتهادات الحقيقية. وبعبارة أخرى، يؤدي غياب دراسة المدارس إلى تباطؤ عملية بناء المدارس، وبالتالي يؤدي إلى انتشار الاجتهاد التقليدي. فإذا دخل فقيهٌ ما إلى الفقه بدون منهج، فإنه لم يجتهد، بل أعاد إنتاج التقليد (مدرسي، ١٣٦٨، ص ٥٠). كما أن عدم الإلمام بالمدارس قد يؤدي أحياناً إلى التسرع في الوصول إلى الحجة الشرعية أو إلى تجاوز الحلقات المفقودة في سبيل الوصول إليها. مع ظهور مدرسة أصولية جديدة وتقديم منهج جديد في استنباط الأحكام الإلهية واختيار رؤية خاصة لمصادر الاجتهاد من قبل صاحب المدرسة وتلامذته، يحدث تحول وتكامل في عملية الاجتهاد. ومن الفوائد الأخرى للإلمام بالمدارس الأصولية والفقهية أنها تسهّل عملية التعليم وترشد الشخص في اختيار التوجه العلمي المناسب له (مبلغي، ١٣٨٣، ص٣).

يتناول البحث الحالي، من خلال دراسة دقيقة للمدارس الأصولية الأربع عند الإمامية، الفروق بينها، ويسعى للإجابة عن هذا السؤال: ما هي خصائص هذه المدارس، وما هي العوامل التي أدت إلى ظهور هذه الاختلافات؟

المدارس الأصولية المختلفة

أ) المدرسة الأصولية في كربلاء

أدى سقوط الدولة الصفوية في عام ١١٣٥ هـ إلى فترة من الاضطراب في إيران، مما عاد بالنفع على عتبات العراق. فبسبب إيذاء كل من الأفغان السنة ونادر شاه للعلماء، هاجر هؤلاء بأعداد كبيرة من إيران إلى الهند والعتبات المقدسة. وقد أدى هذا الأمر إلى تحول الهند والعراق في القرن الثاني عشر إلى مراكز علمية شيعية. ويبدو أن المهاجرين الإيرانيين، عند وصولهم إلى العتبات، اعتنقوا المذهب الأخباري لشهرة مدرّسيه الأخبارية ودعمهم لهم. كما أنه بعد هجوم الأفغان واستيلائهم على إيران، تحطمت ثقة الأصوليين بأنفسهم، وهذا الأمر جعل الناس مستعدين لقبول المذهب الأخباري الذي كان يحمل عقائد تخالف عقائد العلماء الأصوليين (خوانساري، ١٤١١، ص ٣٦٥). إن حياة الآغا محمد باقر الأصفهاني المعروف بـ «الوحيد البهبهاني» مثال بارز على التيارات السائدة بين علماء الشيعة في القرن الثاني عشر. فقد تصدى لأول مرة وبشكل علني لهيمنة الأخبارية على العتبات المقدسة. بدأ عمله بتدريس المصادر والنصوص الأصولية، وكذلك تأليف رسائل مناهضة للأخبارية. تمكن البهبهاني، بفضل الدعم المالي الذي كان يصله من إيران، من استقطاب مجموعة كبيرة من الطلاب الذين كانوا في السابق من الأخبارية. وفي الوقت الذي اعتزل فيه جيل من العلماء الأخبارية البارزين، بقي البهبهاني المدرّس الوحيد ذا الشأن في كربلاء (نفس المصدر، ص ٣٦٦). وباعتراف محققين مثل الخوانساري وغيره، يجب اعتبار الوحيد البهبهاني المعروف بـ«أستاذ الكل» مؤسس المدرسة الأصولية في كربلاء، حيث أوصل علم الأصول إلى أعلى درجات الكمال. وقد بذل الوحيد وتلامذته جهوداً كبيرة في سبيل إلحاق الهزيمة بالنهضة الأخبارية. فقد قاموا أولاً بدفع شبهات الأخبارية واتهاماتهم، وناقشوا بالتفصيل مواطن الخلاف بين الأخبارية والأصولية مثل: حجية القطع الحاصل من المقدمات العقلية، وحجية ظواهر الكتاب، وجريان البراءة في الشبهات الحكمية التحريمية. كما أخرجوا من علم الأصول مباحث مثل القياس والاستحسان التي وردت من أهل السنة. ثم نظموا بعض المسائل مثل حجية الظن المطلق والعلم الإجمالي التي لم تكن قد بُحثت بدقة في الكتب السابقة (گرجي، ١٣٨٥، ص ١٢٣).

علل ظهور مدرسة كربلاء

يُظهر تحليل عوامل هزيمة الأخبارية كيف ظهرت الفترة الجديدة من أصول الفقه (التأسيس). ويمكن بيان بعض علل الهزيمة على النحو التالي: إفراط الأخبارية المفرط؛ فبعد تغلغل الأخبارية في الحوزات وانتشار فكرهم بين الطلاب والعامة، زادوا من هجماتهم على المجتهدين إلى درجة تحولت إلى حقد وكراهية، ونفر منهم كثير من علماء الأخبارية مثل المحقق البحراني (البحراني، ١٣٧٦، ج ١، ص ١٧٠). ازداد اهتمام المجتهدين بضرورة إعادة بناء أسس الاجتهاد لمنع الانحراف، وذلك عندما لاحظ المحققون الأصوليون المجاميع الروائية التي أعدها الأخباريون. وقد استطاعوا، بمساعدة روايات القاعدة الفقهية، مثل الأخبار المتعلقة بالاستصحاب، أن يزيدوا من دافع المحققين لإحياء المباحث الأصولية ويوفروا الأرضية لإضعاف المذهب الأخباري (نفس المصدر، ص ١٧٥). يمكن حصر جهود ونضالات الوحيد البهبهاني في نقد الأخبارية في عدة محاور: ١. تأسيس حوزة كربلاء: بعد إفراط الأخبارية المفرط – وقد كان في البداية يكنّ الاحترام لزعماء المدرسة الأخبارية ويكتب الحواشي على كتبهم – شعر المحقق البهبهاني بالخطر، فانتقل من بهبهان إلى النجف ومنها إلى كربلاء (البهبهاني، ١٤١٥، ص ٥٧). وفي كربلاء أسس حوزة جديدة، واشتغل بتعليم أسس الاجتهاد، وتخرّج على يديه العديد من التلاميذ. في ذلك الوقت، كانت حوزة كربلاء تحت سيطرة المحقق البحراني، رئيس الأخبارية، ولكن مع تأسيس الوحيد للحوزة، التحق عدد كبير من تلاميذ البحراني بدرس الوحيد، وجرت بينهما مناظرات جادة. ٢. تربية التلاميذ البارزين: استطاع المحقق البهبهاني بعد سنوات من الجهد في الفقه الاجتهادي أن يربي تلامذة مهرة أصبحوا بعده حاملي لواء الحركة العلمية للأستاذ في مختلف الحوزات. ينقسم تلامذته إلى ثلاث فئات: الأولى، التلاميذ المباشرون للوحيد مثل السيد مهدي بحر العلوم، والشيخ جعفر كاشف الغطاء، والسيد علي الطباطبائي، وأسد الله الشوشتري. الثانية، تلاميذ الطبقة التالية مثل السيد محسن الأعرجي، والشريف العلماء، ومحمد شريف، والملا أحمد النراقي، والشيخ محمد حسن النجفي. الثالثة، على رأس الطبقة التالية يأتي الشيخ مرتضى الأنصاري، تلميذ شريف العلماء. وحتى الآن، سعى تلامذته المباشرون وغير المباشرين في إكمال هذه الدورة وأوصلوها إلى ذروة الكمال والرقي (الصدر، ١٤٠٨، ص ٨٨-٨٩). لذلك، لا ينبغي فقط اعتبار الشيخ الأنصاري (ره) رائد أعلى مراحل تطور علم الأصول، بل يجب اعتباره مؤسس آخر وأكثر دورات علم الأصول تطوراً في العصر الحاضر. ٣. تأليف الكتب الأصولية: كان من أهم أعمال الأصوليين تأليف كتب دقيقة في مباحث علم الأصول. ومن مؤلفاتهم: الفوائد الحائرية للوحيد البهبهاني، قوانين الأصول للميرزا القمي، المحصول والوافي في شرح الوافية للسيد محسن الأعرجي، مصابيح الأصول لأحمد الخوانساري، مفاتيح الأصول للسيد محمد الطباطبائي، فرائد الأصول للشيخ الأنصاري، مفاتيح الأصول ونخبة الأصول للقزويني، بدائع الأصول لحبيب الله الرشتي، كفاية الأصول للملا كاظم الخراساني، نهاية الدراية للكمباني، وكتب أخرى لا يتسع المجال لذكرها جميعاً في هذا البحث. ٤. إيجاد رابط بين حوزة كربلاء وحوزة النجف: مع تأسيس حوزة كربلاء، أقيمت علاقات علمية بين هذه الحوزة وحوزة النجف القديمة والخاملة. في ذلك الوقت، تعرض المنهج الأخباري لنقد وهجوم جادين، وبدأ يضعف، وبعد فترة من وفاة المحقق البحراني، تم تهميشه ومحوه بالكامل. أُعيد إحياء المنهج الأصولي ووصل علم الأصول إلى ذروة الكمال. والمقارنة بين كتب مثل الرسائل والكفاية مع كتب سائر الأدوار تكشف هذه الحقيقة (گرجي، ١٣٨٥، ص ٣٢-٤٣).

