دراسة مفهوم النكرة في أصول الفقه وتطبيقاته الفقهية

الملخص

للفظ النكرة في الخطاب الأصولي أربع سمات، ولعلماء أصول الفقه ثلاث نظريات رئيسة حول مفهومها؛ فيرى البعض أن مفهومها كليٌّ على الدوام، بينما يتبنى آخرون فكرة الجزئية، وقد اختار فريق ثالث نظرية التفصيل، معتقدين أنها إن وقعت في سياق الإخبار كان معناها جزئيًّا، وإن وقعت في سياق الأمر كان مفهومها كليًّا. من جهة أخرى، لم يُقدَّم تطبيق فقهي للنزاع في دراسة مفهوم هذا المصطلح الأصولي، بل اعتُبر أحيانًا فاقدًا لأي ثمرة عملية. من هنا، يسعى الكاتب إلى تبيين الآراء المطروحة ونقد آراء الخصوم، مبرهنًا على نظريته المختارة. ثم يشرع في توضيح نظرية صاحب الفصول (رحمه الله)، وبعد ذلك يشرح مقصود مشهور العلماء الأصوليين من “الفرد المردد”، ثم يستدل على عدم صواب التعبير بـ”التنكير” عن تنوين أمثال كلمة “رجل”. وفي الختام، يقدم تحليلًا للتطبيق الفقهي لهذا البحث.

طرح المسألة

من المباحث في علم أصول الفقه مبحث الإطلاق والتقييد الذي له دور بارز في عملية الاستنباط. ومن القضايا التي تُطرح في هذا المبحث، الألفاظ التي يُطلق عليها من منظور أصولي لفظ المطلق. ومن بين الألفاظ التي تُبحث في هذا المجال، مصطلح النكرة. ولا يخفى أن مدلول النكرة الواقعة في سياق النفي أو النهي يُبحث عنه أيضًا في مبحث العام والخاص، وهذا البحث لا يتناوله. من البديهي أن المقصود بهذا المصطلح في الخطاب الأصولي والأدبي مختلف. وفي مفهوم النكرة الأصولية، من حيث الكلية والجزئية، توجد ثلاث نظريات رئيسة: فالبعض، كالمحقق الحائري اليزدي، يبرهن على فكرة الجزئية، وآخرون، كالإمام الخميني، يستدلون على الكلية؛ أما المحقق الخراساني فقد طرح فكرة التفصيل، معتقدًا أنه إذا وقعت النكرة في سياق الإخبار فمفهومها جزئي، وإذا وقعت في سياق الأمر فمفهومها كلي.

ينتظم البحث الحالي في بنية منطقية على النحو التالي: أ. دراسة سمات النكرة في اصطلاح علم أصول الفقه؛ ب. تبيين الآراء المطروحة في مجال دراسة مفهوم النكرة الأصولية ونقد آراء مخالفي نظرية المحقق العراقي والحكيم؛ ج. تبيين نظرية صاحب الفصول في مدلول النكرة؛ د. شرح مقصود مشهور العلماء الأصوليين من “الفرد المردد”؛ هـ. نقد اعتبار تنوين أمثال كلمة “رجل” تنكيرًا؛ و. تبيين التطبيق الفقهي للنزاع في دراسة مفهوم النكرة الأصولية في الأبحاث الفقهية، ليكون نقدًا مستدلًا على القول بعدم جدوى هذا النزع في علم الفقه وعملية الاجتهاد. ونظرًا لأن عمليات البحث التي أُجريت تُظهر أن هذا الموضوع لم يُطرح بشكل شامل في الكتب والأطروحات والمقالات السابقة، فإن القيام بهذا البحث يعد ضروريًا.

١. دراسة سمات النكرة الأصولية

للنكرة التي يدور حول مفهومها النزاع بين علماء الإمامية في علم أصول الفقه أربع سمات:

١-١. السمة الأولى

النكرة في هذا العلم هي بالحمل الشائع، أي بيان مصاديق النكرة، مثل كلمة “رجلٌ” مع التنوين، لا بالحمل الأولي، أي لفظ النكرة (راجع: المشكيني، ١٤١٣هـ، ج٢، ص٤٧٧)؛ لأن هذا من اختصاص علم اللغة الذي يتولى دراسة مفهوم لفظ النكرة.

٢-١. السمة الثانية

النكرة في مقابل اسم الجنس، لا في مقابل المعرفة. المعرفة اسم يكون إما قابلًا لـ”أل” التعريف بنفسه، فتُعرِّفه “أل”، مثل كلمة “الرجل”، أو يكون بمعنى اسم يقبل “أل” فتُعرِّفه، مثل كلمة “ذو” بمعنى “صاحب”. وهذا المعنى يُعد أحد أنواع القسم الأول (راجع: السيوطي، ١٤٢٢هـ، ج١، ص٨١). والنكرة في مقابل المعرفة تشمل كلًا من النكرة في مقابل اسم الجنس المنكَّر، والنكرة في مقابل اسم الجنس، مثل “رجلٌ جاءني لا امرأةٌ” (جاءني رجل لا امرأة)، حيث إن كلمتي “رجل” و”امرأة” هما اسم جنس منكَّر، أو “جِئني برجلٍ”، حيث إن كلمة “رجل” نكرة في مقابل اسم الجنس؛ ذلك أن المعرفة التي تقابل هذه النكرة تشمل اسم الجنس المعرَّف وغيره من المعارف (راجع: الموسوي القزويني، ١٤٢٧هـ، ج٤، ص٧٩٢). وعادةً ما يُبحث المعنى الأول في علم أصول الفقه، والمعنى الثاني في علم الأدب العربي.

٣-١. السمة الثالثة

النكرة بالمعنى الأخص، أي اسم الجنس الذي دخله تنوين التنكير وأفاد الوحدة، مثل “جاءني رجلٌ لا رجلان”، أي جاءني رجل واحد لا رجلان. وبناءً على ذلك، فإن اسم الجنس غير المنصرف (مثل “صفراء” و”حمراء”)، أو المنصرف الذي دخلت عليه “لام” التعريف (مثل “الإنسان” و”الحيوان”)، أو المبني (مثل “قبل” و”بعد”)، أو المعرب الذي يُقرأ ساكنًا ولم يدخله التنوين، أو الذي دخله التنوين ولكنه لا يفيد الوحدة (مثل تنوين التمكّن) الذي يدل على أن الاسم معرب لا مبني ولا غير منصرف، لا يُعد نكرة أصولية؛ لأن المقصود بالنكرة بالمعنى الأعم هو غير المعرفة، وهي تشمل جميع الحالات المذكورة أعلاه، ما عدا النكرة التي دخلت عليها “اللام”، مثل “الإنسان” (راجع: محمد حسين الأصفهاني، ١٤٠٤هـ، ص١٦٣؛ الفيروزآبادي، ١٤٠٠هـ، ج٢، ص٣٦٠).

