مبحث القطع في علم الأصول؛ بين المبادئ والمسائل (دراسة مقارنة في نظرية آية الله البروجردي وآية الله الخوئي)

ملخص

يعدُّ بحثُ القطع في علم الأصول من المباحث التي كانت محطَّ تأملٍ في تصنيف مسائل العلم، ووقع الخلاف في تحديد موقعه الصحيح ضمن مباحث علم الكلام أو علم الأصول. والكلام في ذلك هو: هل يُعدُّ مبحث القطع من مبادئ علم الأصول ومن المسائل الكلامية المطروحة فيه، أم أنه يُعدُّ جزءاً من مسائل علم الأصول؟ ذهب آية الله الخوئي، تبعاً لرأي الآخوند الخراساني، إلى أن بحث القطع شبيه وقريب من مسائل علم الكلام، وبناءً على ذلك، يجب عدّه من مبادئ علم الأصول. أما آية الله البروجردي فقد خالف رأي الآخوند، واعتبر هذا البحث مسألة أصولية بحتة. إن استدلال الذين لا يعتبرون هذا البحث مسألة أصولية يقوم على أن نتيجة البحث في المسألة الأصولية تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي الفرعي، وهذا الملاك لا يجري في مباحث القطع. وفي المقابل، يرى البعض أن القطع، بوصفه حجة فقهية، هو موضوع علم الأصول، ويقولون إن البحث حول موضوع العلم هو الذي يشكل مسائله، وعليه فإن مبحث القطع مسألة أصولية. إن التوصل إلى إجابة صحيحة في هذا الاختلاف يكمن في كشف رؤية البحث في باب القطع على أساس نظام نظرية المعرفة الماهوي. ويمكن للرؤية المعتمدة في بحث القطع أن تكون فعالة في تحديد موقعه في علم الأصول. إن التوجه في مباحث القطع ليس نحو نظام معرفي كلامي، والغرض الأساسي والهدف المباشر للبحث هو الإجابة عن مسألة الحجية ونطاقها وشروطها وحدودها في هذا الباب، وهو ما يتبع المنطق الأصولي تماماً.

مقدمة

إن تمييز العلوم وتفكيك مسائل كل علم عن سائر العلوم هو من الأصول اللازمة في حقل البحث، ومن المكونات الرئيسة للبحث العلمي المنهجي. فإنه في حال التمييز الصحيح بين العلوم والتصنيف الدقيق لمسائلها، يمكن مراعاة المنهج البحثي المناسب لكل علم في نطاقه. ولا يتسنى هذا الأمر المهم إلا في ضوء المعرفة الصحيحة والكاملة بكل حقل علمي مقارنة بغيره. ويعد ملاك تمييز العلوم من المسائل الخلافية. وكما قيل (الخوئي، ١٤٢٢هـ، ج ١، ص ٢٥ و٢٦؛ البروجردي، ١٤١٥هـ، ص ١٢)، فقد تبنى مشهور العلماء والقدماء التمايز الموضوعي. وقد جعل الآخوند الخراساني التمايز في الغرض هو الملاك (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩هـ، ص ٨). وقدّم آية الله البروجردي في تقويته لرأي المشهور، نقداً لنظرية الآخوند (البروجردي، ١٤١٥هـ، ص ١٢). أما آية الله الخوئي فقد فصّل بين مقام التعليم ومقام التدوين، وكذلك من جهة وجود غرض خارجي وفقدانه (الخوئي، ١٤٢٢هـ، ج ١، ص ٣٤-٣٧). إضافة إلى التحدي في تعيين ملاك التمايز، تظهر أحياناً مشكلة واختلاف في الرأي في تحديد المصداق في نطاق بعض المسائل أيضاً. إن عدم مراعاة تمييز العلوم والتصنيف الصحيح لمسائل كل علم بالنسبة للعلوم الأخرى يؤدي إلى الخروج عن المنهج الصحيح للتحقيق في ذلك الحقل المعرفي، ويجعل الثقة في عملية البحث متزلزلة ونتائجها قابلة للتشكيك. ويمكن رصد غياب المنهجية المنطقية والمتوافقة مع الحقل المعرفي المعني في حالات متعددة من العلوم والمعارف البشرية. وعادة ما يبرز هذا الحدث المشؤوم في الفلسفة المدرسية الحوزوية بشكل كبير مقارنة بالعلوم الأدبية أو العرفانية. فالفيلسوف الذي ينجر في أبحاثه العقلية الفلسفية إلى الذوق والذوقيات، ويتخذ من المشاعر الأدبية أو الشطحات العرفانية أساساً لنظرياته، يكون في الواقع قد ابتعد عن المنهجية الصحيحة للبحث العقلي. وتُلاحظ هذه المشكلة والعقدة المستعصية في الأبحاث الفقهية المعاصرة أيضاً، حيث تحل أحياناً الذهنيات الخاصة الصنفية أو المهنية أو الحداثوية محل العقلانية الفقهية المستندة، ومثلاً تُعتبر المعطيات الخلافية في حقوق الإنسان مبانٍ عقلية وتُستخدم في طريق استنباط الأحكام، أو تُستخدم معطيات الذهنية الفلسفية المصطلح عليها في مقام العقلانية الفقهية المعتبرة وتُستند إليها في طريق الاستنباط.