ب) المدرسة الأصولية في سامراء

مدرسة سامراء هي في الواقع نفس طريقة الميرزا الشيرازي، ولأن معظم نشاطه الثقافي والسياسي كان في سامراء، فقد اشتهرت بمدرسة سامراء. تعد هذه المدرسة، على الرغم من قصر عمرها، نقطة تحول في تاريخ الحوزات، وقد جلبت العديد من التحولات إلى عالم التشيع. العلم والتقوى، والفطنة، والابتكار، والشمولية جعلت من الميرزا شخصية بارزة نادراً ما يوجد لها مثيل. تأسست هذه المدرسة على يد صاحب الجواهر (ره)، لكنه لم يجد الفرصة لتطبيقها، فتابع الميرزا هذه المدرسة. لم تكن النجف في ذلك اليوم، بكل عظمتها وتراثها العريق وعلمائها الكبار، بيئة مناسبة، ولم تكن مستعدة بعد لطرح أفكار الميرزا. كان يبحث عن بيئة بعيدة عن الضجيج المذهبي الذي قد يفسد فكره، لينظم أفكاره، ومن هناك يتمكن من إيقاظ النجف، أهم معقل للشيعة. بهذه النية، بدأ الميرزا هجرته إلى خارج النجف، وأبقى أصحابه غير مطلعين على الأمر خشية أن يتحسس الناس ويمنعوا حركته (أمين، ١٤٠٣، ج ٢٣، ص ١٣٠).

خصائص مدرسة سامراء

كان للميرزا الشيرازي أسلوب خاص في تعليم الطلاب. نذكر فيما يلي خصائص طريقته التي اشتهرت بمدرسة سامراء:

١. أهمية التفكير: تتضح أهمية التفكير عند الميرزا من خلال طريقة مطالعته. يقول هو نفسه في هذا الصدد: «طريقتي في المطالعة هي أن آخذ القلم وأكتب ما في ذهني، ثم أفكر فيه». هذه الطريقة في تفريغ الذهن تؤدي إلى تركيزه، ومع التفكير في المواد المكتوبة، تتاح إمكانية الدراسة الدقيقة والتحليل والنقد. إن الاعتماد على التفكير في طريقة سامراء هو نقطة قوة مهمة، لأن التلميذ ليس مجرد مستمع وتابع للأستاذ، بل هو فاعل، يفكر بنفسه ويعطي رأيه، ليكون التعلم مصحوباً بالفهم والتعقل (نفس المصدر).

٢. التحصيل المرتكز على البحث: كان السيد الميرزا يختبر التلميذ في طريق التحصيل ويعطيه تمارين حسب استعداده. بعد ذلك، كان يتحدث معه بمتابعة في نفس موضوع البحث. هذه الطريقة تجعل كل تلميذ يجتهد في الموضوع الذي يهمه، ومع التدقيق في مسألة ما، يتعلم أيضاً منهج البحث. وكان الأستاذ يساعده في هذا الطريق. إن طريقة مدرسة سامراء تدفع التلميذ إلى التتبع والتفكير، بدلاً من الحضور المتكرر في الدرس وتكديس الكتب وقضاء العمر. كان السيد الميرزا يكل إلى تلاميذه المسائل الواضحة ليبحثوها بأنفسهم، حتى قيل إنه في تدريس كتب الفقه كان يتناول فقط المسائل الشديدة الإشكال، ويتجنب الخوض في المباحث الأخرى. كان في دروسه، خاصة في أصول الفقه، يتكلم باختصار، ويخصص أوقات التلاميذ للبحث والتتبع في المسائل اللازمة (نفس المصدر، ص ١٣٢). كان لهذا السلوك آثار كثيرة، ولكن لماذا كان الميرزا يخصص وقتاً قليلاً للتدريس ولا يدرس أكثر من بضعة أشهر في السنة؟ هناك تحليلان: الأول أن المرجعية ورئاسة الشيعة كانت تمنعه من المزيد من التدريس؛ والثاني أنه لم يكن يشعر بحاجة إلى المزيد من التدريس، ويرى أن طرح أمهات المسائل كافٍ للوصول إلى الفقاهة والكمال (حرز الدين، ١٤٠٥، ج ١، ص ٨٧).

٣. الدرس المتمحور حول التلميذ: كان الميرزا يمنح جميع تلاميذه، وخاصة النخبة، فرصة لنقد المسألة المطروحة في حضوره، وكان يستمع ويصحح الأخطاء. في هذه الطريقة في التدريس، يطرح الأستاذ المسألة، ويبدي جميع الحاضرين آراءهم، ويرشد الأستاذ، وتنضج المسألة بالمباحثة، وفي النهاية يبين الأستاذ النتيجة. هذه الطريقة كانت تجعل درسه يطول أحياناً إلى سبع ساعات. كان هذا الأسلوب يتطلب قلة عدد التلاميذ، في حدود أقل من ٢٠ شخصاً، مما يعود بالنفع على التلاميذ ويقوي ملكة الاجتهاد لديهم (نفس المصدر، ص ٨٥).

