قرينة المناسبة بين الحكم والموضوع وفعاليتها في استنباط الأحكام

الملخص

تختلف تعابير الأصوليين حول ماهية قرينة المناسبة. فهم في نهاية المطاف يعتبرونها نوعاً من القرينة العرفية. مع ذلك، ليس الفهم العرفي العام هو الملاك دائماً؛ بل إن قرينية القرينة في بعض الموارد تعتمد على فهم عرف المتشرعة. وقد استفاد الأصوليون من قرينة المناسبة في إثبات المفهوم للوصف، وفي بحث المشتق، وكذلك في رفع إجمال الدليل وتعيين كون الواجب كفائياً. كما استخدموها لإثبات تعدد المطلوب، وإثبات جريان الاستصحاب، وترجيح أحد المتزاحمين على الآخر، ورفع نوع من الإجمال عن حديث الرفع وحديث لا ضرر، وبعض القواعد الفقهية المستنبطة. وفي جميع هذه الموارد، تستند حجية القرينة على تنقيح الظهور العرفي.

يمكن العثور على نماذج كثيرة يكون حل المسائل الشرعية فيها منوطاً بنوع من الاستظهار العرفي من النصوص. وتؤدي قرينية قرينة المناسبة، من حيث كسر الإطلاق ورفع إجمال الدليل، دوراً أساسياً في هذه النماذج.

المقدمة

يستلزم استنباط الأحكام من النصوص الشرعية مباحث تتعلق بكيفية دلالة الأدلة اللفظية. ويُعدّ الوضع والقرائن محورين أساسيين لتشخيص الدلالة. وقد أولى الأصوليون اهتماماً لتعدد القرائن وتنوعها، وتحدثوا عن نوع من القرائن حيثما لزم الأمر. إحدى هذه القرائن هي قرينة مناسبة الحكم والموضوع. والسؤال الأول هو عن حقيقتها وماهيتها، والسؤال الثاني عن مكانتها من حيث تأثيرها في استنباط الحكم الشرعي.

1. ماهية قرينة المناسبة

على الرغم من اختلاف وتفاوت تعابير الأصوليين حول ماهية قرينة المناسبة، إلا أنهم يشتركون في نقطة واحدة، وهي أنها تُعدّ في نهاية المطاف نوعاً من القرينة العرفية. ولهذا، قد يُستخدم عنوان واحد في موضوعات أحكام متعددة، ولكن العرف في موارد مختلفة لا يفهم من ذلك العنوان شيئاً واحداً؛ بحيث يعتبر القيد أحياناً دخيلاً في الموضوع، وأحياناً أخرى غير دخيل. مثلاً، في خيار العيب ورد أن جواز ردّ المعيب مشروط بكون المتاع قائماً بعينه. وفي التفليس أيضاً ورد أن الغريم يُردّ إليه ماله إذا كان قائماً بعينه. وكذلك في الهبة، ورد أن الواهب يمكنه الرجوع في هبته إذا كان المال قائماً بعينه. مع ذلك، يرى الفقهاء أن مجرد تغيير العين بأدنى تغيير في الهبة يمنع من الرد؛ خلافاً للتفليس حيث لا تمنع التغييرات الطفيفة من الرد. وهذا الاختلاف في الأبواب ناتج عن اختلاف مناسبات الأحكام مع موضوعاتها، وله جذور في الفهم العرفي (الخوئي، د.ت: ج2، ص410).

أحياناً، تُعتبر هذه القرينة من قبيل القرينة الخارجية. مثلاً، في عبارة «صلّ خلف العادل»، يقولون إن القرينة الخارجية، أي مناسبة الحكم والموضوع، تُفهمنا أن خصوص المتلبس بالمبدأ هو المراد في المشتق (الحلي، 1432هـ: ج1، ص309). ومن الواضح هنا أن اعتبارها خارجية يرجع إلى انضمام دلالة من خارج معنى المشتق.

وأحياناً أخرى، تُعتبر من قبيل القرينة العرفية الارتكازية. مثلاً، في الآية الشريفة ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 124)، يقولون إن هذا النوع من القرينة الارتكازية يقتضي أن حدوث الظلم ولو آناً ما، ظاهراً وباطناً، كافٍ ليمنع الشخص من تولي منصب الإمامة (عدنان القطيفي، 1414هـ: ص264). في الواقع، الارتكاز العقلائي هنا هو أساس الفهم العرفي في قرينية مناسبة الحكم والموضوع.

ولكن في بعض الأحيان، يُرى عكس التعبير السابق تماماً، ويُعتبر الارتكاز ناشئاً من قرينة مناسبة الحكم والموضوع (الفياض، 1410هـ: ج1، ص297).

وفي موارد أخرى، تؤدي شدة مناسبة الحكم والموضوع إلى انصراف اللفظ المطلق (الحائري، 1408هـ: ج4، ص511).

وكذلك، يُعتبر تنقيح المناط وتعميم الحكم بشكل مقبول ومعتبر، كما في حديث الأعرابي «هلکت یا رسول الله ﷺ! … وقعت على أهلي في نهار رمضان …»، أمراً متوقفاً على مناسبة الحكم والموضوع (الحكيم، 1979م: ص302).

على أي حال، الأمر المهم هو شدة ارتباط قرينة المناسبة بالقرائن الأخرى مثل الانصراف والارتكاز، وكذلك شدة ارتباطها ببحث تنقيح المناط وإلغاء الخصوصية وتعميم الحكم؛ بحيث يُعتبر تنقيح المناط في بعض التعابير، على نحو المسامحة، هو نفسه إلغاء الخصوصية ومناسبة الحكم والموضوع (السبحاني، 1383: ص30). وإلا فالحق أن نوعاً من الارتكاز العرفي هو أساس قرينية المناسبة، وهذه القرينة هي سبب إلغاء الخصوصية والوصول إلى ملاك الحكم، ومن ثم تعميمه.