٤-١. السمة الرابعة

أن تكون غير مصدر، مثل كلمة “رجل”؛ لأنه لا نزاع في مفهوم المصدر (مثل كلمة “ذِكرى”)، فالمصدر يدل قطعًا على الحقيقة (الماهية)؛ لأنه وُضع للدلالة عليها (راجع: الدسوقي، د.ت أ، ج١، ص٥٥٨).

٢. الآراء حول مفهوم النكرة الأصولية

إجمالًا، قدم كبار علماء الأصول ثلاث آراء رئيسة حول مفهوم النكرة وموضوعها له من حيث الكلية والجزئية. وفيما يلي، يتم تقييم هذه الآراء الثلاثة.

١-٢. نظرية الجزئية المطلقة

يعتقد مشهور علماء الأصول (راجع: الحكيم، ١٤٠٨هـ، ج١، ص٥٥٣؛ آل الشيخ راضي، ١٤٢٦هـ، ج٤، ص٢٩٩) أن مدلول النكرة، على نحو مطلق، هو “فرد مردد”؛ وبالتالي، سيكون جزئيًّا. ومن بين العلماء المعاصرين، يعتقد المحقق الحائري اليزدي، متماشيًا مع أستاذه المحقق الفشاركي، الذي بدوره اتبع أستاذه المحقق الميرزا الشيرازي، أن مدلول النكرة في “جاء رجلٌ” و”جِئني برجلٍ” متماثل؛ ففي كليهما هو جزئي حقيقي يُعبَّر عنه بـ”الفرد المردد” (راجع: الخرازي، ١٤٢٢هـ، ج٤، ص٢٧٤).

وقد برهن المحقق الحائري اليزدي على دعواه كالتالي: الجزئية والكلية من صفات المعقول في الذهن. فإذا كان لمعنى في الذهن قابلية الصدق على أفراد كثيرين، فهو كلي؛ وإلا فهو جزئي. كما أن جزئية المعنى في الذهن لا تتوقف على تصوره بجميع تشخصاته الواقعية. ولهذا السبب، إذا رأى شخص شبحًا من بعيد وتردد في كونه زيدًا أم عمرًا، بل إنسانًا أم غير إنسان، فإن هذا التردد لا يخرج ذلك الشبح عن كونه جزئيًّا.

بناءً على ذلك، إذا كانت الصورة الذهنية لـ”رجل” في قضية “جاء رجلٌ” جزئية، فإنها في قضية “جِئني برجلٍ” تكون جزئية أيضًا؛ إذ لا فرق بين هذين “الرجلين”، إلا أن التعيين في الأولى واقعي، وفي الثانية باختيار المكلف. أما كون وجود الفرد المردد في العالم الخارجي ممكنًا – فمن البديهي أن الشيء لا يمكن أن يكون مترددًا بين نفسه وغيره – فلا ينافي اعتبار الفرد المردد في الذهن؛ تمامًا كما يُعتبر الكسر المشاع في الذهن، مع أنه لا وجود للكسر المشاع في الخارج (راجع: الحائري اليزدي، ١٤١٨هـ، ص٢٣٣).

١-١-٢. تبيين نظرية المحقق الحائري اليزدي

تقييم هذه النظرية يعتمد على الفهم الصحيح لبيانه. ولهذا الغرض، نستعين بكلمات المحقق الأراكي، وهو من أبرز تلاميذ المحقق اليزدي، وقد قرر نظرية أستاذه وقبلها.

تُستعمل النكرة على نحوين:

١. في معنى هو في الواقع معيّن. وهذا المعنى نفسه على ثلاثة أنواع:

أ. أن يكون معلومًا عند المتكلم، وهو يخفيه عن المخاطب، كما في الآية الشريفة: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ (القصص: ٢٠)؛

ب. أن يكون مجهولًا عند المتكلم والمخاطب كليهما، كما لو رأى شخص شبحًا من بعيد ولا يعلم أيًّا من مصاديق الرجل هو؛

ج. أن يكون معلومًا عند المتكلم والمخاطب كليهما، والمقصود إخفاؤه عن شخص ثالث. هذا المعنى له قابلية الصدق البدلي على كثيرين؛ أي أن صدقه على كل واحد من المصاديق يكون بواسطة “أو” (العاطفة). وبناءً عليه، فإن المعنى الأول جزئي بلا إشكال.

٢. في معنى له قابلية الصدق العرضي على كثيرين، مثل “جِئني برجلٍ”، حيث يكون صدقه على كل واحد من المصاديق بعطف “الواو”. ولهذا السبب، تُوهم أن هذا المعنى كلي حقيقي؛ بمعنى أن مادة النكرة (رجل) تدل على الطبيعة الكلية، والتنوين يدل على مفهوم الوحدة، ومفهوم الوحدة أيضًا كلي، وضم كلي إلى كلي يُظهر كليًّا ثالثًا دائرته محدودة، مثل الإنسان الأصفر بالنسبة إلى الإنسان.

ولكن الحق أن النكرة في كلتا الصورتين تُستعمل في الجزئي الحقيقي؛ لأن الكلي هو مفهوم له قابلية الصدق العرضي على كثيرين؛ فالكلية بمعنى السعة والجزئية بمعنى الضيق، والمفهوم الذي له قابلية الصدق البدلي على كثيرين هو ضيق. ونهايته أن يكون ذلك الفرد مترددًا بين كثيرين.

وفي الحالة الثانية “جِئني برجلٍ” أيضًا، فإن كلمة “رجل” لها قابلية الصدق البدلي على كثيرين؛ لأن معنى “رجل” في هذا المثال هو “رجل واحد”؛ بحيث لو كان زيدًا، لم يكن عمرًا، ولو كان عمرًا، لم يكن زيدًا. ونتيجة لذلك، فإن هذا المعنى جزئي أيضًا. مجرد أن الصورة الذهنية للنكرة الواقعة في سياق الإخبار لها تشخص في الواقع والخارج، بينما في الحالة الثانية التي تقع فيها النكرة في سياق الإنشاء ليس لها تشخص، لا يوجب فرقًا بين هذين المعنيين؛ لأن الجزئية والكلية من المعقولات الذهنية، وبالتالي، فإن تدخل الخارج فيها ليس معقولًا. نعم، الفرق الوحيد بين هاتين الصورتين هو أن التعيين في الصورة الأولى واقعي، وهو حبيب النجار؛ ولكن في الصورة الثانية يكون باختيار المكلف (الأراكي، ١٣٧٥هـ، ج١، ص٣٢٠-٣٢٤).