٤. الاستفادة من التلاميذ لحل المسائل العلمية المعاصرة: كان الميرزا يتعامل مع تلاميذه كإخوة. كان يستشيرهم في مختلف المسائل ويستفيد من آرائهم. هذه الطريقة كانت مؤثرة في نمو شخصية التلاميذ وفي إثمار مواهبهم. كان يعرض عليهم استفتاءات الناس ويستعين بهم في حل المشكلات الفقهية. يقول السيد محسن الأمين: «دخلت بيته عام ١٣١١ هـ. كان جالساً على بساط في فناء الدار. سألته مسألة. فالتفت إلى الحاضرين وطرح المسألة بينهم؛ وبعد إبداء آرائهم، أجابني. كانت هذه عادة الميرزا في كل مسألة. وفي هذا العمل فائدتان: الأولى، ضم آراء التلاميذ إلى رأيه ليستفيد منها في المواضع التي لا تكون المسألة حاضرة في ذهنه. الثانية، معرفة مراتبهم العلمية ليستفيد منهم وقت الحاجة.» (أمين، ١٤٠٣، ج ٢٣، ص ١٢٤). وبالطبع، فإن الفائدة الأسمى هي القيمة التربوية لهذا الأسلوب.

٥. كتابة التقريرات: التقرير يعني كتابة درس الأستاذ؛ وهو أمر شائع في الحوزات منذ القدم. لم يكن التقرير في مدرسة سامراء يعني أن يكتب التلاميذ كل ما يقوله الأستاذ أثناء الدرس، بل كانوا يستمعون أثناء الدرس، وبعد ذلك، يقوم التلاميذ النخبة والأقوياء بتقرير الدرس لتنضج المطالب وتتضح. ثم يكتب المباحث المتكلم أو شخص آخر. هذه الطريقة، التي هي مؤثرة جداً في فهم وحفظ مطالب الدرس، كانت محل تشجيع الميرزا، وكان يهتم بكتابات تلاميذه ويعرض أفضل تقرير أمام الآخرين. يروي الآغا بزرك الطهراني في هذا الصدد: «ذهبت ليلة إلى خدمة الميرزا؛ فقال: سمعت أنك كتبت مسألة تعارض الاستصحابين في الماء الكر؟ قلت: نعم. قال: أحب أن أراها. قلت: ليس في تلك الكتابة شيء سوى ما تفضلتم به. قال: وإن كان كذلك، فأعطني إياها. أنتم نور عيني.» (آقا بزرگ تهراني، ١٣٨٨، ج٦، ص٢١٨؛ نفس المصدر، ج ١٣، ص ٧١؛ هو نفسه، ١٤٠٤، ج ١، ص ٢٦٣). كان طلب التأليف والتصنيف من التلاميذ في مختلف الفروع من علامات اهتمام الميرزا بأمر الكتابة.

٦. الارتباط بالواقعية والكفاءة: كان الميرزا يبحث فقط في المسائل المهمة، وهذا الأمر كان يمنع زوال دافع الطلاب ونشاطهم العلمي بالانشغال بالمسائل غير الضرورية، بل كانوا يتفرغون بكل طاقاتهم لحل المسائل الأساسية. كان في تدريس الفقه يعطي الأولوية للمسائل المستحدثة والمبتلى بها في المجتمع. كان يتجنب قضاء العمر في المسائل التي لا يحتاجها الناس أو المباحث التي تم تحقيقها بما فيه الكفاية. كان موضوع درس فقه الميرزا هو دراسة الاستفتاءات التي كانت ترد من مختلف دول العالم، مثل إيران، العراق، ما وراء النهر، الصين، والهند إلى سامراء؛ كان الميرزا يكتب المسائل المهمة ويجعلها عنواناً للدرس. هذا السلوك الحسن، بالإضافة إلى أنه كان يضفي تنوعاً على الدرس، كان يعرّف الطلاب بمسائل العالم الإسلامي، ويعلمهم الاهتمام بالكفاءة في المباحث العلمية، ويحثهم على بذل المزيد من الجهد في طريق تحصيل العلم ويمنحهم الأمل (أمين، ١٤٠٣، ج ٢٣، ص ١٣٠).

٧. العلاقة الأبوية مع التلاميذ: يقول الطهراني (ره): «كان الميرزا يربي تلاميذه في المسائل العرفية للمجتمع أيضاً. كان يعلمهم كيفية المعاشرة والحوار والجلوس مع الناس، وفي طريق تكامل العالم الديني، كان يعلمهم كل ما يلزم إلى جانب العلم. وكان يختار من بين أصحابه عدداً للمشاورة في الأمور الدينية والعامة ليكونوا نوابه في مختلف المدن والمناطق المحيطة بها. كان مجتهداً في تنمية المواهب والنمو الشامل. كان احترامه للطلاب جديراً بالتقدير. كان الميرزا لتلاميذه كأب حنون، ويؤدي حق كل منهم بكل صفاته وجوانبه.» (آقابزرگ طهراني، ١٣٨٨، ج٦، ص٢١٩). لا شك أن الرفق والمداراة مع التلاميذ كان لهما أثر كبير في النمو العلمي وبلوغ الكمال.

٨. إحياء المعارف المهجورة: في زمن النبي (ص) والأئمة (ع) والسنوات الأولى للغيبة، كانت المعارف القرآنية والحديثية أهم المواد الدراسية في المحافل. أما البحث وتدريس الكتب الفقهية والأصولية بشكل جديد، خاصة بعد جدالات الأخبارية والأصولية، فقد استحوذ على معظم أبحاث وحوارات الحوزة. هذا الأمر ضيّق المجال تدريجياً على المعارف الأخرى، ولم يترك مكاناً مستقلاً للقرآن والحديث. في تقييم العلوم، أُعطي أهم امتياز للأصول، وانحط تعليم وتعلم العلوم الأخرى، خاصة العقائد والتفسير، عن مكانته الرفيعة. حتى أن من كان يشتغل بالعلوم الأخرى كان يفقد مكانته الحوزوية؛ الآغا بزرك الطهراني الذي كان رائداً في علم الرجال والتراجم، كان يُسخر منه لهذا السبب. انتشر الاشتغال بالأصول والفقه في النجف إلى درجة أن مدرسة سامراء لم تتمكن من التأثير فيه كثيراً، حتى أن بعض تلاميذ هذه المدرسة غُلبوا فيما بعد بالجو السائد. اتجه الطلاب فقط إلى الفقه والأصول، وتُركت العلوم الأخرى. أحيت مدرسة سامراء علوماً كانت متروكة. كان الميرزا نفسه وتلامذته، ومنهم علي الدماوندي، والميرزا سيد علي، والحاج فاضل الشيرازي، يدرسون التفسير. في مدرسة الميرزا، كانت العقائد هي الركن الأساسي. في الأصل، كانت أساس حركاته العلمية تتمحور حول العقائد، حتى أن رسالة الميرزا العملية تبدأ بشرح العقائد (رباني گلپايگاني، ١٣٨٦، ص ٧٤). كان الميرزا، نظراً للهجوم الثقافي، يطلب من تلاميذه أن يتجهوا إلى العقائد بدلاً من الأصول، وأن يجيبوا على أفكار داروين وشبهات الوهابية وغيرها. وبهذا، اشتغل تلامذته، ومنهم محمد باقر الأصطهباناتي، بتدريس العقائد، وكتب المير سيد علي اليزدي كتاب إلهام الحجة، والميرزا محسن الزنجاني رسالة في أصول الدين، وعلي الخراساني رسالة صراط العارفين في أصول الدين بأمر الميرزا. كما أن الميرزا وبعض تلامذته، مثل مهدي اليزدي وسيد حسن المدرس وحسن علي الطهراني ومحمد علي شاه عبد العظيم وهبة الدين الشهرستاني، كانوا يدرسون نهج البلاغة. وبعد ذلك، طُرح تدريس نهج البلاغة في حوزات لبنان وأصفهان وقم على نطاق أوسع (نفس المصدر، ص٧٩).