2. مكانة قرينة المناسبة

يمكن فهم مكانة قرينة المناسبة جيداً بالنظر إلى المباحث المطروحة في موضوع شناسي الأحكام (دراسة موضوعات الأحكام). لا شك أن تغييرات الموضوع يمكن أن تؤثر في تغيير الحكم، ولكن تشخيص موارد التأثير يعتمد على معرفة القيود الدخيلة في الموضوع لترتب الحكم وتفريقها عن القيود غير الدخيلة. وبالطبع، إذا ترتبت أحكام مختلفة على موضوعية ما، فيجب تحديد القيود الدخيلة بالنظر إلى نوع الحكم المترتب.

نستعرض هنا أولاً ما ذكره بعض الأصوليين حول تغييرات الموضوع، ثم نتناوله بالنقد والتحليل. ذكر بعض الأصوليين أن:

العناوين والحالات العارضة على الموضوع أنواع عدة:

1. عناوين وحالات تُغيّر حقيقة الموضوع، مثل «صيرورة الكلب ملحاً».

2. عناوين وحالات تؤدي إلى زوال التسمية العرفية للموضوع، مثل «العنب صار زبيباً» أو «الخشب صار فحماً».

3. عناوين وحالات لا تندرج تحت الصورتين السابقتين، مثل «الحنطة صارت دقيقاً».

في القسم الأول، بعد أن يصبح الكلب ملحاً، لا تعود أحكام الكلب سارية عليه. وفي القسم الثالث، حيث لا تتغير الحقيقة ولا تزول التسمية العرفية، لا شك أن حكم القمح يسري إلى جميع حالاته المتغيرة اللاحقة؛ أي أن الدقيق والعجين والخبز، وهي حالات وعناوين عارضة على القمح، تأخذ جميعها نفس أحكام القمح، مثل جواز الأكل وجواز أداء الكفارة به بوصفه قوتاً غالباً.

أما القسم الثاني، فهو الموضع الذي تتدخل فيه قرينة مناسبة الحكم والموضوع. فإذا فهمنا من لسان الدليل، بمساعدة قرينة خارجية مثل مناسبة الحكم والموضوع، أن الحكم معلق على نفس الحقيقة، فإن الحكم يسري إلى الزبيب أيضاً؛ ولكن إذا كان الحكم معلقاً على مجرد الاسم، فإنه لا يسري إلى الزبيب. وإذا شككنا، فالمرجع هو الاستصحاب، وفي الاستصحاب، يتوقف اتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة على الفهم العرفي في تحقيق النقض وعدم النقض (الحلي، 1432هـ، ج10، ص2؛ الكاظمي الخراساني، د.ت، ج4، ص583).

بناءً على ما قيل، تقع قرينية قرينة المناسبة في منزلة متوسطة بين أمرين: الأول، حيث يستقر الحكم على موضوع، مثل «الكلب نجس»، ونعلم أن هذا الحكم مترتب على حقيقة الموضوع ويتغير بتغير الحقيقة؛ والثاني، حيث يستقر الحكم على موضوع ونعلم أنه يتغير بتغير الحقيقة، لكنه لا يتغير بالتغييرات التي تؤدي إلى تغيير الاسم. الآن يجب القول، يمكن تصور تغييرات في هذا الوسط لا توجب تغيير الحقيقة والماهية، ولكنها توجب تغيير الاسم. في مثل هذه الحالات، يكون بقاء الحكم محل تردد. ولكن العرف، من خلال قرينة المناسبة، لا يرى بعض التغييرات مضرة ببقاء الحكم. مثلاً، في حكم جواز أكل القمح، يُفهم من خلال مناسبة الحكم والموضوع أن هذا الجواز يشمل الدقيق والعجين والخبز أيضاً؛ ولكن إذا ترتبت أحكام على القمح بوصفه جامداً وجافاً، وأحكام على الدقيق بوصفه قابلاً للتغبر، وأحكام على العجين بوصفه رطباً، فمن الواضح أن العرف لا يرى سريان الحكم.

بناءً على ذلك، مع التوضيحات التي قدمناها، قد لا نحتاج إلى أمثلة متعددة؛ بل في مثال العنب، يمكن تصور تغيير يوجب تغيير الماهية، مثل احتراق العنب وتحوله إلى فحم، مما يؤدي إلى تبدل حكم جواز الأكل إلى حرمة الأكل، أو تغيير يوجب تغيير التسمية، مثل خلط حبات العنب أو انفجارها، وهذا لا يغير الحكم، أو تغيير يكون في منزلة متوسطة؛ أي لا يغير الماهية ولكنه يغير الاسم، مثل الجفاف والتحول إلى زبيب.

ولكن في رأينا، حتى في هذه الحالة، لا يكون مجرد التغيير وعدم تغيير التسمية هو الملاك. فمثلاً، عصير العنب له أحكام تتعلق بكونه سائلاً، وهي أحكام لا تملكها حبة العنب السليمة، وبمجرد ملاقاة النجس لا يعود قابلاً للتطهير؛ ولكنه من حيث جواز الأكل لا يختلف عند العرف عن حبة العنب. إذاً، في غير الموارد التي يتبدل فيها الموضوع تبدلاً كاملاً في حقيقته، يجب النظر إلى الفهم العرفي وقرينة المناسبة في ترتب الأحكام، وهذه القرينة لا تنبع دائماً من فهم العرف العام والعرف العقلائي؛ بل قد تعتمد أحياناً على عرف المتشرعة؛ كما تعلمنا من الشارع أن الرطوبة توجب انتقال النجاسة، وهذا الفهم الارتكازي المتشرعي هو سبب جريان قرينة المناسبة.

3. وظائف قرينة المناسبة في كلام الأصوليين

عندما يتحدث الأصوليون عن وظيفة قاعدة ما، فإنهم بطبيعة الحال يقصدون تدخلها في الحكم الفقهي. فالفارق بين النظرة الأصولية والنظرة الفقهية هو أن البحث الأصولي يدرس مسار استنتاج الحكم وكيفية تطبيق القاعدة الأصولية، بينما البحث الفقهي يتناول شروط وقيود تنفيذها في مجال الفقه؛ وإن كان الحديث عن تطبيق القاعدة في مجال الفقه.

