خلاصة
تُعدّ حجية سنّة النبي صلى الله عليه وآله من الأسس الهامة في علم أصول الفقه، وقد سعى تيار القرآنيين في القرون الأخيرة إلى التشكيك فيها. ومن بين الأدلة المهمة التي استدل بها الفريقان لإثبات حجية سنّة النبي صلى الله عليه وآله، هو التأكيد الوارد في القرآن الكريم على لزوم اتباع أوامر النبي صلى الله عليه وآله، ومن جهة أخرى، وجود الأمر باتباع سنّته (دون أي تفصيل) في أوامره صلى الله عليه وآله، وانضمام هذين الدليلين يثبت حجية سنّته بشكل مطلق. إلا أن الإشكال المطروح في هذا السياق هو التشكيك في عمومية معنى لفظ «السنّة» في هذه الأحاديث؛ أي أن أصحاب الإشكال يرون أن معنى هذا اللفظ قد ورد في المصادر اللغوية على نحو لا يمكن معه إثبات حجية السنّة النبوية كدليل مستقل إلى جانب القرآن الكريم. تتناول هذه المقالة، بصرف النظر عن دليل عصمة النبي صلى الله عليه وآله، التركيز على آراء اللغويين ومقارنتها وتحليلها، وقد أثبتت أن الحق في هذا الخلاف بين اللغويين هو مع القائلين بعمومية معنى لفظ «السنّة»، ونتيجة لذلك، فإن هذا الإشكال في حجية سنّة النبي صلى الله عليه وآله غير صحيح على الإطلاق.
مقدمة
منذ القدم، اعتُبرت حجية السنّة النبوية في علم أصول الفقه، وعموم العلوم الإسلامية، أحد المصادر الأساسية لاستنباط أحكام الدين إلى جانب القرآن الكريم. ولكن في القرون الأخيرة، ظهر تيار بين فئة من المسلمين أنكر حجية السنّة النبوية من أساسها، واعتبر القرآن الكريم المصدر الوحيد لتعاليم الدين الإسلامي. هذه الفئة التي اشتهرت بالقرآنيين أو أهل القرآن أو المكتفين بالقرآن، ذكرت أدلة لأفكارها وطرحت إشكالات على المؤمنين بحجية السنّة النبوية (أي عموم المسلمين). ومن بين إشكالاتهم، مسألة تقريرها كما يلي: في القرآن الكريم آيات متعددة تأمر بطاعة النبي صلى الله عليه وآله. ومن جهة أخرى، نشاهد في الأحاديث النبوية أن النبي صلى الله عليه وآله أمر في مواضع متعددة باتباع «سنّته» (على سبيل المثال، انظر: الترمذي، 1395هـ، ج4، ص457؛ الحاكم النيسابوري، 1411هـ، ج1، ص36؛ الكليني، 1429هـ، ج3، ص717). ولهذا، حتى القرآنيون لا يجدون مفرًا من قبول «سنّة» النبي واتباعها؛ لأن هذا الأمر من النبي صلى الله عليه وآله هو مصداق من مصاديق طاعته التي أكد عليها القرآن الكريم بوضوح. ولكن يمكن للقرآنيين هنا أن يطرحوا إشكالات، منها التشكيك في سعة دلالة لفظ «السنّة»؛ بتقريب أن يقولوا إن عددًا من اللغويين والمفسرين قد عرّفوا هذا اللفظ بمعنى «الطريقة الحسنة» فقط، أي النهج والسيرة الحسنة، وليس أي سيرة. ورغم أن أغلب العلماء قد عرّفوا هذا اللفظ بنفس المعنى المطلق للطريقة (سواء كانت حسنة أم سيئة)، إلا أن القرآنيين يمكنهم أن يشكلوا بأنه بالنظر إلى الخلاف بين المتخصصين في هذا الأمر، يجب الاكتفاء بالقدر المتيقن من معنى هذا اللفظ، وبالتالي اعتباره عمليًا بمعنى «الطريقة الحسنة» فقط. وفي هذه الحالة، لا يمكن للأحاديث النبوية المذكورة آنفًا أن تدل على حجية السنّة النبوية؛ إذ ينشأ احتمال أن يكون المراد بـ«السنّة» الواردة في هذه الأحاديث ليس كل طريقة للنبي صلى الله عليه وآله، بل يقتصر على الطريقة التي يؤيدها دليل من القرآن الكريم، وفي هذه الحالة، لن تكون السنّة النبوية حجة بذاتها، وسيكون القرآن الكريم وحده مصدر التشريع (انظر: حب الله، 2011م، ص 142). تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن الاستدلال المذكور ليس له اعتبار كبير في نظر الشيعة، نظرًا لإيمانهم بعصمة النبي صلى الله عليه وآله، إلا أن كاتب هذا المقال يسعى لمعرفة ما إذا كان بالإمكان، مع غض النظر عن دليل العصمة وبنظرة تتجاوز المذاهب (أي نظرة مقبولة لدى جميع المذاهب الإسلامية) وبالاعتماد على الخطاب الذي يلتزم به الطرف المقابل (القرآنيون)، تقييم ونقد رؤيتهم أم لا. في هذا السياق، تتناول هذه المقالة دراسة عمومية معنى لفظ «السنّة» ليتضح ما إذا كان قول القرآنيين في هذا المجال يمكن أن يكون صحيحًا أم لا. والجدير بالذكر أنه في هذا المسعى، بُذلت جهود للرجوع إلى مصادر متنوعة في اللغة والتفسير، خاصة المصادر القديمة في القرون الهجرية الأولى، لإجراء بحث شامل قدر الإمكان، ومن ثم تحليل هذه الآراء ومناقشتها بالتفصيل.
خلفية البحث
نشأت فكرة الاكتفاء بالقرآن (القرآنيين) كتيار فكري منقح في القرون الأخيرة في الهند، ثم امتدت إلى مصر وبعض مناطق العالم الإسلامي الأخرى؛ وإن قيل بوجود جذور لهذه الفكرة في القرون الهجرية الأولى (على سبيل المثال، انظر: ناصح ونصر الله، ص 194-195). في القرن الماضي، كُتبت انتقادات كثيرة من قبل الباحثين المسلمين تجاه هذا التيار، ورغم أنها تناولت نقد أصول مختلفة من أسس فكر القرآنيين، إلا أنها لم تتطرق إلى الشبهة المذكورة. على سبيل المثال، مصطفى السباعي (عالم سوري) في كتاب «السنة ومكانتها» يتناول أربع شبهات في العصر الحديث حول حجية السنة، وليس من بينها أي إشارة إلى هذه المسألة (السباعي، 1402هـ، ص 153-167). وبالمثل، عبد الغني عبد الخالق (عالم مصري) في كتاب «حجية السنة» ذكر أربع شبهات وأجاب عنها؛ لكنه لم يتناول هذه الشبهة. وكذلك الكتب الأخرى التي كُتبت في هذا المجال؛ منها: «دفاع عن السنة» لمحمد أبو شهبة (أستاذ معروف في جامعة الأزهر)، و«شبهات القرآنيين حول السنة النبوية» لمحمود محمد مزروعة (من أساتذة الأزهر)، و«القرآنيون (نشأتهم، عقائدهم، أدلتهم)» لعلي محمد زينو (باحث في جامعات دمشق والأردن). وفي بعض الدراسات داخل إيران، لم يُلاحظ تناول لهذه الشبهة (على سبيل المثال، انظر: الطيبي ومهدوي راد، 1396ش، 47-28). والجدير بالذكر أن عددًا من الكتب التي كُتبت دفاعًا عن حجية السنة وردًا على المخالفين، كانت تركز بشكل أكبر على نقد آراء قرآنيين محددين مثل محمود أبو رية (مفكر مصري)، وبما أنه لا توجد إشارة إلى هذه الشبهة في آرائهم، فمن الطبيعي أن لا يتطرق المجيبون عليهم إلى هذه الشبهة؛ مثل كتاب «الأنوار الكاشفة» لعبد الرحمن المعلمي (عالم يمني) الذي كُتب خصيصًا للرد على ادعاءات أبي رية. من هنا، عزم كاتب هذه السطور على سد هذا النقص، فتناول في مقالتين استعمالات لفظ «السنّة» في القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وآله (عافي خراساني، 2020م، 49-72) وفي عصر ما بعده، أي عصر الصحابة وأهل البيت عليهم السلام والشعر العربي القديم (عافي خراساني، 2021م، 221-240). وفي الخطوة التالية، أي في هذه المقالة، يتناول دراسة الخلاف بين اللغويين حول معنى هذا اللفظ، ليتضح مدى اعتبار هذا الخلاف، وهل يمكن أن يثير شكًا في معنى هذا اللفظ أم لا. كذلك، قبل البدء في البحث، من الضروري التنبيه إلى أنه فيما سيأتي، سيُسعى أولاً بشأن كل لغوي أو مفسر إلى توضيح ما إذا كان بالفعل يحمل هذا الرأي حول الدلالة المعنوية للفظ «السنّة» أم لا، ثم (في حال ثبت أنه يحمل هذا الرأي) يتم التحقيق والتحليل لمعرفة ما إذا كان رأيه يتمتع بالخصائص اللازمة للاعتبار والاعتماد عليه أم لا.