٢-١-٢. دراسة دلالة الكلي والجزئي المنطقي

بالنظر إلى أن المقياس الكلي المنطقي من وجهة نظر المحقق الحائري اليزدي هو الصدق الشمولي لا البدلي، وأن منشأ هذه القضية هو علم المنطق، فيجب الاستعانة بهذا العلم لتقييم هذا الرأي.

“الصدق” على نوعين:

١. الشمولي (العرضي)، وهو ما يُعطف بـ”الواو”: هذا وذاك و…

٢. البدلي (الطولي)، وهو ما يُعطف بـ”أو”: هذا أو ذاك…

المقصود بكلمة “الصدق” في تعريف الكلي والجزئي المنطقي هو الصدق الشمولي. بناءً على ذلك، فإن الشبح الذي يُرى من بعيد وهو جزئي حقيقي لا يُعتبر كليًّا حتى لا يكون تعريف الكلي مانعًا للأغيار؛ لأنه على الرغم من أن العقل يجوز صدقه على زيد وعمرو وأمثالهما، فإن هذا الصدق بدلي (أي إما زيد أو عمرو أو شخص آخر) وليس شموليًا (أي أن العقل لا يجوز أن يكون زيدًا وعمرًا وأمثالهما). ومن هنا، فإن النكرة التي يُقصد بها فرد واحد على نحو البدلية هي جزئي لا كلي. وإطلاق الكلي عليها مجاز. هذا الإطلاق إما لكون الشيوع البدلي لمعنى النكرة قد نُزِّل منزلة الكلي الصادق على كثير، أو أن النكرة قد لُحظت بدون تنوين. ولا شك أن النكرة بدون تنوين هي كلي لا جزئي، لأنها وُضعت للطبيعة الكلية المطلقة (راجع: اليزدي، د.ت، ص٣٠، ٣١، ٤٨، ٢٠٨، ٢١٦، ٢١٨؛ محمد تقي الأصفهاني، ١٤٢٩هـ، ج١، ص١٢٩).

بناءً على ذلك، فإن الأبحاث المنطقية تدعم ما ذكره المحقق الحائري اليزدي (على أساس أن السمة المميزة للكلي المنطقي هي الصدق الشمولي لا البدلي).

٣-١-٢. نقد آراء المحقق الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي

١-٣-١-٢. النقد الأول

إذا كان مدلول النكرة هو الفرد المردد، فإن لازم ذلك ألا تصدق النكرة على الأفراد الخارجيين؛ لأن الأفراد الخارجيين متعينون لا مترددون بين أفراد؛ في حين أن صدقها على المصاديق الخارجية بديهي. إضافة إلى ذلك، يكون مدلول النكرة أحيانًا “كليًّا” له قابلية الانطباق على كثيرين، وذلك في الصورة التي تقع فيها النكرة متعلقة لـ”الأمر”، مثل “جِئني برجلٍ” (راجع: الخراساني، ١٤٠٩هـ، ص٢٤٦).

٢-٣-١-٢. النقد الثاني

إذا كان معنى النكرة هو الفرد المردد، فإن لازم ذلك أن يكون امتثال الأمر في الموارد التي يرد فيها الأمر على النكرة ممتنعًا؛ لأن المكلف غير قادر على إيجاد فرد مردد. وهذا في حين أن عدم امتناع الامتثال بديهي.

٣-٣-١-٢. النقد الثالث

لزوم كونها فردًا مرددًا هو أنه في الموارد التي تقع فيها النكرة في سياق الإخبار، يكون الخبر كاذبًا؛ لأن الفرد المردد غير قابل للرؤية. والحال أن صدق ذلك بديهي.

٤-٣-١-٢. النقد الرابع

إذا كان معنى النكرة هو الفرد المردد، فإن لازم ذلك أنه في الموارد التي تُحمل فيها النكرة على فرد خارجي (مثل “زيدٌ رجلٌ”) أو يُحمل فرد خارجي على النكرة، إما ألا يصح الحمل؛ لأن الحمل يتطلب اتحادًا (ولكن بين “زيد” الخارجي المعين والفرد المردد لا يوجد أي اتحاد)، أو أنه يكون مجازًا (في حين أن الحمل صحيح دون أن يكون هناك مجاز) (راجع: المشكيني، ١٤١٣هـ، ج٢، ص٤٨٤).

٥-٣-١-٢. النقد الخامس

التردد في ما هو موجود في الخارج غير معقول؛ لأن التردد بمعنى الجهل، والجهل من صفات النفس (راجع: الإيرواني النجفي، ١٣٧٠، ج١، ص٣١٢). وصفات النفس، كالشجاعة والكرم، تقابل صفات المادة (راجع: همو، ١٤٢٢هـ، ج٢، ص٢١١). بعبارة أخرى، لا وجود للفرد المردد في الخارج حتى يتعلق به الحكم (راجع: همان، ج١، ص١١٨).

٦-٣-١-٢. النقد السادس

المتبادر من مدلول النكرة، بتعدد الدال والمدلول، هو الكلي، وهو عبارة عن الطبيعة المقيدة بالوحدة – بالمعنى الحرفي والحمل الشائع، لا الاسمي – مطلقًا؛ سواء وقعت في سياق الإخبار، مثل “جاء رجلٌ”، أم الإنشاء، مثل “جِئني برجلٍ”. الدال الأول هو “رجل”، وهو يدل على الطبيعة، والدال الثاني هو التنوين، وهو يدل على الوحدة. أما الجزئية التي تُستفاد من النكرة في سياق الإخبار، مثل “جاء رجلٌ”، فتُستفاد من قرينة خارجية هي “جاءني”؛ لأن إسناد المجيء إلى الرجل الكلي ممتنع (راجع: الإمام الخميني، ١٤١٥هـ، ج٢، ص٣٢٤؛ همو، ١٤١٨هـ، ج٢، ص٣٣١؛ همو، ١٤٢٣هـ، ج٢، ص٢٧٠). وليس ببعيد أن يكون أخذ مصداق الوحدة في معنى النكرة تعبيرًا آخر عن أخذ الوحدة كبيان لعدد المصاديق. وقد اختار هذا الرأي المحقق العراقي والحكيم.