1. في بحث مفهوم الوصف، يمكن الاستفادة من قرينة المناسبة لتحديد حدود ومقومات مفهوم الموضوع. مثلاً، إذا قال الشارع: «صلّ خلف العادل»، فإننا نفهم بقرينة المناسبة أن الحكم يدور حول عنوان العدالة، ولا فرق في أن يكون عنوان العدالة في قالب وصف أو لقب أو شرط؛ كأن يقول: «صل خلف الإنسان العادل» أو «صل خلف الإنسان إذا كان عادلاً»؛ لأنه في جميع الحالات، يُعتبر قيد «العدالة» في نظر العرف مقوماً للموضوع، وتوجد قرينة مناسبة بين الحكم والموضوع (الحلي، 1432هـ، ج11، ص86).

وبنفس الطريقة، في «مطل الغني ظلم»، يفهم العرف أن سبب الحكم بالظلم هو غنى المدين وقدرته على السداد؛ خلافاً للعاجز الذي لا يُعد مماطلته وتأخيره ظلماً. لذا، بالنظر إلى أن الوصف يمكن أن يكون مقيداً للحكم أو الموضوع أو المتعلق، يجب البحث عن قرينة لكل من هذه الاحتمالات، وقرينة المناسبة نفسها يمكن أن تحدد الاحتمال الأول وتثبت المفهوم (المظفر، د.ت: ج1، ص134).

2. في بحث المشتق، قد يُعتبر مجرد التلبس بالمبدأ كافياً لترتب الحكم، وأحياناً يُعتبر بقاؤه بعد الحدوث أيضاً. وهذا الاختلاف ناشئ أيضاً عن قرينية قرينة المناسبة. مثلاً، في الآية الشريفة ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، يُعتبر مجرد حدوث الظلم علةً لحدوث وبقاء نفي الولاية؛ ولكن في مثال المرأة الكبيرة الأولى والثانية التي تُرضع زوجة صغيرة ثالثة، يقولون إن مجرد حدوث الزوجية ليس دليلاً على تحريم أم الزوجة، لأن أمومتها حدثت بعد انقضاء الزوجية. بالتالي، فإن تعبير ﴿أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ الوارد في الآية 23 من سورة النساء، هو لفظ مشتق لا يكفي مجرد حدوث الأمومة فيه لترتب حكم التحريم (الحلي، 1432هـ: ج1، ص228).

3. يُلاحظ كثيراً رفع الإجمال عن الدليل المجمل بقرينة مناسبة الحكم والموضوع؛ مثلاً «لا علم إلا بعمل» يعني «لا علم نافع»، و«لا غيبة لفاسق» يعني «لا غيبة محرمة»، و«لا رضاع بعد الفطام» يعني «لا رضاع سائغ»، و«لا جماعة في نافلة» يعني «لا جماعة مشروعة»، و«لا إقرار لمن أقر بنفسه على الزنا» يعني «لا إقرار نافذ ومعتبر»، و«لا صلاة إلا بطهور» يعني «لا صلاة صحيحة»، و«لا صلاة لحاقن» يعني «لا صلاة كاملة»، و«لا رهبانية في الإسلام» يعني «لا رهبانية مشروعة».

في جميع هذه الموارد، تُعرف الكلمة المقدّرة بنظر العرف وبقرينة المناسبة، ولا تندرج تحت ضابطة معينة (المظفر، نفس المصدر: ص199)؛ كما في قوله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (النساء: 23) و﴿النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ (الأنعام: 151) و﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ (المائدة: 1)، نرى أيضاً أن الأعيان الخارجية قد وُضعت موضوعاً للأحكام الشرعية؛ بينما يجب أن تتعلق الأحكام بأفعال المكلفين، ويجب تقدير فعل مثل النكاح أو القتل أو الركوب. إذاً، على الرغم من أن الدليل مجمل، وهذا الإجمال سببه الإطلاق، إلا أن القرينة الخاصة، أي قرينة مناسبة الحكم والموضوع، تمنع من جريان الإطلاق وفي تقدير أي شيء (المظفر، نفس المصدر: ص201).

4. يمكن معرفة كون الواجب كفائياً بقرينة المناسبة؛ مثلاً في الآيتين ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (المائدة: 38) و﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (النور: 2)، الفهم العرفي هو أن متعلق التكليف ليس عموم المكلفين؛ بل شخص واحد أو عدة أشخاص من المكلفين هم المأمورون (القدسي، 1428هـ: ج1، ص485).

5. في معرفة وحدة أو تعدد المطلوب في الأوامر الشرعية، يُستفاد أيضاً من قرينة المناسبة. مثلاً، إذا قال الشارع «اقرأ القرآن يوم الجمعة» أو «اقرأ القرآن بالصوت الحسن»، يُفهم بقرينة المناسبة أن ذلك الوقت الخاص أو تلك الحالة الخاصة لا تُنشئ تقييداً في مطلوبية القراءة؛ أي أن تدخل اليوم المعين والصوت الحسن ليس من باب تعدد المطلوب؛ بل يُقال أحياناً إن الأصل في جميع المستحبات الواردة في الشرع هو تعدد المطلوب (نفس المصدر، ص492).

6. في بحث الاستصحاب، يُقال في موضع إن استصحاب نجاسة الماء المتغير بسبب النجاسة جارٍ بعد زوال التغير؛ لأن علية التغير لنجاسة الماء من قبيل الواسطة في الثبوت. وفي موضع آخر، يقولون إن استصحاب حجية فتوى المفتي بعد زوال عدالته ليس جارياً؛ لأن علية العدالة لحجية الفتوى من قبيل الواسطة في العروض. هذا النوع من الفرق بين الموردين المذكورين في مقام الاستظهار هو من باب الرجوع إلى الفهم العرفي ومن باب مناسبة الحكم والموضوع (الحلي، 1432هـ: ج5، ص298).