إن إحدى نقاط هذا التحدي تكمن في تمييز علم الكلام عن علم الأصول. فبعض المباحث في علم الأصول التي لها دور البنية التحتية الفكرية في هذا العلم، تواجه هذا التحدي بجدية؛ وهو هل يجب أن تُصنَّف ضمن المسائل الكلامية وتُعتبر من مبادئ علم الأصول وقد بُحثت فيه للمناسبة، أم أنها ذات هوية أصولية خالصة ومسألة أصولية خارجة عن نطاق المسائل الكلامية؟! إن الإجابة عن هذا السؤال ضرورية جداً لتحديد منهج البحث في هذا المجال. لأن منهج البحث الكلامي يختلف عن منهج البحث الأصولي، وإن كان الفرق في منهجية المباحث الكلامية مقارنة بالمباحث الأصولية فيما يتعلق ببحث القطع لم يلق اهتماماً كبيراً من قبل علماء الأصول.

لقد أصبح مصير هذا النوع من المسائل من منظور معرفي محطّ نقض وإبرام في تضارب آراء الأصوليين. إن نظرية المعرفة الكلامية في تحديد مصير هذه المباحث من حيث تصنيف مسائل العلم ومراعاة ملاك التمايز بين العلوم لهي في غاية الأهمية. فالمعرفة الصحيحة بهوية المسائل الكلامية إلى جانب المعرفة الصحيحة بهوية المسألة الأصولية يمكن أن تساهم في حل المشكلة الناشئة في هذا الخصوص.

تُعدُّ المباحث المتعلقة بالقطع في علم الأصول من المسائل التي وقع الخلاف في هويتها المعرفية. فآية الله البروجردي، خلافاً لرأي الآخوند (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩هـ، ص ٢٥٧)، يعتبر هذه المسألة أصولية بالكامل ولا يرى لها أي شبه بعلم الكلام (البروجردي، ١٤١٥هـ، ص ٣٩٤). أما آية الله الخوئي، تبعاً للآخوند، فيعتبرها شبيهة بالمسائل الكلامية ويعدُّ طرحها في علم الأصول من باب المناسبة (الخوئي، ١٤١٧هـ، ج ١، ص ٥). وبناءً على ذلك، يجب عدُّها من مبادئ علم الأصول. وللأسف، يبدو أن تضارب آراء الأصوليين في هذا البحث بقي من الناحية المنهجية مبتوراً وبلا نتيجة، لأن كلا الفريقين قد خاضا في المباحث المتعلقة بالقطع بمنهج واحد، بينما تقتضي المباحث الكلامية أسلوباً مختلفاً من حيث المنهجية المعرفية في طرح البحث وإجراء الدراسة مقارنة بالمباحث الأصولية. على أي حال، إن نظرية المعرفة في المسألة الكلامية هي المحك الذي يفيد في مقام الحكم وفي تحقيق مقارن بين الآراء المختلفة في هذا الباب.

١. خلفية البحث

يمكن رصد خلفية هذا البحث، أولاً في كلمات الأصوليين في مقدمة بحث القطع، حيث عدَّ البعض هذا البحث من جملة المباحث والمسائل الكلامية، بينما عدَّه البعض الآخر ضمن المسائل الأصولية. ولكن لم يلتفت أي منهم إلى التحكيم بين هذين الرأيين، مع التأكيد على نظرية آية الله البروجردي وآية الله الخوئي. مقالة «تأثير الرؤى الكلامية على أصول الفقه» (ضيائي فر، ١٣٨٥، ص ٣١٥)، تناولت تأثير الآراء والرؤى الكلامية في مباحث علم الأصول، ورصدت في الواقع دور الآراء والنظرات الكلامية في علم الأصول في ثلاثة مجالات: الموضوع، النطاق، الأدلة، والمصادر. لكنها لم تتطرق إلى بحث القطع، من حيث كونه مسألة كلامية ومن مبادئ الأصول، أو مسألة أصولية، وكيف يجب التحكيم بين نظريتي هذين الفقيهين البارزين. ومقالة «ماهية القطع من حيث المعرفة المعرفية» (هدائي وحميدي، ١٣٩٦، ص ١٣١)، وإن كانت تتناول معرفة ماهية القطع وتسعى في ظل نظرية المعرفة إلى تناول بحث القطع برؤية معرفية، وقد تطرقت في هذا السياق إلى الهوية الكلامية للبحث، إلا أنها لم تضع نظرية المعرفة الكلامية في تحديد المصير الكلامي أو الأصولي لمبحث القطع، ولم تعتبرها محكاً بين نظرية آية الله البروجردي وآية الله الخوئي.

٢. أدبيات البحث

٢-١. مبادئ العلم

يقول ابن سينا في تعريف «مبادئ العلم»:

«أما المبادئ فهي مقدمات تكون أصل ذلك العلم، يجب على المتعلم أن يسلم بها أولاً، حتى يعرف ذلك العلم» (بوعلي سينا، ١٣٨٣، ص ١٣٦ و ١٣٧).

بناءً على ذلك، فإن المفاهيم الأساسية التي تعد معرفتها ضرورية قبل الشروع في علم الأصول هي من مبادئ علم الأصول. والبعض من الذين اعتبروا مبحث القطع خارجاً عن مسائل علم الأصول، لم يصرحوا بالضرورة بأنه من مبادئ هذا العلم. وقد اعتبر آية الله الخوئي أن طرح بحث القطع في الأصول هو من باب المناسبة والاستطراد (الخوئي، ١٤٢٢هـ، ج ١، ص ١١). ولكن بما أنه يعتبر هذا البحث داخلاً في غرض علم الأصول، وهو تحصيل المؤمن من العقاب، والقطع هو أول مصداق للمؤمن (الخوئي، ١٤٢٢هـ، ج ١، ص ١١)، وبما أن فهم وتعريف غرض كل علم هو من مقدمات الفهم الكامل لذلك العلم، فربما يمكن القول إن مقصوده من البحث الاستطرادي هو اعتباره من مبادئ علم الأصول، وإلا لكان عليه أن يصرح بأن مبحث القطع ليس من المسائل ولا من المبادئ.

