مستثنيات الاحتياط في الأحكام التوصلية

الملخص

إنّ أكثر الفقهاء – في مباحث الاجتهاد والتقليد – يعدّون جواز الاحتياط في التوصليات المحضة (المعاملات بالمعنى الأعم) أمراً واضحاً، وقد مرّوا عليه مرور الكرام وقلّما التفتوا إلى جوانبه. ولكن عند التدقيق في دائرة الأحكام التوصلية، تبرز أحكام لا يتضح فيها حكم جواز الاحتياط، بل وتصطدم بمانع. وهذه الموانع هي التي تستدعي استثناء هذه الأحكام من دائرة جواز الاحتياط في التوصليات. والسؤال الرئيس في هذا البحث هو الكشف عن هذه المستثنيات للاحتياط في الأحكام التوصلية. يهدف هذا البحث إلى تبيين الحكم الكلي لجواز الاحتياط في التوصليات بدقة، وذلك عبر دراسة أهم استثناءات هذا الحكم في الفقه، باستخدام منهج تحليل المحتوى الكيفي التاريخي. وأهم الأحكام المستثناة من حكم جواز الاحتياط تندرج ضمن فئتين: المستثنيات الذاتية والمستثنيات العرضية. الفئة الأولى هي الأحكام التي لا تقبل الاحتياط ذاتاً؛ كالأحكام العلمية والاعتقادية والاحتياط في مقام التزاحم. أما الفئة الثانية، فتشمل بعض العناوين التي تعرض على الاحتياط فتمنع جوازه؛ مثل الإضرار والعسر والحرج ووهن الدين أو المذهب، والتي قد تمنع الاحتياط مطلقاً في بعض الحالات، أو في ظروف خاصة في حالات أخرى.

مقدمة

يمكن للمكلف في مقام امتثال أي تكليف أن يختار أحد الطرق الثلاثة: الاجتهاد، أو التقليد، أو الاحتياط. وميزة الاحتياط على الاجتهاد والتقليد تكمن في كونه جامعا للأطراف؛ فبالاحتياط يمكن تحقيق اليقين بامتثال التكليف الذي قرره الشارع المقدس له؛ إذ إن جميع الاحتمالات القائمة في كل مسألة قد أتى بها المكلف المحتاط؛ ومن ثم يحصل القطع بإتيان التكليف الواقعي عند الشارع.

والمراد بالاحتياط في هذا المقام هو أن يجمع المكلف، مع علمه بالآراء المختلفة في كل مسألة، بين جميع الآراء ليتيقن أنه قد أدى التكليف الواقعي. وهذا النوع من الاحتياط يكون في الشبهات الحكمية، وهو يختلف عن الاحتياط في الشبهات الموضوعية المطروح في الأصول العملية. ومن يريد العمل بالاحتياط، تُتصور له أربع حالات بالنسبة إلى الاجتهاد والتقليد:

  1. أن يكون متمكناً من كل من الاجتهاد والتقليد.
  2. أن يكون متمكناً من الاجتهاد فقط.
  3. أن يكون متمكناً من التقليد فقط.
  4. ألا يكون متمكناً من أي منهما، وإنما هو قادر على الاحتياط فحسب.

والحالة الرابعة خارجة عن محل البحث؛ إذ في هذه الصورة لا معنى لبحث جواز الاحتياط في حقه؛ لأنه لم يبق له طريق لأداء تكليفه سوى الاحتياط.

ويُبحث حكم الاحتياط في ثلاثة مقامات: التوصليات المحضة، والمعاملات، والتعبديات. وهذه المقالة بصدد دراسة مستثنيات الاحتياط في التوصليات.[1] ومنهج جمع المعلومات في هذه المقالة هو المنهج المكتبي، الذي يعتمد على تحليل المحتوى الكيفي لدراسة الأبعاد المختلفة لهذه القضية.

1. خلفية البحث

في أوسع نطاق ممكن، يتم أولاً بحث خلفية مسألة الاحتياط في عبارات الفقهاء. والاحتياط المطروح عند المتقدمين لا علاقة له بالاحتياط الذي هو في عرض الاجتهاد والتقليد. فللسيد المرتضى مباحث حول معنى الاجتهاد وحكمه (الشريف المرتضى، 1405هـ، ج2، ص 316-328)، وللشيخ الطوسي مباحث في خصوص التقليد ومسائله (الطوسي، 1417هـ، ج2، ص 723-732)، ومباحثهما ناظرة أيضاً إلى جواز التقليد في الفروع وعدم جوازه في الأصول؛ ولكن لم يشر أي منهما إلى مباحث الاحتياط كطريق في عرض الاجتهاد والتقليد.

وقد استنبط بعض المتأخرين بطلان العمل بالاحتياط من القول ببطلان صلاة الجاهل بالأحكام – الذي طُرح منذ عهد السيد المرتضى (الشريف المرتضى، 1405هـ، ج2، ص 383) والعلامة الحلي (الحلي، 1413هـ، ج3، ص 115) والشهيدين (العاملي، 1419هـ، ج4، ص 325؛ والعاملي، 1402هـ، ج2، ص 1058) ونقلوه أيضاً – (النجفي، د.ت، ج14، ص 343).

وفي كلام الشهيد الأول في الألفية[2] (العاملي، 1408هـ، ص 39) والشهيد الثاني في كتاب روض الجنان (العاملي، 1402هـ، ج2، ص 663)، توجد إجمالات في تبيين مقدمات عن الصلاة الواجبة لا تقبل للمكلف طريقاً غير الاجتهاد والتقليد؛ ونتيجة لذلك، فإن صلاة من يعمل بغير الاجتهاد والتقليد باطلة في نظرهما، بحيث يندرج العمل بالاحتياط في كلامهما ضمن التقليد، ويكون معنى التقليد أعم من تقليد مجتهد واحد أو عدة مجتهدين، وفي هذه الحالة يدخل في محل البحث.

