حجية القضايا الإرشادية في استنباط الحكم الشرعي في فقه التربية

ملخص

موضوع هذه المقالة هو دراسة مكانة القضايا الإرشادية في استنباط الأحكام الشرعية في فقه التربية، وهو موضوع لم يتم تناوله بشكل كامل ومستقل في علم الأصول. والمقصود بالقضايا الإرشادية هي التعاليم الصادرة من مقام نُصح المولى لمصالح الأفراد، والتي لا تكون مصحوبة بالبعث في نظر الفقهاء المعروفين، ولا يترتب عليها ثواب وعقاب، ومن ثم لا تُعدّ دليلاً لاستنباط الحكم الشرعي في رأي المشهور. من جهة أخرى، إن العديد من قضايا التربية الدينية تحمل المعايير المذكورة ويجب أن تخرج من دائرة الاستنباط الشرعي للدين، مما يواجه استنباط فقه التربية الإسلامي بمشكلة كبيرة. هذا البحث، بالإضافة إلى تعريف المفكرين المخالفين لرأي المشهور، يتناول نقد الأدلة العقلية لنظر المشهور. إن استحالة وجود حكم شرعي ذاتاً في الخطاب الإرشادي، والمحاذير العقلية كاللغوية والتسلسل، وخروج المباحث الدنيوية ومنطقة الفراغ عن دائرة الدين، وعدم تناسب الحكم الشرعي مع مقام النصح والإرشاد، هي من بين الأدلة التي تم نقدها. وعليه، فإنه على الرغم من عدم وجود حكم شرعي في جميع القضايا الإرشادية، إلا أنه بمقتضى الأصل الأولي، يمكن الجمع بين شأن المولى الإرشادي وشأنه التشريعي، وتكون القضية الإرشادية، بالإضافة إلى الإرشاد، كاشفة عن الحكم الشرعي، ويمكن أن تُعتبر مصدراً لاستنباط الحكم الشرعي في فقه التربية.

مقدمة

لا يتعامل أكثر الفقهاء في استنباط الأحكام الفقهية مع القضايا الدينية بطريقة موحدة؛ فبعضهم يعتبر بعض القضايا خارجة عن دائرة الدين؛ مثل الأخبار التي تحكي عن الميول الشخصية للمعصومين عليهم السلام في نوع الملبس والمأكل وأمثال هذه الأمور التي قد يكون لكل معصوم ذوقه الخاص فيها. هذه السنن الصادرة عن المعصومين عليهم السلام، لا تُعتبر ذات منشأ ديني؛ بل تُفهم على أنها أمور غريزية وطبيعية. (الشهيد الأول، ١٤٠٠هـ ق، ج١، ص ٢١١؛ الشهيد الثاني، ١٤١٦هـ ق، ص٢٣٦) وفي هذا السياق، يرى البعض أن بعض المباحث العقلية التي أدركها الشارع تقع خارج نطاق الشريعة. (الشيخ الطوسي، ١٤١٧هـ ق، ج٢، ص ٥٧٤) وهناك فئة أخرى من القضايا، على الرغم من كونها ذات منشأ ديني، إلا أن مضمونها لا يُعبر عن الدين؛ مثل الأوامر التي صدرت من الإمام كوسيط في الخير، كرواية بريرة التي أوصى فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم كشافع للزوج بالبقاء في علاقة الزوجية. (المحدث النوري، ١٤٠٨هـ ق، ج ١٥، ص ٣٢) وهناك فئة أخرى قد تكون ضمن دائرة الدين ولكنها خارجة عن الشريعة والقوانين؛ مثل الخطابات الصادرة لمصالح وأمور دنيوية، ككيفية تحقيق حياة أكثر راحة وأمانًا ورزقًا أوفر وصحة أفضل. (راجع: كاشف الغطاء، د.ت، ص ٤٢٦) في كثير من الحالات، يقدم الفقهاء توصيات الدين كقضايا أخلاقية خالية من الأثر الفقهي والأحكام التكليفية (راجع: نفس المصدر، ج ٣٢، ص ٢٧٨). كما اعتبروا العديد من التوصيات الواردة الأخرى فاقدة للثواب والعقاب، وبهذا السبب أخرجوها من دائرة الأحكام التكليفية الشرعية والفقه. (راجع: الميرزا الشيرازي، ١٤٠٩ق، ج ٣، ص ٣٦٧؛ المحقق الرشتي، د.ت، ص ٢٦٥؛ آية الله البروجردي، ١٤٢٦ق، ج ٣، ص ٩١؛ الإمام الخميني، ١٤٢٢ق، ص ٣٤١؛ البجنوردي، د.ت، ج ١، ص ١٨٣)

العديد من القضايا التربوية في المصادر الدينية، والتي تتميز بتنوعها وسعة نطاقها، تتبع ضوابط الأوامر الإرشادية. بعض هذه القضايا وصفية، تتعلق بمعرفة الإنسان، ونقاط قوته، ونقاط ضعفه، وتحدياته، وتهديداته، وقدراته، واستعداداته، والفرص التي ترافق الإنسان في مسيرته نحو الكمال. وهناك العديد من القضايا التي تتعلق بالعلم والتعليم؛ مثل وصف العلم، وكيفية ومراحل نقله وتعلمه (الكليني؛ ١٤٠٧ق، ج ١، ص ٤٨)، وتثبيت العلم (المجلسي، ١٤١٠ق، ج ٧٥، ص ١٠١)، وأنواع طالبي العلم، والخصائص النفسية والاجتماعية والبيئية المتعلقة بالدرس (الكليني، ١٤٠٧ق، ج ١، ص٤٩)، وطريقة التدريس وغيرها. في بعض الروايات، بالإضافة إلى رسم أبعاد التربية الإنسانية (الصدوق، ١٣٨٥ش، ج ١، ص ٤)، ومراحلها وأساليبها (الكليني، ١٤٠٧ق، ج٦، ص ٤٦ و ٤٧)، ورد الحديث عن العوامل والموانع في كل بعد تربوي ووظائف الفاعلين، وهي تشمل الأمور الدنيوية والأخروية، ومصالح الفرد ومصالح النوع البشري، وفي بعض الحالات لا يترتب عليها ثواب وعقاب؛ مثل مسائل التربية البدنية (الكليني، ١٤٠٧ق، ج ٦، ص ٥٣). بعض النماذج المذكورة أعلاه هي من نوع الأمور التجويزية التي يجب على الفقه أن يحدد فيها وجهة نظر الشارع في إطار الأحكام الخمسة؛ مثل التوصيات المتعلقة بالملبس والمأكل، ونوع السلوك الاجتماعي، ونوع التدريس والتعلم.

وهناك أنواع أخرى وصفية ذُكرت بدافع التوصية؛ مثل بعض القضايا التي تذكر أمورًا تزيل قوة العقل (الكليني، ١٤٠٧ق، ج ٥، ص ١٤٨) أو تقوي العقل (الليثي، ١٣٧٦ش، ص ٥٢). وبعض التوصيفات تقع أيضًا في نطاق الأحكام الوضعية؛ مثل تحديد بعض المراحل، والعوامل، والمتولين، وأولياء التربية، وهو ما يشبه بحث الملكية والطهارة في بيان حالة شيء ما.

إذا اعتُبر فقه التربية جزءًا من الفقه المصطلح، فإنه يواجه تحديًا فيما يتعلق بالقضايا التجويزية أو الوضعية؛ لأن هذه القضايا في كثير من الحالات تحمل خصائص القضايا الإرشادية. وإذا كان فقه التربية داخلًا في نطاق التربية، فإن هذا التحدي سيتسع ليشمل فقه التربية بشكل أوسع، وسيواجه انكماشًا أكبر في تبيين الهياكل والأنظمة التنفيذية التربوية. وحيث إن العديد من مسائل علم فقه التربية تتعلق بالأمور الدنيوية، والقضايا الأخلاقية، وأساليب إيجاد وإصلاح السلوك والخصال النفسية والجسمانية، وتحقيق المصالح الفردية والاجتماعية للبشر وما شابه ذلك؛ فإن كون هذه القضايا إرشادية يمكن أن يخلق تحديًا جديًا في الاستنباط المنهجي. إذا كانت القضايا الإرشادية لا تحمل حكمًا شرعيًا؛ فلن يتم الرجوع إليها في الدراسات الفقهية، وستُفقد العديد من المصادر من يد الفقيه. وإذا كانت مصحوبة بحكم شرعي، فيجب في هذه الحالة أن تؤخذ في الاعتبار إلى جانب أدلة الاستنباط الأخرى، وتصبح الموضوعات التربوية مشحونة بالمصادر الدينية. في الآثار الفقهية، وبسبب عدم التنقيح الكافي لهذا الموضوع، يُجمع أحيانًا بين الحكم الشرعي والإرشادي. وأحيانًا، يُعتبر التلازم بين الإرشاد والحكم الشرعي محالًا، وأحيانًا تُعتبر القضية الإرشادية جزءًا من الأخلاق أو الآداب وتُخرج من دائرة الشريعة. بناءً على ذلك، من الضروري، من أجل ضبط فاعلية القضايا الإرشادية، تقديم إطار لقدرة هذه القضايا في فقه التربية. وعليه، يجب على الفقيه التربوي أن يحدد ويُوضح الإمكانيات الموجودة في القضايا الإرشادية لاستنباط الأحكام التكليفية، والأحكام الوضعية، والمبادئ التربوية لهاتين الفئتين من الأحكام، وأن يبين إلى أي مدى يمكن الاستناد إلى القضايا الإرشادية كمصدر معتبر في استنباط السلوكيات، والهياكل، والعوامل، والمراحل، والأساليب التربوية.

على الرغم من أن البعض يرى أن بداية استخدام مصطلح ‘الإرشادي’ تعود إلى زمن الشيخ الأنصاري؛ (فرحزادي، ١٣٧٩ش) إلا أن أولى استخداماته النادرة تعود إلى زمن السيد المرتضى. (السيد المرتضى، ١٣٧٦ش، ج ١، ص ٦١ و ٦٩) وبعده، استخدم الشيخ الطوسي هذا المصطلح بنفس المعنى (الشيخ الطوسي، ١٤١٧ق، ج ١، ص ١٧٩). والأمر الجدير بالتأمل هو أن الشيخ في بيانه قد جعل القضية الإرشادية قسمًا من الأوامر المولوية لا قسيمًا لها (الشيخ الطوسي، ١٣٨٧ق، ج ٨، ص١٧٣). في رأيه، الحكم الإرشادي هو فرد من أفراد الحكم المولوي مثل الاستحباب، ويكتب: المستحب على قسمين، مستحب مقرب ومستحب إرشادي؛ المستحب المقرب مثل الصلاة والصدقة والصوم غير الواجب… فإن لم يفعله فلا ثواب له، والمستحب الإرشادي مثل الإشهاد على البيع، فإن لم يفعله (فليس الأمر أنه يفوت ثوابًا بل) لا ضمان له في تحصيل المال الضائع. (نفس المصدر، ج ٨، ص١٧٣) منذ زمن العلامة الحلي في القرن الثامن فصاعدًا، شاع هذا المصطلح ووصل إلى ذروة استخدامه في عصر الشيخ الأنصاري.