المنهج الأصولي لمدرسة سامراء

لم تترك أعمال الميرزا الكثيرة له وقتاً للتأليف، ولكن من خلال أقوال وذكريات تلامذته، يتضح منهجه الأصولي على النحو التالي:

التوجه إلى الروايات: كان للروايات مكانة خاصة في مدرسة سامراء. كان الميرزا، إلى جانب المباحث الاجتهادية، يعرّف تلاميذه على مصادر تعلم الفقه، ويربطهم بالروايات ذات الصلة. وكان يتبع هذا المنهج أيضاً عند بيان الأحكام للناس. في هذه الطريقة، بدلاً من إلقاء المسائل بصيغة الواجب والحرام، كان الميرزا يعرّف الناس على مصادر الفقه، وهو نفس المنهج الذي كان يتبعه الأئمة مع الناس (محمدي، ١٣٩٤، ص٢٨).

دور العرف في الاستنباط: تصدر الأحكام الشرعية متوافقة مع عرف الزمان، وإلا ابتعد الإسلام عن المجتمع. لم تكن طريقة الميرزا في الفقه وتدريس المسائل الفقهية والأصولية بمعزل عن نقاط فهم الناس. كان يتمتع بذهنية مباشرة بفضل دقته البالغة وإلمامه بأفكار الفلاسفة والأصوليين المختلفة. كان يأخذ الارتكازات العرفية في الاعتبار، ويستشهد بها تباعاً في بيان المطالب الفقهية والأصولية، وكم من الصعوبات الأصولية حلها بالفهم العرفي بعد بيان نقدي.

دور الزمان والمكان في الاستنباط: أحكام الشريعة نوعان: ثابتة أحياناً، وقابلة للتغيير بالزمان والمكان أحياناً أخرى. كان الميرزا يلتفت إلى هذه المسألة. بالإضافة إلى أنه كان على صلة بالناس ومطلعاً على أحوالهم، كان له أيضاً مستشارون حكماء في المدن الأخرى. كانوا يحددون الموضوعات، وكان مرجع الشيعة يفتي بناءً عليها. كان الميرزا يربي تلاميذه في مسائل المجتمع العرفية أيضاً. كان يعلمهم كيفية المعاشرة مع الناس، كما كان تلاميذ مدرسة سامراء، مثل النائيني (ره)، واعين بدور الزمان والمكان في استنباط الأحكام (نائيني، ١٣٨٢، ج ١، ص ٤٠). نشير الآن إلى نماذج من فتاوى الميرزا التي تعكس دور الزمان والمكان في تغيير وتحول الأحكام. على سبيل المثال، حرمة التبغ الذي كان شائع الاستعمال، بسبب هيمنة الأجانب على الإسلام، حرمه بشكل مؤقت. وهناك أحكام أخرى للميرزا، مثل استعمال الملابس الأجنبية، وحكم ارتداد حماة أعداء الإسلام، من هذا القبيل (أمين، ١٤٠٣، ج ٢١، ص ٦٠).

التوجه إلى العقل: العقل في مدرسة سامراء من الشروط الأساسية للاستنباط، لأن تعقل الفقيه في التعامل مع النصوص الدينية والمجاميع الروائية يوصله إلى ملاكات الشريعة الأساسية ويبعده عن الجهل. وفي مرحلة الإفتاء والمرجعية أيضاً، يلعب العقل السليم دوراً كبيراً في قيادة الناس، ويعتبر مكملاً للإيمان والعلم. الميرزا الذي كان يتمتع بعقل خاص، ويُعدّ وارث مدرسة اجتهاد الوحيد البهبهاني وصاحب الجواهر والشيخ الأنصاري، كان يسير على هذا النهج القائل بأن علماء الدين وقادة المجتمع يجب أن يتمتعوا بالفراسة. من خلال النظر في إجازات الميرزا لتلاميذه، ندرك هذه النقطة. سيد عبد الحسين اللاري، محمد حسن الناظر الطهراني، محمد تقي القمي، أمين العاملي، حبيب الله الخراساني وغيرهم، الذين كانت فطنتهم من العوامل المؤثرة في منحهم إجازة الاجتهاد (حرز الدين، ١٤٠٥، ج٢، ص ٢٦٩).

ج) المدرسة الأصولية في النجف

لم تكن النجف الأشرف قبل شهادة أمير المؤمنين (ع) أرضاً معروفة. برزت النجف كمركز للفقه الشيعي منذ أن هاجر إليها الشيخ الطوسي وأسس مع العلماء الحاضرين في درسه حوزة النجف العلمية. بدأت الدورة الأولى من حوزة النجف العلمية بهجرة الشيخ الطوسي من بغداد إلى النجف، واستمرت حتى القرن السادس. هاجر شيخ الطائفة بعد ٢٢ عاماً من المرجعية في بغداد إلى النجف. وهو من علماء الشيعة الذين أحاطوا بالعلوم النقلية والعقلية إحاطة كاملة، وألفوا في كل موضوع من موضوعات وعلوم الإسلام. أدت هجرته إلى النجف الأشرف إلى تجمع عشرات العلماء ومئات الباحثين في هذه الحوزة، وانشغلوا بالتحقيق والتأليف، وهذا الأمر أدى إلى تأسيس حوزة النجف العلمية. بعد وفاة الشيخ الطوسي عام ٤٦٠ هـ، تولى ابنه الشيخ أبو علي المرجعية، وأدار أبو نصر ابن أبي علي بعد والده الحوزة التي أسسها جده. في الدورة الثانية، التي امتدت من القرن السادس إلى التاسع، كانت حوزة كربلاء أكثر نشاطاً، وكان علماء مثل أبو العباس النجاشي، وعماد الدين أبي حمزة الطوسي، والسيد فخار الموسوي الحائري، والشهيد الأول، منشغلين بتربية الطلاب فيها. لهذا السبب، لم تكن حوزة النجف في ذلك الوقت مزدهرة، لأن معظم رجال العلم كانوا يسكنون في حوزة كربلاء. يعزو البعض سبب الركود العلمي في هذه الفترة إلى نشاط حوزة الحلة في ذلك العصر، ويعتبرون البيوتات العلمية لآل إدريس، وآل الشيخ ورام، وآل فهد، وآل طاووس وغيرهم دليلاً على قولهم.