ويرى المحقق الحلي في خاتمة كتاب المعارج[3] (الحلي، 1403هـ، ص 298) أن العمل بالاحتياط غير لازم، ويتناول أدلة القائلين بوجوب الاحتياط. وإذا قُبل ظهور كلامه في الاحتياط في الشبهات الحكمية، فهو أول من تكلم عن الاحتياط في عرض الاجتهاد والتقليد وتناوله باختصار؛ ولكن بالنظر إلى أبحاثه في دراسة أدلة المخالفين، وخاصة المثال الذي يورده لتوضيح ذلك، يبدو أن ظهور كلامه هو في الاحتياط في الشبهات الموضوعية أو الاحتياط في الأصول العملية، ولا علاقة له بالاحتياط في عرض الاجتهاد والتقليد.

بالطبع، يطرح مسألتين قبل ذلك قد لا تكونان بمعزل عن الاحتياط. مسألة تتعلق بالعمل بالأكثر (الحلي، 1403هـ، ص 294) وأخرى تتعلق بالعمل بالأثقل (الحلي، 1403هـ، ص 295). قد يكون المراد بهما هو العمل المطابق للاحتياط، أو على الأقل يكون الاحتياط مصداقاً لهذين العنوانين، وفي هذه الحالة سيرتبط ببحث الاحتياط.

وقد خصص الفاضل التوني في كتاب الوافية في الأصول باباً مستقلاً لبحث الاجتهاد والتقليد، وفي ذيل بحث التقليد ينبه إلى هذه المسألة أيضاً ويقول بوجود طريق ثالث وجواز الاحتياط، ويقول إنه إذا أتى شخص بأعماله على الوجه الصحيح من دون اجتهاد وتقليد، فلا يمكن الحكم ببطلان عمله[4] (التوني، 1415هـ، ص 308)؛ وبناءً على ذلك، فهو ظاهراً أول من استخدم عنوان الاحتياط لطريق ثالث غير الاجتهاد والتقليد.

وبعده، خصص حسين بن شهاب الدين الكركي العاملي في كتاب هداية الأبرار باباً للاجتهاد والتقليد، وفي الباب السادس من هذا الكتاب يبحث في خصوص الاحتياط. وطرح هذا البحث بشكل مستقل (وليس في ذيل بحث الاجتهاد والتقليد) من قِبله أدى إلى أن تأخذ مباحثه صبغة أصالة الاحتياط وأدلتها (العاملي، 1396هـ، ص 223).

أما السيد محمد مجاهد الطباطبائي الحائري في كتاب مفاتيح الأصول، فقد قال بعدم لزوم الاحتياط في مسألة «الاحتياط في العمل بالأحكام»[5] (الطباطبائي، 1296هـ، ص 506).

ويبحث المرحوم الشيخ الأنصاري في بحث الاجتهاد والتقليد حكم الاحتياط في قسمي المعاملات والعبادات. ووفقاً لرأيه، لا ينبغي إصدار حكم واحد للاحتياط في جميع أبواب الفقه، بل يجب بحث حكم الاحتياط في قسمي العبادات والمعاملات بشكل مستقل بالنظر إلى الأدلة وكلمات الفقهاء (الأنصاري، 1428هـ، ص 48-53). وجذر هذا التقسيم مستلهم من تبويب المحقق الحلي في كتاب شرائع الإسلام.

وقد اعتبر جواز الاحتياط في المعاملات إجماعياً، وذكر دليله ترتب الآثار على أسباب المعاملات التي يتم إحرازها بالاحتياط. كما يجيز الاحتياط في العبادات ويبحثه بالتفصيل. والإشكال الرئيسي الذي قد يعرض على العبادة بسبب الاحتياط، يراه في الخلل في قصد الوجه والتمييز، وهو لا يرى لزوم قصد الوجه والتمييز في العبادات، ولا يرى ورود خلل في قصد القربة أيضاً؛ لأن قصد القربة، وفقاً لرأيه، متوافق مع الاحتياط، ولا توجد مشكلة في الاحتياط في العبادة من هذه الناحية.

وليس للمرحوم النائيني في أجود التقريرات بحث مستقل في خصوص الاحتياط؛ ولكن في ذيل بحث القطع حول الامتثال الإجمالي والتفصيلي، لديه مباحث يتناول فيها الاحتياط في المعاملات والعبادات بالمناسبة. وهو يعتقد بجواز الاحتياط في المعاملات؛ ولكنه في العبادات قائل بالتفصيل. ففي رأيه، الاحتياط في العبادة التي لا تستلزم التكرار جائز، أما الاحتياط الذي يحتاج إلى تكرار، فغير جائز (النائيني، 1352هـ، ج2، ص 44). كما أنه لا يجيز الاحتياط في الشك البدوي قبل الفحص، ويعتقد أنه في حال التمكن من الامتثال التفصيلي، يجب تحصيل العلم التفصيلي، والاحتياط غير جائز (النائيني، 1352هـ، ج2، ص 46).

ويفتي المرحوم السيد كاظم اليزدي في العروة الوثقى بمنهج فقهي فتوائي بجواز الاحتياط، وخلال أربع مسائل يبيّن حكم بعض مسائل الاحتياط، منها التكرار في الاحتياط، والاحتياط بالفعل أو الترك، وبالطبع لا يشير إلى أدلتها، ولا يفصل بين قسمي العبادات والمعاملات، ولكنه يرى جوازه هو القول الأقوى (الطباطبائي اليزدي، 1409هـ، ج1، ص 3-4).

وقد علّق المرحوم الحكيم في مستمسك العروة على مسائل الاحتياط في العروة، وفصّل في مباحثها بعض الشيء. وبطرحه بعض أدلة منع جواز الاحتياط، دخل إلى حد ما في المباحث الاستدلالية لهذا المبحث، وفي النهاية يقبل جوازه (الطباطبائي، 1416هـ، ج1، ص 6-9).

كما يبحث المرحوم الآقا مرتضى الحائري اليزدي في شرح العروة بشكل مفصل عن الاحتياط ويجيب على مناقشاته، ويعتقد بجوازه في مطلق العبادات والمعاملات (التوصليات والمعاملات بالمعنى الأخص) (اليزدي، 1426هـ، ج1، ص 26-35).