وفقًا لبعض المعايير، فإن الخطابات الصادرة لمصلحة الأشخاص (اللاري الشيرازي، ١٤١٨ق، ج ١، ص٣٢٣) أو الصادرة لمصلحة دنيوية للأشخاص (العلامة الحلي، ١٤٢٥ق، ج ١، ص ٣٧٣؛ صاحب الفصول، ١٤٠٤ق، ص ١٤٣؛ صاحب الجواهر، ١٤٠٤ق، ج ٢٩، ص ٣٩٦ و ٣٩٥؛ المحقق النراقي، ١٣٨٨ش، ج٢، ص ٦٠٠) هي إرشادية. وفي ضابط آخر، لم يصدر الشارع الخطاب من موقعه كقانوني؛ (المحقق الأصفهاني، ١٤٢٩ق، ج ٢، ص ١٧٠) بل من موقعه كخبير عارف بالضرر والنفع، كطبيب وناصح، قدم توصيات. (المحقق الرشتي، د.ت، ص٢١٣؛ المؤمن القمي، ١٤١٩ق، ج٢، ص ١٦٠). معيار آخر هو أن بعض تجويزات الشارع صدرت من موقعه كقانوني؛ لكن الخطابات الصادرة ليست من سنخ الحكم التكليفي المستقل؛ بل هي من سنخ الأحكام الوضعية كالجزء والشرط وما شابه، والأحكام الضمنية، والأحكام الطولية والطريقية التي ترشد إلى وضعها (المحقق الخوئي، ١٤١٨ق، ج٦، ص ٤٠٠؛ الشهيد الصدر، ١٤١٨ق، ج ١، ص ٢٢٧). وفي ضابط آخر حيث يوجد حكم العقل؛ يعتبر ورود الشارع مجرد تأكيد عليه، وفي هذه الحالة يكون إرشادًا إلى حكم العقل؛ (الإمام الخميني، ١٣٨٢ش، ج٢، ص٨٦؛ السيستاني، ١٤١٤ق، ص ٥٣) بل في بعض الموارد بسبب المحاذير العقلية مثل التسلسل، لا يمكن أن تكون غير إرشادية، وهو ما يراه مشهور المتأخرين في مثل آية الطاعة. (راجع: الإمام الخميني، ١٣٨٢ش، ج ٢، ص٨٦)

وفي مؤشر آخر بنظرة مختلفة، لا تُعد ماهية الخطابات الإرشادية من سنخ الأمور التجويزية، بل توضع في جملة الأخبار التي لم يكن للشارع المقدس أي طلب أو رغبة تجاهها، وإنما يخبر عن وجود أثر ما (المحقق الخوئي، ١٤١٨ق، ج ٢٢، ص٤٨٨).

خلفية البحث: بالبحث عن كلمة ‘إرشادي’ في قواعد البيانات مثل ‘كنج’، ‘سيد’، ‘جامع علوم إسلامي’، ‘نورمكز’ وغيرها، لم يتم العثور على بحث بهذا العنوان. وُجدت حالة مشابهة واحدة فقط بعنوان ‘الأوامر الإرشادية ودورها في استنباط الأحكام’ وهي رسالة ماجستير عام ١٣٩٤ من كلية الإلهيات بجامعة الشهيد مطهري، والتي على عكس عنوانها، تناولت دراسة ‘معيار’ القضية الإرشادية في حقل المدركات العقلية ولم تشر إلى قدراتها في الاستنباط. الأبحاث الأخرى المنجزة كانت موجهة نحو دراسة معايير القضايا الإرشادية ونقد المعايير واختيار مؤشر ثبوتي-إثباتي، وهو ما يخرج عن نطاق دراسة قدرات الإرشاد في الاستنباط. في دراسة المعايير أيضًا، مع الاعتراف بجهود الباحثين، لم تُطرح نظرة مختلفة لمعيار الإرشاد، وكانت في الغالب تركز على تنقيح المعايير المعروفة. في هذا الصدد، أقدم بحث منشور هو لآية الله معرفت، نُشر عام ١٣٦٥ بعنوان ‘الأحكام الإرشادية والمستقلات العقلية’ في مجلة الدراسات الحقوقية والقضائية. ثاني أثر هو للسيد علي أكبر فرحزادي بعنوان ‘الأمر الإرشادي والمولوي في أصول الشيعة’ نُشر عام ١٣٧٩ في مجلة ‘مقالات وبررسيها’. من أحدث الأعمال المذكورة، مقالة محمد نوذري فردوسية عام ١٤٠١ بعنوان ‘إعادة النظر في معايير معرفة النواهي الإرشادية وآثارها في الفقه والمجتمع الإسلامي’ في مجلة ‘جامعة شناسي سياسي ايران’، ومقالة ‘هويت شناسي مولوي وإرشادي از طريق نمونه كاوي’ لحسين فرزانه في مجلة ‘فقه وأصول’ بجامعة فردوسي، ومقالة ‘تأملي حول الحكم الإرشادي’ لمصطفى كاركريان مروستي في مجلة ‘مطالعات فقه إسلامي ومباني حقوقي’.

١. المفاهيم

فيما يتعلق بمعنى فقه التربية، نكتفي بالمباحث المطروحة في المقدمة، ونتناول بيان معنى القضية الإرشادية والحكم الشرعي.

١-١. معنى القضية الإرشادية

استُخدم مصطلح ‘الإرشادي’ بمعنيين، عام وخاص (صاحب الفصول، ١٤٠٤ق، ص ٦٣؛ صاحب الجواهر، ١٤٠٤ق، ج٢٩، ص ٣٩٦). الإرشاد بالمعنى الأعم يعني مطلق الهداية والإرشاد، وقد يشمل جميع المعارف حتى التوصيفية. في هذا الاستخدام، لا يكون الإرشادي مقابلًا للمولوي، بل يقابله عدم الإرشاد أو الإغراء بالجهل. في المصطلح الأخص، يُراد بالإرشادي، قضايا من تجويزات الشارع المقدس التي لا تملك ماهية أو آثار التجويزات المولوية وتقابلها. هذا البحث يركز على المصطلح الثاني. في دراسة القضية الإرشادية، كما ورد في المقدمة، قُدمت تعريفات متعددة، وهي إما ناظرة إلى مبادئ الحكم أي الحب والبغض، الإرادة والكراهة؛ أو ناظرة إلى ماهية الحكم أي البعث والزجر؛ أو ناظرة إلى آثار الحكم في مقامين: الآثار الأخروية من ثواب وعقاب، وقرب وبعد، وفي مقام الآثار غير الأخروية. بناءً على ذلك، فإن تعريفات القضية الإرشادية هي كالتالي:

١. القضايا التي لم يصرح بها الشارع من مكانته وشأنه المولوي، وصدرت من مكانة الهادي والمرشد والناصح. (الأصفهاني، ١٤٢٩ق، ج ٢، ص ١٧٠؛ الصدر، ١٤٠٨ق، ج ٤، ص ٤١٣؛ المؤمن، ١٤١٩ق، ج٢، ص ١٦٠).

٢. القضايا التي لا يتعلق بها حب وبغض أو إرادة من الشارع لتحقيقها. قصد البعض إرادة مستقلة لتكون مولوية، بحيث أن الأوامر غير الناشئة من شأن المولوية تُعتبر إرشادية (آية الله البروجردي نقلاً عن الخميني، ١٤١٨ق، ج ٣، ص ٢٨١). بينما اعتبر آخرون مطلق الإرادة والحب والبغض معيارًا، وفي الحالات التي لا يكون للشارع أي مبدأ تشريعي، تُعتبر حكمًا إرشاديًا؛ (الفيروزآبادي، ١٤٠٠ق، ج ١، ص ٢٤٩) لذلك في نظرهم، الأوامر الغيرية هي مولوية؛ لأن إرادة المولى ولو بشكل غير مستقل قد تعلقت بها.

٣. القضايا التي ليس القصد الأصلي للشارع منها بيان تجويز أو أمر؛ بل هي إخبار عن وجود مصالح أو قانون طبيعي بأن فعلًا معينًا يترتب عليه أثر تكويني معين. (الرشتي، د.ت، ص ٢٦٥؛ الكلبايكاني، ١٤٢٨ق، ج٢، ص ٧٤٨) كذلك الإرشاد إلى الحكم الوضعي كالجزئية والشرطية في نظر البعض هو توصيفي وخبري. (الصدر، ١٤١٨ق، ج ١، ص ٢٢٧)

٤. القضايا التي لا يمكن أن يكون لها جانب قانوني سوى الإرشاد؛ مثل الإرشاد إلى الأحكام العقلية التي يمنع العقل من ورود المولوي فيها، مثل لزوم الدور أو التسلسل. (الآشتياني، ١٤٢٩ق، ج ٣، ص ٢٤٦) كذلك في رأي بعض كبار المعاصرين، ورود الشرع في حقل إدراك العقل النظري هو إرشادي مطلقًا (السيستاني، ١٤١٤ق، ص ٥٣). وعبارة البعض تبدو مطلقة وتشمل جميع الحالات التي يتكلم فيها العقل، فيعتبرونها إرشادية.

٥. القضايا التي كان مقصود الشارع منها التجويز؛ ولكنها بُينت لمصالح دنيوية للأفراد أو لرفع معاناتهم (صاحب الجواهر، ١٤٠٤ق، ج ٢٩، ص٣٩٦ و ٣٩٥) ولا يترتب عليها آثار القرب والبعد. (العلامة الحلي، ١٤٢٥ق، ج ١، ص ٣٧٣؛ صاحب الفصول ١٤٠٤ق، ص ١٤٣؛ الميرزا القمي، ١٣٠٣ش، ص٧٩)

٦. التجويزات التي ليست مقتصرة على المصالح الدنيوية؛ لكنها لم تصل إلى مرحلة اقتضاء الحكم الشرعي ولا يترتب عليها ثواب وعقاب وأثر أخروي. (الأصفهاني النجفي، ١٤٢٩ق، ج ١، ص ٦٠٥)

٧. القضايا التي قد تُبيَّن لأغراض مولوية؛ ولكن لا أثر لها يتجاوز تحققها؛ مثلاً، إما أن تكون للإرشاد إلى بيان أجزاء وشروط موضوعات الأحكام، والتي تسمى بالأوامر الضمنية، أو أن تكون للإرشاد إلى المستقلات العقلية، حيث لا يكون لبيان الشارع فائدة تتجاوز نفع المتعلق بها. (الشيخ الأنصاري في بعض تعابيره مثل: ١٣٠٨ش، ص ٢٥؛ الآخوند الخراساني، ١٤٠٩ق، ص ٨٠؛ الشهيد الصدر، ١٤٠٨ق، ج ٤، ص ٤١٣) هذا التعريف والتعريف الذي يليه يتوافقان مع هذا البحث؛ لأنه مقبول إجمالاً أن القضايا الإرشادية الواردة ليست إرشادًا محضًا؛ بل هي إرشادية لُحِظ فيها الجانب المولوي، وإنما سُميت إرشادية لأن لها أثرًا مختلفًا.