1. اختلاف آراء المتخصصين في معنى «السنّة»
ذُكر أن اللغويين والمفسرين ينقسمون في معنى هذا اللفظ إلى مجموعتين. بالطبع، مع صرف النظر عن مجموعة أخرى، أي أولئك الذين لا يمكن تصنيفهم في أي من هاتين المجموعتين؛ لأنه لم يُعثر في كلامهم على قرينة ترجح ميلهم إلى أحد هذين الرأيين (على سبيل المثال، انظر: الفارابي، 1424هـ، ج3، ص134؛ البطليوسي، 1981م، ج2، ص426). في البداية، سيتم تبيين آراء المجموعتين؛ لأنه -حسب ما اطلع عليه كاتب هذه السطور- لم يُتناول هذا الموضوع بجدية في موضع آخر كما في هذه المقالة، من حيث كيفية استنباط المعنى العام أو المقيد لهذا اللفظ من كلام اللغويين. ويجب التنويه أيضًا إلى أنه في سياق المقالة، سيتم مقارنة هذه الآراء وتحليلها بالتفصيل. كما يجب التذكير بأنه تم تجنب إيراد نصوص عبارات العلماء الأصلية، ولم يُضطر إلى إيراد عين كلامهم إلا في المواضع التي تضمنت نقطة مهمة، والتي سيُشار إليها لاحقًا في قسم المقارنة والتحليل لآراء الطرفين، مع بيان النقاط المستفادة من العبارات المذكورة.
1-1. أنصار معنى «الطريقة الحسنة»
يعتبر النحاس (ت. 338هـ) لفظ «السنّة» بمعنى «الطريق المستقيم» (النحاس، 1421هـ، ج1، ص181). والأزهري (ت. 370هـ) أيضًا، بعد نقله كلامًا عن اللحياني (ت. أوائل القرن الثالث الهجري)، يقول: «السُّنَّة الطريقة المستقيمة المحمودة، و لذلك قيل: فلان من أهل السنة، و سننتُ لكم سُنَّة فاتبعوها. و في الحديث: من سَنَّ سُنَّة حسنةً فله أجرها و أجرُ من عَمِلَ بِها و من سَنَّ سُنَّة سَيِّئَةً» (الأزهري، 1421هـ، ج12، ص210). ليس واضحًا ما إذا كانت الفقرة الأخيرة هي تكملة لكلام اللحياني أم رأي الأزهري نفسه؛ لأن الأزهري يذكر هذا الكلام مباشرة بعد كلام اللحياني، دون أي إشارة إلى موضع انتهاء كلام اللحياني. ولكن الزبيدي نسبه إلى الأزهري نفسه (الزبيدي، 1414هـ، ج18، ص300).
(تعليق) ربما يكون مراد الزبيدي أن هذا الرأي قد أورده الأزهري في كتاب التهذيب، وليس بالضرورة أنه يمثل رأي الأزهري نفسه.
كذلك ينقل الأزهري عن شمر بن حمدويه (ت. 255هـ): «سن فلان طريقاً من الخير يسته: إذا ابتدأ أمراً من البر لم يعرفه قومه، فاستَنوا به و سلگوه» (الأزهري، 1421هـ، ج12، ص210). وعن أبي بكر الأنباري (ت. 328هـ) ينقل قوله: «قولهم فلان من أهل السنة معناه: من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة» (الأزهري، 1421هـ، ج12، ص212). ويقول الأزهري نفسه: «السُّنَّة: الطريقة المستقيمة … سَنَ اللهُ سُنَّة، أي: بين طريقاً قويماً» (الأزهري، 1421هـ، ج12، ص214؛ الزبيدي، 1414هـ، ج18، ص298). وينقل الشوكاني (ت. 1250هـ) عن الخطابي (ت. 380هـ): «أصلها الطريقة المحمودة، فإذا أطلقت انصرفت إليها، وقد تُستعمل في غيرها مقيدةً كقوله: «من سن سنة سيئة»» (الشوكاني، 1421هـ، ج1، ص185). ولكن يجب القول إن هذا المطلب لم يُعثر عليه لا في كتاب «غريب الحديث» للخطابي ولا في المصادر القريبة من عصره، وليس واضحًا من أين استقى الشوكاني هذا الكلام ونسبه إلى الخطابي. وقد ذكر عدد آخر أيضًا لفظ «السنّة» بمعنى «الطريقة المستقيمة»، مثل: الراغب الأصفهاني (ت. أوائل القرن الخامس) في موضع من تفسيره (الراغب، 1421هـ، ج2، ص1192)، ومكي بن حموش (ت. 437هـ) (مكي بن حموش، 1429هـ، ج12، ص8381)، والشوكاني في تفسيره (الشوكاني، 1414هـ، ج1، ص439). والفخر الرازي (ت. 606هـ) أيضًا، ذكر نفس التعبير مع إضافة مهمة، حيث قال: «الطريقة المستقيمة و المثال المتبع» (فخر الرازي، 1420هـ، ج9، ص369).
(تعليق) هذه التوضيحات هي في الواقع لغرض الكشف في البحث الحالي عن الرأي الدقيق لكل لغوي؛ ففي الخطوة الأولى نريد أن نعرف ما إذا كان كل لغوي نتحدث عنه يحمل بالفعل الرأي الذي استنبطناه من كلامه أم لا. وفي الخطوة التالية التي ستأتي لاحقًا، سننتقل إلى التحليل والنقد التفصيلي لهذه الآراء.
يقول الأزدي (ت. 466هـ): «السنّة: الطَّريقة المحمودة» (الأزدي، 1387هـ، ج2، ص673). والجواليقي (ت. 539هـ) أيضًا، الذي عرّفها بمعنى «الطريقة المستقيمة المحمودة» (الجواليقي، 1350هـ، ص44)، يستدل بقولهم «فلانٌ من أهل السنة»، كما مرّ من «التهذيب» نقلاً عن اللحياني وابن الأنباري.
1-2. أنصار المعنى العام للكلمة (مطلق الطريقة)
وقد اختار أغلب اللغويين والمفسرين هذا الرأي. يُفهم هذا المطلب من خلال قرائن متنوعة في كلامهم، مثل: تصريحهم بذلك، سياق كلامهم، واكتفائهم بذكر «الطريقة» أو ما شابهها لبيان معنى «السنّة»؛ كما سيوضح لاحقًا.
1-2-1. التصريح باستعمال اللفظ في الطريقة الحسنة والسيئة
صرّح بعض اللغويين والأدباء بأن هذا اللفظ يُطلق على «الطريقة الحسنة» و«الطريقة السيئة» (على سبيل المثال، انظر: الشيباني، 1422هـ، ص145؛ ابن دريد، 1988م، ج1، ص135؛ ابن سيده، 1421هـ، ج8، ص417؛ البغوي، 1420هـ، ج1، ص513؛ الفيومي، 1414هـ، ج2، ص292؛ الشريف الجرجاني، 1370هـ، ص53؛ عبد القادر البغدادي، 1418هـ، ج10، ص63). ومن بين المفسرين أيضًا، هناك من صرّحوا باستعمال هذا اللفظ في الطرق الحسنة والسيئة، على سبيل المثال، الطبري (ت. 310هـ) يقول: «السنة هي المثال المتبع، والإمام المؤتم به، يقال منه: سن فلان فينا سنة حسنة، و سن سنة سيئة: إذا عمل عملا اتبع عليه من خير و شر» (الطبري، 1412هـ، ج4، ص65). والحدادي (ت. 420هـ) يقول: «قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سنن، يعني: ذوي سُنَن، منهم من سن سنة حسنة، و منهم من سن سنة سيئة» (الحدادي، 1408هـ، ص314). والثعلبي (ت. 427هـ) والماوردي (ت. 450هـ) أشارا أيضًا إلى نفس المضمون بعبارات أخرى (الثعلبي، 1422هـ، ج3، ص171؛ الماوردي، دون تاريخ، ج1، ص425). ومن كلام الزجاج وابن الأنباري أيضًا، يتضح التصريح بهذا المطلب. ونظرًا للنقاط الواردة في عباراتهما، لا بد من إيراد أصلها. يقول الزجاج (ت. 311هـ): «السنة الطريقة، و قول الناس: فلانٌ على السنّة، معناه على الطريقة، و لم يحتاجوا أن يقولوا على السنّة المستقيمة، لأن في الكلام دليلا على ذلك، و هذا كقولنا «مؤمن» معناه مصدق، و في الكلام دليل على أنه مؤمن بأمور الله عزوجل التي أمر بالإيمان بها» (الزجاج، 1408هـ، ج1، ص470). ويقول ابن الأنباري: «قولهم: فلان من أهل السُّنّة… معناه: من أهل الطريقة المحمودة، فحذف نعتُ السنة، لانكشاف معناه. و السنة معناها في اللغة الطريقة، و هي مأخوذة من السنن و هو: الطريق» (ابن الأنباري، 1424هـ، ص653). إن اعتباره «محمودة» صفة لـ«السنّة» يوضح بجلاء أنه لا يعتبر صفة الحسن والخير جزءًا من معنى لفظ «السنّة» نفسه. وفي نظر الكاتب، فإن رأي هذين الأديبين له أهمية بالغة؛ لأنه يمكن من خلاله العثور على منشأ خطأ أنصار الرأي الأول (أي معنى الطريقة الحسنة)، كما سيأتي توضيحه لاحقًا.
