ملخص
نظرية المعرفة (الإبستمولوجيا) هي من العلوم الحديثة التي تمتلك القدرة على الطرح والتطبيق على قضايا كل علم، وتُستخدم للإجابة عن كيفية تشكل الاعتقاد والصدق والتوجيه. إن عنصر التوجيه، الذي يرادف الاستدلال وإقامة الحجة لكل قضية علمية، يسعى إلى مساءلة أصحاب النظريات العلمية وبيان أسباب وصولهم إلى نظرياتهم. وعلم أصول الفقه أيضاً، لما يتمتع به من قضايا علمية متعددة ومتنوعة، يجب أن يوضح قيمتها المعرفية ويشرح مبنى الأصوليين في هذا الخصوص. بنظرة عامة، وهي الأكثر شيوعاً بين علماء الغرب، طُرح منهجان في شرح عنصر التوجيه، هما المبنوية والانسجامية، وكل منهما يسعى إلى تحليل كيفية نشأة المعرفة والوصول إليها. وقد توصل الكاتب، عبر المنهج الوصفي التحليلي المعتمد على المصادر المكتبية، إلى نتيجة مفادها أن توجه معظم العلماء الأصوليين لتقييم القيمة المعرفية للقضايا الأصولية يميل إلى نظرية المبنوية، ولكن يمكن تطبيق أنماط أخرى من المباحث المعرفية، كالانسجامية والباطنية (Internalism)، على نظريات الأصوليين، وهو بحثٌ غُفل عنه حتى الآن بهذا المنظور، ويمكن اعتباره من إبداعات هذا البحث.
مقدمة
يواجه الإنسان دائمًا عددًا كبيرًا جدًا من المعلومات العلمية والسلوكيات العملية. إن تقييم هذه المعلومات والسلوكيات والتحقق من صحتها يتطلب معايير وضوابط يمكن من خلالها فحصها. ولكن في مستوى أعلى، يُطرح سؤال وهو: كيف يتم تقييم هذه المعرفة نفسها التي تجري كأصل كلي وأساسي في جميع فروع العلم والمعرفة، وما هو المعيار الذي يُمكّن الفرد من التحقق من صحة أو خطأ معلوماته ونظرياته وتقاريره واكتشافاته الجديدة؟ ما هي المصادر التي يمكن أن تستند إليها النظريات العلمية؟ بالطبع، ليس المقصود بالمصادر المؤلفات والكتب، بل المصادر الإدراكية والمعرفية التي يؤدي الاستناد إليها في قضية ما إلى التصديق والاطمئنان العلمي والتوجيه المعرفي. على أي حال، لقد تشكّل علم نظرية المعرفة للإجابة على هذا النوع من الأسئلة، حتى يبيّن، ضمن مساءلة أصحاب الفرضيات والنظريات العلمية، طرقًا ومعايير عامة لجميع العلوم، لكي ينخرط أصحاب النظريات في تحليل وإبداع النظريات بمعايير محددة، فلا يقعون في الشك من جهة، ولا يميلون إلى الجزمية من جهة أخرى، ويتمكنون من إجراء تقييم واقعي لقدراتهم المعرفية. في هذا السياق، وكما سيأتي، برزت النظرة التوسعية لاستخدام القضايا العقلية والفلسفية والتجريبية بين بعض الأصوليين، وأعطوا مكانة لاستخدام كل قضية يمكن أن تساعد المجتهد في استخراج الأحكام الشرعية. بل إن البعض ذهب إلى أبعد من ذلك وطبّق مفاهيم من علوم مثل الفلسفة التحليلية ونظرية المعرفة والمنهجية وعلم اللغة على قضايا من علم الأصول. ومن هنا، فإن مجال طرح وتطبيق مباحث نظرية المعرفة الغربية في علم أصول الفقه، الذي يُخصص جزء كبير منه للمصادر الاستنادية والإدراكية (الكتاب، السنة، العقل، والإجماع) ويتناول جزء آخر منه دراسة الاستدلال وتوجيه قضايا علم الأصول، واسع جدًا. ومن أمثلة هذا التطبيق، النهج المبنيوي للعلماء المسلمين والأصوليين الذي كان يسعى دائمًا إلى إرجاع القضايا الأصولية إلى معلومات بديهية وأساسية، وقد أدى، بالاستعانة بعنصر العقل ومخرجاته العقلية والمنطقية مثل القضايا البديهية، والملازمات، وحجية القطع، وقبح العقاب بلا بيان، وسائر القضايا التي تشكل أساسًا لقضايا أصولية أخرى، إلى توسيع وترسيخ التوجه المبنيوي للمجتهدين. أما في الاتجاه المقابل، فإن عددًا من العلماء مثل الشهيد الصدر، من خلال توجيه جديد لبعض القضايا الأصولية، قد خرجوا من دائرة المبنوية المشهورة بين الأصوليين، واعتبروا القيمة المعرفية للقضايا الأصولية مائلة إلى نظرية الانسجامية. وقد أظهر الشهيد الصدر مثالًا على هذا الميل نحو الانسجامية في بحث وسائل الإثبات الوجداني للدليل الشرعي، حيث توصل، بابتكاره في استخدام القضايا العقلية من جهة، وقضايا حساب الاحتمالات الرياضي والاستقراء من جهة أخرى، إلى حل إثباتي جديد يتمحور حول العقل بخصوص هذه الوسائل والأدلة، مما مهد الطريق، ضمن تقديمه لطرق أخرى لإثبات بعض القضايا الأصولية، لطرح واستخدام هذه القضايا في علوم أخرى أكثر من أي وقت مضى. فيما يتعلق بخلفية البحث، من الضروري الإشارة إلى أن قلة من الناس، مع الأخذ في الاعتبار المدارس الجديدة، قد أقدموا على تطبيق مبادئ نظرية المعرفة على علم أصول الفقه، ولم يُنجز في هذا الصدد عمل كبير. ولكن من بين الأعمال الأكثر صلة بهذا الموضوع: كتاب «فلسفة علم الأصول» لآية الله الحاج الشيخ صادق لاريجاني؛ ومقالة «استئصال الباطنية والظاهرية في التوجيه في علم أصول الفقه» للسيد جعفر مرواريد في مجلة «ذهن» شتاء عام 94، العدد 64؛ وكتاب «القيمة المعرفية للدليل النقلي» تأليف الفاضل الأرجمند السيد عبد الله محمدي؛ وكذلك مقالة «تحليل الانسجامية والمبنوية في نظريات الحقوق: تحليل حالة لنظرية التجريم» للسيد سلمان عمراني في «مجلة البحث في الحقوق الإسلامية» (العدد 3، 1401، الرقم التسلسلي: 57)؛ ومقالة «البنية المعرفية لفلسفات التعليم والتربية الإسلامية: مبنوية أم انسجامية» لمحمد رضا مهدوي فر والدكتورة نرجس سجادية في «فصلية التعليم والتربية» العدد 123. وكما هو واضح، لم يتم في أي من المصادر المذكورة إيلاء الاهتمام لهذه النظرة قيد البحث، وظل تطبيق سائر مبادئ منظري المعرفة الغربيين على علم أصول الفقه مغفولًا عنه، ولم يتم في أي منها بحثٌ بمنهج التبيين والتحليل، ثم تحديد توجه الأصوليين نحو أحد هذين المبدأين وتأثيره على عملية الاجتهاد. لذلك، فإن البحث الحالي، من هذا المنطلق، وكذلك من حيث تعدد التحليلات، يعد كتابة مبتكرة، وبالنظر إلى اتساع كل من المباحث المذكورة، فإنه يركز أكثر على بحث عوامل ومبادئ التوجيه، ويؤجل بقية الموضوعات، بما في ذلك نظرية الصدق في فكر الأصوليين، إلى فرصة أخرى. والسؤال الأساسي الآن هو: من بين منهجي المبنوية والانسجامية المطروحين في شرح عنصر التوجيه، وكل منهما يهدف إلى تحليل كيفية نشأة المعرفة والوصول إليها، أي منهما يمكن تطبيق فكر الأصوليين عليه؟
1. علاقة نظرية المعرفة بأصول الفقه
إن لنظرية المعرفة، مع الشرح الذي سيأتي لاحقًا، بعض الاشتراكات في بعض المباحث مع علوم أخرى، منها علم أصول الفقه. وما يبرز أكثر من أي شيء آخر قابلية التطبيق البيني لمباحث هذين العلمين، يتلخص في عدة مباحث:
المبحث الأول: استكشاف المصدر
توجد في كلا العلمين مباحث تدور حول الإجابة عن سؤال: ما هي الأشياء التي يمكن أن تكون مصدرًا لاتخاذ واستدلال القضايا الداخلية لذلك العلم؟ في هذا المجال، ذُكرت في نظرية المعرفة أمور مثل الذاكرة، والتجربة، والدليل النقلي (الشهادة) وغيرها كمصادر. وفي علم أصول الفقه، يُطلق اسم المصدر على القرآن الكريم، والخبر (الواحد والمتواتر)، والإجماع، والقضايا العقلية، أو كل ما له دور في استنباط الحكم الشرعي. وقد قال الشهيد الصدر عن موضوع علم الأصول: «وبهذا صح القول بأن موضوع علم الأصول هو الأدلة المشتركة في عملية الاستنباط».
