المستخلص
الاستصحاب هو القاعدة الاستنباطية الأكثر استخدامًا في الفقه، وهي مستند لكثير من الأحكام الشرعية عند الشك والتردد. وقد طُرحت آراء متنوعة بين أهل النظر حول نطاق اعتباره. الموارد التي طُبّقت عليها روايات الاستصحاب تقتصر على بقاء الطهارة؛ مع توضيح أن الشارع المقدس لا يهتم بالاحتياط والتشدد في موارد الطهارة المشكوكة، وهذه النقطة بالذات قد جعلت اعتبار الاستصحاب في الأحكام الإلزامية موضع شك. كما أن عدم الاستناد إلى الاستصحاب في مختلف أبواب الفقه يؤيد فكرة أن دائرة اعتبار الاستصحاب لم تكن بالاتساع الذي هي عليه اليوم. تم تقييم هذا الموضوع في البحث الحالي بمنهج تحليلي-نقدي من خلال دراسة المصادر المكتبية. في الروايات، استُصحب عدم وجوب الطهارة، وهو أمر غير إلزامي ونتيجته التسهيل على المكلف. بالنظر إلى قاعدة تناسب الحكم والموضوع، وكذلك وجود احتمال الخصوصية في مورد الروايات، تم التوصل إلى نتيجة مفادها أن اعتبار الاستصحاب منحصر في الموارد الترخيصية.
المقدمة
يعد مبحث الاستصحاب من أهم مباحث علم الأصول وأكثرها تطبيقاً، والذي كان لسنوات طويلة موضع بحث وتبادل نظر بين علماء هذا الفن من جهات متعددة، كتعريف الاستصحاب، وأقسامه، وأدلة حجيته، وكونه أمارة أو أصلاً، ونطاق اعتباره بين الأعلام، مما أدى إلى تشكل آراء ورؤى مختلفة بشأنه. فعلى سبيل المثال، في مورد حجية الاستصحاب، يرى المرحوم الشيخ الأنصاري: أن أكثر العلماء مثل الشيخ الطوسي في كتاب العدة (الطوسي، ١٤١٧هـ، ج ٢، ص ٧٥٨) والسيد المرتضى في الذريعة (الشريف، ١٣٧٦ش، ج ٢، ص ٣٥٣) حتى ما قبل والد المرحوم الشيخ البهائي، كانوا يعتبرون الاستصحاب حجة من باب حكم العقل، وبالتالي كانوا قائلين بأماريته؛ ولكن منذ زمانه والعلماء الذين تلوه، تم تتبع حجية الاستصحاب من طريق الروايات، ومع الالتفات إلى الأدلة اللفظية، طُرح الاستصحاب كأصل عملي. (الأنصاري، ١٤٢٨هـ، ج ٣، ص ١٣)
في بحث نطاق اعتباره أيضاً، توجد آراء مختلفة، وقد عدّ بعضهم، كالمرحوم الشيخ الأنصاري، أحد عشر رأياً في المسألة. (الأنصاري، ١٤٢٨هـ، ج ٣، ص ٥٠) ومن بين هذه الآراء، توجد تفصيلات متعددة، أشهرها رأي المرحوم الشيخ الأنصاري القائل بحجية الاستصحاب في الشك في الرافع وعدم حجيته في الشك في المقتضي (الأنصاري، ١٤٢٨هـ، ج ٣، ص ٥١)، والمرحوم الخوئي الذي يرى جريان الاستصحاب في الموضوعات فقط (الخوئي، ١٣٧٧ش، ج ٣، ص ٤٩٣٦). هذه التفصيلات مسبوقة بسوابق، وقلما نشهد تشكّل رأي جديد في اعتبار الاستصحاب بين المعاصرين. وفي هذا السياق، قدم حضرة الأستاذ الكنجي (حفظه الله)، من الأساتذة المبرزين في الحوزة العلمية بقم، رؤية جديدة في درس الخارج حول نطاق اعتبار الاستصحاب، والتي تعد نوعاً من التجديد.
هذه النظرية عبارة عن التفصيل بين الأحكام الإلزامية والترخيصية؛ بالشرح التالي: يجري الاستصحاب في الأحكام الترخيصية، ولا يجري في الأحكام الإلزامية. (الكنجي، ١٣٩٣ش، zaya.io/dw34e) وعلى الرغم من أنه يقال إن هذه النظرية جديدة وغير مسبوقة بسابقة؛ إلا أنه نُقل في بعض تقريرات دروس خارج المرحوم الخوئي أنه يصرح قائلاً: نحن لا ننكر جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية بشكل مطلق؛ بل نقبله في الأحكام غير الإلزامية (الخوئي، ١٤٢٢هـ، ج ٣، ص ٥٥-٥٦)، ويقول بعض تلامذته: إن النظرية الأخيرة للمرحوم الخوئي هي هذا الرأي بعينه (الصدر، ١٤٠٥هـ، ج ٦، ص ١٢٧-١٢٨). على أي حال، لقد تشكلت هذه النظرية في العصر الحاضر وتحتاج إلى دراسة لمفادها وأدلتها.
في البحث الحالي، يسعى الباحثون إلى تقييم هذه الرؤية كفرضية على أساس الضوابط المقبولة في علم الأصول والفقه؛ في حين أنه لم تقدم أدلة كافية لها قبل هذا البحث.
لقد نوقش الاستصحاب كأصل عملي في كتب ومقالات مختلفة؛ مثل رسائل المرحوم الشيخ (الأنصاري، ١٤٢٢هـ، ج ٣، كل الأثر) والاستصحاب للمرحوم الإمام الخميني (١٣٨٥ش، كل الأثر) ومصباح الأصول للمرحوم السيد الخوئي (الخوئي، ١٤٢٢هـ، ج ٣، كل الأثر)، وكذلك في مقالات مثل «الاستصحاب في الشبهات الحكمية» (أحمدي الشاهرودي، ١٣٨٢ش، ص ١٨٣-٢٠١) و«جريان الاستصحاب في الشبهات المفهومية» (پورصدقي وشبان، ١٤٠٠ش، ١٢١-١٣٨)، و«دراسة اعتبار الاستصحاب في الشك في المقتضي من وجهة نظر أدلته» (عظيمي الكركاني، ١٣٨٦ش، ص ٦٣-٨٢)، ولكن في أي من هذه الآثار، لم تتم الإشارة والبحث في موضوع الاستصحاب الترخيصي الذي لا تحتاج ضرورة التحقيق فيه إلى أي بيان.