1-2-2. الاكتفاء بكلمات عامة في بيان معنى «السنّة»
هناك مجموعة أخرى، وإن لم تصرح كما سبق بأن هذه الكلمة تطلق على الطريقتين الحسنة والسيئة؛ إلا أنها اكتفت في بيان معنى اللفظ بتعابير مثل «الطريقة»، ولم تشر إلى أي دلالة إيجابية له، مع أنها كانت بصدد الكشف الكامل عن معنى اللفظ. هذه القرينة وحدها كافية لاعتبارهم من أنصار المعنى العام للكلمة. في هذا السياق، اكتفى البعض بذكر «السيرة» في معنى اللفظ (انظر: الجوهري، 1376هـ، ج5، ص2139؛ اليماني، 1425هـ، ص31؛ الفيروزآبادي، 1415هـ، ج4، ص231). وكثيرون أيضًا اكتفوا بذكر «العادة» (الصاحب بن عباد، 1414هـ، ج8، ص248) أو «الطريقة والعادة» (الثعالبي، 1418هـ، ج4، ص394) أو «الطريقة» (المطرزي، 1979م، ج1، ص417) أو «السيرة» و«الطريقة» معًا (الحميري، 1420هـ، ج5، ص2902؛ ابن الأثير، 1367هـ، ج2، ص409؛ الطريحي، 1375هـ، ج6، ص268)، ومن المفسرين: السجستاني، 1410هـ، ص276؛ القرطبي، 1364هـ، ج16، ص280) أو «الطريقة المعتادة» (الماوردي، دون تاريخ، ج4، ص408) في بيان معنى اللفظ. وابن فارس (ت. 395هـ) أيضًا من هذه الفئة؛ فهو بعد أن يعرّف أصل المادة (س ن ن) بأنه «جريان الشيء و إطراده في سهولة»، يضيف: «و مما اشتق منه السنة، و هي السّيرة. و سُنَّة رسول الله عليه السلام: سيرته» (ابن فارس، 1404هـ، ج3، ص60)، وفي كتابه الآخر يكتفي بـ«السيرة» في بيان معنى اللفظ (ابن فارس، 1406هـ، ص455). كذلك، يجب ذكر أبي هلال العسكري (ت. 395هـ) في هذه المجموعة. فهو في بيان الفرق بين «السنّة» و«العادة» يقول: «العادة ما يديم الإنسان فعله من قبل نفسه، و السنة تكون على مثال سبق» (أبو هلال العسكري، 1400هـ، ص220)، ولا يذكر أي فرق آخر. وتوضيح ذلك أن أبا هلال العسكري يكتفي بهذا الفرق الدقيق بين اللفظين، وهو أن «العادة» هي ما يفعله الإنسان دائمًا من تلقاء نفسه؛ أما «السنّة» فهي ما يفعله الإنسان بناءً على نموذج سابق (مثال سبق). ولكننا نعلم من خارج كلامه أن «العادة» تشمل صراحةً العادة الحسنة والسيئة؛ وبالتالي، من الواضح أنه لو كان أبو هلال العسكري يعتبر لفظ «السنّة» ذا دلالة إيجابية، لكان من المؤكد أن يصرح في بيان الاختلاف بين «السنة» و«العادة» بمثل هذا الاختلاف، وهو أن «السنّة» تكون فقط للفعل الحسن، أما «العادة» فتكون للحسن والسيء؛ لأن هذا الفرق في المعنى أوضح بكثير من الفرق الدقيق الذي ذكره. وأبو حاتم الرازي (ت. 322هـ) أيضًا ينتمي إلى هذه المجموعة. وهو يقول بتفصيل أكبر: «السنة في كلام العرب السيرة و الرسم الذي يرسمه الإنسان فيقتدى به من بعده، و علامة و طريقة و مثال يمثله لمن يقتدي به» (أبو حاتم الرازي، 2015م، ص708). واكتفى البعض أيضًا بذكر «المثال المتبع» و«الإمام المؤتم به» في بيان معنى اللفظ، مثل الواحدي النيسابوري (ت. 468هـ) (الواحدي، 1416هـ، ج2، ص103). من هذه الأقوال يتضح أن مجموعة من العلماء يعتبرون «الاتباع» جزءًا من معنى لفظ «السنّة»، وهو ما سيُشار إليه لاحقًا.
1-2-3. الاستدلال بشواهد خاصة لبيان معنى لفظ «السنّة»
تجدر الإشارة إلى أن بعض اللغويين أو المفسرين قد استدلوا في تبيين معنى «السنّة» بشواهد توضح تمامًا المعنى العام لهذا اللفظ؛ لذا، يجب اعتبار هؤلاء اللغويين أو المفسرين من القائلين بعمومية معنى هذا اللفظ. على سبيل المثال، يجب ذكر أن من أهم الاستعمالات التي تدل على المعنى العام للفظ «السنّة» هو شعر لخالد الهذلي. وهو في رده على من اتهمه بالخيانة، بينما كان ذلك المتهم قد ارتكب نفس الخيانة، يقول: «فلا تجزعن من سنة أنت سرتها / فأول راض سنة من يسيرها» (أي: لا تحزن من سنة أنت بدأتها، فأول من يرضى بسنة هو من يبدؤها). وقد أوضح الكاتب في مقالة تناول فيها استعمالات لفظ «السنّة» في النصوص الأدبية، تفاصيل هذا الشعر ومصادره (عافي خراساني، 2021م، ص220-222)، وهنا يكتفي بالإشارة إليه ليوضح أن جميع العلماء الذين استدلوا بهذا الشعر لبيان معنى «السنّة» هم من القائلين بعمومية معنى هذا اللفظ، مثل الجوهري، وابن فارس، والحميري، والقرطبي (كما ذُكروا سابقًا)؛ لأن المعنى العام للفظ في سياق هذا الشعر، مع التوضيح المذكور في المقالة السابقة، واضح تمامًا، بحيث لا يمكن للعلماء القائلين بمعنى «الطريقة المحمودة» أن يستدلوا بهذا الشعر. وفي رواية أخرى، ورد أن جماعة من قبيلة همدان وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال أحدهم: «نَصِية من همدان… عهدهم لا ينقض عن سنة ماحل ولا سوداء عنقفير». وهذه الرواية أيضًا شاهد آخر في الاستعمالات الحديثية على المعنى العام للكلمة، وتفصيلها ورد في مقالة أخرى (عافي خراساني، 2021م، ص64). يقول الزجاجي (ت. 340هـ) في ذيل هذه الرواية: «السنّة: الطريقة» (الزجاجي، 1407هـ، ص153). والمديني (ت. 581هـ) وابن الأثير (ت. 606هـ) أيضًا يقولان في ذيل هذه الرواية: «أی لا ینقض عهدهم بسعى ساع بالنميمة و الإفساد…» (المديني، 1406هـ، ج2، ص139؛ وانظر أيضًا: ابن الأثير، 1367هـ، ج2، ص410). وبما أن «السنّة» في هذه الرواية قد نُسبت إلى النمام والمفسد، فإن المعنى العام للفظ واضح في الرواية نفسها. فهذه قرينة تدل على أنه لو كان هؤلاء العلماء يؤمنون بالدلالة الإيجابية لهذا اللفظ، لكانوا بعد إيراد هذه الرواية، قد لجأوا إلى تأويل استعمال اللفظ فيها.