٧-٣-١-٢. النقد السابع

لقد حدث خلط بين حيثيتي الوجود الذهني. للوجود الذهني حيثية موضوعية تتصور في الذهن. في هذه الصورة، ووفقًا لقاعدة التشخص، سيكون جزئيًّا؛ لأن قاعدة التشخص تدل على أن الشيء ما لم يتشخص ويصبح جزئيًّا، لا يوجد؛ سواء في الذهن أم في الخارج. وبناءً على ذلك، ما لم تصبح الصورة الذهنية للرجل جزئية، لا توجد في الذهن. وللوجود الذهني حيثية طريقية أيضًا؛ أي الحكاية عن الخارج، وهي من هذه الناحية كلية؛ لأن لها قابلية الصدق على أفراد كثيرين. الجزئية من الحيثية الأولى لا تنافي الكلية من الحيثية الثانية، وإلا فلن يكون لأي كلي مصداق؛ لأن كل كلي باعتبار وجوده الذهني، ووفقًا لقاعدة التشخص، سيكون جزئيًّا. الصورة الذهنية لـ”رجل” أيضًا، من الحيثية الثانية، كلية. والشبح المردد أيضًا جزئي حقيقي، وتوهم كليته ينشأ (راجع: السبحاني التبريزي، ١٤٢٤هـ، ج٢، ص٦٩٨).

١-٧-٣-١-٢. إشكال على النقد السابع

من وجهة نظر الكاتب، النقد المذكور غير وارد؛ لأنه في عبارة المحقق الحائري اليزدي لا يوجد أي أثر لقاعدة التشخص (راجع: الحائري اليزدي، ١٤١٨هـ، ص٢٣٣). وبناءً على ذلك، فإن الاستناد إلى هذه القاعدة في حقه يفتقر إلى الدليل.

٢-٢. نظرية الكلية المطلقة

لدى المختارين للرأي الثاني اختلافات في الرأي حول مفهوم النكرة، وهي كالتالي:

١-٢-٢. رأي المحقق الغروي الأصفهاني

مدلول النكرة هو طبيعة غير مقيدة بفرد معين، وتسمى حصة (حصة الطبيعة هي التي تُلحظ مع قيد يضيق دائرتها ولكنه لا يجعلها جزئية)؛ أي أنه على الرغم من أن طبيعة الرجل ذاتًا ليست مقيدة بقيد ولا غير مقيدة، إلا أنها في النكرة، في مرحلة الإسناد (سواء على نحو الإخبار أم على نحو الإنشاء)، تُلحظ على نحو غير مقيد بقيد يعينها. وبناءً على ذلك، على الرغم من أن “رجل” في “جاءني رجلٌ” هو معين في الواقع، إلا أنه في مرحلة الإسناد غير معين. ونتيجة لذلك، سيكون مثل “رجل” في “جِئني برجلٍ”، الذي يكون في مرحلة الطلب غير معين. كذلك، فإن معنى النكرة ليس الطبيعة المقيدة بمفهوم الوحدة، الذي بيّنه المحقق الخراساني بوضوح (راجع: الغروي الأصفهاني، ١٤٢٩هـ، ج٢، ص٤٩٥).

والفرق بين عدم التعيين في طبيعي “الرجل” وعدم التعيين في الرجل النكرة هو أن عدم التعيين في الطبيعي يكون بواسطة عدم لحاظ عدم التعيين، وعدم التعيين في الرجل النكرة يكون بلحاظ عدم التعيين (راجع: همو، ١٤١٨هـ، ج٣، ص٣٣٦). ويوجد فرق بين عدم اللحاظ ولحاظ العدم من منظور علم المنطق. فعدم اللحاظ هو قضية سالبة محصلة المحمول، وهي سلب الحمل (مثل زيد ليس عالمًا)، ولحاظ العدم هو قضية موجبة معدولة المحمول، وهي حمل السلب (مثل زيد غير عالم). بالطبع، لم يقم المحقق الغروي الأصفهاني في أي من كتابيه الأصولي والفقهي بإقامة دليل على نظريته.

٢-٢-٢. رأي المحقق البروجردي والمحقق المشكيني

مدلول النكرة هو الطبيعة المقيدة بمفهوم الوحدة، مطلقًا؛ سواء وقعت متعلقًا للإخبار أم الإنشاء (راجع: البروجردي، ١٤١٢هـ، ج١، ص٥٨٣). ويرى المحقق المشكيني أن معنى النكرة هو الحصة الكلية، مع هذا الفارق:

١. إذا وقعت النكرة بعد الأوامر والنواهي وما شابهها، مثل “جِئني برجلٍ”، فإن النكرة تبقى على كليتها.

٢. إذا وقعت النكرة في سياق الإخبار، مثل “جاءني رجلٌ”، أو في سياق الاستفهام، مثل “أيُّ رجلٍ جاءك؟”، فإن النكرة تخرج عن كليتها.

في الحالة الأولى، تتعين في فرد معين عند المتكلم، وفي الحالة الثانية، تتعين في فرد معين عند المخاطب. ولكن ما يدل على التعيين ليس لفظ النكرة، أي مجموع اسم الجنس والتنوين، بل القرينة الخارجية؛ أي الإخبار في الحالة الأولى والسؤال في الحالة الثانية (راجع: المشكيني، ١٤١٣هـ، ج٢، ص٤٨١).

٣-٢. نظرية التفصيل بين سياق الإخبار والأمر

١-٣-٢. بيان النظرية

فصّل المحقق الخراساني في مفهوم النكرة بين سياق الإخبار والأمر:

أ. مدلول النكرة في سياق الإخبار هو فرد معين في الواقع ومجهول لدى المخاطب، مثل كلمة “رجل” في الآية الشريفة ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ (القصص: ٢٠). ونتيجة لذلك، سيكون معنى النكرة جزئيًّا حقيقيًّا (راجع: الفيروزآبادي، ١٤٠٠هـ، ج٢، ص٣٦١)، بقرينة إسناد المجيء إلى “رجل”؛ لأن إسناد المجيء إلى الرجل الكلي ممتنع (راجع: الإيرواني النجفي، ١٣٧٠، ج١، ص٣١١؛ الإمام الخميني، ١٤٢٣هـ، ج٢، ص٢٧٠). وقد اعتبر المحقق القمي كلمة “رجل” في الآية المذكورة مجملة؛ لأن الله أراد مصداقًا معينًا مجهولًا لدى المخاطب، والمنشأ الأصلي لهذا الإجمال هو الاشتراك المعنوي لكلمة “رجل” (راجع: القمي، ١٤٣٠هـ، ج٢، ص١٩٧).