نظراً لأن الاستصحاب هو تقريباً أكثر الأصول العملية استخداماً ويتمتع بأهمية كبيرة بينها، ويُبحث في جريانه أو عدم جريانه في العديد من المسائل، فإن نطاق إثبات هذه النظرية يمكن أن يؤثر على الكثير من أحكام الفقه، خاصة المسائل المستحدثة والأحكام والقوانين الموجودة في الكتب الحقوقية والجزائية الحالية التي تستند إلى أصل الاستصحاب، وقد يؤدي إلى تغيير في بعض الأحكام الشرعية الحالية. ومن ناحية أخرى، بما أن هذه النظرية وأدلتها لم تُبيَّن بالتفصيل حتى الآن، فإن دراستها ضرورية. نأمل أن يفتح الله تعالى من خلال هذا البحث المجال لمزيد من التأمل للأساتذة الكرام والباحثين في أدلة حجية الاستصحاب ونطاق اعتباره.
الدراسة في هذا البحث هي تحليلية وصفية، وقد أمكنت من خلال المصادر المكتبية عبر الوصول إلى المواقع الإلكترونية والبرامج.
إن دراسة المفاهيم الأساسية للبحث وكذلك دراسة أدلة انحصار اعتبار الاستصحاب في الأمور الترخيصية، سواء من الروايات، تشكل الهيكل الأساسي للبحث الحالي.
١. الأصل العملي
الأصل أو الدليل الفقاهتي هو قاعدة وضعها الشارع المقدس لتخليص المكلف من الشك في الحكم الواقعي الشرعي (المشكيني، ١٣٧١ش، ص ٥٦). المجتهد في سبيل استنباط أحكام الشريعة يصل أحياناً إلى الحكم الواقعي عن طريق العلم، وأحياناً عن طريق الأمارة المعتبرة التي هي الدليل العلمي نفسه، ولكن في بعض الأحيان، على الرغم من جهده في المصادر، لا يحصل له علم ولا أمارة، وفي هذه الحالة، جعل الشارع المقدس أحكاماً لتخليصه من الحيرة، تحدد وظيفة المكلف في مقام الامتثال. وقد عرّف المرحوم الآخوند في كتاب الكفاية الأصل العملي بأنه ما يرجع إليه المجتهد بعد البحث والفحص عن الدليل الاجتهادي واليأس من الوصول إليه، والذي يحصل عليه من حكم العقل أو عموم النقل. (الآخوند الخراساني، ١٤٣١هـ، ج ٢، ص ١٣١)
من البيان المذكور، يتضح الفرق بين الأمارة والأصل؛ يمكن القول إن الاثنين يختلفان من حيث الهوية ومنهج الاستنباط والنتيجة. الأصل، في رأي البعض، هو من سنخ الحكم؛ لذا يقول المرحوم الشيخ في تعريفه للاستصحاب: الاستصحاب هو الحكم بالبقاء (الأنصاري، ١٤٢٢هـ، ج ٣، ص ٩). أما الأمارة فليست من سنخ الحكم بل هي طريق إلى الحكم الشرعي؛ وعلى هذا الأساس، تُستخدم الأمارة للوصول إلى الحكم الشرعي، ورغم وجود الأمارة، فإن كشف الحكم لا يزال بحاجة إلى عمليات استنباطية؛ ولكن في الأصل العملي، يكفي التطبيق فقط للوصول إلى الحكم الشرعي. نتيجة الأمارة هي الحكم الواقعي المنكشف بالأمارة الظنية، ونتيجة الأصل العملي هي مجرد حكم ظاهري. وعلى هذا الأساس، تُقدم الأمارة على الأصل، بحيث أن العبارة المشهورة هي «الأصل دليل حيث لا دليل له»، بمعنى أن الأصل يكون معتبراً حيث لا يوجد دليل ونص. للأصول العملية أقسام كثيرة؛ لكن ما يبحث عنه في علم الأصول أربعة أقسام، هي: الاستصحاب، البراءة، الاحتياط، والتخيير، ومن بينها يحظى الاستصحاب بأهمية كبيرة.
٢. الاستصحاب
مادة الاستصحاب من جذر «صحب يصحب» من مصدر «صحبة» تعني في جميع المعاجم اللغوية المصاحبة والمرافقة. يكتب أحمد بن فارس: «صاد وحاء وباء، أصل وجذر واحد يدل على المقارنة والمقاربة لشيء» (أحمد بن فارس، ١٤٠٤هـ، ج ٣، ص ٣٣٤)، ولذا يقول الفقهاء: استصحاب «ما لا يؤكل لحمه» في الصلاة يبطل الصلاة. وكلمة «استصحاب» تعني طلب صحبة ومرافقة شيء. ويكتب ابن منظور: «استصحب الرجل» أي دعاه إلى المصاحبة والمرافقة، و«كل ما لزم شيئاً فقد استصحبه» (ابن منظور، ١٤١٤هـ، ج ١، ص ٥٢٠). من أجل الاستصحاب في اصطلاح علم الأصول، ذكر الأصوليون تعريفات كثيرة تشير جميعها إلى مفهوم واحد؛ والتعريف المشهور الذي أورده الشيخ الأنصاري كأوجز وأحكم تعريف هو: «الاستصحاب هو إبقاء ما كان» أي الحكم ببقاء كل ما كان موجوداً من قبل. (الأنصاري، ١٤٢٢هـ، ج ٣، ص ٩) على أي حال، فإن معنى ومفهوم الاستصحاب اليوم أمر واضح وبديهي، وموضوع بحثنا هو الاستصحاب الاصطلاحي المطابق للفهم المشهور الذي أشير إليه في تعريف الشيخ الأنصاري.
٣. الترخيص
الترخيص في اللغة يعني التسهيل والتيسير (ابن فارس، ١٣٩٩هـ، ج ٢، ص ٥٠٠؛ الحسيني الزبيدي، ١٤١٤هـ، ج ١٧، ص ٥٩٤) والتخفيف والرخصة. (الأزهري، ١٤٢١هـ، ج ٧، ص ٦٣)
يُستخدم الترخيص في الاصطلاح أيضاً بنفس المعنى اللغوي وهو في مقابل الإلزام؛ بمعنى أن كل حكم لا يكون فيه إلزام هو حكم ترخيصي، ونتيجته ومؤداه الترخيص؛ وبناءً على ذلك، يأذن الشارع للمكلف في الأحكام الترخيصية بفعل الشيء أو تركه، وإن كانت المصلحة أو المفسدة في أحد الطرفين أكثر من الآخر، ولكنها ليست بالدرجة التي تستتبع الإلزام؛ وبالتالي، يشمل الترخيص الإذن الناشئ عن الإباحة والكراهة والاستحباب. (الصدر، ١٤١٧هـ، ج ٥، ص ١٩٣-١٩٤)
في هذه المقالة، لا تقتصر الأحكام الترخيصية على الموارد المذكورة؛ بل المقصود هو كل حكم لا يهتم فيه الشارع المقدس بالاحتياط ويضع المكلف في سعة تجاهه؛ لأنه في بعض الأحكام، يدعو الشارع المقدس المكلف في فرض الشك إلى البراءة والتسامح؛ في هذه الحالة يكون الحكم ترخيصياً وإن كان موضوع الاحتياط والدقة موجوداً في حالة العلم. بعبارة أخرى، ملاك صدق كون الحكم ترخيصياً ليس نوع الحكم؛ بل يكفي صنف منه، وبنفس القدر يصدق كون الحكم ترخيصياً. النتيجة هي أنه إذا لم يكن حكم ما في نظر الشارع في فرض الشك بحاجة إلى احتياط وكان مورداً للترخيص، فإنه يُحسب حكماً ترخيصياً بنفس المقدار.