ويتناول المرحوم الخوئي في كتاب التنقيح بشكل مفصل زوايا بحث الاحتياط، ويبحثه في مقامي العبادات والمعاملات، ويعتقد بجوازه (الخوئي، 1418هـ، ص 67-76).

كما تناول المرحوم آية الله التبريزي بشكل مفصل زوايا هذا البحث، وبدراسة المناقشات الواردة على جواز الاحتياط، يجيب عليها، وفي النهاية يجيز الاحتياط في مطلق العبادات والمعاملات (التبريزي، 1426هـ، ص 8-14).

وكما يلاحظ، فإن أكثر الفقهاء لم يولوا عناية خاصة للاحتياط في التوصليات أو تلك الأحكام.

2. ضرورة البحث وأسئلته

كما يُستنبط من خلفية البحث، فإن الفقهاء إما لم يولوا عناية لمباحث الاحتياط في الأحكام، أو مروا عليها مرور الكرام. وعدم تناول أصل هذه المسألة أدى إلى أن أبعادها المختلفة، خاصة بحث استثناءات التوصليات، لم يشمل مباحث الفقهاء من باب أولى. وهذا الأمر بالذات هو ما يجعل تناول هذه المسألة ذا أهمية. ومن جهة أخرى، فإن أحد الأسئلة المهمة والمشتركة في فضاء الفقه والكلام هو بحث التقليد وعدم التقليد في مسائل مثل أصول الدين. والعبارة الأشهر في هذا الفضاء هي عدم إمكان التقليد في الفضاء الاعتقادي والعقائد، مما يترتب عليه أن إمكان امتثال الأمر المولوي بطريقتين (الاجتهاد والاحتياط) لا يزال ممكناً. ومع الأخذ في الاعتبار الخلفية المذكورة، يُلاحظ أن الفقهاء لم يولوا اهتماماً كبيراً لعملية الاحتياط في الحالات المختلفة، خاصة في الأحكام التوصلية (المعاملات بالمعنى العام)، وكان جل اهتمامهم منصباً على الاحتياط في العبادات والمعاملات، وهذه النقطة بالذات كافية لضرورة بحث ودراسة الاحتياط في التوصليات واستثناءات جوازه.

إن الاحتياط من الناحية الكبروية، وهي بحث إمكان الاحتياط في مقام الامتثال، أمر بديهي ولا نزاع فيه؛ لأن الاحتياط مستوفٍ لغرض المولى بشكل قطعي، ولا شك أنه بالعمل بالاحتياط يتم امتثال تكليف المولى ويستوفى غرض الشارع؛ ولكن محل النزاع هو البحث في الناحية الصغروية للمسألة؛ أي بعد قبول إمكان الاحتياط في استيفاء أغراض المولى، هل يوجد طريق جمعي لتحقيق الاحتياط أم لا، وبأي صورة يكون؟ أي بأي طريق وبأي كيفية يتحقق الاحتياط؟ وفي أي مقامات لا يوجد أمان للاحتياط؟

تسعى هذه المقالة إلى دراسة هذه الأسئلة في فضاء التوصليات، وخصوصاً المسائل الاعتقادية.[6]

3. الإطار المفاهيمي

في هذا القسم، تُبحث كلمتا «الاحتياط» و«التوصليات» بوصفهما كلمتين مهمتين في عملية البحث من الناحية المفهومية.

1-3. الاحتياط

كلمة «الاحتياط» من جذر «حوط»، حاط يحوط حياطة بمعنى «جمع کردن» (الجمع)[7] (الفراهيدي، 1409هـ، ج3، ص 276). وقد فسرها البعض بمعنى «حفظ و نگهداری» (الحفظ والرعاية)[8] (ابن سيده، 1421هـ، ج3، ص 483). وكلمة «الاحتياط» من باب «افتعال» بمعنى «الأخذ بأحكم وجه»[9] (الفيومي، 1414هـ، ص 157). وقد فسرها البعض أيضاً بمعنى «الدوران حول شيء»، وهو كناية عن الإحاطة والاستيلاء عليه (موسى، 1410هـ، ج1، ص 313)؛ ولكن متقدمي أهل اللغة فسروها بمعنى «إحراز الشيء والعلم بغايته» (الأزهري، 1421هـ، ج5، ص 119). ومادة «حوط» في باب افتعال؛ الظاهر أنها استخدمت بمعنى الاتخاذ (من المعاني المتداولة لباب افتعال)؛ وقد ورد في معناها: «الأخذ بأوثق الوجوه» (الفيومي، 1414هـ، ص 157).

والتعريف الاصطلاحي للاحتياط متوافق مع معناه اللغوي. وقد وردت تعابير متعددة لتعريف الاحتياط في الكتب الفقهية، وروحها جميعاً تعود إلى هذا المعنى اللغوي نفسه، وهو «جمع المحتملات لإحراز الواقع» (العلوي، د.ت، ج1، ص 216) و«اليقين بالإتيان وإسقاط التكليف»[10] (التبريزي، 1427هـ، ص 4؛ القمي، 1417هـ، ص 7-8؛ السيستاني، 1422هـ، ص 10؛ جماعة من الباحثين، 1423هـ، ج6، ص 162).

2-3. التوصليات

إن عنوان «التوصليات» مستلهم من تقسيم المرحوم المحقق الحلي في الشرائع (الحلي، 1408هـ، ج1، ص 4) والعلامة في تحرير الأحكام (الحلي، 1420هـ، ج1، ص 41)، بهدف تنظيم الأحكام التي لا تندرج تحت العبادات والمعاملات. وباستلهام هذا التقسيم، يمكن دراسة مباحث الاحتياط في ثلاثة مقامات:

1-2-3. المقام الأول: التوصليات المحضة (المعاملات بالمعنى الأعم)

في هذا المقام، سيتم بحث الاحتياط في التوصليات المحضة. ويُطلق على هذا المقام أيضاً عنوان «المعاملات بالمعنى الأعم» (الخوئي، 1418هـ، ج1، ص 48)، والمراد به الأحكام[11] التي لا تتقوم بالإنشاء، ولا تتقوم بقصد القربة، وإنما المطلوب هو مجرد إنجازها؛ وإن لم يكن هناك قصد لإنجازها؛ مثل تطهير الثوب النجس، الذي حتى لو ألقى الريح الثوب في الماء الكر، وتوفرت الشروط الأخرى مثل زوال عين النجاسة، فإن الثوب يطهر؛ مع أنه لم يكن هناك أي قصد أو إنشاء. وبعض الموارد التي تندرج تحت التوصليات، ولكن بسبب خصوصية معينة فيها، يجب بحث حكم الاحتياط فيها بشكل منفصل، هي الأحكام التي لها حيثية علمية أو اعتقادية. الأحكام التي يتعلق بها العلم أو الاعتقاد، ويكون للعلم أو الاعتقاد موضوعية فيها.