بدأت الدورة الثالثة لحوزة النجف الأشرف العلمية من القرن التاسع الهجري واستمرت حتى القرن الحادي عشر الهجري. بعد هذه الفترة التي شهدت حضور الفقهاء الأصوليين، نشط علماء الأخبارية بشكل أكبر في هذا المركز. يعد الفاضل المقداد من فقهاء الشيعة والعلماء الكبار في هذه الفترة ومن تلاميذ الشهيد الأول. بدأت الدورة الرابعة من أوائل القرن الحادي عشر واستمرت حتى نهايته، وخُصصت للأخبارية الذين كانوا ينشطون علمياً في حوزة النجف. في هذا العصر، كان الركود العلمي في المباحث الأصولية واضحاً، حتى جاء الوحيد البهبهاني من إيران إلى كربلاء والنجف، وقوى أسس الاجتهاد المنطقية بالمباحث العلمية. تشمل الدورة الخامسة من القرن الثاني عشر إلى القرن الخامس عشر الهجري، وتُعد من أكثر دورات حوزة النجف نشاطاً. تبدأ الدورة الخامسة لحوزة النجف بهجرة الوحيد البهبهاني وتلامذته، ومنهم السيد مهدي بحر العلوم والشيخ يوسف البحراني، الذين تولوا بعد الأستاذ قيادة الشيعة وإدارة حوزة النجف (نفس المصدر، ص ٣٧-٤٣). لقد مر فقه الشيعة، من حيث المنهج، بتحولات كثيرة ومدارس مختلفة، وبعد الشيخ الأنصاري، خلّفت المدرسة الفقهية الشيعية تدريجياً ثلاث مدارس وراءها. مدارس ربت كل منها تلاميذ وأنتجت مؤلفات. لكل من هذه المدارس خصائصها، ولكن ربما يمكن اعتبار مدرسة النجف من أكثر المدارس تأثيراً وأهمية. لم تؤثر مدرسة النجف فقط في الأزمنة الماضية، بل حتى اليوم لها تأثير كبير على المدارس الشيعية الأخرى، وما زالت تسير على طريق عظماء مثل الآخوند الخراساني وآية الله الخوئي. تبدأ هذه المدرسة بالشيخ الأنصاري الذي طور الأصول والفقه الصناعي في النجف، وبعده، استمرت بنفس المنهج على أيدي عظماء مثل الآخوند الخراساني وتلامذته. في النجف، وُجد ثلاثة أصوليين مهرة وأصحاب أسلوب، أدى حضورهم المتزامن إلى فتح أبواب تضارب الآراء بشكل منقطع النظير، وأدى إلى ازدهار علم الأصول بشكل كبير. أدى تكثر الآراء في هذه السنوات إلى زيادة حجم مباحث علم الأصول. كان الأصوليون الثلاثة في النجف هم: المحقق العظيم الشأن محمد حسين النائيني المعروف بـ«الميرزا النائيني»، وضياء الدين العراقي المعروف بـ«الآقا ضياء»، ومحمد حسين الأصفهاني المعروف بـ«الكمباني». مدرسة النجف هي وليدة أفكار هؤلاء العظماء الثلاثة، ولكن بقاء هذه المدرسة مدين لشخصية آية الله السيد أبو القاسم الخوئي الفريدة (نفس المصدر، ص ٥١).

خصائص مدرسة النجف

١. كانت السمة المميزة لمدرسة النجف في هذه المرحلة هي ذروة أهمية علم الأصول، والتي لم يكن لها سابقة في أي فترة. في ذلك الوقت، كانوا يولون قيمة كبيرة لعلم الأصول في استنباط الحكم الشرعي. في النجف، كان هناك ثلاثة أصوليين أصحاب أسلوب، كل منهم، بحلقته الدراسية الخاصة، يجذب عشاق العلم من أبعد النقاط. حضورهم المتزامن فتح باب تضارب الآراء بطريقة منقطعة النظير، وأدى إلى ازدهار علم الأصول بشكل كبير. أدى تكثر الآراء في هذه المرحلة إلى تضخم حجم علم الأصول بشكل كبير، على الرغم من أن البعض يعتبره تضخماً لعلم الأصول وليس نمواً حقيقياً له. المحققون الثلاثة المذكورون هم النائيني والعراقي والأصفهاني (گرجي، أبو القاسم، أدوار الأصول، ص ٤٥).

٢. مدرسة النجف ذات فقه صناعي؛ محور الصناعة فيها هو أنه في المسألة الفقهية المطروحة، يتم أولاً تأسيس الأصل دون الرجوع إلى الكتاب والسنة، ثم يتم الانتقال إلى دراسة الروايات. بعبارة أخرى، يتم أولاً استخراج الأصل العقلي أو العملي في تلك المسألة، ثم يتم الرجوع إلى النصوص الدينية. بالطبع، مع هذا التوضيح، فإن قصدهم من تأسيس الأصل ليس بناء أصل لا أساس له في الأدلة الأربعة، بل بمعنى القاعدة المستفادة من العمومات، وهذه العمومات قد تكون مفاد أمارة أو أصل لفظي، وقد تكون مفاد أصل عملي مثل الاستصحاب.

٣. يسعى أسلوب النجف جاهداً في تنشئة المسائل الأصولية، ويوضح مصير المباحث الفقهية إلى حد كبير. في هذه المدرسة، يتم قبول الموضوعات المبتنية على تلك القواعد، ويقل قبول الموضوعات المبتنية على العرف.

٤. يدعو أسلوب النجف الطلاب إلى العمل العلمي الطويل والشاق، وتنمية المباحث الأصولية الجادة، والامتحان في الدرس (گرجي، ١٣٨٥، ص ٤٧).

٥. مدرسة النجف هي مدرسة الإيجاز والصعوبة والترميز، لكن مدرسة سامراء وقم تميل إلى الكتابة السهلة والمنهجية، والكتابة بدون رموز، وحسن القلم، والسلاسة.

٦. في هذه المدرسة، تُولى المسألة اهتماماً لخصوصيات عبارات الكتب الأصولية، ويعتقدون أنه يجب الحفاظ على هذه التعقيدات لثلاثة أسباب: ١. الحفاظ على العلاقة بين الأستاذ والتلميذ وشعور التلميذ بالحاجة إلى الأستاذ. ٢. إغلاق الطريق على الأعداء وعدم تمكينهم من الوصول بسهولة إلى معارفنا. ٣. إظهار استعداد الأفراد في خضم المباحث الدقيقة (نفس المصدر، ص ٥٧).

٧. يتناول أسلوب النجف طرح مسائل لا ثمرة علمية أو عملية لها في معظم الحالات. يلاحظ في مدرسة النجف الاهتمام الشامل بالصعوبات المطروحة في المسألة وتوسيعها.

٨. في مدرسة النجف، بدلاً من التساهل في مجال اللغة، تم نفي حجية قول اللغوي، والتوجه إلى تأليف كتب خاصة مثل لغة القرآن ولغة الحديث.

٩. في هذه المدرسة، القواعد التي يتم تنقيحها في الأصول، تؤخذ على محمل الجد، وتطبق بدقة على مواردها في الفقه. يمكن رؤية نموذج بارز لهذا الأمر بوضوح في آثار آية الله الخوئي، بينما لا يوجد مثل هذا الإصرار على التطبيق في مدرسة قم.

١٠. في مدرسة النجف، لم يكونوا يهتمون بالمسار التاريخي للمسألة، لكن في مدرسة قم، خاصة بعد المحقق البروجردي، كان هناك اهتمام بالمسار التاريخي. سرعان ما تفوقت المدرسة الأصولية في النجف على مدرسة سامراء، لدرجة أنها جعلت جميع الحوزات العلمية الشيعية تابعة لها، وأصبحت كفاية الأصول كتاباً دراسياً للمراحل العليا (محمدي، ١٣٨٠، ص ٢٦٧-٢٧٤).

امتيازات مدرسة النجف

في نظر أتباع وتلاميذ هذه المدرسة، فإن بعض امتيازات النجف الفقهية والأصولية هي:

الامتياز الأول للنجف هو أنه بدلاً من التساهل في مجال اللغة، نفى حجية قول اللغوي، وتوجه إلى تأليف كتب خاصة مثل لغة القرآن ولغة الحديث. السبب الأساسي لذلك هو أن لغة القرآن والروايات خاصة ومعناها أيضاً خاص (شهابي، ١٣٦٦، ج ١، ص ١٢٠).

الامتياز الثاني هو شمولية الفقه والأصول، حيث أكد الشيخ الأنصاري على المنطق والكلام، وأدخل الآخوند الخراساني الفلسفة في علم الأصول. ولكن يبدو أن علوماً متعددة مثل علوم القرآن والحديث، والدراية، والتاريخ، والسيرة، والمنطق، والكلام، والحكمة، والأدب، والرجال، تتدخل في الأصول والفقه.

