ماهية الاستصحاب ودراسة نقدية لجريانه في الاستصحاب الكلي من القسم الأول

الملخص

يُعدّ أصل الاستصحاب أحد الأصول العملية التي يُستند إليها بعد تعذّر الوصول إلى دليل محكم، وذلك لرفع الحيرة. وقد بُحث في هذا الأصل من حيث كونه فقهياً أو أصولياً، أصلاً أو أمارة، وعقلياً أو نقلياً. وفي مرحلة لاحقة، خضع أحد أقسام الاستصحاب الكلي الثلاثة أو الأربعة لدراسة تحليلية، وتم التدقيق في جريان الاستصحاب فيه بشكل اجتهادي. وقد أُنجز هذا البحث، الذي يهدف إلى فهم ماهية الاستصحاب ومعرفة إمكانية جريانه في الاستصحاب الكلي من القسم الأول، بالمنهج الوصفي التحليلي، وتم جمع المعلومات بالاعتماد على المنهج المكتبي (التوثيقي). وحيث إنه كان من الضروري دراسة وتحليل آراء كبار العلماء، فقد بُذلت الجهود لدراسة المصادر المتاحة في الكتب ذات الصلة. وتشير نتائج البحث إلى أن الاستصحاب أصل أصولي شرعي. كما يوجد اختلاف في الرأي حول جريان هذا الأصل في القسم الأول في حالة الشك في المقتضي؛ أما فيما يتعلق بجريانه في حالة الشك في الرافع للاستصحاب الكلي من القسم الأول، فهناك اتفاق في الرأي.

مقدمة

لاستنباط الحكم الشرعي والقانوني، يجب أولاً الرجوع إلى الأمارة والدليل الاجتهادي؛ فإن يئسنا من الوصول إليه بعد الفحص بما يسعنا من جهد وقدرة، نرجع إلى الأدلة الفقاهتية، أي الأصول العملية، لرفع حيرتنا وحيرة الآخرين. وأحد هذه الأصول العملية الأربعة هو الاستصحاب. وهذه الأصول مجرد وظيفة عملية ترفع الحيرة في مقام العمل، وقد تطابق الواقع أحياناً وقد لا تطابقه.

يُطبَّق الاستصحاب عندما نتردد في الوضع الفعلي لأمر ما ونكون على يقين من وضعه السابق. وبهذه الطريقة، نفترض بقاء الحالة السابقة ما لم يثبت خلاف ذلك. على سبيل المثال، إذا شككنا في حياة أو موت جندي ذهب إلى الحرب، فإننا نفترض أنه على قيد الحياة، حيث كنا على يقين من ذلك حتى فترة قريبة. أصل الاستصحاب من ابتكارات الشافعية. ويعتبره معظم أتباع الشافعي والشيعة حجة، لكن معظم المتكلمين والعديد من أتباع أبي حنيفة لا يقبلونه. (جعفري لنكرودي، 220) إن تطور هذا الأصل مدين للجهود الواسعة التي بذلها الأصوليون الشيعة. وأول بيان صريح في هذا الصدد، بناءً على الآثار المتبقية من الفقهاء الأصوليين، هو كلام الشيخ المفيد في رسالته الأصولية. حتى أن البعض يعتقد أنه لا يوجد خلاف في اعتبار الاستصحاب في جميع الموضوعات – سواء كانت من الأحكام الجزئية أو الأحكام الكلية؛ بل يعتبرونه من ضروريات الدين. (التبريزي، 1397، 442)

أما الاستصحاب الكلي، فقد حظي بالاهتمام لأول مرة قبل قرنين من الزمان وبشكل مختصر في “قوانين الأصول”، وبعد ذلك أصبحت ماهيته وأدلته وأحكامه وشروطه ميداناً لتضارب آراء الأصوليين. لم يقدم الأصوليون تعريفاً خاصاً له؛ بل بناءً على تعريف الاستصحاب، اعتبروا أن مجراه هو حيث يكون المستصحب كلياً وموضع تردد. من خلال دراسة مجموع الآراء المطروحة في حجية الاستصحاب الكلي، تم التوصل إلى نتيجة مفادها أن أصل حجيته متفق عليه، وأن الاختلاف في الآراء يقتصر على بعض أقسامه. لذلك، الاستصحاب الكلي هو استصحاب مفهومي يمكن أن يكون له أفراد (كلي مفهومي يصدق على كثيرين ولو بالفرض الممتنع)، وله أقسام سيتم تناول القسم الأول منها بالتفصيل في هذا المقال. ونظراً لأن هذا البحث يترتب عليه تبعات كثيرة ومهمة، فإن دراسة جوانبه تبدو ضرورية للغاية. إن التبعات المهمة التي يحملها بحث “الاستصحاب” في الاستدلالات الفقهية والأصولية، وكذلك في كيفية فهم الروايات وإصدار الفتاوى، توضح ضرورة متابعة هذا البحث. أما عن سابقة هذا البحث، فإنه من الناحية المضمونية والدليلية يعود إلى عصر حضور الإمام المعصوم (ع)؛ فهذا المصطلح غير موجود في كلمات المعصومين (ع)، ولكن مضمونه ومعناه موجود في الروايات، كما قال النبي (ص): “فليطرح الشك وليبن على اليقين”. (صالحي المازندراني، 1429، 3، ص 227؛ الشيباني، 1416، 3، ص 83؛ النيسابوري، 2، ص 84؛ البيهقي، 1419، 2، ص 331) كما روي عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: “لا تنقض اليقين أبدا بالشك”. (الحر العاملي، 1، ص 245) هذه القاعدة باسمها الخاص موجودة في كتب قدماء الفقهاء من الشيعة والسنة. لكن عنوان الاستصحاب هو من مصطلحات الفقهاء الأصوليين في عصر الغيبة. كتاب “الاستصحاب” لآية الله السيد محمد موسوي البجنوردي هو شرح ونقد ودراسة علمية لمبحث الاستصحاب من كتاب “كفاية الأصول” للآخوند الخراساني. وكذلك كتاب “الاستصحاب” للإمام الخميني الذي يتميز بالاهتمام بثمرة البحث. لأن الإمام الخميني كان ينظر إلى الأصول كنظرة آلية وأداة للفقه، وكان يسعى لحل مشكلات الفقه من خلال الأصول؛ وهذا الاهتمام كان له تأثير عملي على نوعية المباحث.