٢-٢. مسائل العلم

يوضح خواجه نصير الدين في شرح مسائل العلم فيقول:

«مسائل العلم هي القضايا التي يُبرهن عليها في ذلك العلم، بل العلم يشتمل على تلك البراهين… فالمسائل هي ما له البرهان». (خواجه نصير، ١٣٩٥، ص ٣٩٣)

وفقاً لهذا البيان، فإن مسائل كل علم هي مجموعة من المباحث التي تشكلت في ذلك العلم بهدف إثباتها والبرهنة عليها وفقاً لمعاييره. ووفقاً لتعريف موضوع العلم الذي هو عبارة عن أمر يُبحث فيه عن عوارضه الذاتية (الآخوند، ١٤٠٩، ص ٥٥١)، فمن الطبيعي أن تُعدَّ المباحث المطروحة حول العوارض المذكورة مجموعة مسائل ذلك العلم. إلا أن الآخوند الخراساني خالف هذا الرأي واعتبر مسائل كل علم مجموعة متفرقة من المباحث التي تدخل في غرض تدوين ذلك العلم (الآخوند، ١٤٠٩، ص ٥٥١).

٢-٣. القطع الطريقي

القطع أو الجزم النفساني، بغض النظر عن مطابقته للواقع أم لا، يؤثر بلا شك في نفس القاطع (مومني، ١٤٠٣، ص ٢٥) ويجعله يتحرك ويترغّب بالنسبة للأمر المقطوع به والمتعلق به (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩هـ، ص ٢٥٨). ويُسمى هذا القطع الذي وظيفته مجرد الكشف عن المتعلق بالنسبة للقاطع بالقطع الطريقي. القطع الطريقي ليس له أي دور في حيطة الأمر المقطوع به والمتعلق به، ولا يُعتبر جزءاً أو قيداً له، وأي حكم أو خاصية أخرى مرتبطة بذلك المتعلق، فهي مرتبطة بواقع الأمر المقطوع به نفسه (مومني، ١٤٠٣، ص ٣٠). وتُطرح حول هذا القطع ثلاث مسائل مهمة وأساسية:

هل الطريقية والكاشفية ذاتية للقطع أم جعلية واعتبارية؟!

ما هو منشأ حجية القطع بمعنى التنجيز والتعذير؟!

هل يمكن للشارع المقدس أن يمنع وينهى الشخص القاطع عن العمل بقطعه؟!

إن النقطة الأولى المهمة في الإجابة على هذه الأسئلة الثلاثة تكمن في منهج البحث حولها. فإذا كانت هذه الأسئلة كلامية، فيجب الإجابة عليها بالمنهج الكلامي، وإذا كانت أصولية، فيجب تناولها بالمنهج الأصولي. في الواقع، يجب أن نرى هل هذا المبحث مسألة كلامية ومن مبادئ علم الأصول، أم أنه يُعدُّ مسألة أصولية بالكامل. ذلك أن كلا العلمين يقتضي منهجاً علمياً-بحثياً مستقلاً من حيث المنهجية المعرفية. ولا يخفى أن ما هو محل نظرنا في هذا البحث هو مجموع مبحث القطع بأبعاده الثلاثة، أي مجموع المباحث المطروحة في علم الأصول حول الإجابة على هذه الأسئلة الثلاثة، وهل هي من مسائل علم الأصول أم من المسائل الكلامية التي دخلت هذا العلم.