الامتياز الثالث هو الاهتمام الشامل بالصعوبات المطروحة في مواجهة المسألة. بالطبع، هذا امتياز آخر للمدرسة الفقهية النجفية يجب بيانه بأسلوب موسع وواضح، لكنه يُطرح بشكل بارز في مدرسة النجف.

الامتياز الرابع هو مسألة الاهتمام بخصوصيات عبارات الكتب الفقهية والأصولية، والتي يجب الحفاظ على تعقيدات تعبيرها لثلاثة أسباب: ١. الحفاظ على العلاقة بين الأستاذ والتلميذ وشعور التلميذ بالحاجة إلى الأستاذ. ٢. إغلاق الطريق على الأعداء وعدم تمكينهم من الوصول بسهولة إلى معارفنا. ٣. إظهار استعداد وعبقرية الأفراد في خضم المباحث الدقيقة (شهابي، ١٣٦٦، ج ١، ص ١٢٣).

د) المدرسة الأصولية في قم

مدرسة الاجتهاد في قم هي إحدى المدارس المؤثرة في العصر المتأخر. مدرسة تشكلت بمبانٍ وتوجهات مختلفة عن مدرسة النجف وسامراء، ولها خصائصها. مع وصول آية الله عبد الكريم الحائري إلى قم عام ١٣٠٠ هـ.ش، استقرت هذه الحوزة؛ ولكن الاستقرار الظاهري للمدارس وتنظيم الدروس في قم كان مجرد نتيجة ظاهرية لحضور الحاج الشيخ في قم. لقد أسس بحضوره في هذه المدينة مدرسة فقهية خاصة استمرت حتى يومنا هذا على أيدي تلامذته. هذه المدرسة الفقهية، بعد الثلاثينيات ومع استقرار مكانة آية الله البروجردي في قم، ظهرت. هذه المدرسة هي نقطة تحول تاريخية في مسار بناء الاجتهاد ومؤشر لمدرسة ذات خصائص مميزة (محمدي، ١٣٨٠، ص ٢٧٦). تبدأ هذه الفترة من القرن العاشر وتستمر حتى القرن الثالث عشر بالتزامن مع السلالات الصفوية، والأفغان، والأفشارية، والزندية، والقاجارية. القسم الأول من هذه الفترة يتزامن مع الصفوية، والذي رافقه هجرة علماء جبل عامل إلى إيران ونشر الفكر الأصولي (علي بور، ١٣٩١، ص ١٩٧). وسّع الميرزا القمي بعد دراسته في العتبات نطاق الأصول في قم. بتدريسه أصول الاستنباط ومنطق الاجتهاد، اشتهر بالمحقق القمي. وهكذا، إذا اعتبرنا هشام بن الحكم، ويونس بن عبد الرحمن، وسهل النوبختي، الذين كانوا من أصحاب الأئمة، أول المروجين لعلم الأصول، فإن الميرزا القمي هو الرابع. في الفترة الفاصلة بين ازدهار حوزة بغداد وبعدها حياة حوزة النجف التي دامت ألف عام، لم يكن لحوزة قم بريق يذكر، على الرغم من استمرار الدروس والأبحاث. بعد وصول الصفوية إلى السلطة ثم القاجار، ازدهرت حوزة قم علمياً بظهور الميرزا القمي. عُرف بأنه محيي الأصول في حوزة قم العلمية، وبتربيته لتلاميذ مثل الكلباسي، والهزارجريبي، والسيد مهدي والسيد علي الخوانساري، وأبو طالب القمي، وأسد الله البروجردي، والملا محمد الكزازي، نقل الفكر الأصولي من حوزة قم إلى حوزات أصفهان، وقمشة، وكرمانشاه، وبابتكاراته أحدث تحولاً عظيماً في حوزة قم، وحول سنوات من الركود إلى عصر ذهبي (علي بور، ١٣٩١، ص ٢٠٢). طُرح بحث تنقية علم الأصول من الشوائب منذ حياة الشيخ عبد الكريم في حوزة قم. هذه هي أهم ميزة دراسية للشيخ، والتي لا يزال أثرها حتى اليوم في النظام الفكري لحوزة قم. تبدأ هذه الفترة من أواخر القرن الثالث عشر وتمتد حتى العصر الحاضر (گرجي، ١٤٢١، ص ٤٦).

خصائص المدرسة الأصولية في قم

بالنظر إلى حضور الشيخ عبد الكريم في مدرسة سامراء وتلمذته على الميرزا النائيني؛ فإن لمدرسة قم وسامراء تشابهات. من بينها، التوجه إلى التبليغ والأسفار التبليغية، التي أصبحت اليوم أصلاً مقبولاً في مدرسة قم، يمكن اعتبارها من تأثيرات مدرسة سامراء على مدرسة قم. بنظرة عامة، يمكن تلخيص خصائص هذه المدرسة على النحو التالي:

١. الارتباط العميق بالروايات والابتعاد عن تأسيس الأصل: يُظهر الفقيه الذي تربى في قم ميلاً خاصاً لتحليل الروايات. في هذه المدرسة، نرى تحليلات عقلانية أقل – والتي تسبب اهتماماً أقل بالروايات وتأسيس الأصل -. يُعد تأسيس الأصل عملية عقلانية. هذا المنهج أكثر شيوعاً بين فقهاء مدرسة النجف.

٢. التوجه العرفي: أكبر فرق بين مدرسة قم الأصولية والمدارس الأخرى هو نظرتها الملموسة إلى العرف. على عكس مدرسة النجف التي تربط الفقه أكثر بالعقلانية، تسعى مدرسة قم إلى تحليل الروايات من منظور المعقولات العرفية والحسية. لهذا السبب، لا يتردد فقهاء مدرسة قم في إلقاء نظرة على التاريخ وتحليل رواية من منظور الواقع التاريخي.

٣. في مدرسة قم، خاصة بعد المحقق البروجردي، يُولى اهتمام للمسار التاريخي للمسائل، وفي كتاب «نهاية الأصول» الإشارة إلى هذا المسار واضحة تماماً (محقق داماد، ١٣٦٢، ص ٤٦).

٤. في مدرسة قم، لا يوجد إصرار على التطبيق المئة بالمئة للقواعد الأصولية، خاصة في المواضع التي تخالف الاحتياط. لذلك، يُرى أن فقهاء مثل آية الله الگلپايگاني، من أجل تجنب مخالفة المشهور، كانوا يصرفون النظر عن تطبيق قاعدة مقررة في الأصول على مصاديقها الفقهية، لكن الأمر ليس كذلك في مدرسة النجف.

٥. تميل مدرسة قم إلى الكتابة السهلة، والمنهجية، بدون رموز، وحسن القلم، والسلاسة، لكن مدرسة النجف تفضل الإيجاز والصعوبة. فإذا قارنا النتاج الفكري لمدرسة قم مع النجف، نرى أن فقهاء قم يسعون إلى السهولة، وفقهاء النجف يسعون إلى الإيجاز (محقق داماد، ١٣٦٢، ص ٥٤).

٦. إزالة النقاط الفلسفية والعقلية المحضة من المباحث الأصولية، وإحلال بناء العقلاء والعرف في هيكل القواعد الأصولية، وتقديم حل عرفي منطبق على الذوق السليم في أسس استنباط الأحكام الشرعية، يُلاحظ بوضوح في مدرسة قم.