7. ذُكرت ملاكات لترجيح أحد المتزاحمين على الآخر. أحد هذه الملاكات هو أن يكون أحد الواجبين، في نظر الشارع، أولى وأهم من الآخر. هذه الأولوية تُفهم أحياناً من ملاكات الأحكام والأدلة السمعية، وأحياناً عن طريق مناسبة الحكم والموضوع؛ مثل ترجيح مصلحة «حفظ بيضة الإسلام» على مصلحة الأحكام الجزئية، وترجيح حق الناس على حق الله، وترجيح الدماء والفروج على غيرها، وترجيح نفس المؤمن على مال المؤمن، وترجيح الواجب الركني في الصلاة على الواجب غير الركني، وترجيح الركوع على القراءة، وترجيح الصلح ودفع الفتنة على الصدق وإيجاد الفتنة (المظفر، د.ت: ج2، ص219).

8. في تبيين دلالة حديث الرفع، يُقال إن رفع القلم ناظر إلى رفع القلم الإلزامي، لا مطلق رفع القلم؛ لأن في مطلق رفع القلم لا توجد منّة؛ بل المنة تكون على خلافه. هذا الأمر يُفهم بقرينة مناسبة الحكم والموضوع (الخميني، 1418هـ: ج2، ص248).

وكذلك، في هذا الحديث بحث آخر: هل يختص الحديث بالشبهات الموضوعية أم يشمل الشبهات الحكمية أيضاً. وهنا أيضاً قيل إن وحدة السياق قرينة على اختصاص الحديث بالشبهات الموضوعية، ولكن مناسبة الحكم والموضوع قرينة أقوى من قرينة السياق وتُخرج بعض الفقرات من السياق (نفس المصدر: ج7، ص44).

9. في تبيين نطاق القواعد وإمكان أو عدم إمكان تخصيص أدلتها وتنقيح دلالتها، يُستفاد أيضاً من قرينة المناسبة. مثلاً، في حديث «لا ضرر»، قيل إن إطلاق الدليل بحيث يأبى التخصيص. وهذا الأمر يُعرف بملاحظة قرينة مناسبة الحكم والموضوع، وبالالتفات إلى هذه النكتة وهي أن الحديث في مقام الامتنان (القدسي، 1428هـ: ج3، ص257).

10. أصل تشكل بعض القواعد قائم على الفهم العرفي من مناسبة الحكم والموضوع. مثلاً، قاعدة «الضرورات تُقدَّر بقدرها» هي قاعدة عقلية تأسست على أساس مناسبة الحكم والموضوع، وهناك قواعد أخرى تعود إليها، كلها مبنية على القرينة المذكورة، مثل «ما جاز لعذر بطل بزواله» و«إذا زال المانع بطل الممنوع» (الحكيم، 1429هـ: ص125).

وحول قاعدة نفي السبيل أيضاً، قيل إن أحد أدلتها هو مناسبة الحكم والموضوع؛ لأن آية ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ تقتضي ألا يُجعل أي حكم يخالف العزة. وبهذا، يكون الاستناد إلى دليل مناسبة الحكم والموضوع هو أفضل وأوثق دليل على قاعدة نفي السبيل (البجنوردي، 1377: ج1، ص192).

كلمات الفقهاء والأصوليين حول قبول المسامحات العرفية أو لزوم الدقة العقلية في الاستفادة من الأدلة مختلفة. ومحل البحث موضعان: أحدهما تشخيص المفهوم اللفظي من النصوص، والآخر تشخيص مصاديق ذلك المفهوم.

وقد حاول بعض الأساتذة إيجاد طريقة للجمع بين كلمات الأعلام، وبالاعتماد على كلمات المحقق العراقي (البروجردي النجفي، 1393: ج4، القسم الثاني، ص9-11)، قالوا إن ما يرتكز في أذهان العامة ويُدرك عن طريق مناسبة الحكم والموضوع هو حد وسط بين الدقة العقلية والنظر العرفي المسامحي. مثلاً، في باب الاستصحاب، يُحرز اتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة عن طريق المناسبة، وهو حد وسط بين الدقة والتسامح العرفي (الساعدي، د.ت: مجلدات مجلة فقه أهل البيت، ج37، ص96).

4. حجية مناسبات الحكم والموضوع

إذا كانت المناسبة بين الحكم والموضوع واضحة إلى حد يجعل العرف العام أو عرف المتشرعة، بوصفهم مخاطبين، يعدلون عن إطلاق أو عمومية الموضوع ويفهمون أفراداً خاصين، فإنها تخلق للفظ ظهوراً مختلفاً عن الظهور اللغوي. وبالطبع، هذا النوع من المناسبة له قرينية متصلة. ومثالها المعروف عند الأصوليين هو الآية الشريفة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (النساء: 23). في نظرهم، بقرينة مناسبة الحكم والموضوع، يكون المراد هو تزويجهن، لا النظر إليهن أو لمسهن أو أكلهن أو ضربهن. وكذلك في الآية الشريفة ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ (المائدة: 3)، المراد هو أكلها، لا بيعها أو دفنها أو إنتاج السماد الطبيعي منها. فبالرغم من أن الحكم مترتب على الذات، إلا أن الفعل المعين المرتبط بها هو المقصود. والتصرفات التي كانت شائعة ورائجة في زمن صدور النص والتخاطب، هي المرادة يقيناً، واللفظ له ظهور فيها وهو حجة. والأفعال التي نشك في إرادتها، ينشأ للفظ إجمال من جهة إرادتها. على أي حال، نحن على يقين بأن مطلق التصرفات ليس مراداً. بالتالي، فإن ظهور الكلام في وجود مناسبة بين الحكم والموضوع يعني نفي الإطلاق في ناحية الموضوع.

وإذا كانت الحالة عكس ما سبق، فإن الملاك أيضاً هو الظهور العرفي. ولهذا، قد يُفهم تعميم الحكم بقرينة المناسبة، وفي ناحية الموضوع، يُثبت الإطلاق؛ حتى وإن كان موضوع الخطاب اللفظي، بدون لحاظ هذه القرينة، مقيداً وخاصاً.