٨. القضايا التي لا يكون الترغيب فيها بواسطة خطاب أمري؛ بل بسبب مصالحها وفوائدها. مثلاً، إذا كان ترغيب المولى بصيغة الأمر فهو مولوي، وإذا كان لبيان نفعها فهو إرشادي. (الهمداني، ١٣٧٦ش، ج ١٠، ص ٢٨٢)

تجدر الإشارة إلى أن هناك تقسيمات مختلفة يمكن تصورها للخطاب الإرشادي، وقد يقع الإشكال في استنباط الحكم الشرعي من بعض أقسامها، وهذه الإشكالات قد تسري إلى جميع صور الإرشاد. ولمنع هذه الشبهة، يركز هذا البحث بشكل أكبر على القضايا الإرشادية التي يمكن تصور احتواء الحكم الشرعي فيها؛ لذا فإن الخطابات الإرشادية التي تمت بشكل جزئي لأفراد معينين أو كانت تاريخية ومقتضيات زمنية وغيرها من الموارد خارجة عن موضوع البحث. وبذلك، فإن القضايا الكلية والعامة واللاتاريخية واللامكانية، وغير المقدمية، والمستقلة عن حكم شرعي آخر، والمتعلقة بمقام الجعل، تقع ضمن موضوع البحث. وفيما يتعلق بالإرشادات في مقام الامتثال، سيتم تناول بعض النقاط في دراسة بعض الأدلة.

١-٢. معنى الحكم الشرعي

ذُكر الحكم الشرعي في كلام العلماء بمعانٍ متعددة. قد تكون النظرة في بعض التعريفات مقتصرة على بيان المصطلح، بينما يعرّف البعض الآخر الروح المعنوية والحقيقية التي لها آثار حقوقية مثل لزوم الامتثال والجزاء والثواب. النظرة الأولى خارجة عن أغراض هذا البحث، والنظرة الثانية التي تدرس حقيقة وآثار الحكم هي المفيدة. منقول أن البعض يعرّف الحكم الشرعي بأنه نفس العلم بالمصالح والمفاسد الواقعية؛ (النائيني، ١٣٧٦ش، ج ٤، ص ٣٧٩) ولكن بعض الكبار مثل الآقا ضياء، يطبقون الحكم الشرعي على المصالح والمفاسد الملزمة للموضوعات؛ بمعنى أنه في مثل المصالح الإلزامية، حتى بدون وصول خطاب، يمكن حقيقةً ادعاء وجود حكم شرعي بالوجوب ولزوم الامتثال والجزاء والثواب وإن لم يكن مصحوبًا بخطاب. (الآقا ضياء، ١٣٧٠ق، ٣٤٨؛ وكذلك راجع: الآخوند الخراساني، ١٤١٠ق، ص ٢٠٥) رأي آخرون، الذين يلزمون إجمالاً بامتثال ‘الأغراض الملزمة’ وإن لم يصدر خطاب من المولى، يلحق بهذا المبدأ (المشكيني، ١٤١٣ق، ج ٤، ص٢٠٧). في نظر فريق آخر، ما هو أبعد من المصلحة، أي إرادة المولى لتحقيق تلك المصلحة، هو الحكم الشرعي؛ أي أن المعيار الأساسي في ‘الحكم’ هو الإرادة. بعض الكبار مثل كاشف الغطاء، اعتبروا كشف الإرادة عن طريق العقل والتجربة ممكنًا، ويكفي ذلك للطاعة والعصيان دون وصول خطاب من المولى. (كاشف الغطاء، د.ت، ج ١، ص ١٤٣ و ١٤٤) بعض المعاصرين أيضًا، على غرار هذا البيان، يعتبرون الإرادة هي المعيار ولا يجعلون الاعتبار محور الحكم الشرعي. (الهاشمي الشاهرودي، ١٤١٧ق، ج ٢، حاشية ص٣١٨) البعض الآخر يشترط الإرادة المبرزة (راجع: الإمام الخميني، ١٣٨٢ش، ج١، ص٣١٩)، وإذا لم تبرز إرادة المولى، لا ينشأ الحكم الشرعي ولزوم الامتثال…؛ يمكن نسبة هذا الرأي إلى مشهور الأخباريين الذين يلزمون حتمًا ببيان وإبراز الشارع أو مبين الشرع للحكم الشرعي (راجع: الشيخ الأنصاري، ١٤٢٦ق، ص٥٦٦). وأبعد من ذلك، عرّف البعض مقام طلب المولى – بناءً على الفرق بين الطلب والإرادة – بأنه الحكم الشرعي. (الشيخ البهائي، ١٤٢٣ق، ص٦٢) في هذه النظرة، يجب حتمًا أن يكون هناك طلب من المكلف ليتحقق الحكم التكليفي. الاعتبار الجعلي للشارع في نظر المحقق النائيني (النائيني، ١٣٧٦ش، ج ٤، ص ٣٨٤) والإنشاء بداعي جعل الداعي هو معيار الحكم التكليفي في نظر المحقق الأصفهاني؛ (الأصفهاني، ١٤١٦ق، ج ١، ص ٤٤) ولكن في رأيهم، أساسًا إذا لم يصل التكليف إلى مرحلة الفعلية، فإنه ليس حكمًا وتكليفًا حقيقيًا، وفي نظر المحقق النائيني إذا لم توجد إرادة، سيكون الحكم والتكليف صوريًا. البعض، وهم يشكلون أكثرية القدماء، يعرّفون خطاب المولى نفسه بالإنجاز والترك والوضع بأنه الحكم الشرعي (العلامة الحلي، ١٣٨٠ش، ص ٥٠). في نظر المرحوم الإمام الخميني – على الرغم من أنه يعرّف الحكم بأنه من مقولة الاعتبار والإنشاء النابع من الإرادة، إلا أن مراده يختلف ماهويًا عن القائلين الآخرين بالاعتبار – فوفقًا لنظرية الخطابات القانونية، ليست الأحكام الشرعية مجرد ماهية طلب وبعث وإرادة؛ بل لها ماهية قانونية تغير الحكم الشرعي من علاقة العبد والمولى إلى علاقة القانوني والمكلف. ادعاء الكاتب هو أن العلاقة هي علاقة معيارية بين المربي والمتربي، حيث تكون نظرة العبد-المولى والقانوني-المكلف من تجليات وأساليب بيانها. في هذه النظرة، الحكم يعني الأمر والترغيب والطلب الصادر من الشرع.

وفقًا للتعاريف التي لا تعتبر حقيقة الحكم الشرعي اعتبارًا وتشريعًا؛ بل تعتبر معياره العلم بالمصلحة الواقعية، والإرادة، وطلب المولى، يوجد مسار أسهل للوصول من القضايا الإرشادية إلى الحكم الشرعي. وبتصريح بعض الكبار، إذا كان ‘العلم’ هو المعيار، فلن يكون هناك فرق بين لوازم وآثار الإرشادي والمولوي، وسيكون لكليهما آثار التكليف والثواب والعقاب. (الحائري، ١٤٢٤، ج ١، ص ١٤٨) ولكن بناءً على أن الحكم الشرعي له معنى أبعد من الإرادة والكراهة؛ بحيث يجب أن يحدث حتمًا اعتبار وتشريع، سيكون الطريق للوصول إلى الحكم الشرعي أكثر صعوبة. في هذه الفرضية، بغض النظر عن المصلحة، والحب، والإرادة، والطلب، يجب إحراز إنشاء واعتبار الشارع، وهو ما يمكن الاستفادة منه من خلال ضوابط مثل الدلالة الالتزامية. (راجع: المؤمن، ١٤١٩ق، ج٢، ص ١٦٠؛ الخميني، ١٤١٨ق، ج ٤، ص ۱۳۹).

٢. الأقوال في المسألة

يعتقد العديد من الفقهاء أن ‘كل الأحكام المولوية هي في الوقت نفسه إرشادية’ (الشيرازي، ١٤٠٩ق، ج ١، ص٣٢٣). أي أن كل القضايا القانونية والتجويزات التي شرعها الشارع هي في الحقيقة إرشادات وهدايات ليصل المكلف إلى مصالحه. ولكن هل عكس هذه المسألة ثابت؟ هل ‘كل قضية إرشادية تدل على قانون الشارع’؟ أي هل الشارع في المواضع التي ينصح فيها يحفظ إرادته المولوية والتربوية؟ وهل تلك الإرادة والطلب والحب والبغض التي لديه في قوانينه، موجودة أيضًا في قضاياه الإرشادية؟

في الإجابة، هناك أقوال متعددة من الفقهاء تُذكر:

١. يعتقد البعض مثل الفاضل النهاوندي والمحقق الفيروزآبادي أنه من المحال أن يكون للشارع المقدس إرشاد محض؛ بل في كل إرشاد، يوجد قانون وحكم شرعي. (النهاوندي، ١٣٢٠ش، ص١٠٧؛ الفيروزآبادي، ١٤٠٠ق، ج ١، ص ٢٥١-٢٤٨).

٢. في ظاهر عبارة بعض الفقهاء مثل الآقا رضا الهمداني، لا يُطرح استحالة الإرشاد المحض، ولكن في كلامهم، الإرشادي هو أسلوب مختلف يستخدمه الشارع المقدس لبيان قانونه وحكمه الشرعي (الهمداني، ١٤١٦ق، ج ١٠، ص ٢٨١). وبهذا، لا يكون الإرشادي قسيمًا للمولوي؛ بل قسمًا منه، أو كلاهما نوع من المولوي الأعلى؛ لذا يمكن استنباط حكم وجوبي من الخطاب الإرشادي (نفسه). من بعض عبارات الشيخ الطوسي أيضًا، يمكن استظهار أن الإرشادات ليست قسيمًا للمولوي؛ بل قسمًا منها. فهو بعد نقل إجماع الشيعة على استحباب وعدم وجوب الإشهاد على البيع، يقسم المستحبات إلى مستحب تعبدي ومستحب إرشادي، فيقول: المستحب على قسمين، مستحب مقرب ومستحب إرشادي؛ المستحب المقرب مثل الصلاة والصدقة والصوم غير الواجب… فإن لم يفعله فلا ثواب له، والمستحب الإرشادي مثل الإشهاد على البيع، فإن لم يفعله (فليس الأمر أنه يفوت ثوابًا بل) لا ضمان له في تحصيل المال الضائع. (الطوسي، ١٣٨٧ق، ج٨، ص١٧٣)

٣. بعض الفقهاء، خاصة منذ زمن الشيخ الأنصاري، يطرحون العلاقة بين الخطاب الإرشادي والخطاب المولوي كعموم وخصوص من وجه. في هذه النظرة، العديد من الخطابات الإرشادية تحمل القانون الإلهي والتشريع؛ وفي بعض الحالات يوجد إرشاد محض لا يمكن استخدامه في استنباط الحكم الشرعي (الرشتي، د.ت، ص ٢٦٦). وليس من المستبعد أن يكون فقهاء مثل صاحب الجواهر ضمن هذه الفئة. في بعض الحالات، يفتي بعض الفقهاء بحكم مولوي بالوجوب، بينما يفتي صاحب الجواهر بالاستحباب في مقابلهم، ولكنه في بيان فتواه يجمع بين عبارات الندب والاستحباب والإرشادية (صاحب الجواهر، ١٤٠٤ق، ج٢٧، ص٣٩١). كما يمكن إدراج آخرين في هذا القول أو القول التالي؛ كل من استخدم عبارة ‘إرشاد محض’ في بيانه مثل السيد النائيني (النائيني، ١٣٧٦ش، ج ١، ص ٣٦٤)؛ فإن مقصودهم هو أنه في حالات الإرشاد غير المحض، يتم الجمع بين الحكم الإرشادي والحكم الشرعي؛ لذا في الواقع، في مثل هذه الحالات، يوجد حكم شرعي في نفس الوقت.