٧. في تعامل جديد مع المباحث الأصولية العميقة وطرح استدلالات جديدة لإثبات الرأي المختار، سبقت مدرسة قم الأصولية أيضاً المدارس الأصولية الأخرى. هذه الميزة أدت إلى اهتمام كبار معاصري الشيخ الحائري بكتابه درر الفوائد ونقده. الآقا ضياء الدين في مقالات الأصول، والأصفهاني في نهاية الدراية، والحاج رضا المسجد شاهي في وقاية الأذهان هم من بين هؤلاء الأعلام (محقق داماد، ١٣٦٢، ص ٧٧). وتجدر الإشارة إلى أن فقه قم أيضاً ليس مجرد «فقه صناعي» بالأسلوب الشائع في النجف، بل إن قسماً مهماً من تدقيقاتهم الفقهية يتعلق بقسم فقه الحديث.

٨. في مدرسة قم، يُولى اهتمام لشهرة الفتوى والعمل، وكانوا يسعون إلى أن يتحرك فقههم في إطار آراء المشهور. لذلك، كانوا يبذلون جهداً كبيراً في تحديد موارد الإجماع ورأي المشهور، وهذا كان يتطلب مراجعة متكررة لكتب وآراء المتقدمين. بينما في فقه النجفيين، وخاصة آية الله الخوئي، تُرى حالات الخروج عن الإجماع ومخالفة المشهور بكثرة (محقق داماد، ١٣٦٢، ص ٥٥-٦٢).

النتيجة

ينقسم علماء المدارس الأصولية بشكل عام إلى ثلاث فئات: الفقهاء التطبيقيون، والفقهاء التحليليون، والفقهاء التنزيهيون. بالطبع، عندما يُقال إن كل فقيه أصولي يندرج في فئة ما، فإن المقصود هو أن ميوله الغالبة هي أن يكون تطبيقياً أو تحليلياً أو تنزيهياً. المقصود بالفقيه التطبيقي هو الفقيه الذي يتركز كل همه في الاستنباط على تطبيق القاعدة، ولا شأن له بالقرائن أو تجميع القرائن. عندما يفتح ملف البحث، فإنه يبحث قبل كل شيء عما إذا كانت هناك قاعدة، وإذا كانت موجودة، فإنه يطبقها. ربما تكون الشخصية البارزة في التاريخ ضمن هذه الفئة هي العلامة الحلي، الذي كان فقيهاً تطبيقياً، وكان ذهنه المنسجم يبحث عن القاعدة ويحصر نفسه فيها، ولم يكن يهتم بنتيجة تطبيق القاعدة. المقصود بالقاعدة هو كل ما يمكن تطبيقه في مجال الاستنباط، سواء كانت قاعدة نقلية، أو رجالية، أو أصولية، أو فقهية، أو قاعدة ضوابط. الفقيه التحليلي هو الشخص الذي عندما يواجه مسألة، يكون أول جهده هو السعي التحليلي. كان أول جهد تطبيقي هو رؤية ما هي القاعدة والضابطة؟ أما الفقيه التحليلي فيبحث عن التحليل. هؤلاء الفقهاء عدة فئات يجب معرفتها حتى يمكن مقارنة مدرسة قم والنجف. الفئة الأولى من الفقهاء التحليليين هم التاريخيون، أي أنهم يوسعون التحليل في سياق التاريخ، ويوجهون نظرتهم التحليلية إلى التاريخ. بالطبع، المقصود هو التاريخ داخل الفقه (رؤية تاريخ مسألة والبدء من البداية). أداة هؤلاء الفقهاء هي البحث عن القرائن، لأن الحصول على الحقيقة التاريخية أمر صعب. لذلك، فإن الطريق الوحيد للدخول إلى التاريخ، والاستفادة منه، وكشف خباياه، هو تجميع القرائن. يسعى الفقيه التحليلي التاريخي إلى وضع القرائن جنباً إلى جنب، لعلها تفتح طريقاً وتكشف حقيقة مجهولة. على رأس الفقهاء التحليليين، يأتي الشهيد الأول، الذي هو بحق بطل ميدان التحليل التاريخي. لا يعني هذا أنه عندما تفتح فقهه ودروسه أو اللمعة، فإنه يتحدث عن التاريخ، بل إذا دققت، فإن نشاطه، بالنظر إلى التاريخ، هو حركة على سكة القرائن. من العجيب أن الشهيد الأول، الذي أطلقوا عليه لقب مهذب فقه الشيعة، عندما يطالع رأي أستاذ أستاذه، أي العلامة الحلي، لا يسيطر عليه، بل يفكر بحرية كبيرة ولكن وفق منهجه. أحياناً يعود إلى فترة النبي (ص)، ويأتي بالقرائن من هناك ويضعها بجانب القرائن الأخرى. في العصر المعاصر، الإمام الخميني (ره) هو أحد الفقهاء التحليليين التاريخيين. بالطبع، لديه جوانب أخرى من التحليل أيضاً، ولكنه يندرج أيضاً ضمن زمرة الفقهاء البارزين في تجميع القرائن؛ وآية الله البروجردي أيضاً من هذه الفئة. الفئة الثانية، الفقهاء التحليليون الفلسفيون، الذين يأتي المحقق الأصفهاني أو الكمباني على رأس هذه المجموعة وفي ذروتها. المجموعة الأخيرة هم الفقهاء التحليليون العرفيون، والنائيني من بينهم. يقومون بالتحليل بالنظر في سياق العرف، والاهتمام بالعلاقات الاجتماعية، والأنشطة، والروابط. لذلك، فإن الارتكاز في جهاز النائيني أمر قوي جداً. يستخدم كلمة ارتكاز أو مرتكز كثيراً، لأنه يبحث عن العقلاء، والعرف، والعلاقات الاجتماعية. يجب أن نعلم أن الفقهاء التحليليين العرفيين يقومون بالتحليل من منطلق العرف، بنظرة إلى العرف، ومتجهين إلى العرف (مبلغي، أحمد، ١٣٨٣، ص ٣). تتبع مدرسة قم في الغالب المنهج التطبيقي الروائي، وفي مدرسة النجف يوجد هذا المنهج بشكل أقل. مدرسة النجف هي مؤسسة المنهج التحليلي الفلسفي. بالطبع، في الوقت الحاضر، تمر هذه المدرسة أيضاً بفترة ركود، والمواد الموجودة فيها ليست ذلك المنهج، بل هي دروس تتبع في الغالب فضاء آية الله الخوئي (ره) وتلامذته يتابعونها (نفس المصدر، ص ٥). الفقهاء التنزيهيون هم الفقهاء الذين يوجد في أذهانهم تنزيهان متزامنان: أحدهما تنزيه أنفسهم، بالطبع، بنظرة إلى الآخرة، والآخر تنزيه الفقهاء الماضين. الفقيه التنزيهي بصعوبة وندرة لديه القدرة على تجاوز الماضي، لذلك فإن معظم جهده هو أن يكون في إطار كلام المتقدمين. على أي حال، ينقسم الفقهاء التنزيهيون أنفسهم إلى فئات. أحياناً يبقى في كلام المتقدمين دون أن يكون لديه منهج في يده، وأحياناً يذهب أبعد ويبحث عن فهم الماضي، وأحياناً يبحث عن منهج الماضي، وهذا الأخير قليل. فهو يسعى جاهداً ألا يقع في فخ الرأي، وألا يعمل في مسار غير احتياطي، وأن ينزه الماضي. بالطبع، هذه الأمور مرتبطة ببعضها، أي لأنه يريد أن يحتاط ولا يقع في فخ الرأي، فإنه يسعى إلى التنزيه، ينزه الماضي لينزه نفسه. أبرز فقيه تنزيهي هو المحقق الأردبيلي، الذي كان دقيقاً وعميقاً في الفقه التنزيهي، وهو صاحب مدرسة ومنهج. المرحوم البحراني والخوانساري أيضاً تنزيهيون. كأنما طالما أن الماضي موجود، لا يوجد شعور بحرية التفكير في العمل، وشعور بالتحرر في الفتوى، وبمجرد أن يغيب السلف عن المشهد، يصبح حراً (نفس المصدر). من بين علل الاختلاف في المدارس الأصولية، وجود مسائل غير أصولية في علم الأصول، والخلط بينها. الآن أيضاً، بعض الأفراد، عند مواجهة هذه المسائل الإضافية في الأصول، يميلون إلى عدم الاكتراث بكليات هذا العلم. بالطبع، يجب الانتباه إلى أن وجود مرض في الأصول لا ينبغي أن يضع أصل حياة علم الأصول موضع تساؤل، بل يجب معالجة هذا المرض. يمكن أن يكون وجود المسائل غير الأصولية في الأصول ناتجاً عن عوامل مختلفة: أولاً، أن بعض المباحث الزائدة كانت موجودة في كتب أهل السنة، ولأن علماء الشيعة حاولوا طرح مطالبهم في كتبهم، فقد انتقلت هذه المسائل إلى كتب الشيعة أيضاً، مثل بحث المشتق. العامل الآخر هو أن الأصول لم يكن لها إطار محدد، وتكونت تدريجياً. في البداية، كانت ممزوجة بالنحو والكلام، وشيئاً فشيئاً انفصل النحو ثم الكلام. مباحث علم الأصول أيضاً لم تكن محددة من البداية، وكل شخص كان يضيف إليها مطالب حسب ذوقه؛ مطالب الأجيال المختلفة، أدرجتها الأجيال اللاحقة في الأصول، والأجيال اللاحقة أيضاً اعتبرت مطالب المتقدمين جزءاً من الأصول، وشيئاً فشيئاً تكون تصور أن هذه المسائل جزء من علم الأصول. العامل الثالث هو الحاجة إلى بعض المطالب التي بعد استقرارها في علم الأصول، انتفت الحاجة إلى تلك المطالب. مدرسة قم الأصولية، وعلى رأسها الإمام الخميني (ره)، كانوا يمنعون من الخلط بين الأصول والمباحث غير الأصولية، ويعتقدون أن علم الأصول قد أصابه التضخم (خميني، ١٣٨٢، ج ٣، ص ١٤١). إحدى الرسالات التي أصر عليها الإمام (ره) في كتاب «تهذيب الأصول» هي فصل المطالب الفلسفية عن الأصول؛ على الرغم من أنه كان هو نفسه فيلسوفاً.