في الموارد التي يترتب فيها حكم شرعي على عين خارجية، نقول بقرينة المناسبة إن المراد هو استعمال خاص. فظهور الخطاب هو أن الاستعمال المناسب في زمن صدور الخطاب هو الذي يحدده؛ بل إنه يثبت الاستعمال المناسب في كل عصر، لأن نظر الشارع إلى الاستعمال المناسب ولا يقصد مصداقاً خاصاً، ولكن الاستعمالات غير المتعارفة قطعاً ليست مرادة (القائيني، 1427هـ: ج1، ص109). بالتالي، فإن حجية مناسبة الحكم والموضوع تدور حول الفهم العرفي في تضييق أو توسيع دائرة الموضوع، وما هو ملاك ترتب الحكم هو الموضوع الواقعي لا الموضوع المصرح به. والنقطة المهمة هنا هي أنه إذا تغير العرف بتغير الزمان أو المكان أو الظروف، فبطبيعة الحال يتغير الفهم العرفي أيضاً، ومقتضى قرينة المناسبة هو أن موضوع الحكم يتغير أيضاً؛ ولكن في رأينا، الفهم العرفي في زمان أو مكان خاص لا يضر بالإطلاق. في المثال السابق، يمكن القول إنه لو كان مراد الشارع مطلق الاستعمالات، فإن الفهم العصري لا يُحدث تقييداً في الموضوع. مثلاً، لو قال «الدم حرام»، في زمن ما يكون الاستعمال المناسب هو الأكل والشرب، وفي زمن آخر يكون الاستعمال المناسب هو صناعة الألوان، وفي زمان أو مكان آخر يكون الاستعمال المناسب هو تقوية التربة الزراعية، وفي مكان آخر يكون الاستعمال المناسب هو صناعة المنتجات الطبية أو حقنه في إنسان مريض. هنا، بالطبع، لا يمكننا القول إن قرينة المناسبة في كل عصر تجعل ذلك الاستعمال المناسب مشمولاً بالتحريم، لأن قرينة المناسبة منذ البداية تحدد مناط الحكم؛ أي في المثال نفسه، تجعل الاستعمالات الناشئة عن قذارة ونجاسة الدم موضوعاً للحكم، وإذا لم يُذكر مصداق خاص، فإن مقتضى قرينة المناسبة هو أن أي استعمال ناشئ عن قذارة ونجاسة الدم، في كل زمان ومكان، يكون محرماً بقرينة المناسبة؛ ولهذا، فالدليل من جهة له إطلاق ومن جهة أخرى ليس له إطلاق. ولهذا السبب، طرح بعض الأساتذة المعاصرين أولاً سؤالاً ثم بحثوا مقتضى الأدلة المانعة، وذكروا أنه إذا سُئل: هل نقل الدم من شخص لآخر أو تخزين الدم لإجراء فحوصات وإنتاج مشتقات دموية مشمول بإطلاقات مثل «حرمت عليكم الدم»؟ أو هل تنصرف الإطلاقات عن هذا النوع من التصرفات؟ أو بقرينة مناسبة الحكم والموضوع، هل حُرمت خصوص التصرفات التي كانت معتادة ومتعارفة في زمن صدور النص (مثل الأكل والشرب) وبقية التصرفات، إذا لم تكن مشمولة بأدلة مانعة أخرى، تكون جائزة؟ الأدلة المانعة الأخرى يمكن أن تكون روايات تمنع التصرف في الأعيان النجسة. وهذه الأدلة أيضاً إطلاقها منصرف إلى التصرفات التي توجب تعدي النجاسة وتنجيس البدن أو اللباس أو توجب تنجيس طعام المسلم؛ ولكن إذا لم تسرِ إلى طعامه ولباسه ولم تكن مانعاً لصحة الصلاة وحلية الطعام، فإنها تخرج عن شمول هذه الإطلاقات. إذاً، تحريم الدم في الآية الشريفة لا يتعلق بذات الدم؛ بل بسبب كونه نجس العين، وتحريم التصرف في العين النجسة يتعلق بوصف النجاسة وينظر إلى منع التصرفات التي تكون فيها النجاسة مانعاً من الصحة أو الجواز. نتيجة لذلك، التصرفات التي لا يُشترط فيها عدم نجاسة العين الخارجية، لا مانع منها، مثل حقن الدم في بدن إنسان حي بحيث يصبح جزءاً من بدنه (الهاشمي الشاهرودي، 1387: ج3، ص184).

5. نماذج من تطبيقات قرينة مناسبة الحكم والموضوع

«كون حق القصاص انفرادياً أو مجموعياً» هي إحدى المسائل الخلافية بين الفقهاء. وفي حل هذه المسألة، استُند إلى الظهور الأولي والثانوي للأدلة اللفظية، وفي الجمع بين الأدلة، إلى قاعدة حجية مناسبات الحكم والموضوع.

التوضيح هو أنه إذا طلب بعض أولياء الدم العفو أو الدية، فهل يجوز للبعض الآخر منهم أن يطلبوا القصاص بشكل مستقل، أم لا يجوز، وبطلب العفو أو الدية من قبل المجموعة الأولى يسقط حق القصاص ولن يكون للمجموعة الثانية حق القصاص؟ بتعبير المحقق الحلي في شرائع الإسلام، المشهور بين فقهاء الشيعة هو أن القصاص لا يسقط. وقد استدلوا لإثبات رأيهم بأدلة متعددة، منها روايات. مثل صحيحة أبي ولاد الحناط:

قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قُتل وله أم وأب وابن، فقال الابن أنا أريد أن أقتل قاتل أبي وقال الأب أنا أريد أن أعفو وقالت الأم أنا أريد أن آخذ الدية. قال فقال: فليعطِ الابن أم المقتول السدس من الدية ويعطي ورثة القاتل السدس من الدية حق الأب الذي عفا وليقتله (الحر العاملي، 1409هـ: ج29، ص113).

يقول أبو ولاد: سألت الإمام الصادق عليه السلام عن رجل قُتل وله أب وأم وابن. الابن يقول: أريد أن أقتل قاتل أبي. الأب يقول: أنا أعفو عنه. الأم تقول: أريد أن آخذ الدية. الإمام عليه السلام أجاب: «يجب على الابن أن يدفع سدس الدية لأم المقتول، ويدفع سدسًا آخر لورثة القاتل مقابل حق الأب الذي عفا. ثم يمكنه أن يقتل القاتل».