ب. مدلول النكرة في سياق الأمر هو الحصة الكلية التي لها قابلية الانطباق على كثيرين. الحصة هي الطبيعة المقيدة بقيد مفهوم الوحدة؛ بحيث يكون التقييد داخلاً والقيد خارجًا (راجع: المشكيني، ١٤١٣هـ، ج٢، ص٤٨٣)، مثل كلمة “رجل” في “جِئني برجلٍ”. ونتيجة لذلك، سيكون معنى النكرة كليًّا؛ لأن الطبيعة ومفهوم الوحدة كلاهما كليان، وضم كلي إلى كلي لا يوجب الجزئية، وإنما يضيق دائرته إجمالًا (راجع: القوچاني، ١٤٣٠هـ، ج١، ص٥٣١). وبناءً عليه، فإن مصاديق “الرجل” قبل التقييد بمفهوم الوحدة هي: كل واحد واحد، كل اثنين اثنين، كل ثلاثة ثلاثة و…؛ ولكن بعد التقييد بمفهوم الوحدة، سيكون كل واحد واحدًا من أفراد الرجل (راجع: الإيرواني، ١٣٧٠، ج١، ص٣١٢).

وقد ذكر المحقق العراقي ثلاث خصائص للطبيعة المقيدة بعنوان الواحد:

١. انطباق الطبيعة المقيدة بعنوان الواحد على أفرادها عرضي.

٢. إذا أتى المكلف في مقام الامتثال بعشرة أفراد من الطبيعة دفعة واحدة، فإن امتثال التكليف يتحقق بجميع الأفراد العشرة.

٣. الخصوصيات خارجة عن المطلوب ومن لوازم مطلوب المولى. ونتيجة لذلك، إذا قصد المكلف في مقام الامتثال خصوصية، فإنه يكون قد شرّع في القصد؛ لأن الفرض هو أن الخصوصيات خارجة عن مطلوب المولى (العراقي، ١٤١٧هـ، ج٢، ص٥٦٦).

٢-٣-٢. نقد نظرية المحقق الخراساني

النقد الأول:

صغرى: إذا أُخذ مفهوم الوحدة في مدلول النكرة، فإن لازم ذلك أن تكون للنكرة، بنحو الشمولية (العرضية والاستغراقية)، قابلية الانطباق على أفراد قليلة وكثيرة؛

كبرى: واللازم باطل بالوجدان؛ لأن دلالة النكرة على الأفراد والمصاديق هي بنحو البدلية؛

نتيجة: فالملزوم مثله؛ وبناءً عليه، لم يُؤخذ مفهوم الوحدة في مدلول النكرة.

الدليل على الملازمة في الصغرى هو أن عنوان الواحد أيضًا عنوان كلي، ومثله مثل أسماء الأجناس الأخرى، له قابلية الانطباق على أفراد قليلة وكثيرة بنحو العرضية؛ لأنه على كل فرد، يصدق عنوان أحد الأفراد بنحو العرضية (راجع: الحكيم، ١٤٠٨هـ، ج١، ص٥٥٣؛ العراقي، ١٤٢٠هـ، ج١، ص٤٩٧؛ همو، ١٤١٧هـ، ج٢، ص٥٦٦).

جواب المحقق الشهيد الصدر على النقد الأول:

“الواحد” على ثلاثة أنواع ويندرج في فئتين:

أ. الواحد الثبوتي وفي عالم الثبوت (وهو على قسمين):

أ/١. الواحد بشرط شيء: وهو موجود ضمن كل كثير، لأن كل كثير مكون من آحاد. المقصود بكلمة “واحد” في “العددُ مركَّبٌ من آحاد” هو هذا القسم نفسه. وهذا المعنى من الواحد هو اسم جنس ومفهوم كلي له صلاحية الشمول وتدخل عليه أدوات العموم الشمولي (الاستغراقي)، مثل “أكرم كلَّ واحدٍ من العلماء”. ليس المقصود بقيد الوحدة هذا القسم من الواحد.

أ/٢. الواحد بشرط لا: أي واحد بشرط عدم الزائد، مثل “أكرم فردًا واحدًا فقط”. في هذه الصورة، يكون الإطلاق الشمولي محالًا؛ لأن الإطلاق الشمولي خلاف الواحد بشرط عدم الزائد، والفرض أن المكلف مأمور بإكرام فرد واحد، لا جميع الأفراد. وبناءً عليه، إذا أكرم المكلف فردين، لم يكن قد امتثل التكليف. ليس المقصود بقيد الوحدة هذا القسم من الواحد أيضًا.

ب. الواحد لا بشرط إثباتي وفي عالم الإثبات: وهو مرتبط بمقام بيان وكلام المتكلم، لا في نفس الأمر والواقع. ونتيجة لذلك، إذا قال المولى “أكرم رجلًا”، وقام العبد في آن واحد بإكرام رجلين، فقد امتثل؛ خلافًا للقسم السابق. هذا القسم من الواحد يصدق فقط على فرد واحد، ولكنه لا ينافي صدق الطبيعة المقيدة بالوحدة في الواقع على واحدات أخرى. المقصود بقيد الوحدة هو هذا القسم من الواحد (راجع: الصدر، ١٤٣٣هـ أ: الجزء الرابع من القسم الأول، ص٥٠٣؛ همو، ١٤٣٣هـ ب: ج٣، ص٤٣٣).

إيراد على جواب المحقق الشهيد الصدر:

من جهة، فإن جعل هذه الأمور الثلاثة لمفهوم الواحد لا يخلو من إشكال؛ لأن كلمة “واحد” ليس لها أكثر من معنى واحد. ومن جهة أخرى، ثبوتًا، فإن تصور هذه الاعتبارات الثلاثة في المدلول التصوري مشكل (نفس المصدر، ص٤٣٤)، فضلًا عن أن الجواب المذكور لا يعدو كونه ادعاءً لم يُقدَّم له دليل.

النقد الثاني:

مفهوم النكرة هو الحصة الكلية، مطلقًا؛ سواء وقعت في سياق الإنشاء أم في سياق الإخبار.

النقد الثالث:

التعين في المعنى الأول ليس مستفادًا من النكرة؛ لأن النكرة اسم جنس له تنوين؛ ولم يدل أي منهما على التعيين. وإنما يُستفاد من القرينة الخارجية، أي الإخبار بالمجيء؛ لأن إسناد المجيء إلى فرد غير معين محال.

النقد الرابع:

عدم التعيين لا يختص بالمخاطب. فأحيانًا يكون مقصود النكرة فردًا مجهولًا لدى المتكلم، ولكنه معين لدى المخاطب؛ مثل “أيُّ رجلٍ جاءك؟” (راجع: المشكيني، ١٤١٣هـ، ج٢، ص٤٨٢ و٤٨٣).

النقد الخامس:

المتبادر من مدلول النكرة، بتعدد الدال والمدلول، هو الكلي. وشرحه مر في “النقد السادس على نظرية المحقق الحائري اليزدي” (راجع: الإمام الخميني، ١٤١٥هـ، ج٢، ص٣٢٤؛ همو، ١٤١٨هـ، ج٢، ص٣٣١؛ همو، ١٤٢٣هـ، ج٢، ص٢٧٠).