المصادر

1. الأنصاري، مرتضى (١٤٢٨). فرائد الأصول. الطبعة التاسعة. قم: مجمع الفكر الإسلامي.

2. الاسترآبادي، محمد أمين (١٤٢٤). الفوائد المدنية. قم: النشر الإسلامي.

3. الأمين، سيد محسن (١٤٠٣). أعيان الشيعة. بيروت: دار التعارف.

4. الآقا بزرگ الطهراني، محمد محسن (۱۳۸۸). الذريعة إلى تصانيف الشيعة. طهران: مجلس الشورى الإسلامي.

5. ___________ (١٤٠٤). نقباء البشر. مشهد: بي نا.

6. البحراني، يوسف (١٣٧٦). الحدائق الناضرة. الطبعة الثانية. النجف: دار الكتب الإسلامية.

7. ___________ (بي تا). اللؤلؤ والمرجان. بي جا: طبعة محمد صادق بحر العلوم.

8. جبار كلباغي، سيد علي (۱۳۷۸). درآمدی بر عرف. قم: دفتر تبليغات إسلامي.

9. حرز الدين، محمد (١٤٠٥). معارف الرجال. قم: نشر مكتبة المرعشي النجفي.

10. الخميني، سيد روح الله (١٤١٥). مناهج الوصول إلى علم الأصول. قم: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.

11. ___________ (۱۳۸۲). تهذيب الأصول. قم: دار الفكر.

12. ___________ (١٤١٨). تنقيح الأصول، حسين تقوي اشتهاردي. طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.

13. ___________ (١٣٧٦). جواهر الأصول. طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.

14. ___________ (١٤١٠). الرسائل. قم: إسماعيليان.

15. الخوئي، سيد أبو القاسم (١٤٢٢). مصباح الأصول. قم: مؤسسة إحياء آثار الخوئي.

16. ___________ (١٤١٦). منهاج الصالحين. قم: مهر.

17. الخوانساري، محمد باقر (١٤١١). روضات الجنات. بيروت: دار الإسلامية.

18. دهشور، سلمان (۱۳۹۰). نگاهي به مكاتب اجتهادي قم ونجف. مجلة فقه. ٦٧.

19. رباني كلبايكاني، علي (۱۳۸۶). چهره هاي درخشان سامرا. قم: مكتب الحسين.

20. الشيرازي، ميرزا محمد حسن بن محمود (١٤٠٩). تقريرات آية الله المجدد الشيرازي. قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث.

21. شهابي، محمود (١٣٦٦). أدوار فقه. طهران: وزارة الإرشاد.

22. الصدر، سيد محمد باقر (١٤٠٨). مباحث الأصول، سيد كاظم حائري. قم: مكتب الإعلام الإسلامي.

23. ضيائي فر، سعيد (١٣٨٥). پيش درآمدي بر مكتب شناسي فقهي. قم: پژوهشگاه علوم و فرهنگ إسلامي.

24. الطوسي، محمد بن حسن (١٤٠٧). تهذيب الأحكام. طهران: دار الكتب الإسلامية.

25. مدرسي، سيد حسين (١٣٦٨). مقدمه اي بر فقه شيعه. مشهد: نشر آستان قدس رضوي.

26. علي بور، مهدي (۱۳۹۱). درآمدري به تاريخ علم اصول. قم: الطبعة الثالثة، نشر المصطفى.

27. فاضل قائيني النجفي، علي (١٤١٨). علم الأصول تاريخاً وتطوراً. الطبعة الثانية. قم: دفتر تبليغات إسلامي.

28. گرجي، أبو القاسم (١٣٦١). نگاهي به تحول علم اصول. طهران: بنیاد بعثت.

29. ___________ (١٣٨٥). أدوار أصول فقه. طهران: ميزان.

30. ___________ (١٤٢١). تاريخ فقه وفقها. الطبعة الثالثة. طهران: سمت.

31. مبلغي، أحمد (۱۳۸۳). مكتب أصولي إمام خميني. مجلة فقه. ٤٠. ص٣.

32. محمدي، أبو الحسن (۱۳۸۰). مباني استنباط حقوق إسلامي يا أصول فقه. الطبعة الثالثة عشرة. طهران: انتشارات دانشگاه طهران.

33. مهريزي، مهدي (۱۳۷۸). مكتب أصولي إمام خميني. آينه پژوهش. ٦٠.

34. محمدي، جليل (١٣٩٤). مبادئ فقه وأصول. طهران: نشر آيدين.

35. محقق داماد، سيد مصطفى (١٣٦٢). أصول فقه. طهران: مركز نشر علوم إسلامي.

36. نائيني، محمد حسين (١٣٥٢). أجود التقريرات. قم: عرفان.

37. ___________ (۱۳۸۲). تنبيه الأمة وتنزيه الملة. قم: بوستان كتاب.

38. وحيد بهبهاني، محمد باقر (١٤١٥). الفوائد الحائرية. قم: مجمع الفكر الإسلامي.

Scroll to Top