٤. بعض الكبار الآخرين مثل الميرزا الشيرازي يعتبرون العلاقة بين الخطاب المولوي والإرشادي عمومًا وخصوصًا مطلقًا. فهم يعتبرون جميع أحكام الشارع المقدس المولوية إرشادية في نفس الوقت؛ لكنهم يأخذون الإرشادات بمعنى أعم؛ لذا فإن الخطابات الإرشادية في بعض الحالات تكون مصحوبة بحكم شرعي وفي بعض الحالات تكون فاقدة له (تقریرات اللاري الشيرازي، ١٤٠٩ق، ج ١، ص ٣٢٣).

٥. بعضهم مثل المحقق الأصفهاني لا يرون إمكانية الجمع بين الإرشادي والمولوي، وإذا كان الخطاب إرشاديًا، ففي نظرهم يستحيل أن يكون مولويًا أيضًا؛ لأن جانبي الإرادة وعدم الإرادة لا يجتمعان في عنوان واحد. كما أن آخرين ممن يعتبرون ماهية الإرشاد من مقولة الخبر وماهية الأحكام الشرعية إنشاءً، يرون الجمع بين التوصيف والتجويز محالًا، وبالتالي يعتبرون الجمع بين الإرشادي والحكم الشرعي غير ممكن. كمثال، استدل المحقق الخوئي في حالة الإرشاد إلى الحكم الوضعي على استحالة جمعه مع الحكم الشرعي بنفس هذا المنوال. (الأصفهاني، ١٤١٨ق، ج ٢٢، ص ٤٨٨)

٦. بعضهم مثل الميرزا القمي وآية الله البروجردي لا يعتبرون القضية الإرشادية خالية من الحكم الشرعي فحسب؛ بل يدرجون الأحكام الشرعية غير الإلزامية مثل الاستحباب ضمن الإرشادات. (البروجردي، ١٤١٩ق، ص ١١٢؛ الميرزا القمي، ١٤٣٠ق، ج ١، ص ١٦٧؛ راجع: صاحب الحاشية، ١٤٢٩ق، ج ١، ص ٥٩٤)

٣. دراسة الأدلة

يمكن طرح الأدلة بشكل نقلي أو عقلي. في هذا البحث، يتم تناول وطرح الأدلة العقلية. في الدراسة العقلية، يُنظر أولاً إلى المقتضى الأولي للقضية الإرشادية، ودون النظر إلى العواقب السلبية، هل يُدرس مقتضى القضية الإرشادية نفسها في حملها للحكم الشرعي؟ وفيما بعد، سيتم تناول المسألة بالنظر إلى العواقب والتوالي الفاسدة.

٣-١. الدراسة العقلية لمقتضى ذات القضية الإرشادية

في التحليل العقلي للمسألة، قال بعض الكبار في الجانب الأقصى إنه من المستحيل أن تكون القضايا الإرشادية محضة لا تبيّن قانون وحكم الشارع؛ بل حتمًا في كل خطاب إرشادي توجد مبادئ الحكم الشرعي، وبسبب فياض بودن ولطف الشارع المقدس، قد جُعل قانون مصحوب بالثواب والعقاب، وإلا لكان ذلك خلاف الحكمة والفيض واللطف. في غير هذه الحالة، لن يولي المكلفون الاهتمام اللازم للهداية والترغيب الإلهي ولن ينالوا المقصد النهائي والمصالح الموجودة في متعلق الموارد الإرشادية (الفاضل النهاوندي، ١٣٢٠ش، ص١٠٧-١٠٩؛ المحقق الفيروزآبادي، ١٤٠٠ق، ج ٤، ص ٨٤ و ٨٥). من جهة أخرى، في الجانب الأدنى، قال بعض الكبار إنه من المستحيل وجود حكم وطلب مولوي في القضية الإرشادية؛ لأنه لا يمكن للمولى أن يكون في خطابه مريدًا وطالبًا بالإنجاز وفي نفس الوقت لا يبعث عليه. (المحقق الخوئي، ١٤١٨ق، ج ٢٢، ص: ٤٨٨)

لكن كلا الرأيين ليسا صحيحين. من وجهة نظر العقل، فإن قاعدة اللطف وقاعدة الكرامة الإلهية – على فرض صحة وسعة تطبيقهما – لا تقتضي جعل قانون إلهي في بعض الإرشادات، وقد يكون للشارع إرشاد محض. من المحتمل أن يرى الشارع مصلحة ومفسدة عمل ما متساويتين ويحكم بإباحته؛ ولكن لجهة ميل الأفراد، يقدم بيانًا لكيفية تحصيل أو نمو ذلك. على سبيل المثال، قد يرى الشارع المقدس مصلحة جمال الولد في حد الإباحة، أو في تزاحم مع مفاسد الجمال، يرى من الصلاح الحكم بالإباحة، ولكن لتأمين ميل الوالدين، يشرح كيفية جمال الولد. أو أن الأفراد العزاب الذين ليس لهم أهل وعيال، من المحتمل أن يوقعهم تكديس الرزق في المشاكل، وطلب رزق أكثر ليس راجحًا لهم؛ لكن الشارع المقدس – مع التحذير – يبيّن طرق زيادة الرزق لتأمين ميل الأفراد. وكذلك في مثل الإرشادات الشخصية التي قد تكون نصيحة للقيام بمكروه بسبب ظروف المخاطب الخاصة.

بالنسبة لاستدلال الرأي الثاني، ليس من الضروري أن يكون الخبر والإنشاء في دلالة واحدة؛ حتى لو لم يكن للقضية الإرشادية بعث بالدلالة المطابقية، فمن الصحيح عقلاً أن يجمع الشارع بين إرشاده وحكمه الشرعي، وبإرشاده العام، يبيّن حكمه الشرعي أيضًا؛ لأنه لا يمكن للشارع في مقام توصيته أن ينفصل تمامًا عن شأنه القانوني، ودون الانتباه إلى الحكم الذي يحمله الفعل الموصى به عمومًا في شريعته، يوصي بعمل ما. من جهة أخرى، لا يمكن أن يكون إرشاد الشارع مخالفًا للشريعة، وبذلك تكون توصيات الشارع متوافقة مع شريعته. علم الشارع بوجود مصلحة راجحة بحيث يرى من الصلاح إبلاغها للمكلفين، يدل على أن الفعل قد بلغ حدًا من القابلية لإعلام إنجازه من قبل المخاطبين، وهذا يعني أنه مطلوب ومرغوب لديه أن ينجزه المكلفون؛ والحكم الشرعي ليس شيئًا غير هذا المطلب أو لازمه؛ لذلك فإن الشارع المقدس قد جمع في آن واحد بين إرشاده وبيان تشريعه.

يُبيَّن الاستدلال على الرأي المختار ضمن مراحل. أولاً، لا يمكن للشارع المقدس ألا يكون له علم بسلوك ما، فالفعل عنده إما راجح ليقوم به الآخرون، أو مرجوح أو مساوٍ. في المرحلة الثانية، لا يمكن للشارع أن يتخذ موقفًا مخالفًا لعلمه؛ لذا، بصفته حكيمًا، كريمًا، فاعلاً للحسن، وراغبًا في نظام أحسن، فإن رأيه تجاه ذلك الفعل هو نفسه ما علمه. في المرتبة الثالثة، لا يمكن للشارع بصفته ناصحًا ومرشدًا، في مقام الهداية، أن يوصي الآخرين به؛ ولكن في شريعته يكون له حكم مخالف له، أو لا يكون له حكم أصلاً؛ لأنه لا وجه لأن يترك الشارع الشمولية في قانونه أو يختار المرجوح (راجع: الخرازي، ١٤٣٠ق، ج ١، ص ١٥٠ و ١٥١). بل بمقتضى أدلة شمولية الدين، حتمًا قد جعل الشارع المقدس قانونًا في دينه للمسألة التي أرشد إليها؛ ومن جهة أخرى، لأنه رآه راجحًا ليقوم به الآخرون وأوصاهم به، فإنه في قانونه أيضًا لا يمكن أن يختار المرجوح؛ لذلك فإن الشارع المقدس في بيانه الإرشادي قد بيّن مطلوبه المولوي نفسه، وليس من المعقول أن يكون الحكم الذي أوصى به ووصل إلى مرحلة فعلية استيفاء المصلحة، حكمه الإباحة. الشاهد على هذا الادعاء هو أن هذا الفهم هو السائد في العلاقات العقلائية من القضايا الإرشادية. مثلاً، إذا أوصى أب ابنه بأن يرتدي ملابس مرتبة، ويجلس على ركبتيه عند دخول الضيافة، ويأكل بهدوء على مائدة الطعام، ويغسل يديه قبل وبعد الطعام ليحافظ على صحته السلوكية والجسدية، فإن فهم العقلاء هو أن الأب يحب أن يراعي ابنه هذه الأمور، وإذا راعاها زاد قربه منه؛ لذا في الواقع، يرسم الأب طرق الكمال لابنه ليبلغ بها الكمال اللائق به ويتقرب إليه من خلالها. وبالمثل، إذا كان مشرّع المجتمع فردًا حكيمًا ينظم علاقات الناس ببعضهم البعض وعلاقاتهم بأنفسهم، وإذا كانت لديه توصيات عامة، يُعلم أنه رأى مصالح يرغب في إيصالها إليهم؛ لذا إذا أرشد إلى أن عبور الشارع من ممر المشاة أكثر أمانًا لسلامة الأرواح، وعبور الجسر العلوي أكثر فائدة لنظام المرور، وعدم استهلاك الكثير من الوقود فعال في الحفاظ على الثروة الوطنية، وجلسات رؤساء السلطات أكثر انسجامًا للأمور وحل الخلافات، يُفهم أن هذه الأمور مطلوبة له وتترتب عليها آثار القرب والرضا. بناءً على ذلك، إذا عرّفنا الحكم الشرعي بأنه العلم والحب والإرادة والطلب غير المبرز، فإن هذا المقدار كافٍ لكشف الحكم الشرعي، وإلا، في حالة الحاجة إلى إحراز الاعتبار والإنشاء من الشارع، يمكن الاستفادة من طريق الدلالة الالتزامية كما أُشير إليه سابقًا.