دراسة مفهوم الاستصحاب

كلمة “استصحاب” هي مصدر من باب استفعال من مادة “صحب”، وهي بمعنى المصاحبة والملازمة والمرافقة. (ابن منظور، 1408، ص 307) وفي كتب اللغة الأخرى، فُسِّر الاستصحاب بعبارة “كل شيء لزم شيئاً فقد استصحبه”، وهو بيان ليس بذاك الوضوح لنفس المعنى. (الخليل، 3، 124؛ الأزهري، 4، 262؛ الجوهري، 1، 162) اعتبر الفيومي هذا الاستخدام جسراً بين الاستخدام اللغوي القديم والاستخدام الاصطلاحي في الفقه، وبيّن أن سبب تسمية هذه الطريقة الفقهية بـ”استصحاب الحال” هو أنه عند التمسك بها، يُنظر إلى الحالة المعنية في الماضي والحاضر كأنها مترافقة وغير منفصلة. (البخاري، ذيل صحب، 77)

الاستصحاب، وفقاً لما يُستفاد من الروايات، هو حكم الشارع المقدس ببقاء حكم شرعي – أو موضوع ذي حكم شرعي – كان معلوماً سابقاً وأصبح الآن مشكوكاً فيه؛ مثل وجوب صلاة الجمعة الذي كان واجباً في زمن حضور المعصوم (ع) وأصبح وجوبه مشكوكاً فيه بعد زمن الغيبة. (محمدي، ص 309)

قدم الأصوليون تعريفات مختلفة للاستصحاب، وينشأ اختلافهم من اختلاف مبانيهم في كيفية حجيته، حيث يرى البعض أنه أمارة عقلائية، والبعض الآخر يعتبره أصلاً عملياً مُحرِزاً للواقع (الأنصاري، 1411، 3، 25)، وفئة أخرى تعتبره أصلاً عملياً غير مُحرِز وتعبدي محض؛ والبعض يراه قاعدة فقهية. (الطوسي، 2، 120) عرف الشيخ البهائي (ره) في “زبدة الأصول” الاستصحاب بأنه “إثبات الحكم في الزمان الثاني بالاعتماد على ثبوته في الزمان الأول”. (الشيخ البهائي، 106) هذا التعريف جيد؛ إلا أنه لم يُشر فيه إلى ركني الاستصحاب، وهما اليقين السابق والشك اللاحق. ولهذا السبب، فإن هذا التعريف يشمل الحالة التي يحصل لنا فيها اليقين في الزمن اللاحق، مع أننا نعلم أن هذه الحالة خارجة قطعاً عن حقيقة الاستصحاب. (مكارم الشيرازي، 3، 273)

التعريف الثاني هو الذي بيّنه الشيخ الأنصاري (ره) في “الرسائل”، وهو أن الاستصحاب “إبقاء ما كان”. (الأنصاري، 3، 9) وعلى هذا التعريف أيضاً يرد إشكال عدم الإشارة إلى ركني الاستصحاب. (مكارم الشيرازي، 3، 273)

التعريف الثالث الذي مال إليه المحقق الخراساني (ره) في “كفاية الأصول” هو “الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم حصل الشك في بقائه”. (الآخوند الخراساني، 1409، 384) يرى البعض، مثل صاحب “أنوار الأصول”، أن هذا التعريف للمرحوم الآخوند لا إشكال فيه إذا أضيف إليه قيد آخر. وذلك القيد هو ألا يكون الحكم بالبقاء مستنداً إلى دليل خاص. وهذا القيد ضروري لأنه لو لم يكن موجوداً، لكان تعريف المرحوم الآخوند شاملاً للحالة التي يكون فيها الإبقاء بسبب قيام دليل خاص. (مكارم الشيرازي، 3، 273)

التعريف الرابع هو المختار للمحقق النائيني حيث يقول: “الاستصحاب عبارة عن عدم انتقاض اليقين السابق من حيث الأثر المتعلق بالحكم أو الموضوع”. (النائيني، 4، 307) هذا التعريف، بالإضافة إلى كونه طويلاً لا يتناسب مع مقام التعريف، يرد عليه نفس الإشكال الذي ورد على المحقق الخراساني. وإشكال آخر على هذا التعريف هو أن التعبير الصحيح هو “عدم النقض” لا “عدم الانتقاض”؛ لأن إجراء الاستصحاب فعل من أفعال الفقيه. (الحلي، 1432، 9، 4)

بناءً على ذلك، فإن القول الحق والصحيح في تعريف الاستصحاب هو تعريف المحقق الخراساني مع إضافة القيد المذكور؛ أي: “الاستصحاب هو الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شُك في بقائه من دون قيام دليل خاص عليه”. (مكارم الشيرازي، 3، 273)

مبنى حجية الاستصحاب

توجد أقوال مختلفة في حجية الاستصحاب، وأهمها ما يلي:

1. الحجية مطلقاً.

2. عدم الحجية مطلقاً.

3. الحجية فقط في نطاق الأحكام الجزئية والموضوعات الخارجية، لا الأحكام الكلية.

4. الحجية فقط في حالة الشك في الرافع أو حصول الغاية، لا الشك في المقتضي. وقد استُظهر هذا القول من بعض كلمات من نُسب إليهم القول الثاني.

5. الحجية إذا كان دليل المستصحب شرعياً لا عقلياً.

وهذا يعني أنه أحياناً يتعارض الاستصحاب كدليل مع دليل آخر في إثبات أو نفي موضوع ما. فإذا كان الدليل المعارض دليلاً اجتهادياً، فبناءً على مبنى العلماء المتأخرين الذين يعتبرون الاستصحاب أصلاً عملياً، يُقدَّم الدليل الاجتهادي على الاستصحاب. ولكن في تعارض هذا الأصل مع سائر الأصول العملية، يُقدَّم الاستصحاب أحياناً، وأحياناً يكون الرجحان لدليل آخر. أما في كيفية اعتبار الاستصحاب حجة، فقد قيلت آراء مختلفة. بعض العلماء مثل المرحوم محمد حسين النائيني (النائيني، 197) ومحمود شهابي (فربد، 1386، ص 124-126) يعتبرونه جزءاً من بناء العقلاء والسيرة العقلائية؛ لأن طريقة العقلاء مبنية على العمل بالحالة السابقة وعدم الاعتناء بالشك. والبعض الآخر يعتبره نوعاً من المصلحة البديهية. (جعفري لنگرودي، 1، 303) واستند عدد من الفقهاء المتأخرين مثل الشيخ مرتضى الأنصاري (ره) إلى أحاديث مضمونها عدم زوال اليقين بالشك. (الشيخ الأنصاري، 3، ذيل بحث الاستصحاب)