موضوع هذه الفئة من الأحكام ليس فعلاً أو أفعالاً جارحية، بل أفعال جوانحية وداخلية، وتُعد من سنخ الأفعال الباطنية. وهذا النوع من الأحكام هو من الأحكام التي يجب أن تندرج في فقه العلوم أو فقه العقيدة (راجع: الأعرافي، الموسوي، 1390ش، ص 87-130). ففي الشريعة الإسلامية توجد أحكام موضوعها العلم والمعرفة، أو أحكام أخرى موضوعها الاعتقاد والالتزام، مثل الاعتقاد بالمعاد، والاعتقاد بالرجعة، وسائر الاعتقادات التي تثبت عن طريق الروايات والأدلة النقلية، والاعتقاد بها واجب.

هذه الفئة من الأحكام تندرج تحت التوصليات؛ أي لم يؤخذ فيها أي من قصد التقرب وقصد الإنشاء؛ ولكن بسبب حيثيتها العلمية والاعتقادية، فإن حكم الاحتياط فيها مختلف.[12] وهذه الأحكام ليست من سنخ العبادات والمعاملات، ومتعلقها أصلاً ليس فعلاً جارحياً وعملاً خارجياً، بل هي من سنخ الأفعال الداخلية التي على أساس ملاك ووجه تقسيم صاحب الشرائع، من الأفضل أن تندرج في التوصليات؛[13] ولكن في خصوص حكم الاحتياط، لا تندرج تحت التوصليات.

وخلاصة القول، إن موضوع الأحكام في نظرة كلية ينقسم إلى قسمين: الأفعال الجارحية والأفعال الجوانحية. في قسم الأفعال الجارحية، يكون العلم طريقاً لكشف الواقع ولا موضوعية له؛ أما الأفعال الجوانحية والداخلية، فلها أنواع مختلفة، منها على الأقل نوعان من الأحكام: موضوعها فعل جوانحي وللعلم فيه موضوعية، أو العلم كمقدمة له وحيثية الاعتقاد والالتزام فيها موضوعية، وفي المجموع يصبحان نوعين (راجع: الأعرافي، الموسوي، 1390ش، ص 87-130). وهذه الخصوصية هي التي تجعل حكم الاحتياط فيها مختلفاً عن سائر التوصليات.

2-2-3. المقام الثاني: المعاملات

في هذا المقام، سيتم بحث الاحتياط في المعاملات، أعم من العقود والإيقاعات. ويُطلق على هذا المقام أيضاً عنوان «المعاملات بالمعنى الأخص» (الخوئي، 1418هـ، ج1، ص 48)، والمراد بها المعاملات التي تتقوم بالإنشاء، أعم من العقد الذي يتقوم بطرفي «الإيجاب» و«القبول»، والإيقاع الذي يتقوم بطرف واحد «الإيجاب»، ويتحقق بمجرد الإنشاء والإيجاب من طرف المنشئ. ففي العقد يمكن التمثيل بالبيع والنكاح والوكالة، وفي الإيقاع يمكن التمثيل بصيغة الطلاق والجعالة.

3-2-3. المقام الثالث: العبادات

في هذا المقام، سيتم بحث الاحتياط في مطلق العبادات. والمراد بالعبادات هو التعبديات التي يُشترط فيها قصد القربة، مثل الصلاة والصوم. وهذه المقالة تتناول الاستثناءات الموجودة في المقام الأول (التوصليات).

4. دراسة موانع الاحتياط في الأحكام التوصلية

الاحتياط في التوصليات في النظرة الأولى أمر جائز (اليزدي، 1426هـ، ج1، ص 26)، بل راجح (راجع: الخوئي، 1418هـ، ص 67)؛ ولكن هناك موانع يمكن أن تمنع جوازه في بعض أحكام التوصليات. وتنقسم هذه الموانع من منظور ما إلى موانع ذاتية وموانع عرضية.

الموانع الذاتية توجد في أحكام لا يمكن امتثال حكمها عن طريق الاحتياط؛ أي أن ذات الموضوع لا تملك هذه القابلية، مثل الأحكام العلمية، والاعتقادية، والأخلاقية.

أما الموانع العرضية، فتكون في أحكام يمكن امتثال حكمها عن طريق الاحتياط ذاتاً؛ ولكن في بعض الأحيان يعرض عنوان ثانوي ويمنع جواز الاحتياط فيها؛ مثل: الإضرار، ووهن المذهب، واختلال النظام.

في هذا البحث، تُدرس الموانع الذاتية تحت عنوان «المستثنيات الذاتية»، والموانع العرضية تحت عنوان «المستثنيات العرضية».

1-4. المستثنيات الذاتية

1-1-4. الأحكام العلمية

الأحكام التي يكون موضوعها أو متعلقها العلم (يكون للعلم فيها موضوعية)، لا يكون الاحتياط فيها ممكناً ومعقولاً. وهذه المسألة مبنية على قبول هذه النقطة، وهي أن العلم والمعرفة يقعان متعلقاً أو موضوعاً للأحكام.

في الموضع الذي يكون فيه العلم واجباً نفسياً أو غيرياً، بمعنى أن أصل العلم والمعرفة له موضوعية وهو مطلوب للمولى؛ في هذه الحالة لا يكون الاحتياط معقولاً، ويجب الوصول إلى العلم؛ لأن الاحتياط يُبنى على أساس الاحتمالات، ولا وجود للعلم فيه؛ بالطبع في الموضع الذي يُؤخذ فيه العلم طريقياً ولا موضوعية له، تكون المسألة مختلفة، ومن هذه الناحية لا يوجد إشكال للاحتياط فيه.