٣-٢. الدراسة العقلية بالنظر إلى التوالي الفاسدة

يرى بعض الكبار، وربما مشهور المتأخرين، أن الحكم الإرشادي للعقل، وعلى الأقل للعقل في سلسلة العلل، لا يمكن أن يكون مفادًا لحكم شرعي؛ لأنه في هذه الحالة يحدث لغو أو دور أو تسلسل؛ لذا يستحيل أن تكون القضية الإرشادية متضمنة لحكم شرعي. الدليل المذكور، على الرغم من أنه عُنوِن في حقل المدركات العقلية، إلا أن أصل الادعاء ودليله قابل للطرح في حقل الإدراك التجريبي البشري والعلوم الإنسانية والأمور التربوية، كما ادعى البعض، خاصة أنصار العلمانية، هذا الادعاء، وأخرجوا جميع القضايا المتعلقة بالشؤون الدنيوية من حقل الشريعة باستدلال عدم الفاعلية واللغوية (راجع: مهدي بازركان، الآخرة والله: هدف رسالة الأنبياء). لقد طرح المحقق الأصفهاني وتلميذه لغوية التشريع المولوي بالنسبة للموارد التي يوجد فيها إدراك عقلي. وقد صرح العديد من الكبار أيضًا بهذا المطلب في مثل بحث مقدمة واجب العلم في الأصول (الأصفهاني، ١٣٧٤ش، ج ١، ص ٤١٨؛ المظفر، ١٣٨٧ش، ص٢٤٦). في بيانهم، حيثما يكون للعقل إدراك للمسألة ويحدد وظيفة المكلف، سواء كان حكمًا واقعيًا أو ظاهريًا، فإن ورود الشارع في جعل حكم مولوي وجعل حكم شرعي في ذلك الموضع سيكون لغوًا؛ لأن المكلفين إما في مقام الطاعة والعبودية، وفي هذه الحالة يكون إدراك العقل كافيًا لينظموا سلوكهم وفقه، أو أنهم ليسوا في مقام الطاعة، حيث لن يكون لورود الشارع المضاف إلى إدراك العقل تأثير (نفسه، ص٢٩٩)، لذلك في كلتا الحالتين، لن يكون لورود الشرع أثر مختلف عن إدراك العقل، وسيكون جعله المولوي لغوًا. ويرى بعض الكبار الآخرين، وربما جل المتأخرين مثل الشيخ الأنصاري والمحقق الرشتي والمحقق النائيني والإمام الخميني والمحقق الخوئي، أن ورود الشرع في سلسلة العلل هو موضع دور وتسلسل. لأنه إذا كان لمرحلة الامتثال حكم مولوي آخر، فإن ذلك الحكم المولوي له امتثال أيضًا يجب أن يكون للشارع حكم مولوي تجاهه، وهكذا يتكرر إلى ما لا نهاية. والمثال المعروف الذي يُضرب لهذا المعنى هو آيات الطاعة؛ مثل الآية الكريمة ‘أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم’ (النساء/٥٩) في الاستدلال، تُعتبر الطاعة فرعًا على صدور الأمر، فيجب أن يكون هناك أمر لتتحقق الطاعة؛ لذا تشير الطاعة إلى امتثال ذلك الأمر، وبالتالي فإن الثواب والعقاب لذلك الأمر، وليس لأمر الطاعة ثواب مضاعف؛ لذا فهو إرشاد محض.

في نقد الاستدلال الأول الذي استُخدم فيه حد الوسط ‘اللغو’، يمكن بيان عدة اعتراضات. أولاً، بناءً على الدليل المذكور، سيكون صدور الخطاب الإرشادي لغوًا أيضًا؛ فكل بيان من الشارع، سواء كان مولويًا أو إرشاديًا، سيكون غير حكيم؛ لأنه لن يكون له تأثير مضاعف. ثانيًا، فرض وجود أثر بسيط لتدخل الشارع كافٍ، وفي مسألة ورود الشارع يوجد أثر؛ لأن نسبة كبيرة من الناس إما لا يملكون إدراكًا عقليًا كافيًا أو أن درجة تعبدهم للشرع ليست كدرجة تعبدهم للعقل، وأبعد من ذلك، في كثير من الحالات، تكون العقول ذات نمو سيئ، تحت تأثير الأهواء والغرائز، ونتيجة لذلك، يعتبرون الأمور القبيحة حسنة والأمور الحسنة قبيحة، مما يقتضي أن يكون للشارع أمر ونهي وهداية في هذه المجالات (الخرازي، ١٤٣٠ق، ج ١، ص ٢٢٨). ولهذا السبب، طُرح في الأدلة النقلية أن أحد أهداف الأنبياء هو ‘ليثيروا لهم دفائن العقول’ (نهج البلاغة، الخطبة ١، ص ٤٣). ثالثًا، ورود الشارع التأكيدي لا يعني أن الشارع نفسه قد ترك نقطة فارغة في شريعته، ولأن العقل يدرك، فقد ترك نقاطًا فارغة في نظام التشريع. لا، بل يعني أن ورود الشرع مماثل للعقل؛ لذا فإن إدراك العقل مبيّن للشرع، وخطاب الشرع وبيان العقل كلاهما يبيّنان الحكم الشرعي (الجوادي الآملي، ١٣٨٩ش)؛ لذلك، في الحالات التي يرشد فيها الشارع إلى حكم العقل، فإنه في الواقع يبيّن حكمه الشرعي في نفس الوقت، وضمن الإرشاد، يوضح وجهة نظره الشرعية (راجع: الآشتياني، ١٣٨٨ش، ج ٤، ص ٣١٢). كرابع إجابة، تُطرح هذه النقطة وهي أن القضايا المتوافقة مع العقل قد يكون لها تأثير فقهي مضاعف؛ لأنه قد يقوم الشارع في بيان موقفه في الحكم الشرعي بإيجاد توسعة. كمثال، يحكم العقل باجتناب مقدمات الحرام، وبناءً على ذلك، يحكم بأن زراعة العنب وحصاده وشرائه وبيعه وعصره وحمله لغرض صناعة الخمر غير جائز، والشرع أيضًا يرد في هذه النقطة ويحكم بأن هذه الأمور غير جائزة، ولكن وفقًا لبيان العقل، حرمة هذه الأمور غيرية ومقدمية، وما لم يتحقق شرب الخمر، لا يترتب عليه عقاب؛ ولكن يمكن لورود الشرع، بالإضافة إلى كونه مقدميًا، أن يكون له نظرة نفسية أيضًا، ويعتبر لكل من الأفعال المذكورة عقابًا حتى لو لم ينتهِ إلى شرب الخمر، كما أن الروايات المتعددة قد حرمت جميع المراحل المذكورة. يمكن طرح نفس الكلام في مسألة التربية، وبالنسبة للعديد من المقدمات والتمهيدات التربوية مثل التعليم، يمكن اعتبار هذا الاحتمال صحيحًا. وبهذا، يكون نوع التعليم من باب المقدمة لازمًا عقلاً، ولكن إرشاد الشارع إلى هذا الإلزام العقلي، بالإضافة إلى تحديد موقفه ونظام شريعته، له دلالة أكبر في إعطاء الجزاء على التعليم، حتى لو لم ينتهِ إلى التربية. بالبيان المذكور، يُعلم أن التعليم له نوع من المحبوبية النفسية عند المولى.

في نقد الاستدلال الثاني، أولاً، أن الفقهاء أنفسهم (ابن أبي عقيل، د.ت، ص١٠٩؛ أبو الصلاح الحلبي، ١٤٠٣ق، ص ٩٤؛ الرشتي، د.ت؛ ص٢٦٦) والروايات (الكليني، ج١، ص١٨٧) قد استدلوا من هذه الآيات على حكم شرعي مولوي – لا إرشادي – وهو ما يمكن اعتباره نقضًا على ادعاء كون الآيات إرشادية. ثانيًا، بالإضافة إلى أن الشارع بصفته مولى يجب أن يجبر المكلفين على الطاعة، وبصفته جزءًا من التشريع، يلقي حق مولويته على المخاطبين (الصدر، ١٤٠٨ق، تعليقة الحائري)، فوفقًا لرأي بعض القائلين بالإرشادية، فإن الطاعة والعصيان لا ينحصران في الأمور الإلزامية، بل يصدقان أيضًا على الأمور الإرشادية. الطاعة والعصيان، بالإضافة إلى شمولهما للطلبات الإلزامية، يشملان الطلب والترغيب الندبي، وكذلك التوصية الأخلاقية والترغيب الإرشادي (السيد المرتضى، ١٣٧٦ش، ج ١، ص ٦٨؛ الشيخ الطوسي، د.ت، ج٧، ص٢١٨)؛ لذلك، فإن الأمر بالطاعة في بعض الموارد هو طاعة للإلزامات اللازمة، وفي بعضها طاعة للمسائل الإرشادية والنصائح والمشورة التي تكون طاعتها مرغوبة (الوحيد البهبهاني، ١٤٢٤ق، ج ٢، ص ٥٠٥). وبهذا، فإن الأمر بالطاعة لا ينحصر في الأمور الإلزامية، بل هو طلب يتعلق بجميع خطابات الشارع، ولأن الترغيب بالطاعة موجود أيضًا في الإرشادات، يتضح أن العمل بالأمور الإرشادية ‘مأمور به راجح’.

ثالثًا، تالي فاسد التسلسل المطروح غير قابل للطرح. التسلسل يحدث عندما يكون امتثال كل أمر متوقفًا على خطاب طاعة ليكون الامتثال لازمًا، وخطاب الطاعة متوقفًا على خطاب طاعة آخر، بينما المفروض في الآية الكريمة هو أن لزوم الامتثال يُبيَّن ذاتيًا بالاتكاء على شأن المتكلم، لا أن يحتاج إلى صدور خطاب طاعة آخر. دليل لزوم الطاعة هو نفسه الذي فُصِّل في الأوامر، وهو ثابت للمولى. في هذه النظرة، يأمر الشارع المقدس أحيانًا بالتفصيل بأحكامه، بأن تُصلى الصلاة، وتُؤدى الزكاة، ويُحج… وأحيانًا من نفس المكانة، وبشكل كلي متحد مع الأوامر التفصيلية، يأمر بالطاعة، فإذا شُرح هذا الأمر الكلي، فإنه متحد تمامًا مع وجوب الصلاة والزكاة والحج… لذلك، ليس من الضروري لزوم امتثال الأمر بالطاعة أن يصدر أمر آخر بالطاعة ليحدث التسلسل.

في رواية عن خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم نُقل: ‘الْعِلْمُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحْسَنَهُ’؛ أي أن العلم أكثر من أن يُحصى، فخذوا من كل علم أحسنه. (ورام، ج٢، ص ١٥) البعض، بسبب أن مفاد الرواية مدرك عقلي، وقبل الشريعة، كان للعقل مثل هذه التوصية، قد طرحوا احتمال كون الرواية إرشادية (الأعرافي، ١٣٩٥ش، ج٧، ص٤٦). بالنظر إلى المطالب المذكورة أعلاه، يُعلم أن التوصية والترغيب المذكورين مطلوبان بالإضافة إلى مطلوبية أصل طلب العلم، وفي نظر الشارع المقدس، من الأفضل أن يُختار من بين العلوم النافعة، أنفعها، ولأن هذه المسألة مرغوبة ومحبوبة لديه، يمكن استنباط الاستحباب منها.