ما يهم في هذا المقام هو بيان أحد أهم الاستدلالات في مجال مبنى حجية الاستصحاب. الإجماع على ثبوت الحجية أو نفيها ليس دليلاً تاماً؛ كما لا يمكن التمسك ببناء العقلاء، سواء كان هذا التمسك تعبدياً أو لكون الحالة السابقة تفيد الظن ببقائها، سواء كان الظن شخصياً أو نوعياً؛ لأنه مع وجود إمكانية منع إفادة الظن، ومع استقرار الظن بالحالة السابقة، لا يبقى مجال لمثل هذه المباحث. وما يُرى من سلوك الحيوانات في عودتها إلى أماكنها، ليس من باب حكم عقلها ببقاء أماكنها على نحو ظني، بل بسبب غفلة هذه الحيوانات عن الجهات المانعة الأخرى. فنفسها قاصرة عن إدراك مثل هذه الجهات، فتضطر إلى البقاء في تلك الأماكن التي تحركها نحوها بسبب تخيلها، تماماً كما تخاف من المحسوسات. فهذه الحركات مرتبطة بعالم القوة المودعة في النفس الإنسانية والتي ترجح بعض الاحتمالات على بعض. وفي هذه الحالة، الدليل الوحيد المتبقي هو الأخبار الخاصة التي تشتمل على بعض التعليلات التي توجب التعدي والسراية إلى موارد أخرى. (العراقي، 2، صص 341-344)

ماهية الاستصحاب

مصادر حجية الاستصحاب

الذين يعتبرون الاستصحاب حجة، توسلوا بأربعة مصادر، وهي:

أ. بناء العقلاء

سيرة العقلاء في المجتمعات والثقافات المختلفة مبنية على الأخذ بالمتيقن السابق وعدم الاعتناء بالشك اللاحق في بقائه؛ ومن جهة أخرى، هذه السيرة العملية لم تتعرض للردع من قبل الشارع مع إمكانية النهي عنها، فهي إذن مؤيدة من قبله. (النائيني، 198)

ب. حكم العقل

كلما علم الإنسان بثبوت شيء في زمن سابق، ثم في الزمن اللاحق شك في بقاء ذلك الشيء، حكم العقل برجحان بقاء ما كان. ومن جهة أخرى، إذا حكم العقل بأمر، فإن لازمه أن يحكم به الشرع أيضاً، فالشرع إذن يحكم برجحان بقاء ما كان. (الشيخ الأنصاري، 3، ذيل بحث الاستصحاب)

ج. الإجماع

على الرغم من أن بعض الفقهاء ادعوا الإجماع على حجية الاستصحاب، إلا أن الحق هو أن تحصيل الإجماع في هذه المسألة صعب نظراً للاختلاف الكبير في الآراء في “باب حجية الاستصحاب”، إلا إذا كان المقصود إثبات حجية الإجماع على نحو الموجبة الجزئية في مقابل من يقول: الاستصحاب ليس حجة في أي مورد. (المظفر، 330)

أ. كون الاستصحاب مسألة أصولية أو فقهية

هناك خلاف بين الأصوليين حول ما إذا كان الاستصحاب من المسائل الأصولية أم من القواعد الفقهية، وهذا الخلاف تابع للاختلاف في مقام تعريف الضابطة للقاعدة الأصولية أو القاعدة الفقهية، وفي هذا الصدد توجد نظريات عديدة:

الأولى: يرى الشيخ الأنصاري أن المسألة الأصولية هي المسألة التي يُستنبط بها الحكم الشرعي. وملاك كون المسألة أصولية هو أن يكون إجراؤها في مواردها مختصاً بالمجتهد ولا نصيب للمقلد فيها. (الموسوي الخميني، 2، 9)

الثانية: يعتقد المرحوم الآخوند الخراساني أن المسألة الأصولية هي التي تقع في طريق الاستنباط أو هي التي ينتهي إليها المجتهد في مقام العمل. (تقریرات درس الأستاذ الجعفري، موقع ويكي فقه)

الثالثة: قال المرحوم السيد الخوئي إن ملاك كون المسألة أصولية هو أن تقع نتيجتها في طريق استنباط الواقع. (الخوئي، 2، 344)

الرابعة: عرّف الإمام الخميني المسألة الأصولية بأنها “قواعد آلية يمكن أن تكون كبرى لاستنتاج الأحكام الكلية الإلهية أو الوظيفة العملية”. (الموسوي الخميني، 1373، 1، 52) وهو يعتقد أن ضابطة القاعدة الأصولية (ما به يُنظر) هي كونها آلية.

الخامسة: أرجع المرحوم ضياء العراقي المسائل إلى القواعد التي تُستخدم في طريق استنباط الوظائف العملية، سواء كانت عقلية أو شرعية، حتى لو كانت في كبرى القياس الذي نتيجته حكم شرعي كلي واقعي. (العراقي، 1، 53)

في هذا المقام، نعرض الأقوال المطروحة حول هذه المسألة:

1. الاستصحاب مسألة أصولية مطلقاً.

2. الاستصحاب قاعدة فقهية مطلقاً.

3. القول بالتفصيل للمحقق النائيني، حيث يكون في الشبهات الحكمية مسألة أصولية، وفي الشبهات الموضوعية مسألة فقهية.

4. القول بالتفصيل بين اعتبار الاستصحاب من الدليل العقلي أو بناء العقلاء، وبين اعتباره بواسطة الدليل الشرعي، ففي الحالة الأولى يكون مسألة أصولية وفي الحالة الثانية قاعدة فقهية. وهذا التفصيل منقول عن المرحوم العراقي تبعاً للكفاية.

5. القول بالتفصيل بين الحالة التي يكون فيها المستصحب فقهياً مثل الحكم التكليفي والوضعي، فتكون المسألة فقهية، وبين الحالة التي يكون فيها المستصحب أصولياً، مثل جواز العمل بالعام قبل الفحص، فتكون المسألة أصولية.