رؤية آية الله البروجردي: بحث القطع ضمن مسائل علم الأصول

يعتبر آية الله البروجردي بحزم المباحث المتعلقة بالقطع جزءاً من مسائل علم الأصول وينفي أي نسبة أو شبه بين هذه المباحث وعلم الكلام (البروجردي، ١٤١٥هـ، ص ٣٩٤). ودليله على أن هذه المباحث من مسائل علم الأصول هو دخول بحث القطع في نطاق موضوع هذا العلم. فهو يعرّف موضوع علم الأصول بأنه «الحجة في الفقه» ويعتقد أن البحث في مباحث القطع يدور حول ما إذا كان هذا الموضوع محققاً أم لا، وأن البحث في الأصول أساساً هو لكشف مصاديق وتعيينات وصغريات الحجة الفقهية (البروجردي، ١٤١٥هـ، ص ٣٩٤). وفي باب تمييز العلوم، يؤمن بنظرية القدماء ويرى أن ملاك التمايز بين العلوم هو تمايز موضوعاتها، ويعرّف مسائل كل علم بأنها المباحث التي تُبحث حول العوارض الذاتية لذلك الموضوع (البروجردي، ١٤١٥هـ، ص ١٠). وهو لا يرى الحجة في علم الأصول، خلافاً للشيخ الأنصاري (الشيخ الأنصاري، ١٤٢٨هـ، ج ١، ص ٢٩) وخلافاً لاصطلاح المناطقة (اليزدي، ١٣٨٧، ص ٣)، بمعنى الحد الأوسط في القياس. واستدلاله على ذلك هو أنه بما أن وجود الأحكام في الشريعة معلوم ومقطوع به، فالعلم الإجمالي متحقق بأن بين العباد والله حججاً وأدلة حتماً يحتج بها الله على العباد، ويحتج بها العباد أيضاً أمام الله تعالى لإثبات وعدم إثبات أحكام الشريعة. فأصل وجود الحجة الشرعية على الأحكام الشرعية معلوم بالعلم الإجمالي. وما يبقى ومطلوب في طريق استنباط الأحكام الشرعية وعلم الأصول متكفل به هو تشخيص وكشف هذه الحجج وتقديم مصاديقها. على سبيل المثال، البحث عن خبر الواحد أو البحث عن الشهرة وغيرهما من الموارد كلها لتشخيص مصاديق وتعيينات هذه الحجج. بناءً على ذلك، فإن أي بحث يهدف إلى تعيين مصداق للحجة الشرعية في الفقه هو مسألة أصولية (البروجردي، ١٤١٥هـ، ص ١٥). وبالطبع، لم يقم قدماء الأصحاب ببحث حول حجية القطع لوضوح البحث وجلائه، لكن توهم وشبهة عدم الحجية في بعض أقسامه أدت إلى أن يُبحث اليوم بالتفصيل حول هذه المسألة في علم الأصول (البروجردي، ١٤١٥هـ، ص ١٥). بعبارة أخرى، يُبحث في علم الأصول عن الأمور التي تسبب تنجز التكاليف الواقعية على المكلف، بمعنى أنه في فرض مخالفة العبد لتلك التكاليف يستحق المؤاخذة والعقاب، وفي فرض العمل بها ومخالفتها للواقع يتحقق عذر العبد. وكل هذه الحالات جارية وسارية في القطع أيضاً. إذن، بحث القطع هو بحث أصولي تماماً ومن مسائل هذا العلم (البروجردي، ١٤١٥هـ، ص ٣٩٤).

أما عدم الشبه والسنخية بين مباحث القطع ومسائل علم الكلام، فذلك لأن مباحث القطع في أشبه حالاتها بمباحث الكلام تعود إلى هذا الأمر: أن عقاب من يخالف الأحكام الشرعية بقطعه ليس قبيحاً. هذه المقولة يمكن تعريفها تحت عنوانين من مسائل علم الكلام لا تتناسب مع أي منهما إطلاقاً. لذلك، لا يمكن بأي حال من الأحوال إقامة مناسبة بين مباحث القطع في علم الأصول ومسائل علم الكلام. والعنوانان المشار إليهما من مسائل علم الكلام هما: «ما يصح على الله وما يقبح عنه»، و«ثبوت العقاب في يوم الجزاء». العنوان الأول يتناول أن الأمور الحسنة تصدر من الله تعالى، والأمور القبيحة لا تصدر منه. لكن هذا البحث لا يناسب ولا يرتبط بمسألة أن مخالفة القطع بالأحكام الشرعية قبيحة. تنشأ العلاقة بينهما عندما يكون عالم الكلام بصدد حصر مصاديق القبائح، ومنها مخالفة القطع بالأحكام الشرعية. لكن علم الكلام أساساً ليس معنياً بهذا البحث. وتنشأ العلاقة مع العنوان الثاني عندما يكون المفكر الكلامي بصدد حصر مصاديق وموارد استحقاق العقاب في القيامة، بينما هذا الأمر ليس من ضمن اهتمامات عالم الكلام وموضوع مباحث علم الكلام. بناءً على ذلك، لا يوجد أي شبه أو سنخية بين مباحث القطع في علم الأصول وعلم الكلام (البروجردي، ١٤١٥هـ، ص ٣٩٤). كما أنه يعترض على تعريف المناطقة لمصطلح الحجة، بأن أهل المنطق لا يطلقون عنوان الحجة على الحد الأوسط فقط، بل على مجموع الصغرى والكبرى (البروجردي، ١٤١٥هـ، ص ٣٩٤).

رؤية آية الله الخوئي: مبحث القطع ضمن مبادئ علم الأصول

صرح آية الله الخوئي، خلافاً لآية الله البروجردي، بأن بحث القطع وحجيته خارج عن مسائل علم الأصول، ولكنه في الوقت نفسه، من باب المناسبة والاستطراد، يرى أنه من المناسب أن يُبحث عنه في باب من أبواب الأصول. وكما تقدم، فقد عدَّ بحث القطع من مبادئ هذا العلم. المسألة الأصولية تقتصر على المباحث التي تكون نتيجتها، على فرض تماميتها، موجبة للقطع بالوظيفة الفعلية للمكلف (الخوئي، ١٤١٧هـ، ج ١، ص ٥)، سواء كان هذا القطع وجدانياً أم تعبدياً (الخوئي، ١٤٢٢هـ، ج ١، ص ١٥). ومقصود آية الله الخوئي هو أن متعلق القطع هو نفس الوظيفة الفعلية للمكلف، لا أنه موجب وسبب لتحصيل قطع آخر بالوظيفة. بعبارة أخرى، نتيجة المسألة الأصولية تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي بحيث إذا أُضيفت إليها صغرى البحث ومصداقها، يُستحصل على حكم شرعي فرعي، بينما القطع بالحكم لا يقع في طريق الاستنباط، بل هو نفسه النتيجة، وأساساً فإن القطع بالوظيفة (سواء كان قطعاً وجدانياً أم تعبدياً) هو نتيجة المسائل الأصولية. لأن العلم بالوظيفة من لوازم العلم بمسائل الأصول، في فرض ضم الصغرى والمصداق إليها (الخوئي، ١٤١٧هـ، ج ١، ص ٥). ببيان أوضح، إن غرض علم الأصول هو تحصيل المؤمن للمكلفين تجاه تكاليف المولى، وأول مؤمن ليس سوى القطع. لذا، من المناسب أن يُبحث عن القطع في علم الأصول ولو استطراداً. (الخوئي، ١٤٢٢هـ، ج ١، ص ١١). وفيما يتعلق بشبه مباحث القطع بعلم الكلام، يرى أنه بما أن البحث عن حجية القطع يوضح أن مخالفة القطع بالأحكام الشرعية سبب لصحة العقاب، فإنه يشبه مسائل علم الكلام. لأن في هذا العلم يُبحث عن المبدأ والمعاد وما يصح أو لا يصح صدوره عن الله تعالى (الخوئي، ١٤١٧هـ، ج ١، ص ٥).