المبحث الثاني: الصدق
وهو يبحث في التحقق من صحة قضايا العلوم، ويقدم حلولًا مثل المطابقة مع الواقع أو الانسجام بين القضايا الداخلية لعلم ما كمعيار لصدق القضية. وفي علم أصول الفقه أيضًا، تم تبيين المطابقة مع نفس الأمر كحل لتفسير الصدق في قضايا أصول الفقه. بالطبع، بناءً على ادعاء اعتبارية معظم القضايا الأصولية، قلما يمكن إيجاد مجال لتطبيق حلول نظرية المعرفة في جانب الصدق على تلك القضايا.
المبحث الثالث: التوجيه
وهو يبحث في نظرية المعرفة عن طرق الوصول إلى اليقين وكيفية توجيه واستدلال قضايا العلوم، وعادة ما يستخدم حلولًا باطنية (المبنوية والانسجامية) وظاهرية. وفي هذا السياق أيضًا، يُطرح بحث التوجيه وحلول توجيه القضايا الأصولية بكثرة في علم أصول الفقه، ويُتابع في مباحث مثل المرجعية الذاتية للقطع وحجية (الأمارات والأصول العملية). إذًا، نظرية التوجيه في كل علم تبحث عن عامل التوجيه، وإعطاء الاعتبار للقضايا، وبيان كيفية التوجيه. والجدير بالذكر أن معظم الذين التفتوا إلى الاشتراكات بين هذين العلمين قد تناولوا، بشكل عام، تطبيق نظرية المعرفة الكلاسيكية التي تركز أكثر على علم المصادر، وتشهد على ذلك كتابات العلماء المسلمين في بحث المعرفة والشناخت، وقلما تناول أحد، مع الأخذ في الاعتبار المدارس الجديدة، تطبيق مبادئ نظرية المعرفة على علم أصول الفقه. وكما أُشير، فإن تطبيق مبادئ منظري المعرفة الغربيين على علم أصول الفقه قد غُفل عنه، وهذا بحد ذاته من الأسباب التي تجعل الخوض في هذا البحث ضروريًا.
2. كليات نظرية المعرفة
علم المعرفة (الإبستمولوجيا) و(نظرية المعرفة) هو في الأساس علم نشأ في حضن مباحث فلسفة العلم، وتدريجيًا، بسبب عمومية موضوعه، طُرح في بقية العلوم بقدرة تطبيقه على مبادئ نظرية المعرفة، وفُسّر بعبارات مثل: «يُطلق على البحث في طبيعة التوجيه ومنشأ توجيه الاعتقاد والمعرفة، وأنواع المعرفة مع مسائل من قبيل الفهم، والدليل، والحكم، والإحساس، والتخيل، والحدس، اسم نظرية المعرفة». «نظرية المعرفة، علم توجيه المعتقدات». «نظرية المعرفة علم يبحث في حقيقة معرفة الإنسان، وطرق الوصول إليها، وتحديد مقدار الصدق والكذب». وكما ذكر البعض، عادة ما يُطرح لتشكيل قضية ونظرية علمية، تطبيقها على ثلاثة عناصر هي الاعتقاد والصدق والتوجيه، وقد أُبديت نظريات حول كفاية هذه العناصر الثلاثة للوصول إلى المعرفة وتفسيرها وتقسيمها، ولكن التفسير الثلاثي للمعرفة «الاعتقاد الصادق الموجَّه» حظي دائمًا بأكبر دعم بين منظري المعرفة، وهو عمومًا معيار القياس والحكم على كل معرفة ونظرية علمية في المحافل العلمية والنظرية. وأهم وأكثر هذه العناصر الثلاثة بحثًا هو ضابط التوجيه الذي يتناول استدلال القضايا ويهدف إلى إعطاء الاعتبار لأي قضية يُدّعى أنها علم ومعرفة. لذلك، فإن التوجيه يعني الاعتبار، وهذا الاعتبار ليس في مقابل الحقيقة؛ بل الاعتبار بمعنى القيمة والجدير بالاهتمام. على سبيل المثال، إذا كان شخصان يعتقدان أن المطر سيهطل اليوم، وكان دليل الشخص الأول وجود رطوبة في الطبقات العليا من الأرض، ودليل الشخص الثاني حلول فصل الصيف، فإن اعتقاد الشخص الأول يعتبر موجهًا، واعتقاد الشخص الثاني غير موجه وغير معتبر لعدم وجود دليل. في هذا السياق، يرى الكاتب (بالطبع بالاستفادة والاستنباط من المصادر الأصولية) أن الاستدلال، والحجية، والقطع مرادفات للفظ التوجيه في علم أصول الفقه. لقد قدم منظرو المعرفة الغربيون نظريات في سبيل الوصول إلى التوجيه، كل منها أصبح من بين أهم مسائل نظرية المعرفة المعاصرة. ومن أهم هذه النظريات يمكن الإشارة إلى ما يلي:
1-2. الظاهرية (Externalism)
كما نُقل، يعتقد بعض منظري المعرفة الغربيين أن الإنسان لا يملك وصولًا داخليًا إلى جميع عناصر أو عوامل التوجيه والمعرفة؛ على الأقل بعضها يقع خارجنا وخارج إدراكنا. بناءً على هذا، فإن الظاهرية هي نظرية تحلل التوجيه والاستدلال في كل قضية بناءً على، على الأقل، بعض الخصائص الخارجية للمعتقدات. أي أنها تعتبر توجيه كل معرفة مبنيًا على أدلة كافية ومستمدة من طرق موثوقة مثل الأخبار، والكتب، والأشخاص المتخصصين، والظروف الاجتماعية. هذا النوع من التوجيه ممكن ومتاح في كل مكان ولجميع الناس، مع اختلاف الوعي والمعرفة بسبب اختلاف المواقع والظروف.