٤. أدلة انحصار اعتبار الاستصحاب في الأمور الترخيصية
في هذا القسم، يتم دراسة أدلة انحصار الاستصحاب في الأمور الترخيصية؛ وبالطبع، فإن أهم دليل هو التناسب بين الحكم والموضوع، والذي سنتناوله كدليل أول.
١-٤. تناسب الحكم والموضوع
تناسب الحكم والموضوع من القرائن اللبية التي يمكن أن تكون قرينة على تشكيل الإطلاق أو التضييق؛ وهي قرينة استُشهد بها كثيراً في لسان الفقهاء. (للمثال انظر: النائيني، ١٤١١هـ، ج ١، ص ١٧٣؛ الزنجاني، ١٤١٩هـ، ج ١، ص ١٩٤) التوضيح هو أن العرف في فهم الكلام يرى كل حكم متناسباً مع موضوعه، ولا يرى أبداً حكماً شديداً جداً لموضوع صغير وقليل الأهمية، وهذه النقطة نفسها تُعتبر قرينة لفهم الموضوع؛ على سبيل المثال، لا يرى الإهانة الطفيفة مستحقة لعقاب شديد جداً، وهذا ما يجعله قرينة على أن الإهانة التي حدثت كانت شديدة جداً لدرجة أن الحاكم فرض عليها عقاباً شديداً، وبالعكس، لا يرى حكماً متسامحاً مناسباً لموضوع يتطلب دقة كبيرة، وبالتالي فإن الحكم الذي يتضمن تسامحاً، وإن كان بهدف التسهيل على المكلف، يشمل الموارد المتناسبة معه.
دليل حجية الاستصحاب هو الروايات الواردة في مصادرنا الروائية، وفي هذه الروايات، التي ليست كثيرة العدد، طُبّق عدم نقض اليقين بالشك فقط في موارد بقاء الطهارة، ولا يمكن الادعاء بشكل جازم أن هذا الأصل قابل للتطبيق في موضوع آخر؛ بعبارة أخرى، الطهارة، التي هي في فرض الشك أمر ترخيصي وكما سيأتي ليست موضع اهتمام واحتياط، تم تحديد تكليفها من خلال الأصل العملي للاستصحاب الذي هو مجرد رافع للحيرة. في هذه الروايات، التناسب بين الحكم (عدم نقض اليقين بالشك) والموضوع (الشك في الطهارة) واضح تماماً؛ لأن حكماً تسامحياً قد وُضع لأمر ترخيصي. هذه النقطة هي منشأ تشكل هذا الاحتمال: هل إطلاق قاعدة عدم نقض اليقين بالشك يجري أيضاً في الموارد التي لا تبدو فيها هذه القاعدة متناسبة معها؟
روايتا زرارة المشهورتان بالصحيحة الأولى (الحر العاملي، ١٤١٦هـ، ج ١، ص ٢٤٥) والصحيحة الثانية (ابن بابويه، بلا تا، ج ٢، ص ٣٦١) هما الدليلان الرئيسيان للاستصحاب. في الصحيحة الأولى، يجيب الإمام (ع) على سؤال زرارة عن وظيفة المكلف الذي لا يعلم هل نعس أم لا، ويشك هل وجب عليه الوضوء أم لا؟ فيقول: لا يجب عليه الوضوء؛ لأنه كان على يقين من الطهارة السابقة والآن يشك، ولا ينبغي له أن ينقض يقينه بالشك؛ وبناءً على ذلك، فإن القاعدة في هذه الرواية هي الحكم ببقاء الطهارة وعدم وجوب الوضوء.
في الصحيحة الثانية، تم التمسك بالاستصحاب في موضعين لإثبات الطهارة الظاهرية التي هي مجوز شرعي للدخول في الصلاة (ابن بابويه، بلا تا، ج ٢، ص ٣٦١)، وفي كلتا الحالتين كان حكم الطهارة من النجاسات هو مورد السؤال. في هذه الرواية أيضاً، كما في الرواية السابقة، في موضوع الطهارة – بالطبع مع فارق أن هذه الرواية تتعلق بالطهارة من النجاسة – طُبقت قاعدة عدم نقض اليقين بالشك. بالطبع، أثار المرحوم الشيخ إشكالات في كيفية تطبيق الاستصحاب في مورد الرواية (الأنصاري، ١٤٢٨هـ، ج ٣، ص ٦١) وهي محل تأمل جاد في موضعها؛ ولكن تم الرد على الإشكالات بشكل ما.
في صحيحة ابن سنان أيضاً، طُبّق الاستصحاب في مورد طهارة اللباس. (الحر العاملي، ١٤١٦هـ، ج ٣، ص ٥٢١) وفي موثقة والد ابن بكير أيضاً، في مورد الشك في بقاء الوضوء، حذّر الإمام من إعادة الوضوء، وظاهرها أن الوضوء مرة أخرى مبني على اليقين بالحدث لا مجرد الشك. (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج ٣، ص ٣٣)
«إِذَا اسْتَيْقَنْتَ أَنَّكَ قَدْ أَحْدَثْتَ فَتَوَضَّأْ وَ إِيَّاكَ أَنْ تُحْدِثَ وُضُوءاً أَبَداً حَتَّى تَسْتَيْقِنَ أَنَّكَ قَدْ أَحْدَثْتَ.»
كما هو واضح، في جميع الروايات المذكورة، طُبّق الاستصحاب في بقاء الطهارة. مفاد مجموع الروايات المذكورة يعزز هذا الاحتمال بأن الشارع المقدس قد قدم الاستصحاب كحل لرفع الحيرة في الموارد التي لم يهتم فيها بفرض الاحتياط والتشدد، وبالطبع فإن مثل هذا الحل يجب أن يؤدي إلى الترخيص للمكلف؛ وبناءً على ذلك، فإن «لا ينقض اليقين بالشك» في الصحيحتين الأولى والثانية إما أن يكون المقصود منه الطهارة حصراً، ويُعتبر تعليل الرواية بمثابة حكمة الحكم، أو أنه يُحمل على التعليل وفقاً لفهم الفقهاء المتأخرين والمعاصرين؛ ولكن لا يمكن تعميمه أكثر من الفهم المذكور أعلاه.