بالنظر إلى الضوابط والآراء المختلفة التي ذُكرت في هذا المقام، لا يمكن القول بشكل مطلق إن الاستصحاب مسألة أصولية أو قاعدة فقهية. ولكن طبقاً لملاك كون المسائل أصولية، فإن الاستصحاب مسألة أصولية؛ سواء أُخذ من الأخبار أو من غير الأخبار. (الموسوي الخميني، 9)

ب. كون الاستصحاب أصلاً أو أمارة

ظاهر كلمات أكثر الأصوليين من القدماء مثل الشيخ الطوسي (الطوسي، 2، 758)، والسيد المرتضى، وابن زهرة، والمحقق، والعلامة، والشهيد الأول، والشهيد الثاني، وصاحب المعالم، هو أن الاستصحاب أمارة؛ (نقلاً عن الأنصاري، 3، صص 35-47) لذا لم يتمسك أي منهم بالأخبار. أما الشيخ الأنصاري والأصوليون من بعده، فقد قالوا بالتفصيل. التفصيل بين أن يكون مبناه الأخبار أو أن يكون مبناه حكم العقل. في الحالة الأولى يعتبرون الاستصحاب أصلاً، وبناءً على المبنى الثاني يعتبرونه أمارة. ثم يقولون إنه بما أن دليل الاستصحاب عندنا هو الأخبار، فقد ذكرناه في الأصول العملية. (الأنصاري، 3، صص 35-47)

وفقاً لرؤية العلامة المظفر، الاستصحاب حكم عملي، حتى لو كان دليل حجيته هو حكم العقل، لأن الظن ببقاء المتيقن – على فرض حكم العقل وعلى فرض حجية مثل هذا الظن – هو في الواقع مستند الاستصحاب ودليل حجيته، مثل الأخبار وبناء العقلاء، لا أن هذا الظن نفسه هو قاعدة الاستصحاب، ليمكن اعتباره أمارة. (المظفر، 310)

تظهر ثمرة هذا البحث في تعارض أمارة مع الاستصحاب؛ لأن تعارض الاستصحاب مع الأمارات له تطبيقات كثيرة، وفي حل وفصل الدعاوى يجب قبل كل شيء تمييز المدعي من المنكر وطلب الدليل منه. فإذا ادعى شخص خلاف أصل الاستصحاب وفي نفس الوقت كان ادعاؤه موافقاً لأمارة، فإنه يُحسب مدعياً ومنكراً في آن واحد، ويتم حل المشكلة المذكورة في تعارض الاستصحاب والأمارة. والمثال البارز على ذلك يمكن رسمه في تعارض قاعدة اليد والاستصحاب. مثلاً، التصرف كمالك هو دليل على الملكية، إلا إذا ثبت خلاف ذلك. لذلك، كلما اقتضت أمارة اليد ملكية شخص، واقتضى استصحاب ملكية المالك السابق ملكيته هو، يقع تعارض بين الاستصحاب وأمارة اليد، فتُقدَّم الأمارة. وهذه النقطة مبنية على البحث الأصولي القائل بأن أمارة اليد دليل اجتهادي، والدليل الاجتهادي مقدم على الأصل العملي. (الآخوند الخراساني، 429) وفي تعارض الأمارة مع الاستصحاب تُقدَّم الأمارة أيضاً؛ لأن وجود الأمارة القضائية يُعتبر علة لرفع التردد وإيجاد العلم للقاضي، وفي هذه الحالة لا يبقى مجال للاستصحاب.

ج. كون الاستصحاب عقلياً أو نقلياً

عند الأصوليين المتقدمين، العقل هو الحاكم ببقاء أمر كان متيقناً في الماضي والآن طرأ الشك فيه؛ ولهذا كانوا يعتبرون الاستصحاب من الأدلة العقلية، في حين أن مقتضى التحقيق أن العقل ليس هو الحاكم؛ لأن العقل يحكم فقط بعد ثبوت الحكم بعد الموضوع، ومع وجود الشك في الحكم لا يحصل أي جزم بالحكم؛ لأن الشك في الحكم هو شك في الموضوع، ومع وجود الشك في الموضوع كيف يحصل الجزم بالحكم المشكوك فيه. (تقریرات درس الأستاذ الجعفري، موقع مدرسة فقاهت) ولكن عند المتأخرين، الحاكم ببقاء الحالة السابقة هو الشارع المقدس الذي أصدر هذا الحكم بناءً على “أخبار لا تنقض”. ولهذا يعتبرون الاستصحاب أصلاً شرعياً. (فاضل لنكراني، 365)

الاستصحاب الكلي

هذا الاستصحاب حظي بالاهتمام لأول مرة قبل قرنين من الزمان وبشكل إجمالي في “قوانين الأصول”، وبعد ذلك أصبحت ماهيته وأدلته وأحكامه وشروطه ميداناً لتضارب آراء الأصوليين. لم يقدم الأصوليون تعريفاً خاصاً له؛ بل بناءً على تعريف الاستصحاب، اعتبروا أن مجراه هو حيث يكون المستصحب كلياً وموضع تردد. من خلال دراسة مجموع الآراء المطروحة في حجية الاستصحاب الكلي، تم التوصل إلى نتيجة مفادها أن أصل حجيته متفق عليه، وأن الاختلاف في الآراء يقتصر على بعض أقسامه. يقع الاستصحاب الكلي في مقابل الاستصحاب الجزئي. وهذا العنوان يُبحث في أصول الفقه، في مبحث الأصول العملية. ما يُستصحب إما أن يكون جزئياً كحياة زيد أو حدث صادر منه، أو كلياً ككلي الحدث وكلي الإنسان. (المظفر، باب الاستصحاب) في هذا الاستصحاب، المستصحب إما أن يكون الأثر الكلي كعنوان كلي بقطع النظر عن خصوصياته، أو الأثر بلحاظ تعيناته وخصوصياته. (الأنصاري، 3، 223)

في الحالة الأولى (الأثر الكلي كعنوان كلي)، يكفي استصحاب القدر المشترك بين الأفراد لترتب الأثر، وهو ما يُعبَّر عنه بـ”الاستصحاب الكلي”. وفي الحالة الثانية (أثر الفرد بلحاظ تعيناته)، لا فائدة من استصحاب القدر المشترك، بل يلزم استصحاب الفرد ذي الخصوصية لترتب الأثر. إذن، الاستصحاب الكلي هو استصحاب مفهومي يمكن أن يكون له أفراد، والاستصحاب الجزئي هو استصحاب فرد معين ومشخص. (محمدي الخراساني، 1385، 312؛ موحدي فاضل لنكراني، 388) فإذا تردد مثل هذا الشخص، بين فرد لو حدث لكان زواله قطعياً، وفرد آخر لو حدث لكان بقاؤه يقينياً، فإن استصحاب مثل هذا الفرد يسمى “استصحاب الفرد المردد”. (الأنصاري، 3، 223) وهو بمعنى استصحاب يكون مستصحبه فرداً معيناً في الخارج؛ مثل استصحاب وجود زيد في المنزل في صورة اليقين السابق بوجوده في المنزل والشك اللاحق في بقائه فيه.