2-2. الباطنية (Internalism)
يعتقد بعض منظري المعرفة الغربيين أنه يمكن إيجاد جميع العوامل أو الشروط اللازمة لتوجيه اعتقاد ما، بالحالات الداخلية الموجِّهة، لأنها جميعها من الناحية المعرفية متاحة، ويمكن للإنسان توفير تلك العوامل أو الشروط بشكل داخلي. وكما يتضح من اسمها، فإن موقف «الباطنية» يحصر عوامل التوجيه في أمور تقع داخل شيء ما، وبشكل خاص داخل الفاعل (أي الفرد صاحب المعرفة أو الفقيه). ولكن ليس الأمر بحيث أن كل ما يوجد «داخل» فاعل عارف يمكن أن يكون موجِّهًا لمعرفته. هذه النظرية لا تنظر إلى المدارس التجريبية أو العقلانية، وفي كلا الطيفين تعتبر بعض القضايا الداخلية منشأ ظهور التوجيه. الباطنية في هذا المبحث، تعني نوعًا من الوصول المعرفي الذي يكون الفاعل العارف واعيًا به، أو يمكنه أن يكون واعيًا به. التوفر هنا يعني أن كون المعتقدات موجهة يعتمد فقط على المعتقدات نفسها وخصائصها والحالات الذهنية، ولا يحتاج إلى عامل آخر غير هذه.
3-2. المبنوية (Foundationalism)
نقلاً عن البعض، فإن هذه النظرية، التي أطلق عليها البعض اسم نظرية الابتناء والبعض الآخر اسم الأصولية، لها حاليًا ما يزيد عن عشرة تقريرات، يُذكر في تقريرها الكلاسيكي؛ أنه يجب علينا في سلسلة الأسئلة حول سبب الاعتقاد بتوجيه قضية ما، أن نصل إلى إجابة حتى لا نقع في إشكال الدور أو التسلسل. من هنا، فإن التوجيه له بنية هرمية، وبعض المعتقدات موجهة في نفسها ولا تحتاج إلى أن تكون موجهة بواسطة معتقدات أخرى. يمكن تسمية هذه المعتقدات بالمعتقدات الأساسية أو المعتقدات المبنوية أو المعتقدات غير الاستنتاجية، وفي مقابلها توجد المعتقدات غير الأساسية والمستنتجة التي يجب البحث عن علة وتوجيه معرفتها في إرجاعها إلى المعتقدات الأساسية. هذه القضايا الأساسية والمبنوية هي نفسها القضايا البديهية التي ينتهي إليها في علم المنطق، في استدلال قياسي، رجوع جميع العلوم والقضايا النظرية. إن دليل هذا الاستقلال في المعتقدات الأساسية التي تعد مصدرًا لسائر المعتقدات، هو كونها غير قابلة للخطأ. لأن الخطأ يجد معناه في مكان يكون فيه العلم والمعلوم شيئين مختلفين، وهذا ممكن فقط في العلم الحصولي، ومن الواضح أن التقسيم إلى بديهي ونظري ممكن فقط في العلم الحصولي وليس الحضوري، في حين أن هذه المعتقدات الأساسية والبديهية داخلة في العلم الحضوري، والعلم الحضوري ليس شيئًا سوى الواقع نفسه، والمطابقة وعدم المطابقة فيه لا معنى لهما.
4-2. الانسجامية (Coherentism)
هذه النظرية، التي أطلق عليها البعض اسم تطابق القضايا، لها حاليًا مدافعون أقوياء مثل لورنس بونجور وكيث لرر. تنص هذه النظرية على أن: انسجام وتناغم قضية ما مع سائر قضايا نظام كلي، بمعنى أن هذه القضية مع مجموع قضايا ذلك الكل المنهجي، تستلزم منطقيًا أو على الأقل تكون متوافقة، يؤدي إلى توجيهها. بناءً على هذه النظرية، يُطرح دائمًا بنية مفاهيمية منظمة باسم الكل للوصول إلى كون القضية أو القضية موجهة. من خصائص هذه النظرية، أنها ذات مراتب في التوجيه. بمعنى أنه كلما زاد الانسجام بين أجزاء مجموعة ما، زاد توجيه العضو المفترض، والعكس صحيح، كلما قل الانسجام، ظهرت مراتب من الكذب. لذلك نواجه مسألة تسمى الدرجات في التوجيه، لأنه في نظرية المبنوية لدينا قيمتان، إما أن تكون القضية موجهة أو لا؛ ولكن في نظرية الانسجام، نواجه عدة قيم، ويُعبر عن التوجيه في قضية ما بشكل نسبي. من هنا يدخل منطق الاحتمالات إلى الميدان، وبالتالي تفقد القوانين الرياضية والمنطقية قيمتها، وتصبح لوازمها أيضًا، مثل اليقين، مختلفة عن اليقين في المنطق والفلسفة. لذلك، في نظرية الانسجامية نواجه معيارين أساسيين لتحديد كون القضية موجهة: المعيار الأول (التوافق) بمعنى عدم وجود تناقض بين القضايا. المعيار الثاني (الاستلزام المنطقي) بمعنى علاقة ضرورية وغير قابلة للتخلف بين القضايا. مثل أن (علي رأى أخته أمس) يستلزم أن (علي لديه أخت). هذا الاستلزام يُستخدم في الغالب بمعنيين: أحدهما عندما تنتج قضية من قضية أخرى، والآخر عندما تنتج قضية قضية أخرى. الآن إذا كانت هاتان القضيتان مترابطتين بهذه الطريقة وكانتا منسجمتين؛ فلن تخرجا عن إحدى الحالتين المذكورتين.
3. أنماط من المباحث المعرفية في أصول الفقه
في خضم المباحث الواسعة للكتب الأصولية، هناك عدد من القضايا إما عقلية بالكامل أو تعتمد في إثباتها على قضايا عقلية. بعد الالتزام بأن قلة قليلة تنكر استخدام القضايا العقلية وتختلف فقط في حدود سيطرتها؛ سنحاول في ما يلي حصر أنواع من المباحث التي تتمحور حول العقل والنقل في علم الأصول، ثم نشير إلى الدور المعرفي لكل منها.