في المقابل، توجد روايات أخرى هي مستند الرأي غير المشهور، منها صحيحة عبد الرحمن:

قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام، رجلان قتلا رجلاً عمداً وله وليان فعفا أحد الوليين. قال: فقال إذا عفا بعض الأولياء درئ عنهما القتل وطرح عنهما من الدية بقدر حصة من عفا وأدّيا الباقي من أموالهما إلى الذين لم يعفوا (نفس المصدر: ج29، ص115).

يقول عبد الرحمن: قلت للإمام الصادق عليه السلام: رجلان قتلا رجلاً عمداً، وللمقتول وليان، فعفا أحدهما. الإمام عليه السلام قال: «إذا عفا بعض الأولياء، يُرفع عنهما حكم القتل، ويُخصم من الدية بمقدار حصة الذين عفوا، ويُدفع الباقي من أموالهما إلى الذين لم يعفوا».

وكذلك معتبرة إسحاق بن عمار:

عن جعفر عن أبيه عليهما السلام أن علياً عليه السلام كان يقول: من عفا عن الدم من ذي سهم له فيه، فعفوه جائز وسقط الدم وتصير دية ويرفع عنه حصة الذي عفا؛

يقول إسحاق بن عمار إن الإمام الصادق عليه السلام نقل عن أبيه أن علياً عليه السلام كان يقول: «كل من له سهم في الدم من أصحابه، إذا عفا عن القاتل، فعفوه جائز، ويسقط القصاص ويتحول إلى دية، وتُرفع حصة الذي عفا من القاتل» (نفس المصدر: ج29، ص116).

في الجمع بين الروايات الموافقة والمخالفة لرأي المشهور، ذُكرت وجوه مختلفة. ويرى الشهيد الصدر في النهاية، بالنظر إلى هذه الوجوه، أن عموم الروايات التي تدل على سقوط حق القصاص غير قابل للتخصيص (الصدر، 1410هـ: ج2، ص388). ولعل نكتة عدم قابلية هذا العموم للتخصيص هي أن ما يُستفاد عرفاً وبمناسبة الحكم والموضوع من هذه الروايات هو أن النكتة العرفية لسبب سقوط حق القصاص هي عدم قابلية القصاص للتجزئة. بناءً على ذلك، إذا أصبح الجاني مالكاً لجزء من حياته، فإنه يسقط عنه حكماً حق القصاص وحكم القتل. وهذه النكتة لا علاقة لها بقرب أو بعد نسبة الولي إلى المقتول. فإذا جزمنا بهذه النكتة من الناحية العرفية أو الفقهية، فإن التعارض بين الطائفتين من الأخبار سيستقر (الهاشمي الشاهرودي، 1387: ج3، ص183).

النموذج الثاني يتعلق ببيع الدم. لنضف كمقدمة أن العناوين المأخوذة في الخطابات الشرعية هي محل بحث بين الفقهاء والأصوليين من حيث هل أُخذت هذه العناوين على نحو الطريقية أم على نحو الموضوعية. في الحالة الأولى، يكون العنوان مجرد مشير، ولا دور للعنوان في الحكم، بل قد يُدعى لغوية العنوان. بالطبع، الظهور اللفظي لأي عنوان هو أن نفس العنوان له دخل في الحكم. بالتالي، اعتبار العنوان طريقياً هو خلاف ظاهر اللفظ، ولكن هذا الاستظهار يتعلق بكلام الشارع، وإذا ورد عنوان في لسان السائل من الإمام، فإن حمله على عدم الموضوعية، حسب قول الشهيد الصدر، ليس خلاف الظهور. الآن، في أدلة النهي عن بيع الدم، إذا كان لعنوان «الدم» موضوعية، فحتى في زماننا الحاضر الذي يُشترى فيه الدم ويُباع للحقن في المرضى، يظل التعامل منهياً عنه. وإذا كان للعنوان طريقية ويشير إلى شيء من حيث كونه مادة مأكولة، ففي هذه الحالة، الاستخدام غير الغذائي للدم لا تشمله أدلة الحرمة. طبعاً، هنا تحديد الطريقية من الموضوعية له أهمية بالغة. إحدى طرق تحديد ذلك هي الاعتماد على قرينة مناسبة الحكم والموضوع. لأنه في نظر العرف، كلما تعلق حكم بموضوع، فلابد أن يكون ذلك الموضوع نفسه هو الملاك (عباس الموسوي، د.ت: مجلدات مجلة فقه أهل البيت، ج49، ص127).

النموذج الثالث هو كلام الشهيد الصدر في بحث مطهرية ماء المطر، والذي يُستفاد من الآية الشريفة ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (الأنفال: 11).

يقول: إن تنزيل الماء من السماء يمكن أن يكون طريقياً؛ أي بمعنى إنزال الماء من مبدأ السماء، وهو طريق لإنشاء مياه أخرى؛ فيشمل جميع أنواع المياه. كما يمكن أن يكون موضوعياً، ويكون المراد خصوص ماء المطر.

ما يحدد الاحتمال الأول هنا هو وجود قرينة مناسبة الحكم والموضوع؛ لأن العرف يقول إن النزول من السماء ليس له دخل. إذاً، يمكن استنتاج مطهرية جنس الماء من الآية الشريفة (الصدر، 1410هـ: ج1، ص39).

6. تقوية الشواهد على حجية قرينة المناسبة

أحد الأمور الموكلة إلى الفقهاء في زمن الغيبة هو أخذ الخمس وصرفه في مصارفه. لا يوجد نقاش حول سهم الإمام ومصارفه؛ لأن هذا السهم ملك للإمام المعصوم، وفي زمن الغيبة، حكمه حكم مال الشخص الغائب الذي يجب حفظه قدر الإمكان وصرفه في الموارد التي نتيقن برضا المالك. وجعل الولاية للفقهاء يستلزم أيضاً جعل الولاية على هذا القسم من الخمس.