يمكن بيان نفس هذا المطلب بالنسبة للقضايا الصادرة في التربية النظامية، ففي الآية ١٠٢ من سورة النساء، تُبيَّن كيفية الدفاع في موقف الصلاة خطوة بخطوة. ومن الواضح أنه إذا استند المؤمنون إلى الآية الكريمة، وعلى فرض المحال، أصابهم ضرر من هذا النوع من الدفاع، يمكنهم الاحتجاج لدى الله تعالى بأن هذا هو الأسلوب الذي أوصيتم به، مما يدل على أنه معتبر عند الشارع.

٣-٣. الدراسة العقلية بالنظر إلى دائرة الدين

في نظر بعض الكبار مثل العلامة الحلي (الحلي، ١٤٢٥ق، ج ٣، ص ٥٧٣)، فإن ورود الشرع في المسائل الدنيوية هو إرشادي صرف ولا يترتب عليه نتيجة شرعية. هذا الكلام يُطرح بالنسبة للعديد من المسائل التربوية في أبعاد مختلفة من التربية الجسمية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والأسرية… ونتيجة لذلك، ستكون العديد من المسائل التربوية فاقدة للجانب الحكمي الشرعي والبعد الفقهي. بالنظر إلى أنه من المؤكد وجود موارد دنيوية لها حكم شرعي عند الجميع، في هذا القسم لا يتم التطرق إلى نقد هذا الرأي بالتفصيل.

في مقابل الرأي المذكور، صراحة بعض عبارات الغزالي هي أن الفقه – كتجلٍ للأحكام الشرعية – له رسالة دنيوية بالكامل؛ في رأيه، فقط علوم المكاشفة والمعاملة (العرفان والأخلاق) هي التي لها جانب أخروي وتؤمن الحياة الأخروية للإنسان (الغزالي، د.ت، ج ١، ص ٣٨-٢٩). باختصار، يجب القول إن الأهداف الدنيوية لا تنفي وجود الحكم الشرعي في مثل هذه المسائل؛ بل هو نفسه يعترف بأن هذه المسائل قسم من الشريعة وتشمل إلزامات الشارع (نفسه). على أي حال، يرى العقل أن ورود الشريعة في إدارة الأمور الدنيوية للإنسان صحيح وراجح، بل لازم إجمالاً؛ لكن البحث الحالي ليس في خصوص دائرة الدين؛ بل في مورد القضايا التي رأى الشارع من الصلاح إصدارها للمكلفين؛ ولكنها مسائل تتعلق بالأمور الدنيوية، هل عقلاً تحتوي هذه الموارد على حكم تكليفي أم أنها فاقدة له؟ في خصوص الأمور الدنيوية، ادعى البعض إجمالاً منطقة الفراغ (الشهيد الصدر، ١٣٧٥ش، ص ٣٨١)، وبعض الأفراد النادرين، بالجملة، تركوا هذه الأمور لعلم وتجربة البشر. وفقًا لهذين الرأيين، قد يُقال إن ورود الشارع خارج دائرة التشريع؛ لذا لن يكون له دلالة على التشريع والحكم الشرعي، وستكون قضايا الدين في موارد منطقة الفراغ إرشادية.

على فرض صحة مبدأ منطقة الفراغ، يمكن في نفس الوقت الادعاء بأنه في كل قضية دينية ناظرة إلى الأمور الدنيوية، يوجد حكم الشارع إلا إذا كانت هناك قرينة على الخلاف. النقطة الأساسية هي أنه لا يمكن قبول أن جميع اختيارات الفقيه في دائرة منطقة الفراغ صائبة، وأن التخلف عن رأي الشارع ليس له معنى؛ بل من المحتمل أن يصل حاكم الشرع في منطقة الفراغ إلى حكم مخالف لنظر الشارع المقدس، والتخلف عن النظرية الكلية والنظر النهائي للعقل في خصوص المسألة. بناءً على تصريحهم، لا يمكن أن يكون حكم الفقيه خارجًا عن دائرة الشريعة وأهداف وأغراض الشارع المقدس (نفسه)، وهذا يعني أن الفقيه يجب أن يكتشف ما هو مطلوب من قبل المشرّع. وبهذا، يُفترض أن المشرّع في مثل هذه الموارد ليس خاليًا من الرأي، وبناءً على الحدود التعاقدية، يرضى فقط ببعض الأفعال وبعض القوانين المنتخبة من قبل الفقيه. وبهذا، قد يحكم الفقيه في موارد منطقة الفراغ خلافًا لنظر الشارع المقدس.

من جهة أخرى، لا يمكن الادعاء بأن الشارع يمكن أن يكون له حب وبغض تجاه هذه الأمور، ولكن لأنه خارج عن دائرة تقنينه، لم يعتنِ بحبه وبغضه أو لم يبيّنه، لأن الشارع بهذا البيان الإرشادي قد عكس تصوره وحبه وبغضه وحتى ترغيبه، وادعاء أن هذا الترغيب خارج عن التقنين هو مصادرة على المطلوب.

بالإضافة إلى ذلك، فإن رؤية منطقة الفراغ معلقة على عدم ورود الشارع، بحيث أن دليل هذه النظرية في النهاية يثبت ‘عدم لزوم’ ورود الشارع لا ‘عدم جوازه’، بحيث يمكن للشارع في بعض الموارد بناءً على صلاح يراه، خاصة في الأمور التي ترتبط بشكل ما بالأمور الأخروية، أن يتدخل ويجعل حكمًا شرعيًا. بناءً على ذلك، بمجرد أن تكون قضية ما مرتبطة بالأمور الدنيوية، لا يمكن أن يُسلخ عنها مفادها القانوني.

أما الرؤية الثانية التي تنفي بشكل عام ورود الشرع في حقل التجربة البشرية والأنظمة الدنيوية البشرية، فيجب أن تقبل بأنه حتى الأوامر المولوية الواردة في المسائل الدنيوية مثل باب القضاء، والديات، والنكاح، والمعاملات، والأطعمة والأشربة… كلها مسائل إرشادية فاقدة للحكم الشرعي، وهو خلاف ضرورة الفقه بل بديهيات الأمة الإسلامية. صرح العديد من الكبار بأن بعض الأهداف الكلية للشريعة هي مسائل مثل الأمور المالية، والنسب، والنفس، وما شابه ذلك، وهي دنيوية. (العلامة بحر العلوم، ١٤٢٧ق، ج ١، ص ٩) ونتيجة لذلك، إذا رُسم ورود الشرع في الأمور الدنيوية من وظائف الشريعة، فإن الأصل في هذه الحالة هو أن كل قضية صادرة من الشارع وناظرة إلى الأمور الدنيوية، أولاً تكون دينية؛ لأنها وقعت تحت وظيفة الدين؛ وثانيًا لها حكم شرعي؛ لأنها جاءت لتنظيم الحياة، والتنظيم بالنصيحة وحدها لا يتوافق.

في خصوص القضايا التربوية، قد يوجد اتفاق بين كلا الفريقين من القائلين بالدائرة الدنيا والقصوى للدين، وكلاهما يعتبران رسالة الدين والشريعة هي تربية الإنسان. تربية الإنسان يقينًا تقع في الحقل الدنيوي – على الأقل كمقدمة للآخرة – ويجب أن تتم، وإذا لم تتم التربية في الأبعاد المتنوعة الجسمية، والجنسية، والاقتصادية، والأخلاقية، والاجتماعية، والسياسية… فلن يتحقق هدف الخلق وهدف بعثة الأنبياء؛ لذلك، إذا كانت وظيفة الدين هي تربية الإنسان، ففي هذه الحالة، كل القضايا الواردة في حقل التربية، حتى لو كانت إرشادية، تحمل نظر الشارع وبرنامجه. نظر الشارع أولاً يثبت كون مفاد القضية دينيًا ويظهر المنشأ الوحياني والبرنامج الإلهي، وثانيًا، بناءً على أنه لا توجد واقعة لا يعلم الشارع مصلحتها وليس له نظر بناءً عليها، فهي إما عين الحكم أو ملازمة للحكم الشرعي.

نُقلت رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام يخاطب فيها ابنه: ‘قال علي عليه السلام: واعلم أي بني أنه من لانت كلمته، وجبت محبته؛ من كان كلامه [وسلوكه] لينًا [ومحببًا]، وجبت محبته على الآخرين’ (الحراني، ١٤٠٤ق، ص٩١). بعض المعاصرين اعتبروا الرواية المذكورة خارجة عن عوامل سعادة الإنسان وأدخلوها في الأمور الدنيوية ومباحث علم النفس. في بيانهم، الرواية في مقام التوصية بجلب المحبة في المعاشرة الاجتماعية، والتي بالنظر إلى قرينة مناسبة الحكم والموضوع، هي إرشادية وستكون فاقدة للأثر الشرعي (الأعرافي، ١٣٩٥ش، ج ٧، ص ٢٣٠). بناءً على المطالب المذكورة أعلاه، ادعاء الفقيه المعاصر ليس صحيحًا، والقضية المذكورة تحمل طريقة عامة في العلاقات الاجتماعية خاصة للحكام والمعلمين ومن لهم مكانة اجتماعية. وبهذا، ستكون الرواية طريقة تربوية أيضًا في التعامل مع المتربي والمخاطب التعليمي بلين السلوك وتنظيم الكلام. ونتيجة لذلك، تحمل الرواية المذكورة توصية وترغيبًا عامًا وشاملاً، وفي نفس الوقت، بالإضافة إلى بيان العلاقة النفسية، تظهر محبوبية واستحباب ذلك للأفراد مثل المعلمين والمربين.

٣-٤. الدراسة العقلية لاختصاص مبادئ الحكم التكليفي وآثاره بشأن المولى

العديد من العلماء جعلوا معيار الإرشادية هو أن يكون المولى قد رغّب في عمل ما من مكانة المولوية، وإذا كان من مكانة أخرى، فإنه لا يفيد الحكم الشرعي – في مثل القضايا الإرشادية – أو أنه لا يفيد حكمًا شرعيًا كليًا وعامًا؛ مثل الحالات التي تكون في مكانة الحكم. يمكن شرح أدلة القول المذكور بعدة بيانات:

البيان الأول هو خروج النصح التخصصي من الحكم الشرعي، بمعنى أن مكانة النصح لا تتناسب مع جعل القانون الشرعي وإبراز الطلب والإرادة القانونية؛ بل تتناسب مع النصيحة؛ لذا لن يسعى المولى إلى جعل قانون وحكم شرعي (الخميني، ١٤١٨ق، ج٢، ص٥٣)؛ لذلك، وجود حكم شرعي في هذه الموارد يشبه السالبة بانتفاء الموضوع، وهو خارج تخصصًا عن مسألة الحكم الشرعي.