1-3. مرجعية القطع
كما طُرح في الكليات، فإن التوجيه المعرفي في علم أصول الفقه ينطبق على اليقين، وكونه موجَّهًا، والاعتبار المعرفي الذي يُتابع عادة في مجالين هما المرجعية الذاتية للقطع والحجية. يبدأ هذا البحث بسؤال: ما هو معيار توجيه القضايا الأصولية؟ علم أصول الفقه، على عكس العلوم الأخرى، لا يحصر المعرفة في القطع. أي أنه من بين العناصر الثلاثة التي تعتبرها نظرية المعرفة معتبرة (الاعتقاد الجازم، الصدق، التوجيه)، لا يشترط الجزم، وهذا يعني أن القضايا غير القطعية مقبولة أيضًا في أصول الفقه. صعوبة البحث تكمن في أننا في أصول الفقه لا نتحدث عن توجيه المعرفة بالمعنى المعرفي والفلسفي؛ بل نتحدث عن توجيه الاعتقاد. لأنه بالأدبيات المنطقية والفلسفية، المعرفة تعني الاعتقاد الجازم، بينما في علم الأصول، لا تصل القضايا دائمًا إلى الجزم، ومراتب مثل الاطمئنان، والظن، والشك، والاحتمال، تحمل أيضًا مراتب من المعرفة. حجية القطع الذاتية وضرورة رجوع كل دليل وقضية إلى القطع، والتي يُعبر عنها بالمرجعية المطلقة للقطع في القضايا والمسائل الأصولية؛ تعني أن الدليل المعتبر إما علم أو علمي. أي أن القضية في الأصول معتبرة إذا كانت القضية نفسها مقطوعًا بها أو مستندة إلى قضية مقطوع بها، ويجب أن تكون حجيتها ثابتة بدليل قطعي؛ مثلاً في حجية الأمارات التي هي أدلة غير قطعية (مثل خبر الثقة)، يجب أن تكون حجيتها ثابتة بدليل قطعي، مثل الإجماع. من كون الدليل نفسه قطعيًا، يُعلم؛ أن أصل مرجعية القطع الذي له وصفان هما الكاشفية والمحركية، هو أصل فائق وبنيوي له اسم الحجية الذاتية للقطع (بمعنى المنجزية والمعذرية – أي الإلزام والعذر). ونتيجة لذلك، إذا كان الدليل مقطوعًا به، فلا يحتاج إلى دليل على حجيته، والعكس صحيح، إذا لم يكن حجة ذاتًا، فإنه يحتاج إلى دليل على حجيته، وهذا الدليل نفسه يجب أن يكون حجة. إذًا، في المرجعية المطلقة للقطع، يوجد مبنى خفي وهو الحجية الذاتية وهو من اليقينيات؛ لأنه في غير اليقينيات لا توجد حجية ذاتية. لذلك، في علم أصول الفقه، ليس اليقين جزءًا من أركان المعرفة الأصولية، وقد خُصص مجال للبحث في الظن والشك وحتى الاحتمال، ولها أحكامها الخاصة. أما أن تكون القضية يقينية، فمعناه أنه في بحث تحليل الاعتقاد، إذا كان من المفترض أن يكون اليقين أحد أركان الاعتقاد في علم الأصول، لكان علينا أن نضع جانبًا جميع القضايا غير اليقينية، وهذه الجملة الثانية التي تقول «أو ينتهي إلى اليقين» لما كان لها معنى؛ لأن معنى هذه الجملة هو أن العديد من القضايا الأصولية ليست يقينيات؛ لذلك لا يمكن وضع هذا في تحليل الاعتقاد ولا يمكن اعتبار اليقين جزءًا من العناصر الضرورية للمعرفة في علم الأصول. ضمن أن كون القطع يقينيًا هو قضية عقلية ومبنوية، فإن توجيه كل قضية أصولية أو علمية به هو توجيه مبنوي. هذا الأصل يظهر أن المرجع ونظرية التوجيه في علم الأصول ليست درجات اعتقاد الفقيه، بل محور التوجيه في علم الأصول هو الحجية. الحجية مفهوم منتشر في كل علم الأصول، وهذه الحجية في القضايا المقطوع بها تُصدق بشكل ذاتي، والعقل والعقلاء يصدقون حجية اليقين؛ وفي المظنونات أيضًا، يؤمنون بحجية الظن عقلاً (والشرع قد أمضاه) أو أن الشارع قد جعل الحجية مباشرة.
2-3. الحجية
للحجة والحجية معانٍ مختلفة في اللغة والمنطق وأصول الفقه. ولكن هنا، الاستخدام المفهومي هو الملاك الأكبر، وفي هذه النظرة، الحجية حكم ظاهري، وبتعبير آخر، هي انتزاع ذهني للشخص وليست حكمًا اعتباريًا شرعيًا. من هنا ينشأ دورها المعرفي وجريانها في بحث حجية الأمارات والظنون، والذي يمكن دراسته من زاويتين:
1-2-3. كيفية الحجية في الأمارات
هذا البحث، الذي يُعتبر مجعولًا في الأمارات ويخضع للنقاش، له تفسيرات متعددة. أحدها أن الحجية بمعنى جعل حكم فعلي شرعي ظاهري بناءً على الأمارة كما هو ظاهر الأصحاب. المعنى الثاني للحجية هو المنجزية والمعذرية، كما صرح به المرحوم الآخوند في جوابه على إشكال المرحوم ابن قبة. هذان التعبيران عن الحجية، بأن يكون دليلٌ حجة يعني أن له قدرة التنجيز والتعذير ويمكنه إلزام المكلف بمضمونه، وفي حال الامتثال، يكون عذرًا للمكلف، يرتبطان تمامًا بالجانب العملي للمكلف ولا علاقة لهما بالمعرفة والواقع. المعنى الثالث للحجية هو جعل العلمية للأمارة، وهو مبنى المرحوم المحقق النائيني. وقد كتب في هذا الصدد: «وأن المجعول فيها ليس إلا الطريقية والحجية والوسطية في الإثبات… وحينئذ يكون حالها حال العلم». إذا اعتُمد هذا المبنى، الذي هو في الحقيقة مسلك الطريقية والعلمية، كمعيار؛ يمكن إيجاد أرضية لتطبيق مبادئ نظرية المعرفة فيه. أي أن حجية الأمارة بمعنى جعل العلمية لطريق ظني، فالحجة بمعنى العلم، مع الفارق أن القطع علم وجداني والأمارة علم تعبدي. وهذا يعني أننا إما اكتسبنا معرفة جديدة أو أن تلك المعرفة الناقصة (الأمارة الظنية) قد وُجِّهت. لذلك، فإن الحجية هي أحد مصادر إنتاج المعرفة في علم الأصول ويمكن أن تكون مبنى في التوجيه المعرفي. بعبارة أخرى، يقول هذا المبنى: اعتبر هذه المعرفة مثل معرفة يقينية جازمة، وأعطها نفس اعتبار اليقين. (مثلما في مسلك الطريقية عندما يجعل الشارع الحجية ويحدد الوظيفة) لذلك، فإن جعل العلمية في مقام النظر يعني الكشف، وله نفس خاصية توجيه المعرفة اليقينية. ويُقال مثل هذا التنزيل في الاستصحاب أيضًا، بهذه الطريقة: الشارع يقول اعتبر مفاد الاستصحاب الذي هو «ما كان» في مقام العمل، علمًا ويقينًا.
2-2-3. مبنى الحجية
نظرًا لتبعية الأحكام للملاكات والمصالح الواقعية، كانت تبعية الظنون والأمارات دائمًا محل نقاش، وقد قُدمت طرق للتخلص من إشكالات مثل تفويت المصالح الواقعية وتحليل الحرام وتحريم الحلال.
أ: (نظرية محورها القطع) تسعى هذه النظرية إلى جعل حجية الأمارات المجعولة والاعتبارية، من خلال تغاضي الشارع عن موارد الخطأ المحتمل وعدم الإصابة بالواقع، شبيهة بالعلم والواقع، وتزيل إشكال عدم الإصابة بابتكار نظريات مثل تتميم الكشف ومصلحة التسهيل. لقد وضع هؤلاء حجر الأساس لحجية الأمارات على أساس حجية القطع واليقين، وادعوا أن الشارع، بعناية خاصة، بصدد جعل هذا النوع من الأدلة يقينيًا، وبنوع ما، اعتبر حجية الأمارات والظنون تابعة لحجية القطع.
من زاوية نظرية المعرفة، هذا النوع من التحليل والتوجيه، بسبب رجوعه إلى القطع وعامل حجيته الذي هو عامل نفسي وفطري؛ هو معرفة باطنية. ومن جهة أخرى، بسبب إرجاع الحجية إلى المرجعية الذاتية للقطع، التي هي قضية أساسية ومبنوية في علم أصول الفقه، فإنه يحمل توجيهًا مبنويًا.