أما بالنسبة لمصرف سهم السادات، فيمكن القول: بقرينة مناسبة الحكم والموضوع، المستفادة من بعض الروايات، فإن الإمام المعصوم وخليفته له ولاية على هذا السهم، مثل رواية الإمام الكاظم عليه السلام التي ورد فيها هذا التعبير عن سهم السادات:

«ونصف الخمس الباقي بين أهل بيته فسهم لأيتامهم وسهم لمساكينهم وسهم لأبناء سبيلهم، يقسم بينهم على الكتاب والسنة ما يستغنون به في سنتهم فإن فضل عنهم شيء فهو للوالي وإن عجز أو نقص عن استغنائهم كان على الوالي أن ينفق من عنده بقدر ما يستغنون به» (صافي الكلبايكاني، 1415هـ: ص27).

في خبر أبي بصير عن الإمام الصادق عليه السلام ورد: «قال سألته عن الذي بيده عقدة النكاح، قال هو الأب والأخ والرجل يوصي إليه» (الحر العاملي، 1409هـ: ج20، ص283).

الشاهد على وجود قرينة مناسبة الحكم والموضوع في النص أعلاه هو رأي الفقهاء القائلين بأن المراد من شخص الوصي الذي له اختيار تزويج الصغير والطفل، هو الوصي في شأن الزواج، لا الوصي في الأمور المالية، ولا حتى الوصي في الأمور العامة (سيفي المازندراني، 1428هـ: ج1، ص221).

حول القاعدة الفقهية نفي السبيل، المستندة إلى الآية الشريفة ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ (النساء: 141)، هناك عدة أبحاث وإشكالات: أحدها هو هل المراد نفي سبيل جماعة الكفار على جماعة المؤمنين؛ بحيث لا يشمل إثبات السبيل لآحاد من الكفار على آحاد من المؤمنين دلالة الآية؟ في الإجابة على هذا السؤال، بغض النظر عن إمكانية الاستفادة من القواعد الأدبية والشواهد العرفية حول استعمال صيغة الجمع المحلى باللام، تمسك بعض الفقهاء بوجود قرينة السياق وقرينة مناسبة الحكم والموضوع. وقالوا: قرينة المناسبة شاهدة على إرادة جنس الكفار وجنس المؤمنين في هذا المقام (سيفي المازندراني، 1425هـ: ج1، ص244).

مما أوردناه حتى الآن حول قاعدة حجية مناسبة الحكم والموضوع، والأمثلة التي طرحناها، يتضح أن مناسبة الحكم والموضوع هي نوع من القرينة العرفية على كشف الموضوع وملاك الحكم، والتي يمكن أن تكون أعم أو أخص بالنسبة للموضوع المطروح في الخطاب. التوضيح هو أن موضوع الخطاب قد يكون في الظاهر خاصاً ولكن العرف يلغي خصوصيته ويفهم الحكم في نطاق أوسع منه. وأحياناً يكون موضوع الخطاب عاماً وشاملاً ولكن العرف يرى أن شموليته غير مقصودة ويضيق الحكم. على أي حال، اعتمد الشارع على الفهم العرفي في كشف مناسبة الحكم والموضوع واعتبره في انعقاد الظهور الأولي بمنزلة القرينة المتصلة.

النموذج الثاني يتعلق بشخص الزاني الذي يفرض عليه الحاكم الإسلامي عقوبة التبعيد. أحد المباحث في هذا الشأن هو هل يمكن للشخص المبعد أن يأخذ زوجته معه أم يجب أن ينفصل عنها؟ مقتضى إطلاقات أدلة التغريب هو أن مصاحبة الزوجة لا مانع لها؛ ولكن من بين الفقهاء المعاصرين، يصرح المرحوم آية الله الكلبايكاني بأنه بسبب وجود قرينة مناسبة الحكم والموضوع، يجب العدول عن الإطلاق، لأن عقوبة التغريب لها جانب عقابي على ارتكاب الزنا وهذا يقتضي أن يُحرم المجرم من اللذات المباحة المتعلقة بزوجته.

من الواضح أنه بافتراض قبول قرينة المناسبة، لا يمكن طرحها في سائر الموارد، مثل تبعيد المحارب أو القواد أو قاتل الولد أو واطئ البهيمة (الطبسي، د.ت: ص280).

النموذج الثالث يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إحدى وظائف الحاكم الإسلامي هي إقامة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وقد ذكر الفقهاء مراتب لها: القلب واللسان واليد. ثم ذكروا مراتب لـ«اليد» أيضاً، مثل الضرب ثم الجرح ثم القتل؛ ولكن من عجائب كلام بعض الأكابر مثل آية الله السيد أحمد الخوانساري في جامع المدارك (1364: ج5، ص409) أن الترتيب غير معتبر؛ لأن في الروايات جاءت «الواو» العاطفة التي لا تفيد الترتيب. في المقابل، قال فقهاء آخرون إنه أولاً يجب مراعاة التزاحم بين هذه الأدلة وأدلة حرمة الإيذاء واللجوء إلى الأقوى ملاكاً من باب الأهم والمهم؛ ثانياً، «الواو» العاطفة في الأدلة المذكورة لا تدل على التساوي، بل قرينة مناسبة الحكم والموضوع تظهر أن هناك مراتب ومراحل، ومع تأثير المرحلة الأدنى لا تصل النوبة إلى المرحلة الأعلى. مثلاً، في حالة يمكن فيها جعل المجرم يندم بنصيحة مختصرة، لا يجيز أي فقيه إصدار حكم بالقتل لشرب الخمر لمرة واحدة (مكارم الشيرازي، 1422هـ: ص438).

نتائج البحث

1. قرينة المناسبة من أقسام القرائن العرفية التي تستند إلى الفهم الارتكازي.

2. العناوين والحالات العارضة على الموضوع إذا لم توجب تغيير ماهية الموضوع، ولكنها توجب تغيير الاسم، فإن بقاء الحكم يكون محل تردد. في هذه الموارد، يرى العرف من خلال قرينة المناسبة أن التغييرات أحياناً مضرة ببقاء الحكم وأحياناً لا. حتى في الموارد التي يتغير فيها الاسم أيضاً، فإن بقاء الحكم أو عدمه يدور حول نظر العرف بناءً على قرينة المناسبة.