أقسام الاستصحاب الكلي

قُسِّم الاستصحاب الكلي في البداية إلى ثلاثة أقسام، وبحسب موضوع المقال، سيتم تناول القسم الأول فقط. يرى مشهور الأصوليين المتأخرين مثل الشيخ الأنصاري أنه ثلاثة أقسام، ولكن البعض الآخر مثل المرحوم الخوئي والمعاصرين ذكروا له قسماً رابعاً أيضاً. (مكارم الشيرازي، 3، 337) يعتقد بعض الأصوليين أن الاستصحاب الكلي لا يجري في أي من الأقسام الثلاثة؛ ولكن فئة أخرى قائلة بالتفصيل. (الأنصاري، 3، 233)

أ. القسم الأول

الاستصحاب الكلي من القسم الأول هو أن نعلم أن الكلي قد تحقق ضمن فرد معين أو فرد مردد. (الكاظمي الخراساني، 1386، 4، 412) ولكن لا نعلم هل زال ذلك الفرد أم لا؟ فإذا كان قد زال، فإن الكلي أيضاً لم يعد موجوداً ضمنه، وإذا بقي ذلك الفرد، فإن الكلي أيضاً موجود. على سبيل المثال، إذا علمنا أن زيداً موجود في الدار، وشككنا في بقائه في الدار، فكما يجوز استصحاب بقاء زيد في الدار، يجوز أيضاً استصحاب بقاء الإنسان فيها، ولا إشكال في ذلك. وبعبارة أخرى، الإنسان قد وُجد ضمن زيد في الدار، لذا نعلم أن زيداً هو مصداق لذلك الكلي في الدار، فالكلي إذن موجود في الدار. والآن نشك هل الإنسان موجود في الدار أم لا؟ وهذا الشك ناشئ من أن زيداً قد خرج من الدار أم لا؟ هذا هو القسم الأول من الأقسام الثلاثة للاستصحاب الكلي. (الأنصاري، 3، 233؛ موحدي فاضل لنكراني، 388) ولتوضيح هذا القسم أكثر، يُذكر مثال آخر للاستصحاب الكلي من القسم الأول. كان إمام جماعة يقرأ سورة “يس”، فتيقنّا من كلي القراءة ضمن سورة “يس”. والآن نشك هل استمرت تلك القراءة أم لا؟ ومنشأ شكنا هو أننا لا نعلم هل أنهى القراءة أم لا؟ وفي هذا المورد أيضاً، يمكننا أن نستصحب بقاء الشخص ونقول إنه ما زال يقرأ، ويمكننا أيضاً أن نستصحب بقاء كلي القراءة.

ب. القسم الثاني

الاستصحاب الكلي من القسم الثاني، هو استصحاب كلي يكون وجوده ضمن أحد فردين عند العلم بارتفاع أحدهما وبقاء الآخر متيقناً. (الكاظمي الخراساني، 1386، 4، 412) لأنه بسبب ارتفاع أحد الفردين اللذين نعلم أن الكلي قد تحقق ضمن أحدهما، ينشأ الشك في بقاء الكلي. مثلاً، نعلم أن زيداً شرع في قراءة سورة، لكننا لا نعلم هل شرع في قراءة سورة التوحيد – السورة القصيرة – فإذا كان قد شرع فيها فقد انتهت قراءته الآن، أم أنه شرع في قراءة سورة البقرة – السورة الطويلة – فإذا كان قد شرع في قراءتها فلم تنتهِ قراءته بعد. في هذه الحالة، يمكننا فقط استصحاب كلي القراءة، ولكن لا يمكننا استصحاب خصوص سورة البقرة أو التوحيد. لأن في الاستصحاب الكلي من القسم الثاني، يمكن استصحاب “الكلي” فقط لا خصوص الفرد.

ج. القسم الثالث

الاستصحاب الكلي من القسم الثالث، هو حيث يكون الشك في بقاء الكلي بسبب احتمال قيام فرد آخر مكان الفرد الذي كان الكلي موجوداً ضمنه؛ مع القطع بارتفاعه. وبعبارة أخرى، نعلم بحدوث وارتفاع الفرد، إلا أنه يُحتمل حدوث فرد آخر متزامناً مع حدوث هذا الفرد أو مقارناً لارتفاعه. مثلاً، كان عمرو يقرأ سورة يس يقيناً. والآن نتيقن أن تلك القراءة قد انتهت، لكننا نحتمل أنه بعد قراءة سورة يس شرع فوراً في قراءة سورة الواقعة، وبالتالي فإن عنوان “قراءة القرآن” ما زال مستمراً. في هذه الحالة، إذا اعتبرنا الاستصحاب الكلي من القسم الثالث جارياً وصحيحاً، فبما أن “قراءة القرآن” أمر تدريجي، يمكن استصحابه، وإلا فلا يمكن.

تبيين دقيق للاستصحاب الكلي من القسم الأول

قيل إن في الاستصحاب الكلي من القسم الأول، يُستصحب كل من الخاص وبقاء الكلي؛ لأن أركان الاستصحاب كاملة بالنسبة لكل منهما؛ فهناك يقين سابق بأصل حدوث وثبوت وتحقق كلي الحيوان والحدث، وهناك شك لاحق في بقائه أيضاً، وهو قابل للاستصحاب. ومع استصحاب الكلي، تترتب جميع الأحكام والآثار واللوازم الشرعية والعقلية عليه. بالطبع، وفقاً لرأي المرحوم الآخوند (الذي خص عنوان البحث باستصحاب الحكم)، فإنه يُحمِّل الآثار العقلية أيضاً؛ لأنه إذا استُصحب حكم شرعي، فإن أحكامه العقلية تترتب عليه أيضاً. مثلاً، إذا استصحبتم وجوب صلاة الجمعة، فإن الإطاعة واجبة عليكم، ووجوب الطاعة هذا حكم عقلي يترتب على الاستصحاب. (محمدي الخراساني، 1385، 5، 115) إذن، يترتب عليه الأثر الشرعي. أي كما يجوز استصحاب بقاء زيد في الدار، كذلك يجوز استصحاب بقاء الإنسان في تلك الدار. ففي الكلي من القسم الأول، يجري الاستصحاب حتماً، ولا يوجد أي إشكال في ذلك، لأن ركني الاستصحاب الأساسيين تامان وكاملان فيه. (التبريزي، 1387، 5، 224)

أحياناً يُقال إن استصحاب الفرد لا يغنينا عن استصحاب الكلي، بل يجب إجراء الاستصحاب من ناحية الفرد ومن ناحية الكلي لترتيب الأثر المترتب على الكلي والأثر المترتب على الفرد. بالطبع، إذا كان الأثر الشرعي يترتب فقط على أحدهما، الفرد أو الكلي، فإن الاستصحاب يجري فقط في ناحية صاحب الأثر. مثل أن يكون المكلف محدثاً بحدث أصغر ويشك في وضوئه. هنا، يجري الاستصحاب فقط في ناحية كونه محدثاً. فالمكلف لا يستطيع أن يصلي أو يمس القرآن. بالطبع، بعد أن افترضنا تمامية ركني الاستصحاب في ناحية كل من الفرد والكلي، لا تترتب ثمرة عملية على هذا البحث. وإن كان الصحيح هو أن استصحاب الفرد، حيث يترتب عليه أثر خاص، يغنينا عن استصحاب الكلي. (التبريزي، 1387، 5، 224) وبالطبع، يعتقد البعض أن استصحاب الفرد لا يغنينا مطلقاً عن استصحاب الكلي؛ لأن في عالم الاعتبار وفي مقام تعلق الأحكام بالموضوعات، حيثية الكلي غير حيثية خصوصيات الفرد. (الموسوي الخميني، 84)