1-2-4. استنباط المعنى العام من سياق كلام العلماء
أحيانًا يذكر اللغويون والمفسرون في ذيل آية أو حديث كلامًا يمكن، بعد التأمل فيه، استنباط أنهم يؤمنون بالمعنى العام للفظ «السنّة». من بين هؤلاء، يجب ذكر ابن قتيبة (ت. 276هـ) الذي يقول في ذيل آية ﴿وَ قَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ (الحجر/13): «أي تقدمت سيرة الأولين في تكذيب الأنبياء» (ابن قتيبة، 1411هـ، ص201). فيتضح أنه يعتبر اللفظ ذا معنى عام؛ لأنه فسر «السنّة» هنا بمعنى طريقة المكذبين للأنبياء، ومن الواضح أنها مصداق من الطرق السيئة. وأبو عبيد الهروي (ت. 401هـ) يقول أيضًا: «﴿قد خَلَتْ من قبلكم سُنَنٌ﴾ (آل عمران/137) قال الأزهرى: أى أهل سُنن، أى أهل طرائق، و السنّة: الطريق» (الهروي، 1419هـ، ص940). هذا النقل عن الأزهري، ظاهره اعتقاده بالمعنى العام مع التوضيح الذي سبق حول هذه الآيات. ولكن لم يُعثر على هذا الكلام للأزهري في كتابه (التهذيب). ويجب الإشارة أيضًا إلى أن الهروي بعد بضعة أسطر، دون أن ينقل عن الأزهري، يقول: «السنة معناها في كلامهم الطريقة»، مما قد يدل على المعنى العام في رأي الهروي نفسه. والراغب الأصفهاني أيضًا في موضع آخر من تفسيره -غير ما مر- في ذيل الآية 137 من سورة آل عمران يقول: «السنّة: الطريقة المجعولة للاقتداء بها، محسوسة كانت أو معقولة. و عني بالسنّة هاهنا ما كان من القرون الأولى أخيارهم و أشرارهم…» (الراغب الأصفهاني، 1421هـ، ج2، ص869). ومن تطبيقه «السنّة» على الأخيار والأشرار، يتضح أنه قائل بالمعنى العام. وهو في «المفردات» أيضًا له بيان حول معنى «السنّة» (الراغب الأصفهاني، 1412هـ، ص429) وإن لم يكن بصراحة كلامه السابق في المعنى العام، إلا أنه لا يتضمن أي إشارة إلى معنى «الطريقة الحسنة». والزبيدي (ت. 1205هـ) أيضًا يقول أولاً عن لفظ «السنّة»: «السنة: السيرة حسنةً كانت أو قبيحةً»؛ ثم مباشرة في ذيلها ينقل عن الأزهري: «السنة: الطريقة المحمودة المستقيمة» (الزبيدي، 1414هـ، ج18، ص300)، وبعد بضعة أسطر يقول: «سَنَ الله سُنَّة أي: بين طريقاً قويماً» (الزبيدي، 1414هـ، ج18، ص299). وبالتالي، فإن رأي الزبيدي ليس واضحًا تمامًا. ولكن هناك قرائن أخرى في كلامه تدل على إيمانه بالمعنى العام، والتي سيأتي ذكرها. ورغم أن رأيه ورأي معاصريه المتأخرين جدًا له قيمة أقل بكثير من المتقدمين (خاصة القرون الهجرية الأولى). وبعيدًا عن اللغويين، يجب ذكر كلام مجاهد (ت. 103هـ) من بين المفسرين. فهو يقول: «﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ يعنى فى المؤمنين و الكافرين في الخير و الشر» (مجاهد، 1410هـ، ج1، ص260؛ وانظر أيضًا: ابن أبي حاتم، 1419هـ، ج3، ص768)؛ لأنه طبق «السنن» على المؤمنين والكافرين والخير والشر. ورغم أن كلامه في بعض المصادر نُقل بدون «الخير والشر» (الطبري، 1412هـ، ج4، ص65)؛ إلا أنه حتى بدونه، وبمجرد تطبيق «السنّة» على الكافرين والمؤمنين، يمكن استنباط أن مجاهدًا كان يؤمن بالمعنى العام. ورغم أن استعماله لتعبير «في» قد يدل على أن معنى الآية عنده هو السنن الإلهية في المؤمنين والكافرين، وفي هذه الحالة، لا يمكن الاستدلال بكلامه على اعتقاده بالمعنى العام؛ لأنه من الواضح أن السنن الإلهية حسنة. وفي التفسير المنسوب إلى زيد (ت. 122هـ)، ورد في ذيل ﴿فهل ينظرون إلا سنت الأولين﴾ (فاطر/43): «معناه: إلّا دأب الأولين و صنيعهم» (زيد بن علي، 1412هـ، ص261). من هذا الكلام يتضح أن كاتب التفسير قائل بالمعنى العام. ومقاتل بن سليمان (ت. 150هـ) يقول أيضًا: «﴿وَ قَدْ خَلَتْ سَنَنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ (الحجر/13) بالتكذيب لرسلهم بالعذاب» (مقاتل بن سليمان، 1423هـ، ج2، ص425). معنى كلامه أن «سنّة الأولين» هي تكذيبهم لأنبيائهم. في هذه الحالة، يجب أن يكون قائلًا بالمعنى العام. ويبدو أنه اعتبر «بالتكذيب» متعلقة بـ«سنة الأولين» و«بالعذاب» متعلقة بـ«خلت»؛ أي أن سنة الأولين في تكذيب الأنبياء قد مضت بالعذاب الإلهي. ولكن على أي حال، يجب الإقرار بأن كلامه ليس صريحًا جدًا في المعنى العام. وكذلك معمر بن المثنى (ت. 209هـ) يقول: «﴿سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (النساء: 26) أى سبل الذين من قبلكم» (معمر بن المثنى، 1381هـ، ج1، ص124). وقد فسر «سنن» بمعنى «سبل»، مما قد يدل على المعنى العام في رأيه. ولكن يجب القول إن هذا المطلب ليس واضحًا تمامًا؛ إذ قد يكون مراده بـ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الأمم السابقة التي كانت لها شرائع. وفي هذه الحالة، لا يمكن القول إن «سنن» هنا مصداق للطرق السيئة، وبالتالي لا يمكن إثبات المعنى العام في رأيه بوضوح. ورغم أنه بالنظر إلى عدم إضافته أي توضيح واكتفائه بلفظ «سُبُل»، فإن الاحتمال الأكبر هو أنه كان يعتقد بالمعنى العام. ويقول الشيخ الطوسي (ت. 460هـ): «السنّة: الطريقة المجعولة ليقتدى بها، فمن ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وآله» (الطوسي، دون تاريخ، ج2، ص597). لا توجد أي إشارة إلى دلالة إيجابية في كلامه. وقد يُظن أن تعبير «المجعولة ليقتدى بها» هو تصريح بالدلالة الإيجابية. ولكن يجب القول إن هذا التعبير يشير فقط إلى أن «السنّة» هي طريقة وُضعت منذ البداية ليتبعها الآخرون، وهذا يشمل الطريقة الحسنة والسيئة. وكون الشيخ الطوسي قد ضرب مثالًا بـ«سنة رسول الله» في تتمة كلامه، فهو مجرد مثال ولا يدل على أن كل «السنن» لها دلالة إيجابية. والطبرسي (ت. 548هـ) أيضًا اتبع الشيخ الطوسي في تبيين معنى «السنّة» (الطبرسي، 1372هـ، ج2، ص841). ويجب القول إن ابن الجوزي (ت. 597هـ) يقول: «﴿قد خَلَتْ من قبلكم سُنَنٌ﴾ أى قد مضى من قبلكم أهل سنن. فَانْظُروا ما صنعنا بالمكذبين منهم» (ابن الجوزي، 1425هـ، ص50). من سياق كلامه يتضح أنه قائل بالمعنى العام؛ لأنه اعتبر «أهل سنن» هم أنفسهم «المكذبين»، وهذا يدل صراحة على أنه كان يجيز استعمال «سنن» في المصاديق السلبية.