موضوع ومسائل علم الكلام في نظر المتكلمين

قبل الحكم والنقد على رؤية هذين الفقيهين الكبيرين، يجب البحث عن موضوع علم الكلام في نظر علماء هذا العلم. لأنه خلافاً لرأي الآخوند الخراساني الذي لم يقل بموضوع مستقل ومحدد لكل علم، ومن هذا المنطلق لم يعتبر تمايز العلوم بتمايز موضوعاتها (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩هـ، ص ٧)، فوفقاً للرأي المشهور الذي يعتبر مسائل كل علم هي المباحث التي تُبحث حول موضوعه، يمكن من خلال كشف موضوع العلم السعي إلى رسم مسائله أيضاً. وبناءً على الاستقراء الذي تم في هذا الخصوص، توجد سبع نظريات: اعتبر ابن خلدون في مقدمته أن موضوع علم الكلام هو العقائد الإيمانية (ابن خلدون، ١٤٠٠هـ، ص ٤٩٦). واعتبر القاضي تاج الدين الأرموي بناءً على ما نُقل في المواقف (القاضي الإيجي، دون تاريخ، ٧) وشرح المقاصد (التفتازاني، ١٣٧١، ج ١، ص ١٨٠) أن موضوع علم الكلام هو ذات الباري تعالى وصفاته الإلهية. أما أبو حامد الغزالي والقدماء، بناءً على نسبة التفتازاني إليهم (التفتازاني، ١٣٧١، ج ١، ص ١٧٦)، فقد عرّفوا موضوع علم الكلام بأنه الموجود بقيد كونه متعلقاً ومرتبطاً بالمباحث الجارية على قانون الإسلام. واعتبر صاحب المواقف أن موضوع علم الكلام هو المعلوم من حيث يتعلق به إثبات عقائد الدين (القاضي الإيجي، دون تاريخ، ص ٧). في الواقع، اعتبر المعلومات التي تؤدي إلى إثبات عقائد الدين موضوعاً لعلم الكلام. ويميز المحقق اللاهيجي في «گوهر مراد» اعتبار علم الكلام عند القدماء والمتأخرين على وجهين مختلفين، مما يدل على اختلاف الرؤية في موضوع علم الكلام لديهم. فوفقاً لبيان المحقق اللاهيجي (اللاهيجي، ١٣٧٢، ص ٤٢ و٤٣)، اعتبر القدماء علم الكلام صناعة تمكّن الإنسان من الدفاع عن أوضاع الشريعة بواسطة الأدلة المأخوذة من المقدمات والمبادئ والأسباب المشهورة عند أهل الشرع. بناءً على ذلك، يُعرّف موضوع علم الكلام في إطار أوضاع الشريعة والأدلة المذكورة. واعتبر المحقق اللاهيجي علم الكلام عند المتأخرين بأنه علم بأحوال الموجودات على نهج قوانين الشرع (اللاهيجي، ١٣٧٢، ص ٤٢ و٤٣). إذن، موضوعه هو نفس أحوال الموجودات (من حيث الثواب والعقاب) وفقاً لرسم الشريعة.

وقد عرّف شمس الدين محمد السمرقندي، صاحب كتاب «الصحائف في علم الكلام»، بناءً على ما نقله التفتازاني عنه (التفتازاني، ١٣٧١، ج ١، ص ١٨٠)، موضوع علم الكلام بأنه ذات الباري تعالى من حيث هي، وذات الممكنات من حيث إنها محتاجة إلى حضرة الحق. في خلاصة لهذه الآراء، يمكن اعتبار موضوع علم الكلام هو العقائد المتعلقة بذات الباري تعالى وصفاته الإلهية ومسألة الثواب والعقاب والجنة والنار وحاجة ما سوى الله تعالى إلى حضرة الحق. وكذلك المباحث التي تصون أوضاع وقوانين الشريعة. بناءً على ذلك، حتى بعض المباحث التي تُبحث في مجال فلسفة الفقه يجب عدها من المسائل الكلامية. لأن صيانة أوضاع الشريعة تشمل المباحث التي تدافع عن وجاهة القضايا الفقهية والمعطيات الفقهية بوصفها قوانين وأوضاع الشرع، وشأن هذا النوع من المباحث ليس في الفقه بل في فلسفة الفقه. وبهذا البيان، يجب إعطاء الحق لخواجه نصير الدين الطوسي الذي يعتبر علم الكلام من العلوم التي لها موضوعات متعددة (الطوسي، ١٣٩٥، ص ٣٩٣ و ٣٩٤؛ العلامة الحلي، ١٣٨١، الفصل ٥، البرهان والحد).