٤-٢. الحكم والنظرية المختارة

يرى الكاتب أن مدلول النكرة بالحمل الشائع جزئي، وبتعدد الدال والمدلول يدل على الطبيعة المقيدة بفرد غير معين، له قابلية الصدق البدلي على أفراد كثيرين. الدال الأول هو مدخول التنوين، وهو اسم الجنس، ويدل على الماهية المبهمة المهملة؛ والدال الثاني هو التنوين، ويدل على فرد غير معين. ودليل هذا المطلب هو التبادر أيضًا، والمعنى المذكور، بمقتضى الصدق البدلي، يُحسب جزئيًا منطقيًا.

٣. تبيين نظرية صاحب الفصول في مدلول النكرة

نسب بعض شراح كفاية الأصول نظرية “الفرد المردد” (بالتفسير الذي قدمه المحقق الخراساني) في حاشية كفاية الأصول (طبعة آل البيت) إلى صاحب الفصول (راجع: الخراساني، ١٤٠٩هـ، ص٢٤٦؛ الفيروزآبادي، ١٤٠٠هـ، ج٢، ص٣٦٢؛ الاعتمادي التبريزي، ١٤١٨هـ، ج١، ص٢٧٨). كما أن المحقق القوچاني، وهو من أبرز تلاميذ المحقق الخراساني، يرى أن معنى النكرة، من وجهة نظر صاحب الفصول، ليس في الواقع إلا الترديد: “ولا يخفى أن الترديد حينئذ معتبر في واقعه فلا واقع له غير الترديد”؛ “كما هو الظاهر من الفصول لقوله: فتقييده ترديدي لا تعييني” (القوچاني، ١٤٣٠هـ، ج١، ص٥٣١ و٥٣٢). ومع ذلك، فإن هذا الفهم من عبارة “مدلولها فرد من الجنس لا بعينه”، التي وردت في كلام صاحب الفصول، غير صواب؛ لأن المقصود من الترديد في عبارة “فتقييده تقييد ترديدي لا تعييني”، بقرينة المقابلة، هو التقييد بفرد معين. كما أن صدر كلامه صريح في أن مدلول النكرة من وجهة نظره هو فرد غير معين، لا “فرد مردد” بالمعنى الذي قُرِّر في كفاية الأصول: “ومدلولها فرد من الجنس لا بعينه بمعنى أن شيئًا من الخصوصيات غير معتبر فيه على التعيين فيصح أن يجتمع مع كل تعيين لا أن عدم التعيين معتبر فيه فلا يجتمع مع تعيين” (محمد حسين الأصفهاني، ١٤٠٤هـ، ص١٦٣).

٤. مقصود مشهور العلماء الأصوليين من “الفرد المردد”

يرى المحقق العراقي والحكيم أن مقصود مشهور العلماء الأصوليين من “الفرد المردد” هو أن مفهوم النكرة ماهية ليس لها سوى صلاحية الانطباق على نحو البدلية على أحد الأفراد. كذلك، فإن كلمة “وحدة” التي أُخذت كقيد في معنى النكرة تشير إلى عدد المصاديق (راجع: الحكيم، ١٤٠٨هـ، ج١، ص٥٥٣)؛ أي أن عنوان الواحد هو بيان لعدد ذلك التشخص، وليس قيدًا للطبيعة، لأنه لو كان قيدًا، لكان لازم ذلك أن يكون انطباق النكرة على أفرادها عرضيًّا لا بدليًّا. ولهذا السبب، يُعبَّر عن معنى النكرة بـ”الفرد المنتشر”؛ لأن التشخص مأخوذ في مفهوم النكرة، وهو فرد، ومن حيث عدم تعيين التشخص وصلاحية الانطباق البدلي على كل من المصاديق المعينة، فهو منتشر؛ في مقابل اسم الجنس، الذي له قابلية الصدق على أفراد كثيرين على نحو العرضية.

وقد قرر المحقق العراقي ثلاث خصائص للمعنى المذكور:

١. انطباق الطبيعة المقيدة بالتشخص على أفرادها سيكون بدليًّا.

٢. إذا أتى المكلف في مقام الامتثال بعشرة أفراد من الطبيعة دفعة واحدة، فإن امتثال التكليف يتحقق بأحد تلك الأفراد.

٣. جميع الخصوصيات داخلة في مطلوب المولى. ونتيجة لذلك، إذا قصد المكلف في مقام الامتثال خصوصية، فإنه لم يشرّع في القصد فحسب، بل بذلك القصد يتحصل التقرب أيضًا؛ لأن الفرض هو أن جميع الخصوصيات داخلة في مطلوب المولى. ويُعبَّر عن هذا المعنى بـ”الفرد المنتشر”؛ لأنه بملاحظة أن التشخص مأخوذ في مفهوم النكرة، فهو فرد، وباعتبار عدم تعيين التشخص وقابلية الصدق البدلي على كثيرين، فهو منتشر (العراقي، ١٤٢٠هـ، ج١، ص٤٩٧ و٤٩٨؛ همو، ١٤١٧هـ، ج٢، ص٥٦٥ و٥٦٦).

٥. دراسة دلالة تنوين التمكين والتنكير

إن التعبير بالتنكير عن تنوين كلمة “رجل”، الذي صدر عن مشهور علماء الأصول الإمامية، فيه تسامح، والأبحاث الأدبية تشهد على عدم صوابه:

التنوين على عشرة أنواع: تمكين (تمكُّن، أمكنية، وصرف)، تنكير، مقابلة، عوض (تعويض)، ترنم، غالي، ضرورة في المنادى، ضرورة في غير المنصرف، شاذ، وحكاية (السيوطي، د.ت، ج٢، ص١١٠؛ ابن هشام الأنصاري، ١٣٦٧، ج١، ص٤٤٩).

١-٥. تنوين التمكين

يلحق هذا النوع من التنوين بالاسم المعرب والمنصرف ليفهم أنه باقٍ على أصله ولم يشابه الحرف فيُبنى، ولم يشابه الفعل فيُمنع من الصرف، مثل تنوين “رجل” (راجع: ابن هشام الأنصاري، نفس المصدر). وبناءً على النظرية الأصح، يُستعمل في حالتين: ١. الأسماء المنصرفة، مثل كلمة “رجل”؛ ٢. الأسماء غير المنصرفة التي نُكِّرت، مثل كلمة “إبراهيم” في عبارة “رُبَّ إبراهيمٍ لقيتُ” (كم من إبراهيمٍ لقيت) (المهدي، د.ت، ج٢، ص١٢٣٢).