في البيان الثاني، يُشار إلى مبادئ الحكم. إذا لم يتكلم المولى من مكانة المولوية، فإنه في الواقع ليس له حب وبغض، وإرادة للفعل أو الترك بالنسبة للمطلب المقدم. ونتيجة لذلك، فإن الفائدة الوحيدة له هي تحقق المصلحة والمفسدة الموجودة في العمل (راجع: الفيروزآبادي، ١٤٠٠ش، ج ١، ص ٢٥١-٢٤٨).

في البيان الثالث، الآثار الحقوقية من ثواب وعقاب وقرب وبعد منتفية عن النصح، وإذا لم تكن هذه الآثار موجودة، فإن ماهية الحكم والقانون لا توجد أيضًا؛ لذلك، ستكون القضية الإرشادية خالية من الهوية القانونية والحكم الشرعي (المحقق الأصفهاني، ١٤٢٩ق، ج ١، ص ٤١٨).

يبدو أن المشكلة الأساسية هي أن الكبار قد نظروا إلى شؤون الشارع على أنها منفصلة عن بعضها البعض، واعتبروا للمولوية شأنًا مستقلاً بحيث لا يمكن جمعه مع الشؤون الأخرى. كمثال، لا يمكن للمولى أن يستخدم شأن تشريعه وفي نفس الوقت يمارس شأن نصيحته وإرشاده. يُستفاد من بعض عبارات الفقهاء أن الرأي المذكور أعلاه هو قياس على المولوية العرفية التي تعتبر شأن المشرّع أو شأن صاحب الأمر منفصلاً. ولكن في النظرة العقلية، تختلف مولوية المولى عن المولوية العرفية، ومولويته ليست شأنًا مستقلاً عن الشؤون الأخرى. في المولوية العرفية، تحقيق أغراض شخص المولى مهم؛ ولكن في المولى الحقيقي، تصور وجود أغراض شخصية للمولى منتفٍ، وورود جميع التكاليف لغير المولى. كذلك في مشرّع المجتمع، المولوية ليست بهدف القرب والبعد والكمال المعنوي في الوصول إلى المشرّع، بينما في الأحكام الدينية، لله تعالى شأن قريب من المكلفين، والهدف هو القرب منه. وبهذا، فالمولى لا يشبه صاحب العمل، أو الرئيس، أو السيد العرفي، وعباده لا يشبهون العبيد والممتثلين للقانون. وبهذا، فإن تقسيم البيان إلى نفع العبد وبيان لنفع غير العبد ليس صحيحًا. ونتيجة لذلك، فإن الشارع، المولى بما هو صاحب اختيار العباد ليس؛ بل المولى بما هو مربٍ وهادٍ ومرشد أيضًا، والذي في جميع الأحوال يأخذ مصالح العباد في الاعتبار، ولأجل قربهم من الكمال المطلق – في سبيل تحقيق شأنه الربوبي لا العلو والتكبر – ينشئ توجيهات. كمثال، علة جعل الصلاة إما لأن المكلفين ينالون العروج المعنوي، أو لأن مقتضى النظام الأحسن هو أن يُعرف الخالق ويُعبد، وهو ما يعود بالنفع في النهاية على كمال جميع الوجود ومخلوقات العالم.

بالنظر إلى المطالب المذكورة، ولتجنب إشراب لوازم المعنى لكلمة ‘مولى’ في الفقه، يُوصى باستخدام كلمة ‘رب’ للمقصد المنظور. القضايا الأمرية من المولى إما من مكانته الربوبية أو من مكانة غير ربوبية، فإذا كانت من مكانته الربوبية، يوجد ثواب وقرب ومطلوبية وإن لم يكن فيها لسان استعلائي وأمري. بناءً على ذلك، القضايا الإرشادية تحتوي على الخصائص المذكورة أعلاه وتدخل في دائرة الإرادة والمحبوبية والحكم الربوبي الشرعي. الله تعالى في تعريفه الأولي لنفسه، سواء في أول آية وسورة نزلت أو في أول وأكثر سورة قرآنية استخدامًا، يعرّف نفسه بـ’الرب’. كلمة ‘رب’ على الإطلاق، وهو المولى الحقيقي للعالم، لها ركنان معنويان: أحدهما أن يكون مالكًا، والثاني أن يكون مراقبًا لما يملكه ليوصله إلى غايته (العلامة الطباطبائي، ١٣٩٠ش، ج ١، ص ٢١؛ راجع: الراغب الأصفهاني، ١٤١٢ق، ص٣٣٦؛ أحمد بن فارس، ١٤٠٤ق، ج ٢، ص ٣٨١). بل يمكن تعريف الركن الأساسي للربوبية بأنه حيثية تربيته. في بيان بعض كبار المفسرين ورد: الربوبية هي سوق الشيء نحو كماله، والرب هو من شأنه سوق الأشياء نحو كمالها وتربيتها، وهذه الصفة ثابتة فيه (الجوادي الآملي، ۱۳۷۸ش، ج۱، ص۳۳۱). في معنى ‘رب’، معنى الملكية والإلهية ليس الركن الأساسي والمتبادر إلى الأذهان، وإلا لما ذُكر في سورة الناس ‘رب الناس، ملك الناس، إله الناس’ في مكان واحد (نفسه)؛ لذا إذا أمر الشارع ونهى في بعض الحالات بدون لسان استعلائي وبلسان النصيحة، فليس الأمر أنه لا تترتب عليه آثار القرب والبعد والثواب والمحبوبية. هذه الآثار تنتفي فقط عندما لا يتكلم الشارع – بأي وجه، حتى في الجمع مع شؤونه الأخرى – من مكانة الربوبية.

الإجابة الثانية، على فرض أن المولى في بعض الحالات قد تكلم من شأن كونه ناصحًا، ففي هذه الحالة ألا يمكن أن يُفعّل شأنه المولوي في نفس الوقت؟ ألا يمكن للمولى أن ينصح ويبين رأيه المولوي؟ إذا كان هناك إمكانية ذاتية ووقوعية له، فما الذي يمنع من تفعيله من قبل المولى؟ اللغوية والتسلسل والموارد المشابهة التي لم تكن فعالة، وقد مر نقدها في الأقسام السابقة. إذا ذُكر محدودية دائرة الشريعة كدليل، فقد قيل في دراسته على فرض القبول – أنه لا ينفي النظرة الكلية للشارع ونظره النهائي. وبهذا، لا يمكن في النظرة الأولى اعتبار حكم المولى الشرعي خلافًا لترغيبه العام في القضية الإرشادية.

في رواية، يقول الله تعالى: ‘وَضَعْتُ الْعِلْمَ فِي الْجُوعِ وَالْجَهْدِ وَهُمْ يَطْلُبُونَهُ فِي الشِّبَعِ وَالرَّاحَةِ فَلا يَجِدُونَهُ’ (ابن فهد الحلي، ١٤٠٧ق، ص١٧٩). قال البعض إن هذه الرواية تتعلق بالأمور التكوينية والدنيوية، وفي هذه الحالة تُحمل على الإرشاد (الأعرافي، ١٣٩٥ش، ج ٧، ص ١٥٢). بغض النظر عن بحث السند، فإن متن الرواية يدل على وضع يبدو أنه داخل في الحكم الوضعي؛ أي أن الشارع كما وضع عوامل في النجاسة والطهارة، وفي عالم التشريع قد أخذ هذا الوضع التكويني أيضًا، وهنا قد قبل هذا الوضع في اعتباره. من هذا الباب، القضية الإرشادية المذكورة متضمنة لحكم وضعي، وبالتالي لها حكم استحبابي في امتلاك مثل هذا التوجه، وهو داخل في دائرة الشريعة. وبهذا، لا ينبغي تنظيم البرنامج التربوي بحيث يقع طالب العلم في الشبع والبطنة.

٤. النتيجة

في العديد من القضايا التربوية، طُرحت شبهة كونها إرشادية، مما يؤدي إلى خروجها من دائرة أدلة استنباط الحكم الشرعي. وبهذا، فإن العديد من ساحات التربية مثل التربية الجسمية تُعتبر خارجة عن دائرة الشريعة، مما يؤدي إلى فراغ كبير في النظام الفقهي التربوي. هذا البحث، دون تغيير مفهوم الإرشاد، قد تناول حل المسألة المذكورة. القضايا الإرشادية، بالإضافة إلى إرشاد المخاطب، تبيّن نظر الشارع المقدس في نفس الوقت. شأن المولى الإرشادي لا يختلف عن شأنه المولوي بحيث لا يجتمعان في خطاب واحد؛ بل الشارع المقدس، مع الحفاظ على شأنه المولوي، قد اهتم بإرشاد عباده. في نظرة أكثر كمالاً، لم يكن شأنا المولوية والإرشادية مستقلين، ويقعان تحت الشأن الأعلى للربوبية الإلهية. مولوية الله وإرشاده هما من تجليات ربوبيته. مبادئ وآثار الحكم التكليفي مثل الحب والبغض والقرب والبعد هي من آثار ربوبيته. بهذا اللحاظ، في إرشاد المولى، كما في بعث المولى، توجد مبادئ وآثار الحكم التكليفي، وهي مثبتة للحكم التكليفي.

في اعتقاد الكاتب، ما أدى إلى تفكيك القضايا الإرشادية عن المولوية في نظر المتأخرين؛ هو تفكيك شؤون الشارع عن بعضها البعض وقياس مولويته على الموالي العرفية والمشرّعين الاجتماعيين. في دراسة أدلة قول المشهور، تم التطرق إلى نقد حصر الشريعة في غير الأمور الدنيوية ومنطقة الفراغ، ونشوء اللغوية والتسلسل، وعدم تناسب الحكم الشرعي مع مقام نصيحة وإرشاد المولى. جميع الأدلة المذكورة لم تكن مقبولة صغرويًا أو كبرويًا؛ لذا لم ينفِ أي من الأدلة المذكورة الحكم الشرعي في القضايا الإرشادية. من جهة أخرى، ادعاء بعض كبار الفقهاء باستحالة الإرشاد المحض وحتمية وجود حكم إرشادي في جميع القضايا الإرشادية قد نُقد أيضًا. النتيجة هي أنه على الرغم من عدم وجود حكم شرعي في جميع القضايا الإرشادية؛ إلا أن نوعها مصحوب بحكم شرعي. بناءً على ذلك، يُثبت كون مفاد القضية الإرشادية دينيًا وشرعيًا وفقهيًا.

المصادر

* القرآن الكريم

* نهج البلاغة

١. ابن بابويه، محمد بن علي (١٣٨٥هـ ق)، علل الشرائع، الطبعة الأولى، قم: داوري.

٢. ابن بابويه، محمد بن علي (١٤١٣هـ ق)، من لا يحضره الفقيه، الطبعة الثانية، قم: دفتر انتشارات إسلامي.

٣. أبو الحسين، أحمد بن فارس (١٤٠٤هـ ق)، معجم مقاييس اللغة، الطبعة الأولى، قم: انتشارات دفتر تبليغات إسلامي.

٤. أصفهاني نجفي، محمدتقي بن عبدالرحيم (١٤٢٩هـ ق)، هداية المسترشدين، الطبعة الثانية، قم: النشر الإسلامي.