بناءً على هذا الاستصحاب، نحكم ببقاء الفرد الموجود ضمن الفرد المشكوك البقاء. ولتوضيح أكثر، يجب القول إننا نعلم أن الكلي قد تحقق ضمن فرد ما، ولكننا الآن نشك في بقاء ذلك الكلي، لجهلنا ببقاء ذلك الفرد نفسه أم لا؟ أي أن المسألة ليست تردد بين فردين؛ بل الشك في بقاء الكلي، من حيث إننا لا نعلم هل ذلك الفرد الخاص الذي تحقق الكلي ضمنه، موجود الآن أم لا؟ وبالتالي لا نعلم هل بقي الكلي أم لا؟ بعبارة أخرى، هذا القسم عبارة عن نشوء الكلي ضمن فرد معين، ثم الشك في بقائه بسبب الشك في بقاء الفرد. ونتيجة استصحاب القسم الأول هي أن الكلي يوجد ضمن فرد من أفراده، ثم يحصل تردد في بقاء الكلي، ومنشأ الشك هو الشك في بقاء الكلي، أي الشك في بقاء ذلك الفرد نفسه الذي وُجد الكلي ضمنه. وفيما يتعلق باعتبار هذا القسم من الكلي، لا يوجد خلاف. (الآخوند الخراساني، 1409، 2، 407)

ولتوضيح هذه المسألة أكثر، تُقدَّم عدة أمثلة:

المثال الأول (مثال فقهي): مثل تحقق كلي الحدث ضمن خروج المني من شخص، ثم الشك في زوال ذلك الحدث لاحتمال تحصيل الطهارة. في هذا القسم، يمكن استصحاب الفرد المعين أي الجنابة، وترتيب آثارها عليه من قبيل حرمة المكث في المسجد والعبور من المسجد الحرام والمسجد النبوي (ص)، وكذلك استصحاب كلي الحدث الجامع بين الجنابة وسائر الأفراد وترتيب آثاره عليه مثل حرمة مس القرآن. (الأنصاري، 3، صص 191-202)

المثال الثاني (مثال فقهي): نعلم أن زيداً دخل المسجد ونشك في خروجه، فهنا وجود الحادث في المسجد من حيث إنه وجود لزيد، ومن حيث إنه وجود لطبيعة الإنسان، متيقن الحدوث ومشكوك البقاء. فإذا ترتب أثر شرعي على وجود زيد، بأن قيل إنه ما دام زيد في المسجد يجب التسبيح، ففي هذه الحالة يجري استصحاب الفرد. وإذا ترتب الأثر على وجود الكلي، مثلاً ما دام الإنسان في المسجد يجب التسبيح، يجري استصحاب الكلي. (الحائري، 342)

المثال الثالث (مثال أصولي): نعلم أن زيداً دخل الدار. فيمكننا أن نقول إن كلي الإنسان موجود في الدار. والآن، بما أننا لا نعلم هل زيد في الدار أم أنه خرج منها، فإننا نشك. وهنا يمكن إجراء نوعين من الاستصحاب، ونتيجة جريانهما يمكن إثبات الأثر المتعلق بكل منهما.

أ) استصحاب الفرد (أي استصحاب بقاء زيد في الدار).

ب) استصحاب الكلي (أي استصحاب بقاء الإنسان).

المثال الرابع (مثال حقوقي): جاء في القانون المدني أنه “بعد أن يستقيل الوكيل، ما دام معلوماً أن الموكل باقٍ على إذنه، يمكنه أن يتصرف فيما كان موكلاً به”. (القانون المدني، المادة 681) وفي نقد هذه المادة قيل إن المطلب المذكور مبني على الوكالة بمعنى إعطاء النيابة والإذن في التصرف للوكيل، وبما أن نيابة الوكيل تزول بالاستقالة، يبقى الإذن في التصرف. ولكن من وجهة نظر التحليل العقلي، فإن الاستدلال المذكور مردود؛ لأن الإذن الحاصل ضمن عقد الوكالة قائم بوجود الوكالة وجوداً وعدماً، وبعد زوال الوكالة لن يبقى الإذن وحده. بعبارة أخرى، الإذن المطلق يوجد ضمن فرد مخصوص، والكلي يوجد بالوجود الجزئي والفرد في الخارج، فإذا انعدم الفرد، انعدم الكلي الذي وُجد ضمنه أيضاً. (إمامي، 1372، 2، 238)

المثال الخامس: كلما انعقد عقد لازم تحت عنوان البيع، ثم حصل تردد في بقاء البيع لسبب ما، ونتيجة لذلك حصل تردد في بقاء العقد اللازم الذي هو عنوان كلي، جرى استصحاب بقاء العقد.

إمكان جريان الاستصحاب الكلي من النوع الأول

أحياناً في جريان الاستصحاب الكلي في الموضوعات، وأحياناً أخرى في الاستصحاب الكلي للحكم، تحدث مناقشتان مختلفتان. بعبارة أخرى، يوجد جهتنان:

الجهة الأولى: في مناقشة الاستصحاب الكلي بين فردين للموضوع. حاصل المناقشة هو أن الأمر الكلي والجامع بين فردين مثل الجامع بين زيد وعمر، ليس له وجود مستقل في الخارج، بل هو مفهوم يُنتزع من منشئه أي الفرد الذي له الحكم. فكيف يمكن إجراء الاستصحاب فيه؟ لأنه إذا كان المقصود هو استصحاب المنشأ، فإن أركان الاستصحاب فيه غير تامة وكاملة. وإذا أردنا أن نستصحب المفهوم الانتزاعي، فإنه ليس موضوعاً للحكم ولا معنى لاستصحابه من حيث هو مفهوم في الذهن.