لذلك، ليس من المستبعد أنه في تطبيق أصل الاستصحاب، تم الأخذ في الاعتبار اقتضاء تناسبات الحكم والموضوع، بمعنى أنه بما أن الطهارة في الموارد المشكوكة أمر ترخيصي ولا تتطلب دقة نظر شديدة، فإن اليقين لا يزول بالشك.
ما يؤيد هذا الفهم هو أنه لا أحد يشك في أن الأمور الحساسة والمهمة، أصغر شك فيها يتطلب الفحص والحل، ويجب على الشخص أن يصل إلى الاطمئنان مرة أخرى ويتصرف بطيب خاطر، وبدون ذلك، في حالة وقوع حادث وضرر وخسارة، فإن التمسك بوجود حالة سابقة ليس تبريراً مقبولاً، ولا يمكن أبداً أن يكون جريان الاستصحاب، الناشئ عن التسهيل واليسر في الأمر، مبرراً لعمله؛ على سبيل المثال، لا يمكن لزوم البقاء على اليقين السابق أن يبرر تعريض حياة شخص آخر للخطر. (العميدي، ١٤١٦هـ، ج ٣، ص ٦٠٥)
بعبارة أخرى، بمقتضى تناسب الحكم والموضوع، فإن عدم نقض اليقين بالشك يرتبط أساساً بالموارد التي لا تتطلب القضية فيها دقة نظر واحتياطاً، وفي غير هذه الحالة، لا شك في أن اليقين يزول بالشك. والشاهد على هذا الادعاء هو عدم جريان الأصول العملية في الموارد المهمة. (نجف آبادي، ١٤٠٩هـ، ج ٢، ص ١٠٥) السيرة العقلائية في الأمور المهمة هي عدم قبول تبرير الرجوع إلى ضوابط غير دقيقة؛ لدرجة أنها لا تبرر حتى الرجوع إلى الخبير غير الأعلم؛ فما بالك بالأصول العملية التي لا تكشف عن الواقع. (القمي، ١٤٢٣هـ، ج ١، ص ١٥ و ٢٢؛ الطهراني، ١٤١٨هـ، ج ٢، ص ١٥٢) وكذلك الاحتياط في الأمور المهمة من ضروريات الفقه التي أكد عليها الفقهاء من القديم إلى اليوم. (الحلي، ١٣٨٧هـ، ج ٣، ص ٣٦؛ الصيمري، ١٤٢٠هـ، ج ٣، ص ٣٤)
٢-٤. التناسب بين الدليل والمدعى
بما أن الاستصحاب اليوم يُستند إليه في جميع أبواب الفقه، وربما تصل أنواع الشكوك في المسائل العبادية وغير العبادية إلى مبتغاها من خلال الاستصحاب؛ يطرح هذا السؤال: لماذا لم تتم الإشارة إلى الاستصحاب في أي مسألة من بين الروايات الواردة في مسائل مختلفة؟ بعبارة أخرى، أصل الاستصحاب، الذي يُستخدم اليوم كأداة واسعة الاستخدام في مختلف مسائل الفقه، لم يترك أي أثر في الروايات إلا في باب الطهارة، وهذا عدم التناسب يقوي هذه الشبهة في الذهن بأن توسيع الاستصحاب بالشكل الحالي في الاستنباط لا يتوافق مع المستندات الروائية.
بعبارة أخرى، يمكن أن يكون تناسب الدليل والمدعى أيضاً من قرائن كون الاستصحاب ترخيصياً. بمعنى أن مثل هذه القاعدة التي لها تطبيق واسع في جميع أبواب الفقه من وجهة نظر أصحاب الرأي، يجب أن يكون تطبيقها أوسع بكثير في رواياتنا؛ وبالتالي، لا يوجد تناسب بين تطبيق هذه القاعدة في الفقه ورواياتنا. كيف يمكن القبول بأن قاعدة تُطبق فقط على الطهارة في الروايات، بينما كان من الضروري أساساً أن تُطبق هذه القاعدة في آلاف المسائل؛ وبالتالي، لا يوجد تناسب بين الدليل والمدعى في مسألة حجية الاستصحاب.
ليس المقصود أنه لا يمكن تقديم قاعدة أصولية لاستنباط الأحكام بخبرين واحدين، وأن مثل هذا الأمر المهم يتطلب أخباراً أكثر، وإن كان هذا القول قابلاً للتأمل أيضاً؛ بل المقصود هو كيف يمكن القبول بأنه في مسائل لا حصر لها في أبواب الفقه المختلفة، لم يُعثر على مورد لمسألة عدم نقض اليقين بالشك.
قد يُجاب على هذا الإشكال بأن الاستصحاب له تطبيق في موارد الشك، وبما أن الشك لا يُفترض أساساً للمعصوم، فقد أُولي اهتمام أقل بمثل هذا الأصل على هذا الأساس.
أولاً، إذا كان الأمر كذلك، فلا ينبغي أن يُذكر شيء عن الأصول العملية الأخرى مثل الاحتياط والبراءة، بينما توجد روايات وأدلة متعددة عنها بالإضافة إلى العقل.
ثانياً، يجب على الشارع المقدس أن يقدم للمكلفين طريقة استنباط الحكم الشرعي في الأحكام والموضوعات، وموضوع بهذه الأهمية لم يُغفل عنه بالتأكيد.
ثالثاً، العلم اللدني لا موضوعية له في بيان الأحكام، وعلى هذا الأساس، فإن الشك في الموضوعات متصور للشارع أيضاً.
عدم التناسب بين الدليل والمدعى وإن كان لا يبرر تخصيص الاستصحاب بالأمور الترخيصية؛ ولكنه مؤيد مناسب للمدعى المذكور؛ والنتيجة هي أنه لا شك في أن عدم نقض اليقين بالشك يفتقر إلى الإطلاق، ونطاقه أضيق بكثير مما يتمسك به الفقهاء في فقه اليوم، ولكن اتساعه ليس واضحاً لنا؛ إما أنه منحصر في بقاء الطهارة أو أنه منحصر في الموارد التي لم يهتم الشارع بها اهتماماً جاداً، ومن ناحية أخرى، تؤدي إلى الترخيص للمكلف.