3. في قرينة المناسبة، يكون العرف العقلائي أحياناً هو الحاكم وأحياناً عرف المتشرعة، وهذا يعتمد على نوع الموضوعات.

4. استفاد الأصوليون من قرينة المناسبة في موارد عدة، منها: إثبات مفهوم الوصف، معنى المشتق، رفع إجمال الدليل، تعيين كون الواجب كفائياً، معرفة وحدة أو تعدد المطلوب، جريان أو عدم جريان الاستصحاب، ترجيح أحد المتزاحمين على الآخر، تبيين دلالة حديث الرفع، تقييد القواعد وتعيين نطاقها.

5. استخدم الفقهاء قرينة المناسبة في موارد متعددة. والنقطة المهمة في استنباط الحكم الشرعي من قرينة المناسبة هي أنه يمكن كشف ملاك الأحكام، الذي يكون سبباً في توسيع أو تضييق الحكم، عن طريق قرينة المناسبة.

6. أهم وظيفة لقرينة المناسبة هي رفع الإجمال عن الدليل اللفظي وكسر ظهوره الإطلاقي.

قائمة المصادر

1. البجنوردي، السيد حسن (1377)، القواعد الفقهية، قم، الهادي، الطبعة الأولى.

2. الحائري، السيد كاظم (1408هـ)، مباحث الأصول (تقريرات درس الشهيد الصدر)، قم، نشر مقرر، الطبعة الأولى.

3. الحر العاملي، محمد بن حسن (1409هـ)، وسائل الشيعة، قم، آل البيت، الطبعة الأولى.

4. الحكيم، محمد تقي بن محمد سعيد (1979م)، الأصول العامة للفقه المقارن، قم، آل البيت، الطبعة الثانية.

5. __________ (1429هـ)، القواعد العامة في الفقه المقارن، طهران، نشر مجمع التقريب، الطبعة الأولى.

6. الحلي، حسين (1432هـ)، أصول الفقه، قم، نشر مكتبة الفقه والأصول المختصة، الطبعة الأولى.

7. البروجردي النجفي، محمد تقي (1393)، نهاية الأفكار، تقريرات ضياء الدين العراقي، قم، نشر جامعة المدرسين، الطبعة السادسة.

8. الخميني، السيد مصطفى (1418هـ)، تحريرات في الأصول، قم، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، الطبعة الأولى.

9. الخوئي، السيد أبو القاسم (د.ت)، أجود التقريرات (تقريرات درس الميرزا النائيني)، قم، مطبعة الفرمان.

10. الساعدي، جعفر (د.ت)، «دور العرف والسيرة في استنباط الأحكام»، مجلدات مجلة فقه أهل البيت (ع)، ج37، قم، مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي، الطبعة الأولى.

11. السبحاني، جعفر (1383)، رسائل أصولية، قم، مؤسسة الإمام الصادق (ع).

12. السيفي المازندراني، علي أكبر (1428هـ)، دليل تحرير الوسيلة (ولاية الفقيه)، ج1، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، الطبعة الثانية.

13. الخوانساري، السيد أحمد (1364)، جامع المدارك، بتصحيح علي أكبر غفاري، قم، إسماعيليان، الطبعة الثانية.

14. __________ (1425هـ)، مباني الفقه الفعال في القواعد الفقهية الأساسية، قم، نشر جامعة المدرسين، الطبعة الأولى.

15. الصافي الكلبايكاني، لطف الله (1415هـ)، ضرورة وجود الحكومة أو الولاية للفقهاء، قم، دار القرآن الكريم.

16. الصدر، السيد محمد باقر (1410هـ)، بحوث في شرح العروة الوثقى، النجف، مطبعة الآداب.

17. __________ (1410هـ)، منهاج الصالحين (المحشى)، با تعليقات شهيد صدر، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، الطبعة الأولى.

18. الطبسي، نجم الدين (د.ت)، النفي والتغريب في مصادر التشريع الإسلامي، قم، مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة الأولى.

19. العباس الموسوي، علي (د.ت)، «الموضوعية والمعرفية في أدلة الأحكام الشرعية»، مجلدات مجلة فقه أهل البيت (ع)، ج49، قم، مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي، الطبعة الأولى.

20. العدنان القطيفي، السيد منير (1414هـ)، الرافد في علم الأصول (تقريرات درس السيد علي السيستاني)، قم، مهر، الطبعة الأولى.

21. الفياض، محمد إسحاق (1410هـ)، محاضرات في أصول الفقه (تقريرات درس السيد أبو القاسم الخوئي)، قم، أنصاريان، الطبعة الرابعة.

22. القائيني، محمد (1427هـ)، المبسوط في فقه المسائل المعاصرة، ج1-4، قم، نشر مركز فقه الأئمة الأطهار، الطبعة الأولى.

23. القدسي، أحمد (1428هـ)، أنوار الأصول (تقريرات درس ناصر مكارم الشيرازي)، قم، نشر مدرسة الإمام علي بن أبي طالب، الطبعة الثانية.

24. الكاظمي الخراساني، محمد علي (د.ت)، فوائد الأصول (تقريرات درس الميرزا النائيني)، قم، نشر جامعة المدرسين، قم.

25. المظفر، محمد رضا (د.ت)، أصول الفقه، قم، إسماعيليان، الطبعة الخامسة.

26. مكارم الشيرازي، ناصر (1422هـ)، بحوث فقهية هامة، قم، نشر مدرسة الإمام علي (ع)، الطبعة الأولى.

27. الهاشمي الشاهرودي، السيد محمود (1387)، بحوث جديدة في فقه معاصر، قم، نشر دادگستري کل استان قم، الطبعة الأولى.

الهوامش

1. أستاذ مشارك في معهد العلوم والثقافة الإسلامية. تاريخ الاستلام: 1396/03/12. تاريخ القبول: 1396/08/05. r.eslami@isca.ac.ir

Scroll to Top