على سبيل المثال، الاجتهاد ثلاثة أنواع: الأول: الاجتهاد لعمل الشخص نفسه؛ الثاني: الاجتهاد لعمل المقلدين (الإفتاء)؛ الثالث: الاجتهاد في نفسه (أي الاجتهاد للاجتهاد، لا لعمل نفسه ولا لعمل الآخرين).

في النوعين الأولين، يكون العلم طريقاً لعمل النفس أو الآخرين؛ أما في النوع الثالث، فالعلم له موضوعية، والاجتهاد في نفسه مستحب أو واجب.[14] وفي هذا النوع الذي له موضوعية العلم، لا يكون الاحتياط معقولاً؛ أما في النوعين الأولين، فالاحتياط ممكن.

2-1-4. الأحكام الاعتقادية

الأحكام الاعتقادية هي الموارد التي أمرنا فيها الشارع بالإيمان والاعتقاد بمسألة ما، أو نهانا عن الاعتقاد بمسألة ما.

والنقطة التي يجب الالتفات إليها في الأمور الاعتقادية هي أن الاعتقاد أساساً أمر اختياري،[15] ونتيجة لكونه اختيارياً، يتعلق به الحكم. والسؤال الذي يطرح تبعا لذلك هو: هل الإيمان والاعتقاد في الواجبات الاعتقادية متوقف على العلم، أم أنه ينشأ في النفس على أساس الاحتمال أيضاً؟

وفي الإجابة على هذا السؤال، توجد ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأول: الاعتقاد يحصل فقط عن طريق العلم أو الظن. فبعد أن يتشكل ترجيح – بنحو علمي أو ظني – في نفس الإنسان، يظهر الاعتقاد تبعا له.

الاحتمال الثاني: بالإضافة إلى العلم والظن، يتشكل الاعتقاد والإيمان في الإنسان عن طريق الاحتمال أيضاً؛ ولكن الشارع لا يقبل الإيمان والاعتقاد القائم على الاحتمال. مثل الأمور الخرافية التي ينشأ الإيمان بمسألة ما في الشخص بمجرد احتمال.

الاحتمال الثالث: هذا الاحتمال مثل الاحتمال السابق، حيث بالإضافة إلى العلم والظن، يمكن للاحتمال أيضاً أن يكون مولداً للإيمان ومسبباً لنشوء الاعتقاد؛ ولكن لا يوجد منع من قبل الشارع للاعتقاد عن طريق الاحتمال.

في الاحتمالين الثاني والثالث، يمكن أن يحصل الاعتقاد في النفس دون أي ترجيح؛ أما في الاحتمال الأول، فلا يحصل الاعتقاد إلا عندما يظهر ترجيح في النفس عن طريق العلم أو الظن.

بناءً على الاحتمال الأول، لا يكون الاحتياط في الاعتقاد معقولاً، لأن الاعتقاد متوقف على ترجيح علمي أو ظني، وفي الاحتياط لا يوجد أي ترجيح. وبناءً على الاحتمال الثاني، يكون الاحتياط في الاعتقاد معقولاً؛ ولكنه غير مقبول من قبل الشارع. وبناءً على الاحتمال الثالث، يكون الاحتياط في الاعتقاد أمراً ممكناً ومعقولاً، ومقبولاً من قبل الشارع أيضاً.

من بين الاحتمالات، يبدو أن الاحتمال الأول، أي تقوم الاعتقاد والإيمان على العلم، هو الأظهر والأولى؛ وإن كان التحقيق في المسألة مبنياً على مباحث فلسفية وكلامية معقدة.

3-1-4. الأحكام الأخلاقية

المراد بالأحكام الأخلاقية هو التكاليف التي ترتبط بحقل الصفات النفسانية للإنسان. الصفات والأحوال النفسية – لأنها ليست فعلاً اختيارياً – لا تقع متعلقاً للحكم التكليفي مباشرة، بل يتعلق الحكم التكليفي بـ«اكتسابها واجتنابها».

والفعل الاختياري أعم من الأفعال الجارحية والجوانحية. والأفعال الجوانحية التي هي نفسها الصفات والأحوال النفسانية من حيث تمهيد المقدمات أو من حيث الاكتساب والاجتناب، تقع تحت اختيار الإنسان، وبهذا السبب يمكن أن تقع متعلقاً للتكليف، وتكتسب حكماً تكليفياً من الناحية الفقهية؛ على سبيل المثال، يمكن للشارع أن يوجب التخلق ببعض الصفات مثل التوكل على الله، ويحرم في المقابل التخلق ببعضها مثل الحسد والكبر (راجع: الأعرافي، 1390ش، ج1، ص 473-479؛ والأعرافي، الموسوي، 1390ش، ص 87-130).

بالنظر إلى هذه النقطة، فإن محل البحث هو أنه في حال التخلق بصفة ما، هل يمكن الاحتياط فيها، وعدم امتثالها عن طريق الاجتهاد والتقليد؟

في هذه المسألة أيضاً، يجب أن يتضح هل التخلق بالأخلاق متوقف على الاعتقاد بحسن ومطلوبية تلك الفضيلة أم لا؟ وإذا أراد أن يتخلق بصفة ما، فهل يجب أن يعتقد بحسنها أيضاً، أم أنه بمجرد الاحتمال يمكنه أن يوجد الصفة المنشودة في نفسه؟

وفي الإجابة على هذا السؤال، توجد ثلاثة احتمالات كما في الحالة السابقة:

الاحتمال الأول: التخلق بالصفات واكتسابها واجتنابها متوقف على العلم والاعتقاد بمطلوبيتها وحسنها.

الاحتمال الثاني: عدم توقف التخلق على العلم، ولكن شرط الشارع هو التخلق الناشئ عن العلم؛ أي أن مثل هذا التوقف لا وجود له، ويمكن التخلق بالصفات بالاحتمال أيضاً؛ ولكن الشارع لا يقبل إلا التخلق الناشئ عن الاعتقاد والعلم، وقد اشترطه.