1-2-5. استعمال لفظ «السنّة» في بيان معنى لغوي عام
من جهة أخرى، استخدم عدد من اللغويين والأدباء البارزين لفظ «السنّة» لبيان معنى «السيرة» (على سبيل المثال، انظر: المبرد، 1409هـ، ج1، ص307؛ الصاحب بن عباد، 1414هـ، ج8، ص376؛ ابن فارس، 1404هـ، ج3، ص120؛ ابن سيده، دون تاريخ، ج14، ص241؛ الفيروزآبادي، 1415هـ، ج2، ص120). وبما أن عمومية معنى «السيرة» واضحة، فهذا يؤيد كونهم قائلين بالمعنى العام للفظ «السنّة» الذي استخدموه لبيان معنى «السيرة». وبالمثل، استعان البعض بـ«السنّة» لبيان معنى «الدأب» في آية ﴿كدأب آل فرعون﴾ (آل عمران: 11) (انظر: معمر بن المثنى، 1381هـ، ج1، ص87؛ الطبري، 1412هـ، ج10، ص17). ولكن قد يُطرح هنا إشكال وهو أن استعمال هؤلاء اللغويين والأدباء للفظ «السنّة» لمعنى هذه الألفاظ ليس استعمالًا عربيًا أصيلاً يمكن الاستدلال به؛ بل هو استعمال في كلام اللغويين والمفسرين أنفسهم؛ إذ من الممكن أنهم استخدموا في بيان معنى تلك الألفاظ كلامًا يوافق عربية عصرهم، أو على الأقل لا يحمل تلك الدلالة المعنوية العربية الأصيلة بدقة. وعلى هذا، يجب اعتباره مؤيدًا. وفي الختام، من المناسب ذكر عدد من العلماء المعاصرين الذين آمنوا بالمعنى العام لهذا اللفظ (انظر: رشيد رضا، 1414هـ، ج4، ص140؛ المراغي، دون تاريخ، ج4، ص74؛ ابن عاشور، 1420هـ، ج3، ص226؛ ج26، ص154؛ السبزواري، 1409هـ، ج8، ص75؛ طنطاوي، 1997م، ج2، ص270؛ مغنية، 1424هـ، ج2، ص159؛ وهبة الزحيلي، 1411هـ، ج4، ص96).
2. مقارنة وتحليل آراء الطرفين
بعد طرح الآراء المختلفة للمتخصصين، حان وقت تقييم هذه الآراء.
2-1. عدم ثبوت معنى «الطريقة الحسنة» في كلام بعض العلماء
مما سبق، يتضح أنه لا يمكن إثبات أن عددًا من الذين قد يُظنون من أنصار معنى «الطريقة المحمودة» كانوا بالفعل قائلين بهذا المعنى.
2-1-1. غياب الدلالة الإيجابية في «الطريقة المستقيمة»
في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى اللغويين والمفسرين الذين استخدموا تعبير «الطريقة المستقيمة» لبيان معنى «السنّة»؛ إذ من الممكن أن تكون «المستقيمة» في كلامهم مأخوذة من «القوام» وتعني الثابت والمستمر، وبالتالي لا تحمل أي إشارة إلى دلالة إيجابية في معنى لفظ «السنّة». وما قاله أبو هلال العسكري في الفرق بين «الصواب» و«المستقيم» يؤيد هذا المطلب؛ فهو يقول إن لفظ «الصواب» يُستخدم فقط في المصاديق الحسنة؛ أما لفظ «المستقيم» فيُستخدم في كل ما يسير على منوال واحد، حتى لو كان سيئًا (أبو هلال العسكري، 1400هـ، ص45). وهذا الاحتمال يتقوى أكثر بكلام فخر الرازي -الذي مرّ-؛ إذ يبدو أنه أورد «المثال المتبع» كعطف تفسيري وتوضيح مستقل إلى جانب «الطريقة المستقيمة»؛ وعليه، فإن عمومية معنى «المثال المتبع» مؤيدة لكون مراده بـ«المستقيمة» هو نفس المنهج المستمر، وليس بالضرورة المنهج الحسن. ومن جهة أخرى، الراغب الأصفهاني -وهو ممن استخدم «المستقيمة» لمعنى «السنّة»- يصرح بأن «السنّة» تُستخدم أيضًا للطريقة السيئة -كما مر- وفي بيان معنى «السنّة» يكتفي بقول «الطريقة المجعولة للاقتداء». وهو في «المفردات» أيضًا -رغم أنه لم يصرح بشيء- إلا أنه لا توجد أي إشارة إلى دلالة إيجابية للفظ. ومن القرائن الأخرى التي يمكن ذكرها لهذا الاحتمال (أي أن «المستقيمة» في كلام هؤلاء العلماء تعني فقط الاستمرارية والثبات ولا تشير إلى أي دلالة إيجابية)، هو أن الفرق الظاهر بين «السنّة» و«الطريقة» هو هذا «الاستمرار الشديد»؛ لأن «الطريقة» قد تُستخدم أحيانًا لمنهج لا يتبعه الآخرون؛ وبالتالي، فإن الاستمرارية والدوام بهذا الشكل ليس قيدًا ضمنيًا في معنى لفظ «الطريقة»؛ بخلاف «السنّة» التي تكون كذلك في كثير من الحالات. وهذه المسألة تُستفاد أيضًا من كلام عدد من العلماء مثل الطبري، والثعلبي، والواحدي الذين عرّفوا «السنّة» بمعنى «المثال المتبع» أو ما شابه ذلك. وكلام شمر بن حمدويه الذي نقله الأزهري أيضًا يشير إلى هذه النقطة: «كلّ من ابتدأ أمرا عمل به قوم بعده، قيل: هو الذي سنه» (الأزهري، 1421هـ، ج12، ص215). بل إن بعض العلماء لم يعتبروا «السنّة» طريقة مستمرة ودائمة فحسب؛ بل اعتبروها طريقة تُؤسس منذ البداية ليتبعها الآخرون. وكما مر، فإن كلام أبي حاتم الرازي، والراغب الأصفهاني (في موضع من تفسيره)، والشيخ الطوسي، والطبرسي يشير إلى هذا المطلب. وكلام الفارابي والبطليوسي الذي مر في بداية المقالة أيضًا كان فيه إشارة إلى هذه النقطة. 따라서، ربما يكون الذين لم يكتفوا بلفظ «الطريقة» في بيان معنى «السنّة» واستخدموا إلى جانبه تعبير «المستقيمة»، فعلوا ذلك ليبينوا أن «السنّة» تعني الطريقة المستمرة والدائمة، وليس أي طريقة. وعبارة الشيخ الطوسي توضح هذه النقطة جيدًا: «من عمل الشيء مرةً أو مرتين لا يقال: إن ذلك سنة، لأن السنة الطريقة الجارية» (الطوسي، دون تاريخ، ج8، ص363). ولكن هذا الاحتمال، رغم أنه احتمال جيد، إلا أنه لا يتناسب مع كلام الزجاج -الذي مر-؛ فهو يقول إن «أهل السنّة» بمعنى «أهل السنة المحمودة»، ثم يقول: «و لم يحتاجوا أن يقولوا على السنة المستقيمة؛ لأن في الكلام دليلا على ذلك». في كلامه، من الواضح أن لفظ «المستقيمة» يحمل دلالة إيجابية. وكذلك، هذا الاحتمال قد لا يتناسب مع استعمال لفظ «المستقيمة» في كلام الراغب، ومكي بن حموش، وفخر الرازي؛ لأن استعمال «المستقيمة» بدلالة إيجابية موجود في كلامهم (على سبيل المثال، انظر: الراغب، 1412هـ، ص260، ص509؛ مكي بن حموش، 1429هـ، ج12، ص8381؛ فخر الرازي، 1420هـ، ج26، ص256؛ ج28، ص181). ولكن يجب القول إنه ليس من المستبعد أن يكون استعمال «المستقيمة» بدلالة إيجابية بسبب وجود قرينة في سياق كلامهم؛ وبالتالي لا يمكن إثبات أنه عندما ذكروا «المستقيمة» في معنى «السنّة»، كان مرادهم بيان صفة حسنة. وكما أن الشوكاني أيضًا عرّف «السنّة» بمعنى «الطريقة المستقيمة»، لكنه مباشرة ذكر شعر الهذلي (الشوكاني، 1414هـ، ج1، ص439) بينما -كما مر- لا يمكن لأحد أن يكون قائلًا بمعنى الطريقة الحسنة ويستدل بهذا الشعر؛ وبالتالي، فإن كلامه لا معنى له إلا إذا كان مراده بـ«المستقيمة» هو الاستمرارية والدوام فقط. ومن جهة أخرى، صرح الراغب نفسه بأن أصل «الاستقامة» هو المداومة والاستمرار (الراغب الأصفهاني، 1412هـ، ص692)، وهذا أيضًا مؤيد لهذا الاحتمال. نعم، لا يزال احتمال الطرف المقابل قائمًا، وهو أن «المستقيمة» في كلامهم تحمل دلالة إيجابية، والكاتب لا يريد أن ينفي ذلك بشكل قطعي؛ بل يريد فقط أن يوضح أنه بالنظر إلى القرائن التي مرت، يوجد احتمال آخر في المقابل، ومع وجود هذا الاحتمال، لا يمكن إثبات أن «المستقيمة» في كلام هذه الفئة من العلماء تعني الحسن والخير؛ وبالتالي، لا يمكن إثبات أن الذين استخدموا «المستقيمة» لبيان معنى «السنّة» كانوا قائلين بمعنى الطريقة الحسنة.