ب: (نظرية محورها العقلاء) هذه النظرية، بالنظر إلى كون حجية الظنون الخاصة عقلائية، وأن سيرة العقلاء هي دليل على اعتبار ظواهر الألفاظ وخبر الواحد وما إلى ذلك، وضعت الأصل على عقلائية الأمارات. فكل دليل يعتبره العقلاء معتبرًا؛ يعتبره الشارع أيضًا معتبرًا، ومن هذا المنطلق، يعتبرون تتميم الكشف وإلغاء احتمال الخلاف والوسطية في الإثبات مجرد عبارات خطابية للأصوليين وفهمهم من سكوت الشارع. تأييدًا لهذا المطلب، ينكر البعض في بحث ماهية وحقيقة المجعول في الأمارات أصل الجعل، ويعتبرون كل ما هو موجود هو عمل العقلاء بموجب الأمارات، ويعتبرون الشارع مؤيدًا. يرى منظرو المعرفة أن هذا النموذج من التوجيه والعثور على حجية قضية ما ينطبق على مبادئ الانسجامية، ويعتبرون كل سلوك من سلوكيات العقلاء كاحتمال، ويعتبرون أن تكثر الاحتمال (بالتقرير الذي سيأتي في وسائل الإثبات الوجداني) يؤدي إلى اليقين. فلا فرق إذن بين أن نعتبر الأمارات نفسها أو الحكم العقلي المسبق لها تابعًا لسيرة العقلاء، فعلى أي حال، الانسجام بين سلوك معظم أفراد المجتمع المبني على العمل بهذه الأمارات والظنون هو دليل على اعتبار وتوجيه معرفة هذه القضايا.
أما العلامة الطباطبائي، فيطرح من زاوية أخرى في بحث القطع قوله: الحجية كأمر غير تكويني، لا يمكن أن تكون ذاتية للقطع والعلم، الذي هو أمر تكويني. لذلك، فإن كون القطع معتبرًا له أيضًا اعتبار عقلائي. ونتيجة لذلك، فإن كون المعرفة معتبرة من قبل العقلاء يلازم بشكل كبير مطابقة الواقع، لأن النوع البشري يرى هذه الإدراكات مطابقة للواقع.
3-3. وسائل الإثبات الوجداني للدليل الشرعي
هذا العنوان من ابتكارات الشهيد الصدر (ره) لتقديم وبحث حجية خبر المتواتر، والإجماع، والسيرة، والشهرة. سبب التسمية بالوجداني هو كفاية الإدراكات الداخلية والحالات التكوينية للنوع الإنساني للوصول إلى اليقين والحجية بواسطة هذه الأدلة. بناءً على رأيه، فإن الاستفادة من ثلاثة مباحث هي الأحكام العقلية، وخصائص الاستقراء، ومبادئ حساب الاحتمالات في الرياضيات، توجب العلم وحجية مفاد هذه الأدلة الأربعة. في المقابل، حكم مشهور الأصوليين والمناطقة بحجية هذا القسم من الأدلة في علم الأصول بمجرد التعدد في جانب الخبر مع كبرى عقلية كلية تجعل التواطؤ على الكذب من قبل هذا العدد من المخبرين مستحيلاً. لكن الشهيد الصدر اعتبر هذه الطريقة ناقصة ويقول: مجرد التعدد في النقول لا يُعلم أنه يصاحبه يقين واطمئنان. ثم يقدم تبيينًا مفصلاً ومبتكرًا. في البداية، ولتكميل نظرية المشهور المقترحة، وضمن تشبيه التواتر بالاستقراء، اعتبر الكبرى الكلية لعدم التواطؤ على الخطأ مبنية على قضية يقينية وبديهية «الاتفاق لا يكون دائميًا ولا أكثريًا»، ويوضح أن هذه القضية يمكن أن تُعتبر قضية يقينية وأساسية لتبيين كبرى عدم التواطؤ. وبما أن تكرار الواقعة أو الخبر يحتاج إلى علة يمكن دائمًا إسنادها إلى المخبر والراوي لتوجيه كل خطأ واشتباه، وهذه العلة لا توجد دائمًا مع تكرار الخطأ، فالتواطؤ مستحيل أن يحدث. بناءً على تبيين مشهور الأصوليين، فإن هذا العدد من الأدلة التي لها خاصية التجمع، تستند إلى قاعدة عقلية بديهية، وكما اتضح، فإن طريقة توجيههم المعرفي هي أيضًا طريقة مبنوية بسبب رجوع الحجية في هذه الأدلة إلى قضايا أساسية وبديهية. أما في تتمة البحث، فيقدم الشهيد الصدر، في تبيين مبتكر، عملية الحجية والتوجيه في هذه الأدلة على أساس تراكم الاحتمالات (نقل خبر من قبل عدد كبير من الرواة والناقلين)، حيث يزداد احتمال تحقق مفاد ذلك الخبر أو الفتوى أو السلوك تدريجيًا مع كثرة الأخبار والنقول، إلى درجة يميل معها الاحتمال المخالف إلى الصفر، وتنشأ معرفة يقينية للشخص. هذه هي نفس الطريقة التي يتوسل بها لإثبات اليقين في الاستقراء. مع هذا التوضيح، أنه على عكس منطق أرسطو الذي اعتبر الاستقراء بإرجاعه إلى القياس داخل نظام ذي قيمتين، يقترح الشهيد الصدر، بطرح مسألة الاحتمال، نظامًا ذا ثلاث أو عدة قيم. مع الفارق أننا في الاستقراء نسعى إلى تعميم حكم جزئي إلى كلي. أما في تراكم الاحتمال والظن، فلا يوجد مثل هذا التعميم. تبيين هذه الفكرة هو أنه عند مواجهة نقل خبر أو شهادة أو إخبار من شخص واحد فقط في موضوع ما، تظهر هذه الأسئلة:
أ) ما هو الفرق في درجة الاعتقاد ونوع إذعان الفقيه لمثل هذا الخبر مقارنة بالوقت الذي يواجه فيه عددًا أكبر بكثير من النقول والأخبار؟
ب) من أين يبدأ هذا التفاوت والاختلاف في الحالات الداخلية للفقيه وأين ينتهي؟ هل تنتهي هذه الحالات إلى اليقين؟
وللإجابة على هذه الأسئلة وتحليل الحالات الداخلية للفقيه في مواجهة الخبر والنقل، يقترح الشهيد الصدر استخدام طريقة (آلية) الوصول إلى اليقين في حساب الاحتمالات الرياضية ويدرسها. في هذه الطريقة، كلما زاد عدد المخبرين (المبررات الموضوعية)، كان له تأثير مختلف على الفقيه وزادت درجة صدق الخبر. من الواضح للمخاطبين المثقفين أنه مع تكثر الأخبار وعدد المخبرين، يقل احتمال الخطأ والكذب في نقل الخبر تدريجيًا ويميل إلى الصفر، ويزداد احتمال الصدق والمطابقة مع الواقع، ومن هنا يولد اليقين. يبدو أن الشهيد الصدر، وإن لم ينكر الحاجة إلى قضايا مبنوية وبديهية لإضفاء الحجية والتوجيه في وسائل الإثبات الوجداني للدليل الشرعي، إلا أن التفسير الذي يقدمه ينطبق على الانسجامية. وبهذه الطريقة، فإن كل خبر وفتوى وسلوك، كاحتمال، يحمل عبئًا من قيمة المعرفة، وانسجام القيم في الخارج أو في ذهن الفقيه، يخلق احتمالًا كبيرًا لا يمكن تكذيبه واعتقادًا يقينيًا. لفهم نظرية الشهيد الصدر بشكل كامل، وبالنظر إلى تشابه عملية الحجية والطريقة المعرفية في وسائل الإثبات الوجداني للدليل الشرعي، يجب المرور بعدة مباحث تمهيدية مثل بحث تفسير اليقين، ومعنى التوالد الذاتي، وتفسير الاحتمال، وكيفية عمل الاستقراء، للوصول إلى مقصده، وهذا خارج عن نطاق المقال الحالي وهدفه.