نقد وتحليل رؤية آية الله الخوئي

تجدر الإشارة إلى أنه وفقاً لما تقدم في باب موضوع علم الكلام من قبل المتكلمين، فإن كل ما يدخل في حوزة العقائد الدينية وفي عداد صيانة أوضاع الشريعة يُعدُّ من المسائل الكلامية. بناءً على ذلك، يجب أن نرى ما هي رؤية البحث عن القطع في علم الأصول؟! هل النظرة الكونية لهذا البحث هي من جهة العقائد الدينية وصيانة أوضاع الشرع والشريعة، أم أنها في سياق إثبات الأحكام الشرعية وبيان الدليل على الحكم الشرعي؟!

يبدو أن الرؤية الثانية هي المعتبرة في علم الأصول. بناءً على ذلك، فإن مباحث القطع، وإن كان يمكن أن تُبحث برؤية كلامية وكما قال آية الله الخوئي ترتبط بمباحث المبدأ والمعاد ومسألة الثواب والعقاب، إلا أن الرؤية الأصولية ليست كذلك. فلا ينبغي اعتبار هذه المسألة كما هي في علم الأصول ضمن المسائل الكلامية. وبالطبع، فإن بيان آية الله الخوئي لا يدل على هذا المعنى، بل أشار فقط إلى مشابهتها لعلم الكلام. ورغم أنه في ضمن مباحث القطع في الأصول قد يقترب محقق ما من الرؤية الكلامية أو حتى لا يراعي الحدود بين العلوم. وكما أُشير في البداية، فإن الذين اعتبروا بحث القطع من المسائل الكلامية والذين اعتبروه من المسائل الأصولية قد تناولوا البحث حول هذه المسألة في علم الأصول بأسلوب ومنهج واحد. وهذا يدل على أن المنهجية في البحث، على الأقل في هذا الخصوص، لم تحظ باهتمام كبير.

لقد حصر آية الله الخوئي ملاك البحث الأصولي في العلم بالوظيفة الفعلية. وبقبول هذا المبنى، لا يمكن أيضاً إخراج مباحث القطع من عداد المسائل الأصولية. لأنه وإن كان من غير المتصور أن يقع القطع بالحكم الشرعي في طريق الاستنباط، إلا أن تحصيل هذا القطع والإجابة على الشبهات والإشكالات حول الاعتماد عليه، وكذلك رسم نطاق قبوله في حوزة الشريعة والبحث في منشأ اعتباره، هو من مقدمات ومبادئ ومباني الوثوق والاعتماد على الحكم الشرعي المكشوف بواسطة القطع، وقطعاً هذه المباحث في علم الأصول لها موضوعية للبحث أكثر من أي علم آخر. وعلى الأقل هي من المبادئ المباشرة والقريبة للمسائل الأصولية، ولا يجب بالضرورة استعارة المبادئ المباشرة والداخلة في مسائل العلم من سائر العلوم. علاوة على ذلك، فإن المباحث المذكورة في باب القطع بسبب الرؤية الأصولية الكاملة التي تهدف إلى إثبات الحكم الشرعي هي مسألة أصولية. وهذا الإشكال الذي ذكره آية الله الخوئي بأن القطع بالحكم لا يسبب تحصيل قطع آخر، بل هو نفسه نتيجة البحث، يمكن الإجابة عليه من جهتين: الجهة الأولى هي أن القطع بالحكم الشرعي يتحقق عندما تكتمل جهات اعتبار القطع والمسائل التي تم بحثها في مبحث القطع في علم الأصول. فهذا النوع من المباحث في الواقع يصبح طريقاً لتحصيل وتحقيق وتنقيح القطع بالحكم الشرعي. بناءً على ذلك، فإن المباحث حول القطع تلعب دوراً في طريق العلم بالوظيفة الفعلية.

الجهة الثانية، هي أنه لا ينبغي حصر الوساطة في طريق الاستنباط وتحصيل العلم بالوظيفة الفعلية في نطاق المباحث الكبروية. فببيان مناسب وصحيح من آية الله البروجردي، فإن تعيين مصاديق وصغريات البحث يكمل في الواقع طريق الاستنباط. في بيان جامع لكلا الوجهين، يجب القول: إن العلم بالوظيفة الفعلية إذا لوحظ في المرحلة التالية لتحقق وتمامية جميع جهات البحث من الناحية الصغروية والكبروية، فلا معنى لأن تُعدَّ هذه المسألة من مباحث الأصول. لكن هذه النظرة ليست صحيحة وقابلة للدفاع. ففي بحث خبر الواحد أيضاً، بعد تمامية البحث عن كبرى المسألة كإثبات للحجية، وتمامية البحث من الناحية الصغروية والوصول إلى خبر معتبر، لا يبقى مجال لطرح المسألة الأصولية، بل في هذه المرحلة، تكون نتيجة البحث وهي استنباط الحكم الشرعي قد تحققت.