2-1-2. الاحتمالات الأخرى في رأي ابن حمدويه، وابن الأنباري، واللحياني
كذلك، فإن كلام شمر بن حمدويه الذي ذُكر ضمن القائلين بمعنى «الطريقة الحسنة» ليس واضحًا؛ إذ لا يتضح من كلامه أنه اعتبر الدلالة الإيجابية جزءًا من لفظ «السنّة» نفسه؛ بل ربما تكون كلمتا «البر» و«الخير» اللتان استخدمهما في توضيح معنى «السنّة» مجرد مثال لتبيين معناها، دون أن يكون معنى الحسن والخير جزءًا من معنى «السنّة» نفسها. ومن جهة أخرى، الأزهري نفسه الذي نقل هذا المطلب عن ابن حمدويه، ينقل عنه بعد بضعة صفحات شيئًا يدل على أن ابن حمدويه كان قائلًا بالمعنى العام: «كل من ابتدأ أمراً عمل به قوم بعده قيل: هو الذى سنه» (الأزهري، 1421هـ، ج12، ص215). في هذا الكلام، بالنظر إلى عدم وجود أي إشارة إلى دلالة إيجابية، يتضح أن قائله ليس قائلًا بالدلالة الإيجابية في لفظ «السنّة». ونقل الأزهري عن ابن الأنباري أيضًا له نفس الوضع؛ إذ إن ما نقله الأزهري لا يتوافق مع ما ورد في كتاب ابن الأنباري نفسه (الزاهر في معاني كلمات الناس)؛ لأن «السنة» في كتابه وردت بمعنى السيرة المطلقة؛ كما مر توضيحه. وربما سقطت بضع جمل في نقل الأزهري، مما أدى إلى هذا الوهم بأن ابن الأنباري كان قائلًا بمعنى الطريقة الحسنة. نعم، احتمال العكس أيضًا موجود، أي أن وجود هذه الجمل في كتاب ابن الأنباري وعدم وجودها في نقل الأزهري عنه يثير لدينا شكًا في نسبة هذه الإضافات إلى ابن الأنباري؛ لأن نقل الأزهري له قيمة على الأقل كنسخة من كتاب ابن الأنباري -إذ كان الأزهري مطلعًا على كتابه- وعندما يكون مطلب ما موجودًا في نسخة من كتاب وغير موجود في نسخة أخرى، فإن ذلك يثير لدينا شكًا حول نسبة تلك الإضافات إلى المؤلف. يجب القول إنه كما في الحالات السابقة، فإن كاتب هذه السطور ليس بصدد نفي هذا الاحتمال بشكل قطعي، بل يريد فقط أن يقول إنه حتى لو لم نتمكن من القول بأن ابن الأنباري كان قائلًا بالمعنى العام، إلا أنه على الأقل مع وجود احتمال في كلا الطرفين، لا يمكن إثبات أنه كان من القائلين بمعنى الطريقة الحسنة. وما نقله الأزهري عن اللحياني أيضًا لا يتوافق داخليًا؛ لأنه بعد أن عرّف «السنّة» بمعنى «الطريقة المحمودة»، ذكر حديث «من سن سنة…» (للاطلاع التفصيلي على هذا الحديث ودلالته على عمومية معنى «السنّة»، انظر: عافي خراساني، 2020م، ص58-59)، ولم يكتفِ بالفقرة الأولى من هذا الحديث (أي «سنة حسنة»)؛ بل صرح بذكر الفقرة الثانية منه التي وردت فيها «سنة سيئة» أو «سنة ضلال» أو ما شابه ذلك. وفي هذه الحالة، يجب القول إنه من المثير للاهتمام كيف تمكن من ادعاء دلالة إيجابية لهذا اللفظ وفي نفس الوقت يستدل بحديث كهذا؟! في حين أن هذا الحديث يصرح بذكر صفة ذات دلالة سلبية لـ«السنّة»، مما يكشف عن عمومية معناها بشكل كامل.
2-1-3. عدم وضوح رأي الأزهري والزبيدي
كذلك، فإن رأي الأزهري نفسه لم يتضح للكاتب؛ لأنه لا يتوافق مع ما نقله عنه رفيقه، أبو عبيد الهروي؛ إذ إن نقل الهروي ظاهر في المعنى العام؛ لأنه في توضيح معنى «أهل سنن» في الآية (آل عمران: 137) يقول فقط: «أي أهل سُنن، أى أهل طرائق»، واكتفى بذكر «طرائق» ولم يشر إلى أي دلالة إيجابية في «سنن»، خاصة عندما نرى أن الآية تدعو إلى الاعتبار من تكذيب المكذبين، والأزهري نفسه يصرح بأن «سُنَن» في هذه الآية بمعنى أهل سنن؛ أي أصحاب السنن، وهذا يعني أن الأزهري لا يعتبر «سُنَنٌ» هنا بمعنى السنن الإلهية حتى يقال إن السنة الإلهية ليست سيئة، وبالتالي لا يمكن الاستفادة من هذا الشاهد للمعنى العام. بل هو يعتبر «سنن» بمعنى طريقة الناس السيئين، أي سنة أهل العذاب والمكذبين للأنبياء (ع). وبالتالي، فإن «السنّة» في هذه الآية -حسب رأي الأزهري- قد استُخدمت في مصداق سيء من الطريقة والمنهج، وهذا يدل على أن الأزهري كان قائلًا بالمعنى العام للفظ «السنّة». كذلك، في الموضع الذي فسر فيه الأزهري معنى «سن الله سنة» بـ«الطريق القويم»، من الممكن أنه في سياق كهذا حيث تُنسب «السنّة» إلى الله تعالى، قد بيّن معنى «السنة» بمصداقها، لا أنه بيّن المعنى اللغوي لـ«السنة». ورأي الزبيدي أيضًا لم يتضح؛ لأنه بعد أن ذكر كلامًا يصرح بعمومية معنى اللفظ، ذكر في ذيله كلامًا للأزهري يدل على دلالة إيجابية، دون أن يذكر أي نقد لأحد الرأيين. وربما يدل هذا الفعل على تردده، أو أنه أراد فقط أن ينقل رأي الأزهري دون الدخول في النقاش. وربما ذكر كلام الأزهري كنقد للكلام السابق. ولكن على أي حال، فقد استخدم في موضع آخر لفظ «السنّة» لبيان معنى «السيرة»، واستشهد بشعر الهذلي (الزبيدي، 1414هـ، ج6، ص559)، وفي موضع آخر قال: «يقال: استار بسيرته، إذا استن بسنته و طريقته» (الزبيدي، 1414هـ، ج6، ص562). وبالتالي، إذا لم نتمكن من القول بأنه قائل بالمعنى العام، فعلى الأقل لا يثبت أنه قائل بمعنى «الطريقة الحسنة».
2-2. إشكالات جدية في رأي القائلين بمعنى «الطريقة الحسنة»
مع التوضيحات التي مرت، يبقى عدد قليل من اللغويين الذين لا يزال كلامهم يصرح بمعنى «الطريقة الحسنة»، مثل النحاس، والخطابي، والأزدي، والذين سيتم تقييم آرائهم في ما يلي.
2-2-1. عدم صحة كلام الخطابي
في هذا السياق، يعتبر كلام الخطابي هو الأهم؛ لأنه لم يكتفِ بتعريفها بمعنى «الطريقة المحمودة»، بل قدم تبريرًا لاستعمالات «السنّة» المقيدة بصفة ذات دلالة سلبية، وقال إنه كلما استُعملت «السنّة» بدون صفات ذات دلالة سلبية، فإنها تعني «الطريقة المحمودة». وهذا الكلام يمثل تحديًا مهمًا يجعلنا نواجه مشكلة في معنى الأحاديث النبوية المذكورة سابقًا. ولكن في الرد يمكن القول: في الاستعمالات العربية نرى أن «السنّة» تُستخدم أحيانًا في مصداق سيء دون أن تُذكر لها أي صفة سيئة؛ مثل شعر خالد الهذلي الذي أشير إليه سابقًا. وكذلك، في كثير من الشواهد الأخرى نرى أن لفظ «السنة» قد استُخدم لأصل معنى الطريقة، بحيث يكون المراد منه مطلق الطريقة، سواء كانت حسنة أم سيئة، كما أوضح الكاتب بالتفصيل في مقالتين أخريين مع ذكر شواهد متنوعة. وكلام الخطابي الذي اعتبر معنى «الطريقة الحسنة» هو «أصل» معنى الكلمة، لم يتضح أيضًا؛ لأنه إذا كان مراده أن المعنى الحقيقي لهذا اللفظ هو «الطريقة الحسنة»، وعندما يُستخدم مع صفة في غير هذا المعنى يكون مجازًا، في هذه الحالة يجب القول إن هذا يخالف وجدان من عاشوا باللغة العربية؛ لأنه عند استعمال «السنة» في المصاديق السيئة، لا ينشأ أي شعور بالمجازية لدى العارفين بهذه اللغة، ولا يُلاحظ فيه علامة المجازية (أي صحة السلب). ولكن يبدو أن مراد الخطابي بـ«الأصل» هنا ليس الحقيقة والمجاز؛ بل الانصراف. وفي هذه الحالة، يجب القول أيضًا: من المحتمل جدًا أن يكون هذا الانصراف في ذهن الخطابي ناشئًا عن الاستعمال الواسع لهذا اللفظ في البيئة الإسلامية بمعانٍ ذات دلالة إيجابية، وهو ما لا علاقة له بالمعنى اللغوي، وسيأتي توضيح ذلك لاحقًا.