٥. أصفهاني، حسين بن محمد راغب (١٤١٢هـ ق)، مفردات ألفاظ القرآن، الطبعة الأولى، بيروت: دار العلم.

٦. مجلسي دوم، محمد باقر (١٤١٠هـ ق)، بحار الأنوار، الطبعة الأولى، بيروت: مؤسسة الطبع و النشر.

٧. أصفهاني، محمدحسين (١٤١٦هـ ق)، بحوث في الأصول، الطبعة الثانية، قم: دفتر انتشارات إسلامي.

٨. أصفهاني، محمدحسين (١٤٢٩هـ ق)، نهاية الدراية في شرح الكفاية، الطبعة الثانية، بيروت: آل البيت عليهم السلام.

٩. أعرافي، عليرضا (١٣٩٥ش)، فقه تربيتي، الطبعة الأولى، قم: مؤسسه اشراق و عرفان.

١٠. إمام خميني، روح الله (۱۳۸۲ش)، تهذيب الأصول، الطبعة الأولى، قم: دار الفكر.

١١. أنصاري، مرتضى بن محمدأمين (١٤٢٦هـ ق)، فرائد الأصول، الطبعة الخامسة، قم: مجمع الفكر.

١٢. آخوند خراساني، محمدكاظم (١٤١٠هـ ق)، درر الفوائد في الحاشية على الفرائد، الطبعة الأولى، تهران: وزارت إرشاد.

١٣. آخوند خراساني، محمدكاظم (١٤٠٩هـ ق)، كفاية الأصول، الطبعة الأولى، قم: آل البيت.

١٤. آشتياني، محمدحسن (١٤٢٩هـ ق)، بحر الفوائد في شرح الفرائد، الطبعة الأولى، بيروت: التاريخ العربي.

١٥. بجنوردي، حسن (د.ت)، منتهى الأصول، الطبعة الثانية، قم: بصيرتي.

١٦. بروجردي، حسين (١٤١٩هـ ق)، الحجة في الفقه، الطبعة الأولى، أصفهان: مؤسسة الرسالة.

١٧. بروجردي، حسين (١٤٢٦هـ ق)، تبيان الصلاة، الطبعة الأولى، قم: كنج عرفان.

١٨. بروجردي، سيد مهدي بحرالعلوم (١٤٢٧هـ ق)، مصابيح الأحكام، الطبعة الأولى، قم: منشورات ميثم التمار.

١٩. بهبهاني، محمد باقر (١٤٢٤هـ ق)، مصابيح الظلام، الطبعة الأولى، قم: مؤسسة العلامة المجدد الوحيد البهبهاني.

٢٠. پاينده، ابوالقاسم (۱۳۸۲ش)، نهج الفصاحة، الطبعة الرابعة، تهران: دنياي دانش.

٢١. جوادي آملي، عبدالله (۱۳۹۸ش)، تسنيم، الطبعة الرابعة عشر، قم: مركز نشر إسراء.

٢٢. حائري أصفهاني، محمدحسين (١٤٠٤هـ ق)، الفصول الغروية في الأصول الفقهية، الطبعة الأولى، قم: دار إحياء العلوم الإسلامية.

٢٣. حائري، مرتضى (١٤٢٤هـ ق)، مبانى الأحكام في أصول شرائع الإسلام، الطبعة الأولى، قم: النشر الإسلامي.

٢٤. حسيني سيستاني، علي (١٤١٤هـ ق)، الرافد في علم الأصول، الطبعة الأولى، قم: حميد.

٢٥. حسيني فيروزآبادي، مرتضى (١٤٠٠هـ ق)، عناية الأصول في شرح كفاية الأصول، الطبعة الرابعة، قم: فيروزآبادي.

٢٦. حلبي، أبو الصلاح، تقي الدين (١٤٠٣هـ ق)، الكافي في الفقه، الطبعة الأولى، أصفهان: كتابخانه إمام أميرالمؤمنين عليه السلام.

٢٧. حلّي، أحمد بن محمد أسدي (١٤٠٧هـ ق)، عدة الداعي و نجاح الساعي، الطبعة الأولى، بيروت: دار الكتاب العربي.

٢٨. خرازي، محسن (١٤٣٠هـ ق)، بداية المعارف الإلهية، الطبعة الثامنة عشر، قم: مؤسسه نشر إسلامي.

٢٩. خميني، مصطفى (١٤١٨هـ ق)، تحريرات في الأصول، الطبعة الأولى، قم: تنظيم و نشر آثار إمام خميني.

٣٠. خوئي، سيد ابوالقاسم (١٤١٨هـ ق)، موسوعة الإمام الخوئي، الطبعة الأولى، قم: مؤسسه حفظ و نشر آثار.

٣١. رشتي، حبيب الله (د.ت)، بدائع الأفكار، الطبعة الأولى، قم: آل البيت عليهم السلام.

٣٢. شيخ بهايي، محمد بن حسين (١٤٢٣هـ ق)، زبدة الأصول، الطبعة الأولى، قم: مرصاد.

٣٣. شيرازي، ميرزا محمد حسن؛ إيرواني، محمد (١٤١٨هـ ق)، تقريرات في أصول الفقه، الطبعة الأولى، قم: اللجنة العلمية للمؤتمر.

٣٤. شيرازي، ميرزا محمد (١٤٠٩هـ ق)، تقريرات آية الله المجدد الشيرازي، الطبعة الأولى، قم: آل البيت.

٣٥. صدر، محمد باقر (١٤١٧هـ ق)، بحوث في علم الأصول، الطبعة الأولى، بيروت: دائرة المعارف فقه إسلامي.

٣٦. صدر، محمد باقر (١٤١٨هـ ق)، دروس في علم الأصول، الطبعة الخامسة، قم: انتشارات إسلامي.

٣٧. صدر، محمد باقر (١٤٠٨هـ ق)، مباحث الأصول، الطبعة الأولى، قم: الإعلام الإسلامي.

٣٨. طباطبايي، محمدحسين (١٣٩٠هـ ق)، الميزان في تفسير القرآن، الطبعة الثانية، بيروت: مؤسسة الأعلمي.

٣٩. طوسي، أبو جعفر، محمد بن حسن (١٣٧٥هـ ق)، الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد، الطبعة الأولى، تهران: انتشارات كتابخانه جامع چهل ستون.

٤٠. طوسي، أبو جعفر، محمد بن حسن (١٣٨٧هـ ق)، المبسوط في فقه الإمامية، الطبعة الثالثة، تهران: المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية.

٤١. طوسي، أبو جعفر، محمد بن حسن (د.ت)، التبيان في تفسير القرآن، الطبعة الأولى، بيروت: دار إحياء التراث العربي.

٤٢. طوسي، أبو جعفر، محمد بن حسن (١٤١٧هـ ق)، العدة في أصول الفقه، الطبعة الأولى، قم: علاقبنديان.

٤٣. عاملي، شهيد أول، محمد بن مكي (د.ت)، القواعد و الفوائد، الطبعة الأولى، قم: كتاب فروشي مفيد.

٤٤. عاملي، شهيد ثاني، زين الدين بن علي (١٤١٦هـ ق)، تمهيد القواعد الأصولية والعربية، الطبعة الأولى، قم: انتشارات دفتر تبليغات إسلامي.

٤٥. عراقي، ضياء الدين (١٣٧٠هـ ق)، بدائع الأفكار في الأصول، الطبعة الأولى، نجف أشرف: المطبعة العلمية.

٤٦. علامة حلي، حسن بن يوسف (١٣٨٠ش)، تهذيب الوصول إلى علم الأصول، الطبعة الأولى، لندن: مؤسسة الإمام علي عليه السلام.

٤٧. علامة حلي، حسن بن يوسف (١٤٢٥هـ ق)، نهاية الوصول إلى علم الأصول، الطبعة الأولى، قم: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام.

٤٨. علم الهدى، علي بن حسين (١٣٧٦ش)، الذريعة إلى أصول الشريعة، الطبعة الأولى، تهران: دانشگاه تهران.

٤٩. عماني، حسن بن علي بن أبي عقيل (د.ت)، مجموعة فتاوى ابن أبي عقيل، الطبعة الأولى، بي جا، بينا.

٥٠. غزالي، أبو حامد محمد بن محمد (د.ت)، إحياء علوم الدين، بيروت: دار الكتاب العربي.

٥١. قمي، محمد حسين (١٣٠٣ش)، توضيح القوانين، الطبعة الأولى، تهران: باسمجي.

٥٢. كاشف الغطاء، جعفر بن خضر (د.ت)، كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء، الطبعة الأولى، أصفهان: انتشارات مهدوي.

٥٣. كليني، محمد بن يعقوب (١٤٠٧هـ ق)، الكافي، الطبعة الرابعة، تهران: دار الكتب.

٥٤. ليثي واسطي، علي بن محمد (١٣٧٦ش)، عيون الحكم و المواعظ، الطبعة الأولى، قم: بينا.

٥٥. مشكيني أردبيلي، أبوالحسن (١٤١٣هـ ق)، كفاية الأصول (مع حواشي مشكيني)، الطبعة الأولى، قم: لقمان.

٥٦. مظفر، محمدرضا (١٣٨٧ش)، أصول الفقه، عباسعلي سبزواري، الطبعة الخامسة، قم: بوستان كتاب.

٥٧. مؤمن قمي، محمد (١٤١٩هـ ق)، تسديد الأصول، الطبعة الأولى، قم: النشر الإسلامي.

٥٨. ميرزاي قمي، أبوالقاسم (١٤٣٠هـ ق)، القوانين المحكمة في الأصول، الطبعة الأولى، قم: إحياء الكتب الإسلامية.

٥٩. نائيني، محمدحسين (١٣٧٦ش)، فوائد الأصول، الطبعة الأولى، قم: جامعة مدرسين.

٦٠. نجفي، محمدحسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام (١٤٠٤هـ ق)، قم: جامعة مدرسين.

٦١. نراقي، محمدمهدي (۱۳۸۸ش)، أنيس المجتهدين في علم الأصول، الطبعة الأولى، قم: بوستان كتاب.

٦٢. نوري، محدث ميرزا حسين (١٤٠٨هـ ق)، مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل، الطبعة الأولى، بيروت: آل البيت عليهم السلام.

٦٣. نهاوندي نجفي، علي بن فتح الله (۱۳۲۰ش)، تشريح الأصول، الطبعة الأولى، تهران: تاجر تهراني.

٦٤. ورام بن أبي فراس، مسعود (١٣٦٩ش)، مجموعة ورام، الطبعة الأولى، مشهد: آستان قدس رضوي.

٦٥. همداني، آقا رضا (١٤١٦هـ ق)، مصباح الفقيه، الطبعة الأولى، قم: مؤسسة الجعفرية لإحياء التراث.

٦٦. يزدي، سيد محمدكاظم طباطبايي (١٤٢٨هـ ق)، العروة الوثقى مع التعليقات، الطبعة الأولى، قم: انتشارات مدرسة إمام علي بن أبي طالب عليه السلام.

Scroll to Top