نقد وتحليل رؤية آية الله البروجردي

إن نظرية آية الله البروجردي التي اعتبرت موضوع علم الأصول هو الحجة في الفقه، هي نظرية وجيهة. لكن أن نضع هذا العنوان بالضرورة في فهم صغروي لموضوع علم الأصول، فهذا غير قابل للقبول. لأن العالم الأصولي يجد في وجدانه أن هذا العلم الواسع لا يقتصر على كشف المصاديق والصغريات للحجج الفقهية والشرعية، بل يتناول في كثير من الموارد المباحث الكبروية. وهذا الكلام لا يعني إنكار البحث الصغروي والمصداقي في علم الأصول، بل هو تأكيد على حقيقة أن نطاق المباحث الكبروية والكلية في علم الأصول لا يمكن إنكاره، بل إن بعض المباحث الأصولية أساساً لها شأن ومناسبة للطرح في علم الأصول. مثلاً، المباحث التي تبحث في حجية الاستصحاب لا تقتصر على تشخيص مصاديق وصغريات الاستصحاب، بل من الناحية الكبروية والقاعدة الكلية تسعى لإثبات الحجية الكلية للقاعدة في مقابل قاعدة الشك الساري وقاعدة المقتضي والمانع والقياس. إن رسم أقسام الاستصحاب وتعريف «الحجة» من «اللاحجة» في القياس على الأحكام الشرعية الفرعية التي يطبق عليها الاستصحاب هو بحث كبروي تماماً، وعلم الأصول يسعى لتعريف القاعدة الكلية للاستصحاب في هذه الموارد، وإن كان من جهة أنه في هذا القسم يتناول تعيين مصاديق الحجة، فإنه يشمل المباحث الصغروية والمصداقية لقاعدة الاستصحاب الكلية. لكن من الواضح أنه في الوقت نفسه، فإن بعض المباحث الصغروية في الاستصحاب، أساساً ليست من شأن العالم الأصولي وهي خارجة عن ساحة هذا العلم. إن التوجه والتمعن في صغريات ومصاديق الاستصحاب، هو في الأساس وظيفة وشأن الفقيه وفي نطاق علم الفقه، وذلك في ساحة الموضوعات العامة. أما في ساحة الموضوعات الجزئية، ففي كثير من الأحيان ليس من شأن الفقيه، بل المقلد هو الذي يجب عليه بنفسه أن يطبق إجراء الاستصحاب بناءً على تعاليم الفقه كأحد مصاديق الحجج الشرعية في حقه. وهذا البيان من آية الله البروجردي الذي لخص كل مسائل علم الأصول في كشف صغريات ومصاديق الحجج الشرعية قد تعرض للنقض الجدي من قبله هو نفسه في بحث المفاهيم، ولكن قبل ذكر هذا النقض والتحدي، يجب الانتباه إلى هذه النقطة: إن بيان آية الله البروجردي الذي نفى الحجة في اصطلاح المناطقة عن الحد الأوسط، واعتبرها في اصطلاح المنطق مجموع الصغرى والكبرى، ليس خالياً من الإشكال، لأن في علم المنطق يُطلق عنوان الحجة على كليهما (ملا عبد الله اليزدي، ١٣٨٧، ص ٣).

تحدي مبنى آية الله البروجردي في باب المفاهيم

يرى آية الله البروجردي، خلافاً لمعظم المتأخرين (البروجردي، ١٤١٥هـ، ص ٢٩٥)، أن مسألة المفاهيم هي مسألة كبروية والنزاع فيها هو في وجود القاعدة الكلية للحجية، لا أنها بحث صغروي وكشف لمصاديق المفاهيم. وهو يعتقد أن المفاهيم أساساً خارجة عن حوزة جميع أقسام الدلالات اللفظية، ومنشأ الدلالة المفهومية هو بناء عقلائي قطعي. وبيان ذلك أن مبنى العقلاء قائم على عدم حمل فعل الغير على اللغوية (البروجردي، ١٤١٥هـ، ص ٢٩٤). وبناءً على هذا المبنى والرؤية العقلائية، فإن بناء عقلاء العالم مستقر على حمل كلام المتكلم وجميع خصوصياته وقيوده على الوجه الذي صدر به لداع وغرض وغاية نوعية ونتيجة نهائية، بمعنى أن جميع القيود المذكورة في الكلام داخلة في مطلوب المتكلم الذي يتحدث من أجله.

إذن، من الناحية الصغروية والمصداقية، فإن وجود أقسام المفاهيم من حيث وجود ملاكها، وهو البناء العقلائي القطعي، لا يعتريه أي شك أو شبهة أو تردد، وكل الإشكال والكلام والنزاع هو في حجية هذه المفاهيم الموجودة، كقاعدة وكبرى كلية. يقول آية الله البروجردي إنه، مثل القدماء، يعتبر المسألة نزاعاً كبروياً، لأن القدماء أيضاً بحثوا في حجية المفاهيم، لا في أصل ثبوتها الذي هو بحث صغروي محض، خلافاً لمعظم المتأخرين الذين اعتبروا بحث المفاهيم بحثاً صغروياً. ويقدم آية الله البروجردي محملاً لنظرة المتأخرين، موضحاً أنه بما أنهم اعتبروا الدلالة المفهومية من أقسام الدلالة اللفظية، فمن الطبيعي أن يدخلوا في أصل وجود المفاهيم بشكل نزاع صغروي، وهو هل في الموارد المدعاة لوجود المفهوم، توجد دلالة لفظية، مثلاً في قالب الدلالة الالتزامية، أم لا؟ وبالتالي لا وجه للنزاع الكبروي بالنسبة لهم، لأن حجية الدلالات اللفظية ليست محل تردد في بناء العقلاء (البروجردي، ١٤١٥هـ، ص ٢٩٥). بناءً على ذلك، فإن مبناه القائل بأن غاية وغرض علم الأصول هو كشف مصاديق الحجة وأن المسائل الأصولية هي مجرد مسائل صغروية، يتعرض لتحد ونقض جدي وفقاً لمبناه هو نفسه في باب المفاهيم. الحكم في هذه المسألة، أي هل بحث المفاهيم بحث صغروي أم كبروي، خارج عن موضوع هذا البحث. لكن بناءً على هذا المبنى القائل بأن بحث المفاهيم بحث كبروي، فمن الواضح أن مبناه في باب مسائل علم الأصول يتعرض لتحد ونقض جدي.