4-3. وسائل الإثبات التعبدي
هذا العنوان، الذي يُعتبر من ابتكارات الشهيد الصدر (ره)، يتناول بحث شروط حجية خبر الواحد. بعيدًا عن المواضيع التي تُطرح في هذا المبحث مثل أدلة النفي والإثبات وتحديد دائرة الحجية، فإن ما هو واضح في خطاب الأصوليين هو أن خبر الواحد الثقة أو العادل، بطبيعته، لا يُنشئ قطعًا بصدور حكم شرعي من الإمام المعصوم، وفقط أمر الشارع هو الذي أدى إلى التعبد به، وأهم دليل يقدمه مشهور الأصوليين لإثبات الحجية وأمر الشارع هو سيرة المسلمين وبناء العقلاء (بملاك خلق الثقة في نقل هؤلاء الأفراد). أما منظرو المعرفة، بتسمية هذا المبحث بالشهادة أو الدليل النقلي، فينظرون إليه من عدة جوانب:
أ) كون الشهادة مصدرًا؛ يتحدث منظرو المعرفة، مثل الأصوليين، عند تعداد مصادر الأحكام والمدارك الشرعية، عن مصادر إنتاج المعرفة والشناخت، وإلى جانب مصادر المعرفة التي هي العقل، والذاكرة، والإدراك الحسي، والشهود، يضيفون الشهادة أيضًا كمصدر لتوليد معرفة وشناخت جديدة. وهذا يعني أن قدرًا كبيرًا من معارف الإنسان يُتلقى أو يُوجَّه بواسطة الشهادة.
ب) كون الشهادة ناقلة أم منتجة؛ في هذا الصدد، يُتابع عادةً نظرتان: أن نعتبر الشهادة مجرد ناقل للمعرفة، أم أن لها أيضًا دورًا توجيهيًا وحجية للحكم والمعرفة؟ يُستفاد من كليات كلمات الأصوليين أنهم لم ينسبوا دورًا إنتاجيًا للشهادة والأخبار، واعتبروها مجرد ناقل للحكم، وطريقًا لإثبات صدور الحكم الشرعي إلى جانب آيات القرآن وخبر المتواتر… إلخ. وهذا ما يقوله منظرو المعرفة عن الشهادة والذاكرة، ويقولون: الذاكرة كأحد مصادر المعرفة هي مجرد حافظ لها وليست منتجة، والشهادة أيضًا يجب أن تعتمد على مصدر مستقل مثل الإدراكات الحسية.
ج) التوجيه في الشهادة؛ هو إجابة على هذا السؤال: هل المعرفة الحاصلة من الشهادة والدليل النقلي هي معرفة موجهة؟ ما هو الدليل على أن قبول أخبار شخص ما، من وجهة نظر أصول نظرية المعرفة، هو قبول موجه وليس سذاجة؟ بشكل عام، يوجد منهجان في هذا المجال، حيث يعتبر «الردّيون» (deliveryists) الخبر الذي يكون مصحوبًا بدليل مؤيد وإثباتي موجهًا، ويعتبر «غير الردّيين» الميل الطبيعي للإنسان لقبول الخبر وعدم وجود قرينة على الخلاف كافيًا لتوجيه وحجية الأخبار. منظرو المعرفة الغربيون، بطرح نظريات مثل الاعتمادية، والوثوقية، والمعرفة الاجتماعية، التي تُعتبر نظريات ظاهرية، يحاولون إثبات هذه المسألة بأن قبول الشهادة وخبر الواحد، بهذه الحلول، له القدرة على الظهور كحجة، وهو نفسه معرفة موجهة.
5-3. العلم الإجمالي
لهذا المبحث زوايا مختلفة للبحث والدراسة، ولكن ما يتعلق بموضوع هذا التحقيق أكثر، يُتابع في ناحيتين:
أ) في ناحية الفهم المفهومي؛ عرّف البعض العلم الإجمالي بأنه «العلم بالجامع، مع الشك والاحتمالات بعدد أطراف ذلك العلم»، وعرّفه آخرون بأنه «العلم بوجود جامع ضمن أطراف وأفراد متعددة، مع الجهل بالطرف الذي تحقق فيه الجامع». بناءً على نقل المرحوم الحائري، فإن ما يُستفاد من كلام المرحوم المحقق الخراساني هو أن العلم الإجمالي في رأيه عبارة عن العلم بالفرد المردد، مثل أن يعلم أن أحد هذين الإناءين خمر. والمبنى الثاني الذي هو مختار المرحوم المحقق الأصفهاني والمرحوم النائيني هو أن العلم الإجمالي، على عكس العلم التفصيلي، يتعلق بالجامع، فالتفاوت بين هذا العلم التفصيلي والعلم الإجمالي هو من ناحية المعلوم بالعلم الإجمالي (بمعنى أن الإجمال في متعلق العلم، والإجمال في تركيب العلم الإجمالي صفة لحال المتعلق الموصوف)، وبهذا يُعلم أنه لا فرق بينهما من حيث العلم. والمبنى الثالث الذي ذكره المرحوم المحقق العراقي هو أن تفاوت العلم الإجمالي والتفصيلي هو في كيفية تعلق العلم. ففي العلم الإجمالي، الحكم محدد ولكن الموضوع والمتعلق مردد بين شيئين أو عدة أشياء. على عكس العلم التفصيلي الذي يكون كلاهما محددًا. بالنظر إلى ما قُدم من بيان للعلم الإجمالي والفرق بينه وبين العلم التفصيلي، فإن العلم الإجمالي بالتأكيد هو نوع من المعرفة، ومن هذا المنظور، فإن إدراكه لا يعتمد على معلومات خارجة عن الفاعل العارف (المكلف أو الفقيه).
ب) في ناحية تنجيز العلم الإجمالي للتكليف؛ إذا، مثل المحقق النائيني (بناءً على تقرير أجود التقريرات)، فسرنا التنجيز على أساس قاعدة قبح العقاب بلا بيان، أو مثل المحقق العراقي، لم نعتبر التنجيز ساريًا إلى الأفراد والاحتمالات، فإن العلم الإجمالي لا يكون منجزًا للتكليف، والموافقة القطعية بصورة إتيان جميع الأطراف والاحتمالات ليست لازمة. وهذا يمكن أن يكون على أساس استلزام البدعة بناءً على رأي المحقق القمي أو عدم إمكان قصد القربة بالنسبة للواجب الواقعي، ونتيجة لذلك، فإن العمل بأطراف العلم الإجمالي لن يكون ممكنًا ومنجزًا، وبالتالي لن يكون مجزيًا. أما إذا، مثل الشهيد الصدر وآخرين، قلنا بتمامية قاعدة حق الطاعة، فإن العلم الإجمالي يكون منجزًا، والموافقة القطعية بإتيان جميع الأطراف والاحتمالات تكون لازمة. هاتان النظرتان لا تشكان في تنجيز الجامع، والاختلاف هو على تحقق ذلك والمعلوم الخارجي. بما أن بعض الأصوليين لم يعطوا مكانة لأطراف واحتمالات العلم بالجامع، فقد قرروا إرجاع حل منجزية العلم الإجمالي على أساس قاعدة قبح العقاب العقلية، واعتبروا العلم التفصيلي فقط منجزًا. نتيجة لذلك، فإن الانكشاف يكون فقط في حد الجامع، ويتجاهلون الاحتمالات لكونها ليست بيانًا وعلمًا. أما في المقابل، فإن الشهيد الصدر وآخرين مثل المحقق الداماد وآية الله مكارم الشيرازي، بأنواع من نظرية الانسجامية، يعتبرون كل احتمال وطرف في العلم بالجامع محققًا للجامع، ويعتبرون كل احتمال منجزًا. ويبدو أنهم يعتبرون الاحتمالات في انسجام غير منقطع، مرتبة من الجامع ومكونة له، ويقولون في هذا الصدد: «منظورنا من تعلق العلم بالجامع ليس الجامع الحقيقي، واستخدام كلمة الجامع هو فقط للترميز لشمولية جميع أفراده، والموافقة القطعية تتحقق بأي مقدار من الجامع – لا كله – بإتيان أحد الأفراد». لذلك، فإن دليل وتوجيه المعرفة لمنجزية الاحتمال في العلم الإجمالي هو انسجام يتشكل في ذهن واعتقاد الفقيه (بناءً على مسلك حق الطاعة أو أي مسلك آخر) حول الاحتمالات المتعددة، ويؤدي إلى حجية الاحتمالات في حق المكلف. هذا التقرير، من هذا المنظور، له صلة بنظرية الانسجاميين، بأنه على الرغم من أن اعتبار وحجية العلم الإجمالي يتشكل في القواعد الفوقية مثل حق الطاعة، إلا أن الانسجام بين الاحتمالات المتعددة يخلق أرضية فكرية لاعتقاد الفقيه تجبره على تنجيز جميع الاحتمالات لإدراك الجامع، لأنه بناءً على نظرية الانسجامية، فإن المعرفة تتشكل فقط بوضع الاحتمالات المتعددة جنبًا إلى جنب تحت مظلة نظام كلي منظم.