٢-٥. تنوين التنكير

يلحق هذا النوع من التنوين ببعض الأسماء المبنية لبيان الفرق بين حالتها المعرفة والنكرة. لتنوين التنكير استعمالان: ١. سماعي: وهو ما يلحق باسم الفعل، مثل كلمة “صَهٍ” بالتنوين؛ ٢. قياسي: وهو ما يلحق بالأسماء الأعلام المختومة بـ”ويه”، مثل كلمة “سيبويهٍ” بالتنوين.

٣-٥. نوع تنوين كلمة “رجل”

يقول ابن هشام: تنوين أمثال “رجل”، وهي معربة، هو تنوين تمكين لا تنكير؛ لأن:

صغرى: إذا كان تنوين أمثال “رجل” تنكيرًا، لزم زوال تنوينه إذا صار علمًا لشخص؛ لأنه لم يعد نكرة.

كبرى: واللازم باطل؛ لأن تنوين أمثال “رجل” لا يزول مطلقًا، سواء كانت نكرة أم صارت معرفة بصيرورتها علمًا لأحد.

نتيجة: فالملزوم مثله. وبناءً على ذلك، فإن تنوين أمثال “رجل” ليس تنكيرًا (راجع: ابن هشام الأنصاري، ١٣٦٧، ج١، ص٤٤٩؛ الدسوقي، د.ت ب، ج٢، ص٣). وعلة زوال التنوين من أمثال “الرجل” ليست كون التنوين تنكيرًا؛ بل هو التضاد بين التنوين ولام التعريف؛ تمامًا كما لو دخلت لام التعريف على كلمة “حَسَن”، التي صارت علمًا لرجل، فإن تنوينها يزول بالإجماع؛ في حين أنه، بلا شك، تنوين “حَسَن” ليس تنكيرًا (راجع: ابن الحاجب، د.ت، ج٢، ص٢٧٢).

بالطبع، يقول المحقق الرضي: “لا أرى مانعًا من أن يكون تنوين واحد للتمكين والتنكير معًا؛ لأن الحرف قد يكون له فائدتان أحيانًا، مثل “الألف” في “مسلمان” و”الواو” في “مسلمون”، التي تفيد التثنية والجمع، وكون الكلمتين مرفوعتين. وبناءً على ذلك، فإن التنوين في “رجل” مفيد للتنكير أيضًا، وإذا صارت كلمة “رجل” علمًا لفرد، تمحضت في التمكن” (راجع: رضي الدين الأسترابادي، ١٣٨٤، ج١، ص٤٥). من البديهي أن هذا القول أيضًا لا يمكن أن يطابق تعبير تنوين التنكير في “رجل” مع مصطلح علم الأدب العربي ويزيل التسامح فيه؛ لأنه، من جهة، تنوين التنكير لا يندرج في أي من الاستعمالات القياسية والسماعية التي شُرحت، ومن جهة أخرى، ترد عليه الإشكالات السابقة.

من هنا، وبتصريح بعض الأصوليين، فإن المقصود من تنوين التنكير في أمثال “رجل” هو التنوين الذي يدل على الوحدة. والمقصود من تنوين التمكين أيضًا هو التنوين الذي لا يدل على الوحدة. وكلاهما خلاف اصطلاح الأدباء (الحائري، ١٩٩١م، ص١٠٥ و١٠٦).

٦. التطبيق الفقهي لدراسة مفهوم النكرة الأصولية

لقد قُدمت آراء مختلفة حول مفهوم النكرة الأصولية، ونُقدت وحُللت. السؤال الأساسي هنا هو: هل للنزاع في دراسة مفهوم النكرة تطبيق فقهي وثمرة عملية وفقهية، أم هو مجرد بحث علمي؟ أظهر استقراء الكاتب في كتب كبار علماء الإمامية الأصوليين أنهم لم يتعرضوا لثمرة فقهية للمبحث المذكور نفيًا أو إثباتًا. الجواب الوحيد الذي عُثر عليه هو الرأي السلبي للمحقق البروجردي. فهو يرى أن النزاع المذكور لا ثمرة عملية وفقهية له (البروجردي، ١٤٢٨هـ، ج١، ص٥٣٣)؛ ولكن يبدو أن بحث إمكان وعدم إمكان تحقق الفرد المردد وقابلية وعدم قابلية تعلق الأحكام به في مبحث العلم الإجمالي والواجب التخييري له تطبيق أصولي. كما أن الثمرة العملية والفقهية للنزاع في دراسة مفهوم النكرة تتجلى في باب المعاملات؛ حيث يعاوض المتعاملان كلمة نكرة – سواء في البيع أو غيره. في هذه الصورة، إذا اعتقدنا، مثل المحقق الحائري اليزدي، أن مفهوم النكرة هو الفرد المردد، فإن المعاوضة المذكورة ستكون باطلة؛ لأن تحقق الفرد المردد في الخارج محال. وأحد المصاديق الواضحة للتطبيق الفقهي المذكور هو في مسألة “بيع صاع من صبرة”، بالشرح التالي:

إذا قال البائع: “بعتُ صاعًا من الصبرة” وشككنا في مقصوده، على نحو الشبهة الحكمية الناشئة من الشبهة في تعيين ظهور اللفظ، بعد الفراغ من أن ما ظهر فيه اللفظ هو المراد، فإن المراد يكون معلومًا. وبناءً على ذلك، فإن الشك في المراد ناشئ من الشك في الظهور (بحيث لو حصل علم بالظهور، لم يبق شك في المقصود)، لا في الشبهة الموضوعية، أي تعيين مراد المتعاملين (الشهيدي التبريزي، ١٤٢٨هـ، ج٣، ص٤٧٥ و٤٧٦).

يمكن تصور ثلاث صور للبيع المذكور. ولكل من هذه الصور آثارها الخاصة:

١. أن يكون البيع على نحو الإشاعة: في هذه الصورة، تكون المعاملة صحيحة؛ كما لو اشترى المشتري مَنًّا من القمح الموجود في الخارج، دون أن يعلم نسبة المَنّ إلى مجموع القمح؛ لأنه لا يعلم مقدار مجموع القمح.

٢. أن يكون البيع على نحو الكلي في المعيّن: أي الكلي الذي نُسب إلى الخارج. في هذه الصورة أيضًا، تكون المعاملة صحيحة؛ لأن مثل هذه المعاملات متعارفة بين العقلاء. معنى كونها كلية هو أن جميع خصوصيات وتشخصات أفراد الصاعات مملوكة للبائع، ولم تنتقل ملكيتها إلى المشتري. ولهذا السبب، لا يحق للمشتري مطالبة حصة معينة من الصاعات؛ لأن البائع سيجيب: “اشتريت صاعًا من القمح، لا فلان الصاع المعين”.