٣-٤. احتمال الخصوصية
في حالة وجود خصوصية في مورد تطبيق التعليل في الكلام، يُحتمل أن يكون المتكلم قد أخذها في الاعتبار؛ فيجب مراعاة الخصوصية المذكورة في تعميم العلة، ولا يُعمم الحكم لأكثر من ذلك. على سبيل المثال، يعلم الوالدان طفلهما طريقة عبور الشارع ويبيّنان له سبب النظر إلى اليمين ثم إلى اليسار؛ فهل مثل هذا التعليل يجوّز له عبور الطريق السريع أو الشوارع التي يكون فيها حجم وسرعة السيارات كبيراً؟ لا أحد يعتبر مثل هذا التعليل تجويزاً للعبور وتطبيقه في جميع الموارد. بعبارة أخرى، الشارع المألوف الذي تكون فيه سرعة وحركة السيارات منخفضة له خاصية معينة تبرر دخول الأطفال إليه، وبعد جواز دخول الأطفال إليه، فإن طريقة الدخول إليه تحتاج إلى توضيح وتعليل؛ ولكن في الموارد التي لا يكون فيها دخول الأطفال مبرراً أساساً؛ فإن مثل هذا التوضيح والتعليل لا يفيد، والاستناد إليه ليس صحيحاً أيضاً.
مثال آخر، الحكم الذي يُعطى للعثور على مبلغ ضئيل من المال في الزقاق؛ مثلاً، السؤال من الجيران ثم التصدق به على الفقير؛ لن يكون أبداً قابلاً للتمسك به للعثور على كيلو من الذهب تبلغ قيمته المليارات. حتى لو ذُكر تعليل مناسب جداً في ذيل الحكم؛ لأن ضآلة المال الذي تم العثور عليه لها خصوصية.
في الروايات، استُخدم تعليل عدم نقض اليقين بالشك في مورد خاص هو بقاء الطهارة. هناك احتمال أن الشارع المقدس قد رأى خصوصية خاصة في باب الطهارة وحكم فيه بعدم نقض اليقين بالشك. قرائن مختلفة في الروايات تشير إلى الترخيص وعدم اهتمام الشارع بالتشدد في أمر الطهارة: اعتبار بدل الطهارة الترابية للوضوء، وعدم التشدد في دم القروح والجروح، والعفو عن الدم الأقل من مقدار الدرهم، وقرائن أخرى لن تخفى على أي شخص بمراجعة الروايات. (الطوسي، ١٤٠٧هـ، ج ١، ص ٢٥٠-٢٥٨) بالطبع، هذه النقطة لا تعني التسامح غير المنضبط في أمر الطهارة؛ بل في الموارد التي تكون فيها النجاسة قطعية، اهتم الشارع المقدس بها وأمر برفع النجاسة، بل وأمر بالاحتياط أحياناً. (للمثال: الطوسي، ١٤٠٧هـ، ج ١، ص ٢٥١) من مجموع هذه الأدلة، يمكن فهم أن الشارع لا يميل إلى التشدد فيما يتعلق بالطهارة المشكوكة، وقد فصّل أيضاً فيما يتعلق بالنجاسات المعلومة، ففي بعض الموارد مثل الدم، واجه بترخيص أكبر نسبياً من البول والمني.
من الأمثلة على ذلك: «عَنْ حَكَمِ بْنِ حُكَيْمٍ الصَّيْرَفِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) أَبُولُ وَ لَا أُصِيبُ الْمَاءَ وَ قَدْ أَصَابَ يَدِي شَيْءٌ مِنَ الْبَوْلِ فَأَمْسَحُ بِالْحَائِطِ أَوِ التُّرَابِ ثُمَّ تَعْرَقُ يَدِي فَأَمَسُّ وَجْهِي أَوْ بَعْضَ جَسَدِي أَوْ يُصِيبُ ثَوْبِي قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ.» (الطوسي، ١٤٠٧هـ، ج ١، ص ٢٥٠)
وأيضًا: «عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: إِنْ أَصَابَ ثَوْبَ الرَّجُلِ الدَّمُ فَصَلَّى فِيهِ وَ هُوَ لَا يَعْلَمُ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ وَ إِنْ هُوَ عَلِمَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَنَسِيَ وَ صَلَّى فِيهِ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ.» (الطوسي، ١٤٠٧هـ، ج ١، ص ٢٥٤)
للاستئناس بالمطلب، يمكن طرح هذا السؤال: هل تعليل عدم نقض اليقين بالشك لو طُبّق في عدة موارد مستحبة، هل كان من الممكن تعميمه على سائر الفقه؟
الغرض هو أن حصر تطبيق الاستصحاب في الطهارة يقوي هذا الاحتمال بأن هناك خصوصية في باب الطهارة من وجهة نظر الشارع، لا يرى فيها الشارع الشك ناقضاً لليقين، وهذه الخصوصية تتعلق بعدم اهتمام الشارع بموارد الشك وتقديم طريقة تسهيلية لها. ونتيجة لذلك، فإن عدم نقض اليقين بالشك لن يكون قابلاً للتطبيق إلا في الموارد التي يُحرز فيها مثل هذا التوجه من جانب الشارع.
٤-٤. حقيقة الأصل العملي
باستقراء ودراسة مضمون جميع الأصول العملية الشرعية، نصل إلى أن حقيقة وروح الأصل العملي هي إخراج المكلف من التردد والتسهيل والترخيص له مع جعل المعذورية عند الشك (الكنجي، ١٣٩٣ش، zaya.io/dw34e). والاستصحاب أيضاً ليس مستثنى من هذه القاعدة، وحقيقته كباقي الأصول العملية هي التسهيل على العباد. وللمثال، نذكر بعض الأصول العملية لتتضح النقطة المذكورة أكثر.