الجهة الثانية: في مناقشة الاستصحاب الكلي للحكم. مثل أن نريد أن نستصحب الأمر الجامع بين الوجوب أو الاستحباب، أو الأمر الجامع بين وجوب صلاة الجمعة ووجوب صلاة الظهر. هذه المناقشة مبنية على أصل موضوعي وهو أن ما يُجعل في الاستصحاب هو نفس الحكم المماثل لمؤداه. من حيث إن الأمر الجامع بين الوجوب والاستحباب، لا يمكن جعل مماثله بالاستصحاب. لأنه يبرز سؤال: كيف يُجعل؟ هل هذا الأمر الجامع الذي هو جنسهما، يُجعل بدون فصل، أم يُجعل بفصل الوجوب أو الاستحباب؟

أما جعل الحكم المماثل بدون فصل، فيواجه محذور استحالة تحقق الجنس بدون فصل. وجعل الحكم بأحد الفصلين أيضاً مخالف لقاعدة الاستصحاب، لأن أركانها غير تامة في الفصل، فنحن لا نعلم به، فلا يمكن إثباته به. ومثل هذا الإشكال يرد في استصحاب الجامع بين وجوبين أي وجوب الظهر ووجوب الجمعة. لأن هذا الجامع والكلي كيف يثبت، هل يثبت بدون متعلق (أي ظهر أو جمعة) أم أنه يثبت على الجامع بين متعلقين، أي وجوب الجامع بين صلاة الظهر والجمعة. وهذا أيضاً باطل، لأن معناه ثبوت وجوب تخييري بين الظهر والجمعة، وهذا غير الحالة السابقة التي كان فيها وجوب أحدهما يقيناً. (الصدر، 5، صص 317-320)

الاستصحاب الكلي من القسم الأول مع الشك في المقتضي

بما أن لهذه المسألة آثاراً فقهية مهمة، يجب علينا، للوصول إلى الرأي الصحيح، أن نبحثها بشكل مفصل. فصّل الشيخ الأنصاري في بحث الاستصحاب بين الشك في المقتضي والشك في الرافع، وقال بعدم جريان الاستصحاب في الشك في المقتضي. (الأنصاري، 3، 50)

المراد من المقتضي ليس ملاكات الأحكام والمقتضي في باب الأسباب والمسببات الشرعية. مثل عقد البيع الذي هو مقتضٍ للملكية، والوضوء الذي هو مقتضٍ للطهارة. يعتقد المرحوم الإمام أن ما قيل عن كلام الشيخ الأنصاري، هو ظاهر كلامه ورأي الشهرة المنقول عنه. على الرغم من أن ما صرح به في ذيل قول المرحوم المحقق في “المعارج” في حجية القول التاسع (بأن كلام المحقق يرجع إلى مختاره) يوحي بخلاف ذلك. المراد عند المحقق من المقتضي هو ما يكون في باب الأسباب والمسببات الشرعية، مثل عقد النكاح الذي هو مقتضٍ للحلية. ومرادهم من الرافع هو ما يرفع هذا الاقتضاء. وفي هذه الحالة، إذا أُرجع كلام المحقق إلى مختار الشيخ، فإن مرادهم من المقتضي هو نفسه ما يوجد في باب الأسباب والمسببات. (الخميني، صص 17-21) ما يُستفاد من كلماتهم هو أن المراد من المقتضي في مقابل الرافع، هو نفس الأمر المعروف بين الأعلام، وهو أن المستصحب عندما يكون له استعداد البقاء والاستمرار واقتضاء الدوام والقرار، ونشك في إيجاد أمر يرفعه، فهذا من قبيل الشك في الرافع. أما إذا شككنا في مقدار استعداد المستصحب للبقاء وقابليته للدوام، وكان الشك في زواله من هذه الناحية، فهذا من قبيل الشك في المقتضي. (الخميني، صص 17-21) إذن، الاستصحاب في الشك بالنسبة للمقتضي يكون في مورد يكون فيه التردد في بقاء المستصحب ناشئاً من التردد في استعداد بقائه في الزمن اللاحق. بعبارة أخرى، في الشك في المقتضي، لا نعلم كم هو استعداد بقاء المستصحب؟

في مجال اعتبار هذا النوع من الاستصحاب يوجد اختلاف في الرأي، وهذا الاختلاف الأصولي له تأثيره أيضاً في الحقوق المدنية وتطبيقهما في الحقوق المدنية واضح؛ على سبيل المثال، يظهر جريان الاستصحاب في الشك في المقتضي في المادة 124 من القانون المدني، حيث تقول هذه المادة: “إذا كان طرف عارضة بناء على جدار مختص بالجار من قديم، ولم تكن سابقة هذا التصرف معلومة، يجب أن يبقى على حاله السابق، وإذا أُزيل طرف العارضة بسبب خراب البناء ونحوه، يمكن لصاحب البناء تجديده وليس للجار حق الممانعة، إلا إذا أثبت أن الوضع السابق كان بمجرد إذنه”. تتضمن هذه المادة الاستصحاب في الشك في المقتضي؛ بمعنى أن التردد في بقاء حق الارتفاق ناشئ من أننا لا نعلم هل كان مقتضي إنشاء هذا الحق إذناً أم عقداً لازماً؛ فإذا كان المقتضي عقداً لازماً، فهذا الحق باقٍ الآن، وإذا كان المقتضي إذناً، فقد زال هذا الحق بخراب البناء. وفي نقد هذه المادة قيل إن الاستصحاب المذكور غير صحيح؛ لأنه استصحاب في الشك في المقتضي. والمثال الفقهي لهذا المورد هو أنه في حالة تحقق خيار العيب في المعاملة وزوال العيب قبل إعمال الخيار، هل يمكن أن يبقى خيار العيب؟ طبقاً لما قيل من مبانٍ، يرى البعض أن حق الخيار باقٍ والبعض الآخر يرى أنه لا يبقى. وتبعاً لهذا الاختلاف بين الفقهاء، فإن القانون المدني أيضاً ليس له حكم عام في هذا المجال؛ بعض الحقوقيين يرون أن حق الخيار باقٍ بسبب الاستصحاب. (إمامي، 1372، 2، 509) وفي المقابل، يرى البعض أن هذا الاستصحاب غير صحيح بسبب الشك في المقتضي. (كاتوزيان، 1371، 5، 296)