2-2-2. عدم صحة هذا الرأي من منظور كلي
بشكل عام، يمكن القول إن رأي هذا العدد القليل من العلماء الذين يؤيدون معنى «الطريقة الحسنة» ليس موثوقًا، حتى لو شهدت أقوالهم بوضوح على هذا المعنى؛ لأنه من المحتمل جدًا أن يكون هذا الرأي حول معنى اللفظ متأثرًا بملاحظة بعض الاستعمالات التي جاءت فيها «السنّة» مصحوبة بصفة حسنة، ولكن هذه الصفة حُذفت لقرينة -كما صرح الزجاج وابن الأنباري في كتاب «الزاهر» بدقة بهذا الحذف- ولكن هؤلاء المفكرين لم يلتفتوا إلى هذا الحذف وظنوا أن اللفظ نفسه يحمل دلالة إيجابية. وربما ليس هذا هو المنشأ الوحيد لخطأ هذه المجموعة؛ ولكن في كلام بعضهم، مثل النحاس، واللحياني، والنقل عن ابن الأنباري في «تهذيب اللغة»، الأمر واضح؛ لأنهم استدلوا على المعنى الإيجابي لهذا اللفظ بتعابير مثل «فلان على السنّة»، و«فلان من أهل السنّة»؛ وبالتالي، فإن شواهد من هذا القبيل لا علاقة لها بالمعنى اللغوي للفظ حتى يمكن الاستدلال بها لإثبات المعنى اللغوي. وعلى هذا، فإن الاحتمال كبير جدًا أن تكون الدلالة الإيجابية في ذهن هذه المجموعة ناشئة عن الثقافة الإسلامية التي استُخدمت فيها «السنّة» في كثير من الموارد بمعنى السنّة النبوية إلى جانب القرآن الكريم وفي مقابل البدعة. بل من المحتمل أن يكون استدلالهم بـ«أهل السنّة» ناشئًا عن نفس ثقافة مجتمع أهل السنّة، حيث تشير «السنّة» فيها إلى مذهب أهل السنّة الذين يعتبرون أنفسهم، في مقابل المذاهب الأخرى، أنصار السنّة النبوية وفي مقابل البدعة. وهذه الثقافة قد أوجدت في ذهن هذه المجموعة أنسًا إلى درجة أنهم ظنوا أن المعنى اللغوي لهذا اللفظ هو أيضًا «الطريقة الحسنة»، ولكنهم لم يلتفتوا إلى هذا الاختلاف بين المعنى الإسلامي للفظ ومعنى «الطريقة الحسنة»؛ إذ إن المعنى الإسلامي يكون في مقابل البدعة ولا يشمل كل طريقة حسنة. قد يُشكل بأنه بهذا التوضيح، نعتبر منشأ خطأ هذه المجموعة هو الثقافة الإسلامية التي استُخدمت فيها «السنّة» في كثير من الأحيان في مقابل البدعة؛ ولكن في هذه الحالة، إذا استُخدمت «السنّة» في عبارة في مقابل «البدعة»، فإنها ستحمل دلالة إيجابية. وفي مثل هذه الحالة، نواجه مشكلة في بعض الأحاديث النبوية الآمرة باتباع السنّة النبوية؛ لأنه في بعض هذه الأحاديث أيضًا يُلاحظ استعمال «السنة» في مقابل «البدعة». وفي هذه الحالة، يعود إشكال القرآنيين من جديد بأنه لا يُعلم أن هذه الروايات تدل على شيء غير سنّة النبي صلى الله عليه وآله التي ثبت حسنها بدليل آخر مثل القرآن. وهذا يعني أن السنّة النبوية ليست حجة بذاتها! ولكن هذا الإشكال غير وارد؛ لأن هذه الأحاديث على نوعين: إما أن «البدعة» فيها بالمعنى اللغوي؛ أي إحداث شيء جديد، دون أي دلالة سلبية، والمؤيد لذلك هو أننا نرى «البدعة» في كثير من هذه الأحاديث لم تأتِ بدون قيد؛ بل جاءت بقيود مثل «الضلالة» أو «لا يرضاها الله ورسوله» (ابن ماجة، دون تاريخ، ج1، ص138؛ الترمذي، 1395هـ، ج5، ص45؛ الحاكم النيسابوري، 1411هـ، ج1، ص96). وبالتالي، بقرينة المقابلة، ستكون «السنّة» أيضًا بمعناها اللغوي؛ أي معناها العام. وهذا يعني حجية جميع السنن النبوية. أو أن «البدعة» فيها بمعناها الإسلامي. في هذه الحالة، ستكون «السنّة» أيضًا في مقابلها بمعناها الإسلامي الذي كان مأنوسًا لدى المسلمين ووُظف في الأحاديث؛ أي جميع طرق النبي صلى الله عليه وآله، لا فقط الطرق التي ثبت حسنها بدليل آخر، بل في الاستعمالات التي استُخدم فيها لفظ «السنة» بمعناه الإسلامي، كان له معنى أوسع من طرق النبي صلى الله عليه وآله ويشمل قوله وفعله أيضًا، وهو ما لا يتسع له هذا المقال.
النتيجة
من خلال الدراسة الدقيقة لآثار اللغويين والمفسرين الذين يُظن أنهم يعتبرون لفظ «السنّة» بمعنى «الطريقة الحسنة» (وليس أعم من الطريقة الحسنة والسيئة)، اتضح أنه لا يُعلم أن كثيرًا منهم كانوا يحملون هذا الرأي بالفعل. ولا يبقى إلا عدد قليل جدًا منهم يتضح من كلامهم هذا المعنى حقًا. ولكن بشأن هذا العدد القليل أيضًا، يجب القول إنهم يستدلون بشواهد لا تصلح لإثبات المعنى اللغوي لهذا اللفظ؛ لأن قرائن خارجية أحيانًا تكون كامنة في هذه الشواهد أدت إلى استنباط معنى «الطريقة الحسنة» منها. وفي بعض آخر من هذه الشواهد، استُخدم لفظ «السنّة» بمعناه الإسلامي لا بمعناه اللغوي. ومن جهة أخرى، من المحتمل جدًا أن يكون تصورهم لمعنى لفظ «السنّة» متأثرًا بالثقافة الإسلامية التي استُخدم فيها هذا اللفظ عادة بدلالة إيجابية، مما جعلهم يعتقدون أن هذه الدلالة الإيجابية هي جزء من أصل المعنى اللغوي؛ في حين أن الأحاديث الظاهرة للنبي صلى الله عليه وآله في الأمر باتباع سنّته، المراد منها هو السنّة اللغوية. وفضلًا عن كل هذا، يجب أن نعلم أن هذا العدد القليل من أصحاب الرأي لم يلتفتوا إلى الاستعمالات المتنوعة التي كانت موجودة في اللغة العربية الأصيلة والفترات التي تلتها والتي تثبت المعنى العام لهذا اللفظ؛ في حين أنه بالنظر إلى تلك الاستعمالات الكثيرة، لا يبقى أي شك في عمومية معنى هذا اللفظ وإطلاقه على الطريقة الحسنة والسيئة، ومع المراجعة المباشرة للشواهد وإثبات المعنى العام لهذا اللفظ من خلالها، لا يبقى مجال للمراجعة والتقليد من آراء اللغويين. وبالتالي، من مجموع هذه القرائن، يتضح أن المعنى العام للكلمة هو الصحيح، وأن الرأي الخاطئ لهذا العدد القليل من العلماء لا يُعتد به؛ ونتيجة لذلك، فإن إشكال القرآنيين في حجية سنّة النبي صلى الله عليه وآله غير صحيح تمامًا.