أ) بناءً على حديث «رفع ما لا يعلمون»، كلما شك المكلف في تكليف، وبعد الفحص والبحث في الأدلة الشرعية لم يتضح له الحكم الواقعي في ذلك الشيء؛ فإن الشارع المقدس لتخليصه من الحيرة، يحكم ببراءة ذمته من التكليف المشكوك؛ مثلاً، يشك المكلف هل شرب التبغ حرام أم لا؟ ولكنه لا يجد دليلاً على حرمته، فيحكم الشارع المقدس بإباحة فعل التكليف المشكوك، ونتيجته الترخيص والتسهيل للمكلفين (انظر: العراقي، ١٤١١هـ، ج ٤، ص ٤٦؛ الكنجي، ١٣٩١ش، zaya.io/dw34e). هذا الأصل يهدف إلى إيجاد تسهيل وترخيص بالنسبة للحكم الواقعي؛ ونتيجة لذلك، إذا أدى إجراء البراءة إلى تكليف ومشقة على المكلف، فإنه لا يجري. (الملكي الأصفهاني، ١٣٤٢ش، ص ١٥٤)
ب) قاعدة الطهارة من القواعد الفقهية المشهورة التي تحكم بطهارة جميع الأشياء ما لم تُعلم نجاستها. بموجب هذه القاعدة، فإن حالة الشك في الطهارة أو النجاسة محكومة بالطهارة، سواء كان الشك في أن الشيء نجس ذاتاً أم لا، أو أننا نعلم أنه طاهر ذاتاً ولكن لا نعلم هل لامس شيئاً نجساً أم لا، ففي كلتا الحالتين نحكم بالطهارة. لإثبات هذه القاعدة، استُدل بعدة روايات، منها هذه الرواية التي قال فيها الإمام الصادق (ع): «كل شيء طاهر حتى تعلم أنه نجس.» (الحر العاملي، ١٤١٦هـ، ج ١، ص ٤٦٧). هذا الأصل أيضاً يهدف إلى إيجاد الترخيص للمكلفين.
ج) إحدى القواعد واسعة الاستخدام في الفقه هي قاعدة الفراغ، ومضمونها أنه كلما أدى المكلف عملاً ثم شك بعده في بعض أجزائه أو كيفيته، هل أتى به صحيحاً أم لا، فإن الشارع يحكم بصحة ذلك العمل ويلغي الشك. في نظر الكثير من الأعلام، هذه القاعدة هي أصل عملي. (انظر: الشهيدي، ١٣٩٦ش، zaya.io/e5z0h). يقول الإمام الباقر (ع): «إذا شككت في أي عمل أديته، فلا تعتنِ بشكك وتعامل معه كما أديته.» (الحر العاملي، ١٤١٦هـ، ج ٨، ص ٢٣٨)، ومن الواضح أن حكم الإمام هنا مبني على التسهيل على العباد. (الكنجي، ١٣٩٣ش، zaya.io/dw34e)
د) إحدى الأصول الأخرى واسعة الاستخدام في الفقه هي قاعدة الحلية، ومقتضاها أنه كلما شك المكلف في حلية شيء، جاز له التصرف فيه من ناحية الشارع المقدس، وفي الواقع، هذه القاعدة تعني جواز التصرف في الأشياء الخارجية التي يُتردد في حليتها. استدل الفقهاء لإثبات هذه القاعدة بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة، ومن أهم هذه الأدلة يمكن الإشارة إلى رواية «كل شيء لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه.» (الكليني، ١٣٦٣ش، ج ٥، ص ٣١٣). هذا الأصل أيضاً يهدف إلى رفع التكليف وبالتالي إيجاد التسهيل. (الكنجي، ١٣٩٣ش، zaya.io/dw34e)
من خلال الاستقراء في الأصول العملية، يمكن استنتاج أن الأصول العملية الشرعية تهدف أساساً إلى إيجاد الترخيص للمكلفين. ونتيجة لذلك، أولاً، لا تشمل الأصول العملية الموارد التي يهتم بها الشارع اهتماماً أكبر، وربما في موارد مختلفة مثل حقوق الناس، يُدعى إلى الجدية والاحتياط. ثانياً، تهدف هذه الأصول إلى إيجاد التسهيل ورفع التكليف، ونتيجة لذلك، لا تجري في الموارد التي يوجب فيها الأصل تكليفاً، أو على الأقل يوجد شك في جريانه.
٥-٤. إلغاء الاستصحاب بالنسبة لبعض الأحكام الإلزامية
بدراسة الأحكام الإلزامية، نلاحظ موارد تكون فيها أركان الاستصحاب كاملة، ووفقاً للمبنى المشهور هي محل جريان الاستصحاب؛ ولكنهم لم يجروا الاستصحاب وعبروا عنه بإلغاء الاستصحاب. هنا نشير إلى بعض الأمثلة لهذه الموارد:
١) بالنسبة لأيام الاستظهار، مع أن الحالة السابقة للمرأة هي بقاء الدم والحدث؛ إلا أن الشارع لم يلحظ هذه الحالة السابقة، ونتيجة لذلك لم يجرِ الاستصحاب. (انظر: الخوئي، ١٤١٨هـ، ج ٧، ص ٣٦٨؛ الكنجي، ١٣٩٣ش، الجلسة ٩٢)
٢) في حالة المرأة التي تشك هل انقطع دم حيضها أم أنها لا تزال في فترة الحيض، ورد في الروايات أنه يجب على هذه المرأة أن تفحص، وهذا الحكم في الروايات (الكليني، ١٣٦٣ش، ج ٣، ص ٩٤) يساوي إلغاء استصحاب بقاء دم الحيض. (الكنجي، ١٣٩٣ش، الجلسة ٩٢)
٣) إذا كان شخص في حياته مشغول الذمة بدين، وبعد وفاته وُجد شك في سداد الدين؛ قيل إن استصحاب بقاء الدين في ذمة هذا الشخص لا يكفي؛ بل يجب أن يُضاف إليه اليمين. (الخوئي، ١٤١٨هـ، ج ٢٧، ص ٩٠)
٤) في الموارد التي هي محل جريان قاعدة الفراغ والتجاوز، تُقدّم على الاستصحاب، ولا يجري الاستصحاب (الأنصاري، ١٤٢٨هـ، ج ٣، ص ٣٢٥). من الواضح أنه في هذه الموارد، إذا جرى الاستصحاب، يثبت حكم إلزامي، بينما بجريان قاعدة الفراغ والتجاوز، يُلغى هذا الحكم الإلزامي. مما لا شك فيه أن موارد إلغاء الاستصحاب أكثر بكثير مما يسمح به هذا المقال، وثانياً، تتطلب بحثاً أوسع.
٦-٤. شريعة سمحة سهلة
مجموعة الأدلة السابقة، بالإضافة إلى هذه النقطة المهمة وهي أن الشريعة هي شريعة تسهيل ورأفة ورحمة (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج ٥، ص ٤٩٤)، بحيث أن الشارع المقدس في ظرف الجهل حكم في معظم الحالات بالمعذورية، واعتبر العمل بالحكم الظاهري للمكلف معذراً ومجزياً عن التكليف، وهو أفضل شاهد على كون الشريعة سمحة وسهلة، وهو أنه حيثما يُذكر الجهل؛ يكون حكم الشارع بالمعذورية. بتعبير أفضل، الجهل في الشريعة يساوي المعذورية، وحديث «لا تعاد» شاهد جيد على هذا الادعاء. جريان الاستصحاب في الأحكام الترخيصية يتوافق أيضاً مع التسهيل والرأفة والرحمة من الشارع، بينما جريانه في الأحكام الإلزامية يخالف هذا الغرض. (الكنجي، ١٣٩٣ش، الجلسة ٩٣)
هذا الدليل ليس كافياً لإثبات المدعى المذكور؛ لأن وجود أصول مختلفة، بما في ذلك أصل البراءة والطهارة، كافٍ لإثبات دأب الشارع، ولا يمكن الاستناد إلى دليل السهولة واليسر لإثبات ترخيص آخر؛ نعم، يمكن أن يكون مؤيداً للمدعى المذكور.