ونتيجة لذلك، يختلف الفقهاء في هذا المجال (الاستصحاب في الشك في المقتضي). وعلى أي حال، يُلاحظ الاستناد إلى اعتبار أو عدم اعتبار هذا النوع من الاستصحاب في الحقوق المدنية، ويبدو أن رفع هذا الخلاف يستلزم تبني مبنى واحد والتأمل في تطبيقه على الموارد. مثال في الموضوعات الخارجية: مصباح يشتعل بالنفط، بعد أن مر وقت على عدم وجود المصباح، نشك هل اشتعاله باقٍ أم لا؟ في محل البحث، نشك بطريقتين. إحداهما من حيث هل كمية النفط التي سكبناها في المصباح كافية لأن يبقى مشتعلاً ومنيراً حتى الآن؟ هذا الشك هو شك في المقتضي، وله وجهان: 1. أولاً، أن نكون قد سكبنا كمية قليلة من النفط في المصباح وقد انطفأ الآن. 2. ثانياً، أن نكون قد سكبنا كمية كافية من النفط في المصباح وهو الآن مضيء ومشتعل. ولكن في الحالة اللاحقة، نحتمل أن يكون قد طرأ عارض ورافع. مثل أن تكون قد هبت ريح وأطفأت المصباح بسببها. أي أن مقتضي استعداد البقاء موجود، ولكن وجود المانع سبب انطفاء الشعلة. مثال في الموضوعات الخارجية: شخص كان يملك حيواناً، والآن نشك هل للحيوان قابلية البقاء على قيد الحياة لأكثر من سنة أم لا؟ فالشك في حياة الحيوان هو شك في المقتضي، ويجب أن نستدل على هذا النحو: ما هو نوع ذلك الحيوان، وهل في الوقت الحاضر له من العمر عدة سنوات. فبناءً على نوع الحيوان، هل هو حي عادة أم لا؟ عندما استصحبنا حياة الحيوان (الشك في المقتضي)، فإننا نستصحب ملكية المالك لذلك الحيوان (الشك في الرافع). كثير من علماء الأصول لا يُجرون الاستصحاب في خصوص الشك في المقتضي؛ ومنهم الشيخ الأنصاري والميرزا النائيني، ولكن عدداً آخر من الفقهاء والأصوليين يُجرون الاستصحاب ويجعلونه حجة في مورد الشك في المقتضي أيضاً. (الأنصاري، 326؛ الكاظمي الخراساني، 1386، 4، 118؛ الآخوند الخراساني، 1409، صص 387 و 390)

الاستصحاب الكلي من القسم الأول مع الشك في الرافع

“الاستصحاب في الشك في الرافع هو في مورد يكون فيه التردد في بقاء المستصحب ناشئاً من أنه مع وجود استعداد المستصحب للبقاء، يوجد تردد بالنسبة لإيجاد رافع ينهي بقاء المستصحب”. (ولائي، 1374، 62) المقصود من الشك في الرافع هو أنه إذا تُرك الحكم أو الموضوع لحاله، لبقي على حاله، حتى يزيله عامل خارجي.

المثال الأول: إذا شككنا في أداء الصلاة (الجزئي) ولم نقم بها، فإنها تبقى على حالها وفي عهدة المكلف؛ فقط عامل الامتثال (عامل خارجي) يزيل حق الأداء.

المثال الثاني: إذا كان لدينا تردد في الوجوب (الكلي)، فإنه لا يزول إلا بالنسخ (عامل خارجي).

في اعتبار هذا النوع من الاستصحاب لا يوجد أي تردد، وبعبارة أخرى، يمكن القول إنه في جميع الموارد التي يجري فيها الاستصحاب، يوجد في الواقع تردد بالنسبة للرافع؛ على سبيل المثال، كلما حصل خلاف في وقوع الطلاق بين الزوج والزوجة، فإن الزوجية لها مقتضى البقاء، ويحصل التردد بالنسبة لتحقق الرافع أي الطلاق، وفي النهاية يجري استصحاب الزوجية.

الشك في الرافع، بدوره، ينقسم إلى قسمين: الشك في وجود الرافع والشك في رافعية الموجود. المقصود من الرافع هو أنه مع فرض اقتضاء البقاء واستعداد وقابلية دوام الموضوع، يوجد شك وتردد في دوامه من هذه الجهة، أي هل حصل مانع يمنع تأثير المقتضي أم لا؟ مثلاً، في خصوص عقد النكاح الذي كنا على يقين بوجوده، نشك هل وقع الطلاق أم لا؟ ولا نعلم هل وُجد الرافع أم لا؟

أما الشك في رافعية الموجود، فهو أننا نعلم بوجود الرافع ولكننا نتردد في تأثيره. مثلاً، في المثال السابق، نعلم بوقوع الطلاق، ولكننا نتردد هل الطلاق الذي وقع كان في طهر المواقعة فيكون الطلاق باطلاً؟ أم كان في طهر غير المواقعة فيكون الطلاق صحيحاً.

المثال الرابع: المذنب الذي ارتكب الزنا وتاب؛ ولكننا نشك هل كانت التوبة قبل إقامة البينة (ففي هذه الحالة لا يجري عليه حد الزنا) أم بعد إقامة البينة (فيجري عليه حد الزنا).

كثير من علماء الأصول مثل الشيخ الأنصاري والميرزا النائيني، حتى أولئك الذين لا يُجرون الاستصحاب في خصوص الشك في المقتضي، يقبلون الشك في الرافع ويُجرون الاستصحاب فيه. (الأنصاري، 326؛ الكاظمي الخراساني، 1386، 4، 118؛ الآخوند الخراساني، 1409، صص 387 و 390)

الخاتمة

يمكن تلخيص المقال في عدة نقاط:

– إن دراسة تطبيق أصل الاستصحاب كمبحث أصولي في الفقه لها أهمية بالغة. وحجية هذا الأصل قطعية أيضاً في أصول الفقه؛ ولكن آراء العلماء تختلف بالنسبة لكيفية ومواضع إجراء هذا الأصل، ووجود هذا الاختلاف في المباني أثر بدوره على بعض الفتاوى الفقهية.

– بعبارة أخرى، لا يمكن للتدقيق في المباحث العلمية أن يكون خالياً من الخطأ والانحراف دون إمعان النظر في هذا الأصل المهم. لذلك، فإن تحليل هذه المسألة على أساس المباني الأصولية يستلزم أن يتم تنقيح النظريات الأصولية المختلفة في هذا البحث قبل تقديم تحليل صوري وغير علمي، وأن تكون النظريات المختارة في كل بحث هي معيار التحليل.

– الاستصحاب الكلي، طبقاً لقول مشهور الأصوليين، ينقسم إلى ثلاثة أقسام، لكل منها معاييره وأصوله الخاصة. والنقطة المهمة هي الدقة في هذا المطلب، وهو أنه يجب أن يكون المستصحب كلياً لا جزئياً حتى لا يخرج عن البحث.

– الاستصحاب أصل أصولي شرعي وليس قاعدة فقهية عقلية.

– يجب دراسة جريان الاستصحاب الكلي من القسم الأول في حالتي الشك في المقتضي والشك في الرافع. ففي خصوص جريان هذا الأصل في حالة الشك في المقتضي، يوجد اختلاف في الرأي؛ أما جريانه في حالة الشك في الرافع فمتفق عليه.

Scroll to Top