الاحتمال الثالث: عدم التوقف وعدم شرط الشارع. أي بالإضافة إلى عدم وجود مثل هذا التوقف للتخلق بالصفات، فإن الشارع أيضاً ليس له مثل هذا الشرط القائم على التخلق الناشئ عن العلم والاعتقاد، ويقبل التخلقات الناشئة عن الاحتمال أيضاً. وفي هذا الاحتمال، يكون مجرد التخلق مطلوباً عند الشارع.

بناءً على الاحتمال الأول، لا يكون الاحتياط معقولاً. وبناءً على الاحتمال الثاني، يكون الاحتياط معقولاً، ولكنه غير جائز وغير مقبول؛ أما بناءً على الاحتمال الثالث، فالاحتياط ممكن وجائز.

ويبدو في هذه المسألة، خلافاً للمسألة السابقة، أن الاحتمال الأول هو أضعف الاحتمالات، وأن التخلق بالصفات غير متوقف على العلم والاعتقاد؛ إذ من المعقول والمتصور أن شخصاً لا يعتقد بحسن ومطلوبية صفة ما؛ ولكنه بمجرد الاحتمال بمطلوبيتها، يوجد تلك الصفة في نفسه. فمطلوبية وحسن كثير من الصفات ليست واضحة وبديهية، بل بمجرد أن الشارع قال بها، يعطي احتمالاً لمطلوبيتها.

ومن جهة أخرى، يبدو أن الاحتمال الثاني أقوى من الاحتمال الثالث، ويوجد هذا الاحتمال بأن الشارع قد وضع مثل هذا الشرط للتخلق بالصفات الأخلاقية؛ وبناءً عليه، فإن إمكان الاحتياط في الواجبات الأخلاقية معقول ومتصور؛ ولكن يوجد شك جدي في خصوص اشتراط التخلق بالإيمان والاعتقاد من قبل الشارع.[16]

4-1-4. الاحتمال بين الإثبات والنفي

إذا كان الأمر دائراً بين الإثبات والنفي،[17] على سبيل المثال، إذا كان الأمر دائراً بين الواجب والحرام، فلن يكون الاحتياط ممكناً.

5-1-4. التزاحم

في الموضع الذي يوجد فيه تزاحم، ويكون المكلف قادراً على إنجاز أحد الفعلين أو الأفعال فقط (الحلي (العلامة)، 1386ش، ج1، ص 36-37؛ النائيني، 1376ش، ج1، ص 318-320؛ النائيني، 1376ش، ج4، ص 704؛ الحسيني، 2007م، ص 113)، فلن يكون الاحتياط وتكرار الأفعال ممكناً.

2-4. المستثنيات العرضية

الأصل الأولي في مقام التوصليات (المحضة) هو جواز الاحتياط؛ ولكن بحسب عروض العناوين الثانوية، يمكن أن يتغير حكمه؛ بمعنى أن ما كان حتى الآن مصداقاً لامتثال أمر المولى، لم يعد يُحسب امتثالاً بسبب عروض عنوان ثانوي. من هنا، يجب دراسة العناوين العارضة على الاحتياط في هذا المقام.

العناوين الثانوية لا تنحصر في العناوين المطروحة لاحقاً، بل يمكن أن تعرض عناوين أخرى أيضاً وتؤثر على حكم جواز الاحتياط.

والملاك في عروض العناوين الثانوية، بالإضافة إلى اليقين، هو الاحتمال العقلائي أيضاً؛ أي في الموضع الذي لا يوجد فيه يقين بالعروض، ولكن يوجد احتمال عقلائي للعروض، يكون مانعاً من جواز الاحتياط؛ لأن ملاك إسقاط التكليف هو الامتثال القطعي، وفي الموضع الذي يكون فيه احتمال عروض هذه العناوين، وبالتالي عدم إجزاء الاحتياط، لا يمكن اعتبار الاحتياط مسقطاً يقينياً للتكليف، ويخرج عن عرض الاجتهاد والتقليد.

وبناءً عليه، فإن حتى الاحتمال العقلائي يمنع تحقق اليقين للشخص المحتاط، ولا يقع عمله في عرض الاجتهاد والتقليد، ولن يكون مجزئاً. ونتيجة لذلك، فإن إحراز عروض هذه العناوين لمنع الاحتياط ليس لازماً، بل يمكن للاحتمال العقلائي أيضاً أن يكون مانعاً من جواز الاحتياط. وللعناوين الثانوية ثلاث حالات باعتبار الموضوع والمكلف:

الحالة الأولى: عنوان ثانوي يعرض على مكلف واحد في موضوع واحد. مثل الإضرار أو العسر والحرج في الموضع الذي تكون فيه الصور الاحتمالية كثيرة، وإذا أراد الشخص أن يعمل على أساس الاحتياط بجميعها، فيجب عليه تحمل الإضرار أو العسر والحرج.

الحالة الثانية: عنوان ثانوي يعرض على مكلف واحد في موضوعات متعددة؛ على سبيل المثال، إذا احتاط في موضوع واحد، فلا توجد مشكلة؛ ولكن بعد الاحتياط في عدة مواضيع، يتسبب في الوسواس أو اختلال النظام.

الحالة الثالثة: عنوان ثانوي يعرض على مجموعة من المكلفين؛ على سبيل المثال، إذا لم يقم جميع المكلفين في مجتمع ما بالاجتهاد والتقليد، وبنوا على الاحتياط، ففي هذه الحالة يلزم تعطيل حوزة الفقه أو وهن المذهب؛ لأن الاحتياط مثلاً في جميع مسائل النجاسة والطهارة في كيفية التنجيس وعددها و… يستلزم أعمالاً غير عقلانية بالنسبة لهم، ويصاحبه استهزاء بالدين والمذهب بالنسبة للناظرين إلى هؤلاء الأفراد.

وتُدرس الحالتان الأولى والثانية في ذيل عناوين المستثنيات العرضية؛ أما في الحالة الثالثة (عنوان ثانوي يعرض على مجموعة من المكلفين)، فإذا تيقن الشخص المحتاط أنه باحتياطه، ستقوم مجموعة من المكلفين بالاحتياط خلفه يوماً ما، ويتسبب في عروض هذه العناوين، فلا ينبغي له أن يحتاط، وسيكون الاحتياط حراماً عليه.