6-3. الشبهة المحصورة وغير المحصورة
في تتمة بحث العلم الإجمالي، يتناول الأصوليون عادة بحث الشبهة المحصورة وغير المحصورة. وقد قدموا تعريفات لهاتين الشبهتين، منها: «إذا كانت درجة الاحتمال في أطراف العلم الإجمالي صغيرة وضعيفة لدرجة أنها لا تؤدي إلى الباعثية والمحركية، فهي شبهة غير محصورة، وإذا كانت درجة احتمال التكليف قوية لدرجة أن باعثيتها محفوظة – أي أن أطراف الشبهة ليست كثيرة جدًا – فهي شبهة محصورة». أو «إذا كانت أطراف الشبهة كثيرة جدًا لدرجة أنها تخرج عن محل ابتلاء المكلف أو أن التكليف بها يوجب العسر والحرج أو أن التكليف بها يوجب اختلال النظام، فهي شبهة غير محصورة». لا ينجز الأصوليون التكليف في أطراف الشبهة غير المحصورة (لذلك لا يلزمون بالاحتياط)، ويعللون ذلك أحيانًا بالخروج عن محل ابتلاء المكلف أو اختلال الأنظمة الاجتماعية أو لزوم العسر والحرج. من وجهة نظر نظرية المعرفة، فإن الخوض في هذا البحث، من حيث أن الشبهة موضوع لجريان حكم استنباطي ولا جانب معرفي لها، لا طائل من ورائه، ولكن من منظور أن علة توجيه وعدم حجية العلم الإجمالي في أطراف هذه الشبهة ما هي، يمكن أن يكون محل بحث. هذا البحث من حيث أنه يُطرح في تتمة بحث العلم الإجمالي، له تطبيق انسجامي. بهذه الطريقة، فإن الفقيه في مواجهة كل طرف من أطراف الشبهة، يتشكل في نفسه واعتقاده احتمال، وأساسًا الانسجام بين أطراف الشبهة يسبب عدم تنجز التكليف، لأن كل طرف من أطراف الشبهة في نفس الفقيه له مرتبة من امتثال الواقع، وهو مانع من خروج الفقيه عن العمل بطرف واحد.
7-3. الانسداد
في مجال استكشاف المصادر، فإن البعض مثل المحقق القمي، بطرح نظرية الانسداد، يعتبرون طرق الوصول إلى المعرفة في استنباط الحكم الشرعي مغلقة، ويقولون بحجية مطلق الظن. يقولون إنه ليس لدينا طريق للعلم والعلمي بالأحكام حتى نتمسك به. لذلك، بما أن الشارع لا يرضى بتفويت الأحكام الإلزامية، فقد وضع مسارًا للوصول والعمل بالأحكام. هذه المسارات، سواء بناءً على مسلك الكشف (حكم الشارع بحجية الظن) أو الحكومة (حكم العقل بحجية الظن)، نتيجتها حجية مطلق الظنون. الفرض المسبق للانسداد هو انغلاق طريق العلم والعلمي، بمعنى أنه لو كان طريق العلم والعلمي مفتوحًا لما أدى إلى الانسداد. هؤلاء ينكرون حجية القطع وحجية الدليل المنتهي إلى القطع؛ ولكنهم يقولون إنه لا يوجد لدينا مثل هذا الدليل. إذًا، يجب القول إن الانسداديين لم يعدلوا بشكل أساسي عن نظرية التوجيه ولم ينكروها؛ إلا أنهم يواجهون إشكالات في تحصيلها في بعض القضايا الأصولية. بعبارة أخرى، وسّع الانسداديون نظرية الحجية. أي أنهم أضافوا نظرية ثالثة إلى كون القضية الموجهة في علم الأصول يجب أن تكون قطعية أو منتهية إلى القطع، ويقولون إن الظن أيضًا له درجات من التوجيه (وإن لم ينته إلى القطع). بناءً على هذا، يُطرح هنا هذا السؤال: ما معنى هذا التوسع؟ بناءً على نظرية الكشف، فإن الحجة الشرعية للظن ثابتة. وبهذا الحساب، فإن حجية مطلق الظن ومبنى الانسداد جزء من نفس الحجة العرضية، أي الدليل المنتهي إلى القطع، وبناءً على الحكومة، بما أنهم قالوا بحجية الظن العقلية التي هي نفسها قطعية، فإن العقل حكم بأن الظن حجة. وبهذا الحساب، يبدو أن نظرية التوجيه في مبنى المشهور لم تتغير، وفي سبيل تعزيز المبنوية، صُنعت قضية مبنوية أخرى، في عرض مرجعية القطع ونظرية الحجية.
الاستنتاج
بناءً على الدراسات التي أُجريت في تبيين آراء الأصوليين والتطبيق الذي تم مع فكر منظري المعرفة الغربيين، تم التوصل إلى النتائج التالية:
1- للرؤية الباطنية والظاهرية تبيينات كثيرة، ولكن مع ذلك، لم يكن أي منها واضحًا، وهذا النقص في تقديم تعريف جامع ومانع قد أوجد مشاكل للتطبيقات. أما في المبنوية والانسجامية، فالتبيينات واضحة وشفافة، ولهذا السبب، كان المحور في هذا التحقيق هو هذان المبدآن.
2- الموقف المعرفي للأصوليين في معظم مباحث علم أصول الفقه يميل إلى نظرية المبنوية. فهؤلاء، بتعيين وتعريف قضايا أساسية ومبنوية، مثل المرجعية الذاتية للقطع، ونظرية الحجية، والانسداد، التي أُثبتت بحاكمية العقل، يسعون إلى توجيه وإرجاع سائر القضايا والمسائل الأصولية إليها.
3- في خضم هيمنة المبنوية في فكر الأصوليين، يبدو أن الأدلة التي لها في علم أصول الفقه خاصية التجمع وتتشكل من تجميع عدة قضايا، مثل خبر المتواتر، والإجماع، والسيرة، والشهرة، وكذلك العلم الإجمالي والشبهة المحصورة، لها توجيه انسجامي. لأن عامل توجه الفقيه إلى هذه الأدلة وأنه لا يمكنه التخلي عن هذه المعرفة التجميعية (مثل حكم الفقيه بحجية الإجماع)، هو قوة الانسجام والتقارب بين الاحتمالات المتكثرة، وفي النهاية، يخلق اعتقادًا في الفقيه تكون مخالفته مكلفة.