المصادر والمراجع
القرآن الكريم
1. ابن أبي حاتم، (1419هـ). تفسير القرآن العظيم. الرياض، مكتبة نزار مصطفى الباز.
2. ابن الأثير، مبارك بن محمد (1367هـ). النهاية في غريب الحديث والأثر. تحقيق محمود طناحي، قم.
3. ابن الأنباري، محمد بن قاسم (1424هـ). الزاهر في معاني كلمات الناس. بيروت: دار الكتب العلمية.
4. ابن الجوزي، أبو الفرج (1425هـ). تذكرة الأريب في تفسير الغريب. بيروت: دار الكتب العلمية.
5. ابن دريد، محمد بن حسن (1988م). جمهرة اللغة. بيروت: دار العلم للملايين.
6. ابن سيدة، علي بن إسماعيل (1421هـ). المحكم والمحيط الأعظم. بيروت: دار الكتب العلمية.
7. ابن سيدة، علي بن إسماعيل (بلا تاريخ). المخصص. بيروت: دار الكتب العلمية.
8. ابن عاشور، محمد الطاهر (1420هـ). التحرير والتنوير. بيروت: التاريخ العربي.
9. ابن فارس، أحمد (1404هـ). معجم مقاييس اللغة. تحقيق عبد السلام هارون، قم: الإعلام الإسلامي.
10. ابن فارس، أحمد (1406هـ). مجمل اللغة. بيروت: الرسالة.
11. ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم (1411هـ). غريب القرآن. بيروت: الهلال.
12. ابن ماجة، محمد بن يزيد (بلا تاريخ). سنن ابن ماجة. بيروت: دار الفكر.
13. الأزدي، عبد الله بن محمد (1387هـ). كتاب الماء. طهران: جامعة العلوم الطبية.
14. الأزهري، محمد بن أحمد (1421هـ). تهذيب اللغة. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
15. البطليوسي، عبد الله بن محمد (1981م). المثلث. دار الرشيد.
16. البغوي، حسين بن مسعود (1420هـ). معالم التنزيل في تفسير القرآن. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
17. الترمذي، محمد بن عيسى (1395هـ). جامع الترمذي. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
18. الثعالبي، عبد الرحمن بن محمد (1418هـ). الجواهر الحسان. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
19. الثعلبي، أحمد بن محمد (1422هـ). الكشف والبيان. دار إحياء التراث العربي.
20. الجواليقي، موهوب بن أحمد (1350هـ). شرح أدب الكتاب. القاهرة: القدسي.
21. الجوهري، إسماعيل بن حماد (1376هـ). الصحاح. تحقيق عبد الغفور عطار، بيروت.
22. الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله (1411هـ). المستدرك على الصحيحين. بيروت: دار الكتب العلمية.
23. حب الله، حيدر (2011م). حجية السنة. بيروت: الانتشار العربي.
24. الحدادي، أحمد بن محمد (1408هـ). المدخل لعلم تفسير كتاب الله تعالى. دمشق: دار القلم.
25. الحميري، نشوان بن سعيد (1420هـ). شمس العلوم. دمشق: دار الفكر.
26. أبو حاتم الرازي، أحمد بن حمدان (2015م). كتاب الزينة. تحقيق سعيد الغانمي، بيروت: الجمل.
27. الراغب الأصفهاني، حسين بن محمد (1412هـ). مفردات ألفاظ القرآن. بيروت: دار القلم.
28. الراغب الأصفهاني، حسين بن محمد (1421هـ). تفسير الراغب. الرياض، مدار الوطن.
29. رشيد رضا، محمد (1414هـ). المنار. بيروت: دار المعرفة.
30. الزبيدي، محمد (1414هـ). تاج العروس. بيروت.
31. الزجاج، إبراهيم السري (1408هـ). معاني القرآن وإعرابه. بيروت: عالم الكتب.
32. الزجاجي، عبد الرحمن (1407هـ). الأمالي. تحقيق عبد السلام هارون، بيروت: دار الجيل.
33. الزحيلي، وهبة (1411هـ). التفسير المنير. دمشق: دار الفكر.
34. زيد بن علي (1412هـ). تفسير غريب القرآن. بيروت: الدار العالمية.
35. السباعي، مصطفى بن حسني (1402هـ). السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي. دمشق: المكتب الإسلامي.
36. السبزواري، عبد الأعلى (1409هـ). مواهب الرحمن في تفسير القرآن. مكتبة السيد السبزواري.
37. السجستاني، محمد بن عزيز (1410هـ). نزهة القلوب. بيروت: دار المعرفة.
38. الشريف الجرجاني، علي بن محمد (1370هـ). التعريفات. طهران: ناصر خسرو.
39. الشوكاني، محمد بن علي (1421هـ). إرشاد الفحول. الرياض: دار الفضيلة.
40. الشوكاني، محمد بن علي (1414هـ). فتح القدير. دمشق: دار ابن كثير.
41. الشيباني، إسحاق بن مرار (1422هـ). شرح المعلقات التسع. بيروت: الأعلمي.
42. الصاحب بن عباد (1414هـ). المحيط في اللغة. بيروت: عالم الكتاب.
43. الطبرسي، فضل بن حسن (1372هـ). مجمع البيان. طهران: ناصر خسرو.
44. الطبري، محمد بن جرير (1412هـ). جامع البيان في تفسير القرآن. بيروت: المعرفة.
45. الطريحي، فخر الدين (1375هـ). مجمع البحرين. طهران: المرتضوية.
46. الطنطاوي، محمد سيد (1997م). التفسير الوسيط للقرآن الكريم. القاهرة: نهضة مصر.
47. الطوسي، محمد بن الحسن (بلا تاريخ). التبيان في تفسير القرآن. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
48. الطيبي، زينب؛ مهدوي راد، محمد علي (1396هـ). «نقد مباني القرآنيين في نفي حجية، إحراز وإثبات سنت نبوي». مجلة كتاب قيم، ع16.
49. عافي خراساني، محمد (2020م). «السنة ودلالاتها في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف». الاجتهاد والتجديد، ع56.
50. عافي خراساني، محمد (2021م). «السنة ودلالاتها في التراثين الديني والأدبي في القرون الأولى الهجرية». الاجتهاد والتجديد، ع57-58.
51. عبد القادر البغدادي، عبد القادر بن عمر (1418هـ). خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب. بيروت: دار الكتب العلمية.
52. أبو هلال العسكري، حسن بن عبد الله (1400هـ). الفروق في اللغة. بيروت: الآفاق الجديدة.
53. الفارابي، أبو إبراهيم (1424هـ). ديوان الأدب. القاهرة: دار الشعب.
54. فخر الرازي، محمد بن عمر (1420هـ). التفسير الكبير. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
55. الفيروزآبادي، محمد بن يعقوب (1415هـ). القاموس المحيط. بيروت: دار الكتب العلمية.
56. الفيومي، أحمد (1414هـ). المصباح المنير. قم: هجرت.
57. القرطبي، محمد بن أحمد (1364هـ). الجامع لأحكام القرآن. طهران: ناصر خسرو.
58. الماوردي، علي بن محمد (بلا تاريخ). النكت والعيون. بيروت: دار الكتب.
59. المبرد، محمد بن يزيد (1409هـ). الكامل في اللغة والأدب. بيروت: دار الكتب العلمية.
60. مجاهد بن جبير (1410هـ). تفسير مجاهد. بيروت: الفكر الإسلامي.
61. المديني، محمد بن أبي بكر (1406هـ). المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث. مكة المكرمة: أم القرى.
62. المراغي، أحمد مصطفى (بلا تاريخ). تفسير المراغي. بيروت: دار الفكر.
63. المطرزي، أبو الفتح (1979م). المغرب. حلب: مكتبة أسامة بن زيد.
64. معمر بن المثنى (1381هـ). مجاز القرآن. تحقيق فؤاد سزكين. القاهرة: مكتبة الخانجي.
65. مغنية، محمد جواد (1424هـ). التفسير الكاشف. قم: دار الكتاب الإسلامي.
66. مقاتل بن سليمان (1423هـ). تفسير مقاتل بن سليمان. دار إحياء التراث العربي.
67. مكي بن حموش (1429هـ). الهداية إلى بلوغ النهاية. الشارقة: جامعة الشارقة.
68. النحاس، أحمد بن محمد (1421هـ). إعراب القرآن. بيروت: دار الكتب العلمية.
69. الهروي، أبو عبيد (1419هـ). الغريبين. مكة المكرمة: مكتبة نزار مصطفى الباز.
70. الواحدي النيسابوري (1416هـ). الوسيط في تفسير القرآن المجيد. القاهرة: وزارة الأوقاف.
71. اليماني، عبد الباقي (1425هـ). الترجمان عن غريب القرآن. بيروت: دار الكتب.