ومن أهم العناوين الثانوية المطروحة في مستثنيات جواز الاحتياط العرضية ما يلي:

1-2-4. العسر والحرج

أحياناً، يوقع العمل بالاحتياط الفرد المحتاط في مشقة وعناء شديدين، بحيث يكون الاحتياط مستلزماً للعسر والحرج للمحتاط.[18] وحصول العسر والحرج بسبب العمل بالاحتياط متصور في صورتين (الطباطبائي المجاهد، 1296هـ، ص 536): الصورة الأولى هي الموضع الذي يحصل فيه الحرج في مورد واحد بمفرده، مثل الاحتياط في النفقة. والصورة الثانية هي الموضع الذي بعد تعدد واجتماع عدة أعمال، ينشأ العسر والحرج، مثل الاحتياط في النجاسات، حيث إن اجتناب عدد محدود وموارد قليلة من النجاسات لا يستلزم العسر والحرج، ولكن بالتدريج في اجتماع عدة موارد وتعدد الحالات المختلفة، يلزم العسر والحرج. ويُطلق على الحالة الأولى العسر والحرج «الموردي»، وعلى الحالة الثانية العسر والحرج «المجموعي».[19]

ومحل البحث في عنوان العسر والحرج هو الموضع الذي تبقى فيه أصل القدرة على الاحتياط لدى الفرد المحتاط، ولكنه يتحمل عناءً ومشقات كثيرة. وبهذا الفرض، يُطرح هذا السؤال: هل مثل هذا العسر والحرج يرفع جواز الاحتياط أم لا؟

وارتفاع جواز الاحتياط بسبب «العسر والحرج» متوقف على أمرين:

الأول: وجود دليل شرعي أو دليل عقلي على مانعية أو رافعية العسر والحرج. والمراد بالمانعية هو المنع من الجواز، والمراد بـ«الرافعية» هو رفع الوجوب والإلزام.

الثاني: أن يكون العسر والحرج مانعاً من جواز الاحتياط، لا أن يرفع وجوبه ولزومه فقط ويبقى جوازه.

والأمر الأول بحاجة إلى دراسة أدلة العسر والحرج، ولكن بفرض أن الأدلة الشرعية أو العقلية تثبت دليل العسر والحرج، فإن الأمر الثاني لا يتحقق بعد؛ لأن العسر والحرج لا يمكنه إلا أن يرفع الوجوب واللزوم (الخوئي، 1418هـ، ج4، ص 425-426؛ الخوئي، 1418هـ، ج10، ص 118)؛ في حين أن الاحتياط أصلاً لم يكن له وجوب ولزوم من البداية؛[20] لأن طريق الاحتياط يقع في عرض الاجتهاد والتقليد، والمكلف مخير بين كل من هذه الطرق الثلاثة، ولا وجوب عليه، وبحث ارتفاع الجواز بواسطة العسر والحرج يحتاج بنفسه إلى بحث مستقل.

أما تحمل العسر والحرج، فليس له قبح عقلي ولا حرمة شرعية ليكون مانعاً من جواز الاحتياط؛ وبناءً عليه، لا يمكن للعسر والحرج أن يكون مانعاً من جواز الاحتياط، ويمكن للفرد المحتاط أن يعمل بالاحتياط مع تحمل العسر والحرج، ولا يرتكب عملاً حراماً أيضاً.

بناءً عليه، فإن ادعاء رفع جواز الاحتياط لجهة العسر والحرج غير مقبول، والعمل بالاحتياط مع وجود العسر والحرج مجزئ؛ ونتيجة لذلك، فإن هذا العنوان ليس تاماً لمانعية جواز الاحتياط، وليس مقبولاً.

2-2-4. الإضرار

أحياناً، يستلزم العمل بالاحتياط تحمل الضرر. مثل أن يصاب بمرض الوسواس الروحي، أو يتحمل أضراراً وابتلاءات جسدية لنفسه أو للآخرين؛ وبناءً عليه، فإن الإضرار عنوان آخر يمكن أن يقف في مقابل الاحتياط.

وللإضرار أبعاد مختلفة مثل الضرر الروحي والجسدي والمالي، وأحياناً قد يؤدي الاحتياط إلى أحد هذه الأضرار.

وأصل الإضرار حرام، وحرمته قريبة من الاتفاق؛ ولكن في نطاق حرمة إضرار النفس (مقابل إضرار الغير) يوجد اختلاف. والأقوال المختلفة في نطاق إضرار النفس كالتالي:

القول الأول: الإضرار بالنفس في حد قتل النفس ونقص العضو حرام، وأقل من ذلك لا حرمة له. والسيد الخوئي في الدورة الثانية من درسه قائل بهذا الرأي (الخوئي، 1417هـ، ج1، ص 637).

القول الثاني: الإضرار بالنفس في حد الضرر المعتنى به حرام. وحيثما ثبت ضرر عرفاً، سيكون حراماً. والمشهور مثل المرحوم صاحب الجواهر (النجفي، د.ت، ج36، ص 370-371)، والمحقق الخوئي في كتاب منهاج الصالحين (الخوئي، 1410هـ، ج2، ص 347) قائلون بهذا الرأي.

القول الثالث: في مقابل القولين السابقين، يمكن بالطبع طرح قول ثالث، وهو حرمة مطلق الإضرار. وأي ضرر بأي نحو كان، سيكون حراماً ويجب اجتنابه (الأنصاري، 1428هـ، ج2، ص 461).

وعروض الإضرار على أساس كل من هذه المباني، يحرّم الاحتياط بنفس المقدار ويخرجه من دائرة الجواز. فعلى أساس مبنى السيد الخوئي، يمكن للإضرار بالنفس فقط في حالة قتل النفس وقطع العضو أن يخرج الاحتياط من دائرة الجواز ويحرّمه، وكذلك على أساس المبنى المشهور والمبنى الأقصى، يحكم بنفس الترتيب.