4- في بحث مصادر المعرفة، نظر منظرو المعرفة والأصوليون كلاهما من زاوية إلى «الخبر»، وقد تناول الأصوليون بطرح بحث خبر الواحد ومنظرو المعرفة ببحث الدليل النقلي والشهادة، دراسة وتحقيق كون المعرفة مصدرًا أو ناقلًا بواسطة ذلك.
على الرغم من أن مباحث نظرية المعرفة تُعتبر لدى البعض حديثة وجديدة، وأن البحث عن منهجي المبنوية والانسجامية في القضايا المعرفية حديث أيضًا ونُسب إلى علماء الغرب، إلا أن تحليل هذا البحث أظهر أن جذورًا مهمة من هذا البحث كانت محل اهتمام علماء الأصول منذ سنوات طويلة وهي من ابتكاراتهم، والتي نُسبت خطأً إما بسبب الغرب-محورية أو عدم الدقة في التراث العلمي، إلى ابتكارات علماء الغرب.
الهوامش
۱. مثال على هذا الفكر يظهر في بحث موضوع علم الأصول، حيث يرى أصوليون مثل المرحوم المظفر أو الشهيد الصدر أن علم الأصول ليس له موضوع خاص، وأن كل قضية وعنصر يمكن أن يساعد في استنباط الحكم الشرعي يُعتبر داخلًا في موضوع علم أصول الفقه (المظفر، ١٣٨٠، ج١، ص٢١؛ الشهيد الصدر، ١٤٠٠، ج١، ص٤٦).
المصادر والمراجع
۱. الآخوند الخراساني، محمد كاظم (١٤٠٩هـ). كفاية الأصول. قم: مؤسسة آل البيت.
۲. الأصفهاني، محمد حسين (١٤٢٩هـ). نهاية الدراية في شرح الكفاية. بيروت: مؤسسة آل البيت.
۳. الإمام الخميني، السيد روح الله (١٤١٥هـ). أنوار الهداية على الكفاية في التعليقة على الكفاية. طهران: مؤسسة نشر آثار الإمام الخميني (ره).
٤. البحراني، محمد صنقور علي (١٤٢٦هـ). المعجم الأصولي. قم: نشر عترت.
٥. الحائري اليزدي، الشيخ عبد الكريم (١٤١٨هـ). درر الفوائد (طبعة جديدة). قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
٦. الحائري، السيد كاظم (١٤٢٦هـ). مباحث الأصول (تقريرات درس الشهيد الصدر). قم: دار البشير.
۷. حسين زاده، محمد (١٣٨٢ش). بحث تطبيقي في نظرية المعرفة المعاصرة. قم: مؤسسة الإمام الخميني (ره) التعليمية.
۸. حسين زاده، محمد (١٣٩٧ش). بحث شامل في أعماق نظرية المعرفة. قم: منشورات حكمة إسلامي.
٩. الحكيم، عبد الصاحب (١٤١٦هـ). منتقى الأصول (تقريرًا لأبحاث آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الروحاني). قم: مطبعة الهادي.
۱۰. خان أفضل، جمعة (١٣٨٧ش). المنهج الاستقرائي من منظور تطبيقي، معرفة فلسفية.
۱۱. الخميني، السيد روح الله (١٣٨٢ش). تهذيب الأصول. قم: دار الفكر.
۱۲. الخميني، السيد مصطفى (١٣٧٦ش). تحريرات في الأصول. طهران: مؤسسة نشر آثار الإمام الخميني (ره).
۱۳. شمس، منصور (١٣٨٤ش). مدخل إلى نظرية المعرفة. طهران: منشورات طرح نو.
١٤. الصدر، محمد باقر (١٤١٧هـ). تقريرات هاشمي شاهرودي، السيد محمود، بحوث في علم الأصول. قم: مؤسسة دائرة المعارف للفقه الإسلامي على مذهب أهل البيت.
١٥. الصدر، السيد محمد باقر (١٤١٢هـ). المرسل الرسول الرسالة. بيروت: دار التعارف.
١٦. الصدر، السيد محمد باقر (١٤١٧هـ). بحوث في علم الأصول. بيروت: الدار الإسلامية.
۱۷. الصدر، السيد محمد باقر (١٤١٩هـ). دروس في علم الأصول، الحلقة الثانية. قم: مجمع الفكر الإسلامي.
۱۸. الطباطبائي، السيد محمد حسين (د.ت). حاشية الكفاية. قم: بنياد علمي وفكري علامة طباطبائي.
١٩. العراقي، ضياء الدين (١٤١٧هـ). نهاية الأفكار. قم: دفتر نشر إسلامي.
۲۰. عمراني، سلمان (١٤٠١هـ). پژوهشنامه حقوق إسلامي. شماره ٣، شماره پیاپی: ٥٧.
۲۱. فتحي زاده، مرتضى (١٣٨٠ش). نظرة إلى مسألة الباطنية والظاهرية في نظرية المعرفة المعاصرة، فصلنامه پژوهشهاي فلسفي، شماره ٨.
۲۲. فعالي، محمد تقي (١٣٧٣ش). العلم الحضوري والعلم الحصولي، نشرية معرفت، شماره ٢.
۲۳. فيومرتن، ريتشارد (١٣٩٠ش). نظرية المعرفة. طهران: حكمة.
٢٤. القطيفي، سيد منير (١٤١٤هـ). الرافد في علم الأصول. قم: ليتوغرافي حميد.
٢٥. القمي، ميرزا أبو القاسم (١٤٣٠هـ). قوانين المحكمة في الأصول. قم: إحياء الكتب الإسلامية.
٢٦. الكاظمي الخراساني، محمد علي (١٣٧٦ش). فوائد الأصول (تقريرات درس المحقق النائيني). قم: مؤسسة نشر إسلامي.
۲۷. گلشني منفرد، فائزة (١٣٩٦ش). دراسة تحليلية لتوجيه الباطنية والظاهرية في نظرية المعرفة لسوينبرن، فصلنامه ذهن، شماره ٧١.
۲۸. لاريجاني، صادق (١٣٨١ش). الفلسفة التحليلية وعلم الأصول، پژوهشهاي أصولي، شماره ٢.
۲۹. لاريجاني، صادق (١٣٩٤ش). فلسفة علم الأصول (علم الأصول ونظرية الاعتبار). قم: انتشارات ولي عصر.
۳۰. المحقق الداماد، السيد محمد (١٣٨٢ش). أصفهان: المحاضرات.
۳۱. محمدي، عبد الله (١٣٩٥ش). القيمة المعرفية للدليل النقلي. قم: مؤسسة إمام خميني (ره).
۳۲. المظفر، محمد رضا (١٣٨٠ش). أصول الفقه. قم: دفتر تبليغات إسلامي.
۳۳. مكارم الشيرازي، ناصر (١٤٢٨هـ). أنوار الأصول. قم: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب (ع).
٣٤. مهدوي فر، محمدرضا؛ سجادية، نرگس (١٣٩٤ش). البنية المعرفية لفلسفات التعليم والتربية الإسلامية: مبنوية أم انسجامية، فصلنامه تعليم وتربيت، شماره ٣، پیاپی، ١٢٣.
٣٥. النائيني، محمد حسين (١٣٧٦ش). فوائد الأصول. قم: جامعة مدرسين حوزه علميه قم.