٥. نقد أدلة الانحصار
الأدلة التي طُرحت لإثبات انحصار الاستصحاب وعدم شموله للأحكام الإلزامية قد تواجه إشكالات، وفيما يلي تُطرح هذه الإشكالات وتُدرس.
قد يقال إن إطلاق تعليل الإمام (ع) بأن «اليقين لا يزول بالشك» يشمل كل يقين، ولا فرق في الموارد إلا إذا خصصه دليل خاص.
أولاً: ظاهراً، الفقرة المذكورة هي حكمة الحكم وليست علة، وفي هذه الحالة يواجه تعميم الحكم على موارد مشابهة بـ«إذا» و«لو». والقرينة على ذلك هي عدم تعميم هذه الروايات في لسان القدماء. (الأنصاري، ١٤٢٨هـ، ج ٣، ص ١٤) وكذلك عدم تطبيق هذه القاعدة في موارد مختلفة.
ثانياً: بناءً على قبول كون هذه الفقرة علة، فإن مثل هذه العبارة لا تشبه الأمور التعبدية، ويبدو أنها من مقبولات المخاطب ومن معقولاته، وإن لم يكن قد التفت إليها قبل ذلك. (الخوئي، ١٤٢٢هـ، ج ٢، ص ٢١) في هذه الحالة، لا يمكن تفسير الرواية بطريقة تبدو فيها معناها أمراً تعبدياً تماماً ولا تتناسب مع معقولات المخاطب؛ وبناءً على ذلك، ما يبدو معقولاً هو تناسب الحكم التسامحي مع الأمور الترخيصية وعدم التسامح في الأمور غير الترخيصية. ونتيجة لذلك، فإن الكشف عن جريان الأصل العملي للاستصحاب في مورد الطهارة يكشف عن أن الطهارة ليست أمراً يهتم الشارع بحدوده وثغوره، ويدعو المكلف في موارد الشك إلى الاحتياط.
قد يُشكل بأنه مع الادعاء المذكور أعلاه، سيكون الاستصحاب أمراً عقلائياً، بينما هو ليس كذلك.
ولكن، كما قال المرحوم الخوئي في رده على هذا الإشكال، مفاد التعليل وإن كان موجوداً في ارتكاز المخاطب؛ إلا أن تطبيقه على الاستصحاب تعبدي؛ بعبارة أوضح، المخاطب يعلم أن الأمر المحكم لا يزول بالأمر غير المستحكم؛ ولكنه لم يلتفت إلى إمكانية تطبيقه في موارد الاستصحاب التي يكون فيها اليقين بالشك في معرض الزوال. (الخوئي، ١٤٢٢هـ، ج ٢، ص ٢١) وبناءً على ذلك، فإن الاستصحاب هو تطبيق تعبدي لأمر عقلائي. ونتيجة لذلك، فإن تطبيق الاستصحاب في بعض الموارد التي لا يراها العقلاء مناسبة لمثل هذا الحكم، بل وربما يستقبحونها، ليس مقبولاً.
إشكال آخر قد يُطرح في عدم قبول إطلاق روايات الاستصحاب؛ هو أنه في موارد جديرة بالاهتمام، يكون الاستصحاب مقبولاً بينما هو من الأحكام الإلزامية، على سبيل المثال، استصحاب أحكام الشرائع السابقة مقبول لدينا.
الجواب هو أن هناك قواعد وعمومات أخرى يمكن تقديمها لتبرير الموارد المذكورة، ولا يمكن بسبب مثل هذه الموارد تغيير ظهور العبارة وشمولها. كون أحكام الشرائع السابقة معتبرة ليس مستثنى من هذه القاعدة، واعتبارها لا يقتصر على الاستصحاب؛ بل إن ارتكازات المتشرعة وكذلك قواعد مثل المقتضي والمانع وما شابهها يمكنها بسهولة تبريره.
النتيجة
دراسة الأدلة في هذا البحث تظهر ما يلي:
أ. جميع الموارد التي طُبقت في الروايات من قبل الإمام المعصوم (ع) كانت ترخيصية وتسهيلية؛ لأن في هذه الروايات طُبق عدم نقض اليقين بالشك على بقاء الطهارة، وهو من ناحية يفيد عدم وجوب الوضوء وعدم وجوب التطهير، ومن ناحية أخرى، دأب الشارع على عدم التشدد في فرض الشك في باب الطهارة.
ب. بالنظر إلى تناسب الحكم والموضوع، وكذلك وجود احتمال الخصوصية في باب الطهارة، فإن وجود الإطلاق في أدلة حجية الاستصحاب محل تردد جدي، ولا يوجد دليل متقن لتحديد نطاقه. هذا في حين أن إثبات اتساع الاستصحاب يتطلب دليلاً يمكن الاعتماد عليه؛ وبناءً على ذلك، بدون دليل مقبول ومع الروايات والأدلة الموجودة، فإن اعتبار جريان الاستصحاب في الأحكام الإلزامية غير مقبول.
ج. دراسة حقيقة وروح الأصل العملي تظهر أن تشكل الأصل العملي في الشريعة هو نوعاً ما إيجاد تسهيل في أداء التكاليف، بالإضافة إلى أن الشارع المقدس قد بنى شريعته على التسهيل وراحة عباده.
د. على الرغم من وجود أدلة قابلة للدفاع عنها مثل كون عبارة «عدم نقض اليقين بالشك» حكمة لتخصيص الاستصحاب بالشك في بقاء الطهارة؛ إلا أنه بالنظر إلى فهم الفقهاء لعلية هذه العبارة في الصحيحتين الأولى والثانية، وبالنظر إلى خصوصية موارد الروايات، فإن القدر المتيقن من سعة الاستصحاب هو الأمور الترخيصية التي توجد تسهيلاً للمكلف.
المصادر والمراجع
١. ابن زهرة، حمزة بن علي (١٤١٧هـ). غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع. قم: مؤسسة الإمام الصادق (ع).
٢. ابن منظور، محمد بن مكرم بن علي جمال الدين (١٤١٤هـ). لسان العرب. بيروت: دار صادر.
٣. أحمد بن فارس بن زكرياء (١٣٩٩هـ). معجم مقاييس اللغة. بيروت: دار الفكر.