النتيجة

إن نظرية المعرفة الكلامية، وإن كانت لدى المتكلمين على وجوه مختلفة، إلا أن الحق مع خواجه نصير الدين الطوسي الذي اعتبر موضوع علم الكلام أموراً متعددة. وربما يمكن جمع هذا التعدد في وجه جامع انتزاعي، كما يظهر في كلام آية الله الخوئي حيث أقام المسائل الكلامية على محور البحث عن المبدأ والمعاد وما يليق صدوره وما لا يليق صدوره عن الباري تعالى. أما أن مباحث القطع هل هي من المسائل الكلامية أم لا، فيجب الانتباه إلى الرؤية المعتمدة في البحث، ذلك أن المعيار المعرفي الكلامي قد بُيّن في توجيه آية الله الخوئي، وهذا هو ما جعله يرى مباحث القطع، مثل الآخوند الخراساني، أكثر شبهاً بالمسائل الكلامية. لأنه أرجع رؤية البحث إلى هذا الوجه، وهو هل مخالفة القطع بالأحكام الفعلية الشرعية مساوية لصحة العقاب أم لا! والبحث عن صحة وعدم صحة الثواب والعقاب هو بحث كلامي محض ويؤمّن النظام المعرفي الكلامي. ولكن يبدو أن الرؤية الأصلية للبحث حول القطع في علم الأصول ليست هي الوجه المذكور في كلام آية الله الخوئي، ولا يمكن موافقته في هذا الخصوص، ويجب القبول بأن الرؤية الجارية في الأصول تقوي نظرية آية الله البروجردي بأن بحث القطع ليس في اتجاه النظام المعرفي الكلامي، والغرض الأساسي والهدف المباشر للبحث هو الإجابة عن مسألة الحجية ونطاقها وشروطها وحدودها في باب القطع، وهو ما يتبع المنطق الأصولي تماماً. بالطبع، هذا القسم من نظرية آية الله البروجردي الذي يعتبر جميع مسائل الأصول في مقام البحث الصغروي وتعيين وتشخيص مصاديق الحجة الشرعية الفقهية لا يمكن قبوله، وهذه النظرة بالذات تتعرض للنقض والتحدي بناءً على مبناه هو نفسه في باب المفاهيم.


١. أستاذ مساعد في الفقه والحقوق بجامعة العلامة الطباطبائي، وأستاذ في الحوزة العلمية بقم.

المصادر

  1. ابن خلدون، عبد الرحمن (١٤٠٠ق). مقدمة ابن خلدون. بدون طبعة، بيروت: دار القلم.
  2. آخوند الخراساني، محمد كاظم (١٤٠٩ق). كفاية الأصول. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة آل البيت.
  3. بروجردي، حسين (١٤١٥ق). نهاية الأصول. مقرر: حسين علي منتظري، الطبعة الأولى، قم: نشر تفكر.
  4. بوعلي سينا، حسين (۱۳۸۳). منطق دانشنامه علائي. المصحح: محمد مشكوة، الطبعة الأولى، همدان: جامعة بو علي سينا.
  5. تفتازاني، سعد الدين (۱۳۷۱). شرح المقاصد. تحقيق: عبد الرحمن عميرة، قم: شريف رضي.
  6. خواجه نصير الدين، محمد بن حسن (١٣٩٥). أساس الاقتباس. الطبعة الثانية، طهران: انتشارات فردوس.
  7. خوئي، أبو القاسم (١٤١٧ق). مصباح الأصول. مقرر: محمد سرور واعظ بهسودي، الطبعة الخامسة القديمة، قم: داوري.
  8. خوئي، أبو القاسم (١٤٢٢ق). مصباح الأصول. مقرر: محمد سرور واعظ بهسودي، الطبعة الأولى، قم: مكتبة داوري.
  9. شيخ أنصاري، مرتضى (١٤٢٨ق). فرائد الأصول. الطبعة التاسعة، قم: مجمع الفكر الإسلامي.
  10. ضيائي فر، سعيد (١٣٨٥). «تأثير الرؤى الكلامية على أصول الفقه». نقد ونظر، العددان ٤١ و٤٢، فروردين، ص ٣١٥ إلى ٣٤٦.
  11. طوسي، خواجه نصير الدين (١٣٩٥). أساس الاقتباس. الطبعة السادسة، طهران: جامعة طهران.
  12. علامة حلي، حسن بن يوسف (۱۳۸۱). الجوهر النضيد في شرح منطق التجريد. الطبعة الثانية، قم: بيدار.
  13. قاضي إيجي، عبد الرحمن (بدون تاريخ). المواقف في علم الكلام. بيروت: عالم الكتب.
  14. لاهيجي، عبد الرزاق (۱۳۷۲). گوهر مراد. تحقيق: زين العابدين قرباني، طهران: وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.
  15. مومني، سيد محمد حسن (١٤٠٣). بصائر الأصول لتبصرة الفحول. الطبعة الثانية، قم: ميراث ماندگار.
  16. هدائي، علي رضا، ومحمد رضا حميدي (١٣٩٦). «ماهية القطع من حيث المعرفة المعرفية». فقه وأصول، السنة التاسعة والأربعون، العدد ١، ص ١٣١-١٥٣.
  17. يزدي، ملا عبد الله (۱۳۸۷). الحاشية على التهذيب. الطبعة الثالثة، قم: دار التفسير.
Scroll to Top