٣. أن يكون البيع على نحو الفرد المردد: أي أن المبيع فرد غير معين ونكرة مرددة بين الأفراد. في هذه الصورة، ستكون المعاملة باطلة؛ لأنه لا وجود للفرد المردد في الخارج، فوفقًا لقاعدة التشخص، الشيء ما لم يتشخص ويصبح جزئيًا، لا يوجد؛ سواء في الذهن أم في الخارج. وبناءً على ذلك، فإن تحقق المبيع ممتنع، ونتيجة لذلك، تكون المعاملة باطلة (الخوئي، ١٤٣٠هـ، ج٢، ص٣٨٨-٣٩٢).

والفرق بين الفرد المردد والكلي في المعين هو نفس الفرق بين الكلي الطبيعي (الماهية المقيدة بالوحدة) والفرد المنتشر (الفرد المردد) (فخر المحققين، ١٣٨٧هـ، ج١، ص٤٣٠)؛ أي أن المبيع في الفرد المردد جزئي حقيقي؛ ولكن في الكلي في المعين، المبيع كلي (الأنصاري، ١٤١٥هـ، ج٤، ص٢٥٤).

يقول الشيخ الأعظم (رحمه الله): مقتضى الوضع في “صاعًا من الصبرة” هو الفرد المنتشر (المردد)، وقد أُجمع على بطلان مثل هذه المعاملة (نفس المصدر، ص٢٥٨). ووجه الظهور ومقتضى الوضع في “صاعًا من الصبرة” في الفرد المنتشر (المردد) هو أن كلمة “صاعًا” اسم جنس، وبواسطة التنوين الذي ظهوره في التنكير (مثل “رجل”)، فإنها تظهر في الفرد المنتشر، وقد وُضعت للفرد المنتشر (الغروي الأصفهاني، ١٤١٨هـ، ج٣، ص٣٣٦؛ الهمداني، ١٤٢٠هـ، ص٤٠٠). من البديهي أنه إذا كان مدلول النكرة هو الفرد المنتشر (المردد)، وهو جزئي حقيقي، فإن البيع المذكور سيكون باطلًا؛ لأن مصداق الفرد المردد لا واقع له؛ لا في الخارج ولا في العقل والذهن. وهذا المصداق غير قابل للتصور حتى؛ فضلًا عن أن يُراد أن يكون محلًا للنقل والانتقال، وإن كان على نحو الإنشاء (الإمام الخميني، ١٤٣٠هـ، ج٣، ص٤١٤).

كذلك، فإن المردد محال ذاتًا؛ لأنه فاقد للوجود ذاتًا ووجودًا. ونتيجة لذلك، لا يمكن أن يتعلق به أي صفة، سواء كانت حقيقية أم اعتبارية؛ لأن تقوم الصفة التعليقية بطرفها، وعندما يكون طرفها المقابل محالًا، فإن تحقق تلك الصفة لن يكون معقولًا. إضافة إلى أن تعلق الصفة بالشيء المردد يستلزم أمرًا محالًا باسم تردد المعين أو تعين المردد، وكلاهما خلف وخلاف الفرض (الغروي الأصفهاني، ١٤٢٩هـ، ج٢، ص٢٧١ و٢٧٢).

ولكن إذا كان الموضوع له للنكرة هو الكلي، فإن البيع سيكون كليًّا في المعين، ومثل هذه المعاملة (بالبيان الذي سبق – الخوئي، ١٤٣٠هـ، ج٢، ص٣٩١) صحيحة. وهو يواصل، مستدركًا على مقتضى المعنى العرفي للإشاعة، ثم بكلمة “لكن”، فيقول: “الإنصاف أن العرف يعتبر البيع المذكور معاملة كلية، ويجعل البائع صاحب الخيار في التعيين. وهذا الأمر علامة على أن فهم العرف هو معاملة كلية” (الأنصاري، ١٤١٥هـ، ج٤، ص٢٥٨). ويقول المحقق الغروي الأصفهاني في استظهار الإشاعة عرفًا من كلمة “صاع”: “كلمة صاع ظاهرة في أنها بعنوانها وذاتًا وقعت مبيعًا، لا بعنوانها معرِّفًا ومشيرًا إلى كسر مشاع” (الغروي الأصفهاني، ١٤١٨هـ، ج٣، ص٣٣٧). كما أن المحقق الإيرواني اعتبر الاستظهار المذكور مخالفًا لظاهر كلمة “صاع” من جهة اللغة، ومخالفًا للعرف (راجع: الإيرواني، ١٤٠٦هـ، ج١، ص٢٠٣). واعتبر المحقق الشهيدي استدراك الشيخ الأعظم ناظرًا إلى عدم صواب وضع النكرة للفرد المنتشر (الشهيدي، ١٤٢٨هـ، ج٣، ص٤٧٨)، وهو قول متين. بناءً على ذلك، فإن النزاع في دراسة مفهوم النكرة، بصفته مسألة أصولية، له تطبيق فقهي، وليس بحثًا علميًا أصوليًا صرفًا.

النتيجة

نتائج وابتكارات البحث الحالي هي كالتالي:

  1. تحليل سمات النكرة في الخطاب الأصولي: يمنع هذا التحليل من توحيد النكرة في هذا الخطاب مع النكرة في اصطلاح علم اللغة والأدب العربي. وقد كانت سمات النكرة الأصولية عبارة عن: أ. النكرة بالحمل الشائع، أي مصداق النكرة، مثل كلمة “رجل” مع التنوين؛ ب. النكرة في مقابل اسم الجنس؛ ج. النكرة بالمعنى الأخص؛ د. النكرة غير المصدر.

  2. تبيين الأفكار المطروحة حول دراسة مفهوم النكرة الأصولية وإثبات النظرية المختارة ونقد آراء الخصوم نقدًا مستدلًا.

  3. شرح نظرية صاحب الفصول (رحمه الله) حول مدلول النكرة.

  4. تبيين مقصود المشهور من “الفرد المردد” في مدلول النكرة.

  5. إثبات عدم صحة تعبير التنكير من قبل بعض العلماء الأصوليين عن تنوين أمثال كلمة “رجل”، وتبيين معنى تنوين التنكير في الأبحاث الأدبية.

  6. تقديم تطبيق فقهي للنزاع في دراسة مفهوم النكرة الأصولية في قالب أحد مصاديقها الواضحة: مسألة “صاع صبرة” المعروفة.

الهوامش

  1. أستاذ السطوح العالية في الحوزة العلمية بقم، خريج السطح الرابع وطالب دكتوراه في الفقه ومبادئ الحقوق الإسلامية. hg1356325hg@gmail.com
  2. أستاذ بحوث الخارج في الفقه والأصول بالحوزة العلمية بقم وعضو الهيئة العلمية بجامعة المصطفى العالمية. moshaver4u4@gmail.com
Scroll to Top