٤. أحمدي الشاهرودي، عبدالله (١٣٨٢ش). الاستصحاب في الشبهات الحكمية. بحوث أصولية ١٣٨٢، العددان ٢ و ٣.
٥. آخوند الخراساني، محمد كاظم بن حسين (١٤٤٢هـ). كفاية الأصول. قم: مجمع الفكر الإسلامي.
٦. الأزهري، محمد بن أحمد (١٤٢١هـ). تهذيب اللغة. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
٧. الأنصاري، مرتضى (١٤٢٨هـ). فرائد الأصول. قم: مجمع الفكر الإسلامي.
٨. پورصدقي، رضا ومحمدرضا شبان (١٤٠٠هـ). جريان الاستصحاب في الشبهات المفهومية. مجلة بحوث أصولية، العدد ٢٨، ص ١٢١-١٣٨.
٩. الطهراني، سيد محمد حسين الحسيني (١٤١٨هـ). ولاية الفقيه في حكومة الإسلام. الطبعة الأولى، بيروت: دار الحجة البيضاء.
١٠. الحائري الأصفهاني، محمد حسين (١٤٠٤هـ). الفصول الغروية في الأصول الفقهية. قم: دار إحياء العلوم الإسلامية.
١١. الحر العاملي، محمد بن حسن (١٤٠٩هـ). وسائل الشيعة. قم: مؤسسة آل البيت.
١٢. الحسيني الزبيدي، محمد مرتضى (١٤١٤هـ). تاج العروس من جواهر القاموس. بيروت: دار الفكر.
١٣. الحلي (فخر المحققين)، محمد بن حسن (١٣٨٧هـ). إيضاح الفوائد في شرح مشكلات القواعد. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة إسماعيليان.
١٤. الحلي (العلامة)، حسن بن يوسف (١٤٠٤هـ). مبادئ الوصول إلى علم الأصول. قم: المطبعة العلمية.
١٥. الحلي (المحقق)، جعفر بن حسن (١٤٠٣هـ). معارج الأصول. قم: مؤسسة آل البيت (ع).
١٦. الخميني، روح الله (١٣٨١ش). الاستصحاب. طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (ره).
١٧. الخوئي، أبو القاسم (١٤١٨هـ). موسوعة الإمام الخوئي. قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي (ره).
١٨. الخوئي، أبو القاسم (١٤٢٢هـ). مصباح الأصول. قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي.
١٩. الخوئي، أبو القاسم (١٤٠٠هـ). مصباح الفقاهة. قم: انتشارات وجداني.
٢٠. الزنجاني، سيد موسى الشبيري (١٤١٩هـ). كتاب النكاح. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة پژوهشي رأي پرداز.
٢١. الشريف، علم الهدى، سيد مرتضى (١٣٧٦هـ). الذريعة إلى أصول الشريعة. طهران: جامعة طهران.
٢٢. الشهيدي، محمد تقي (١٣٩٦هـ). تقرير درس خارج أصول آية الله الشهيدي. zaya.io/e5z0h /https://www.eshia.ir/feqh/archive/text/shahidi/osool/96/960619
٢٣. الصدر، محمد باقر (١٤١٧هـ). بحوث في علم الأصول. قم: مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي بر مذهب أهل البيت (ع).
٢٤. الصيمري، مفلح بن حسن (حسين) (١٤٢٠هـ). غاية المرام في شرح شرائع الإسلام. الطبعة الأولى، بيروت: دار الهادي.
٢٥. الطباطبائي المجاهد، محمد بن علي (١٢٩٦هـ). مفاتيح الأصول. قم: مؤسسة آل البيت (ع).
٢٦. الطوسي، محمد بن حسن (١٤١٤هـ). العدة في أصول الفقه. بلا مكان، بلا ناشر.
٢٧. العاملي، حسن بن زين الدين (١٤١٥هـ). معالم الأصول. بيروت: دار الفكر العربي.
٢٨. العاملي، زين الدين بن علي (١٤١٦هـ). تمهيد القواعد. قم: مكتب الإعلام الإسلامي.
٢٩. العاملي، الشهيد الأول محمد بن مكي (١٤١٩هـ). ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة. قم: مؤسسة آل البيت (ع).
٣٠. العراقي، ضياء الدين (١٤١١هـ). منهاج الأصول. بيروت: دار البلاغة.
٣١. عظيمي الكركاني، هادي (١٣٨٦ش). دراسة اعتبار الاستصحاب في الشك في المقتضي من وجهة نظر أدلته. مقالات ودراسات، بوابة العلوم الإنسانية الشاملة.
٣٢. العميدي، سيد عميد الدين بن محمد أعرج الحسيني (١٤١٦هـ). كنز الفوائد في حل مشكلات القواعد. الطبعة الأولى، قم: دفتر انتشارات إسلامي.
٣٣. الفيومي، أحمد بن محمد (١٣٩٧هـ). المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي. القاهرة: دار المعارف.
٣٤. القمي، سيد تقي الطباطبائي (١٤٢٣هـ). الدلائل في شرح منتخب المسائل. الطبعة الأولى، قم: كتاب فروشي محلاتي.
٣٥. القمي، صدوق، محمد بن علي بن بابويه (١٣٨٦هـ). علل الشرائع. قم: كتاب فروشي داوري.
٣٦. الكليني، أبو جعفر محمد بن يعقوب (١٣٦٣ش). الكافي. طهران: دار الكتب الإسلامية.
٣٧. الكليني، أبو جعفر محمد بن يعقوب (١٤٠٧هـ). الكافي. الطبعة الرابعة، طهران: دار الكتب الإسلامية.
٣٨. الكنجي، مهدي (١٣٩٣ش). تقرير درس خارج أصول آية الله الكنجي. مقرر حجة الإسلام الغروي. https://zaya.o/dw34e
٣٩. المشكيني الأردبيلي، علي (١٣٧٤هـ). اصطلاحات الأصول ومعظم أبحاثها. قم: الهادي.
٤٠. المنتظري، حسين علي (١٤٠٩هـ). دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية. الطبعة الثانية، قم: نشر تفكر.
٤١. الملكي الأصفهاني، مجتبى (١٣٤٢ش). فرهنگ اصطلاحات أصول. الطبعة الأولى، قم: نشر المصطفى (ص).
٤٢. النائيني، محمد حسين (١٣٧٨هـ). فوائد الأصول. قم: دفتر انتشارات إسلامي.
٤٣. النائيني، ميرزا محمد حسين الغروي (١٤١١هـ). كتاب الصلاة. الطبعة الأولى، قم: دفتر انتشارات إسلامي.