ودائرة حرمة إضرار الغير أوسع من إضرار النفس، وأغلب الأضرار بالغير (الأضرار الروحية، الجسدية، المالية و…) هي من نوع الإضرار المحرم؛ وإن كانت توجد اختلافات طفيفة هنا أيضاً.

بناءً عليه، في إضرار النفس، فإن عروض الإضرار على الاحتياط يخرجه في نفس حدود الإضرار المحرم من دائرة الجواز ويوجب حرمته، وفي إضرار الغير أيضاً يحكم بنفس الترتيب؛ ونتيجة لذلك، فإن كل مورد يعرض فيه الإضرار الحرام على الاحتياط، يوجب تحريم الاحتياط.

ومن جهة أخرى، ينقسم الإضرار أيضاً، مثل العسر والحرج، إلى إضرار موردي ومجموعي (الخوانساري، 1405هـ، ج5، ص 170-171؛ والخوئي، 1416هـ، ج3، ص 309، سؤال 960)، ففي الإضرار الموردي، يحصل الضرر في مورد واحد بمفرده، وفي الإضرار المجموعي، يتحقق الضرر من اجتماع عدة موارد.

سيؤدي الإضرار الموردي إلى حرمة الاحتياط في ذلك المورد نفسه، وفي الإضرار المجموعي، طالما لم يصدق الإضرار، فلا مانع من الاحتياط، ومن حيث يصدق الإضرار، ستأتي الحرمة تبعا له.

وللإضرار الموردي حالات: الحالة الأولى هي أن يكون إتيان المحتملات من البداية مصحوباً بالضرر، وهذه الحالة مواردها قليلة وحكمها واضح؛ والحالة الثانية هي ألا يكون هناك ضرر في البداية، بل يكون مصحوباً بالضرر في الاستمرار، وهذه الحالة أكثر شيوعاً، وعمدة البحث فيها. ومن جهة أخرى، فإن هذا الاحتياط لا يقع في عرض الاجتهاد والتقليد إلا إذا تم إتيان جميع المحتملات؛ أما هنا، فبإتيان عدة محتملات غير ضارة، سيكون إتيان بقيتها مصحوباً بالضرر، وسيتبعه حرمة الاحتياط، مما يؤدي إلى احتمالية الامتثال، ولا يحصل القطع بامتثال التكليف الواقعي حتى يسقط التكليف عن ذمته؛ فلا يمكنه أن يقع في عرض الاجتهاد والتقليد، وبالتالي فإن إتيان المحتملات الأولية التي لم تكن ضارة لن يكون له قيمة الامتثال القطعي بنحو الاحتياط، ولن يكون مجزئاً عن التكليف الواقعي، ولم تسقط الذمة عن التكليف. وبالطبع، الموارد الابتدائية التي لا ضرر فيها، لا يوجد مانع من إتيانها، ولا يمكن تحريمها، بل هي جائزة ولها حسن أيضاً، ولكنها ليست مجزئة ومسقطة للتكليف؛ لأنها لا توجب اليقين ببراءة الذمة، وتبقى ذمته مشغولة، وطالما بقي احتمال التكليف، فإن الذمة لم تخل من التكليف بعد؛ بناءً عليه، في الإضرار الموردي، يتعين سلوك طريق الاجتهاد والتقليد، ويخرج الاحتياط من طرفي التخيير.

بخلاف الإضرار المجموعي، حيث إن كل مورد بمفرده تكليف مستقل، وحرمة الاحتياط بسبب الإضرار في الموارد المتأخرة، لا تستلزم عدم إجزاء الموارد المتقدمة؛ مثل العمل بالاحتياط في الطهارة والنجاسة في موارد متعددة، حيث بعد العمل بالاحتياط في عدة تكاليف مستقلة، يعرض ضرر مثل الوسواس، الذي يستلزم حرمة الاحتياط في الموارد الأخرى. فبعد عروض الإضرار وتحريم الاحتياط، يكون العمل بالاحتياط حراماً، ويتعين طريق الاجتهاد والتقليد؛ أما هذا فلا يوجب ألا يكون العمل بالاحتياط في الموارد السابقة ذا قيمة الامتثال القطعي، بخلاف الإضرار الموردي؛ لأن الموارد السابقة كان كل منها أمراً منفصلاً، وامتثالها مستقل عن بعضها البعض؛ وبناءً عليه، فإن عدم الإجزاء في الموارد المتأخرة لا يضر بالإجزاء في الموارد المتقدمة.

والنسبة بين عنوان «الإضرار» وعنوان «العسر والحرج» هي العموم والخصوص من وجه. فأحياناً يصدق كلا العنوانين في موضع واحد، وأحياناً يصدق أحدهما دون الآخر؛ ولكن ما يخرج الاحتياط من دائرة الجواز هو «الإضرار»، الذي بسبب حرمته يمنع جواز الاحتياط ويغير حكمه، بخلاف العسر والحرج الذي يرفع الإلزام فقط، ولا يقدر على تغيير حكم الجواز؛ وبناءً عليه، فإن هذا العنوان أقوى وأحكم للمعارضة مع جواز الاحتياط.

3-2-4. وهن الدين أو المذهب والإضلال

العمل بالاحتياط أحياناً يوجب وهن الدين أو المذهب، وأحياناً يوجب إضلال الآخرين وضلالهم.[21]

والعمل بالاحتياط في بعض الموارد يستلزم تكرار العمل أو القيام بأعمال لا تظهر مظهراً حسناً وجميلاً للتدين، بل توجب إظهار الدين والمذهب بمظهر سخيف. مثل الاحتياط الكامل في الطهارة والنجاسة، الذي بتطهيرات متعددة بسبب كل احتمال صغير، يظهر مظهراً سخيفاً للعمل بالأوامر الدينية والمذهبية.

وكذلك بالنسبة للأفراد الذين ليست لديهم معرفة كافية بالدين وأحكام الإسلام، برؤيتهم للأفراد المحتاطين، يتصورون أن دين الإسلام والعمل بأحكامه صعب وشاق، ويظنون أنهم من ضمن الأفراد غير المتدينين، وأن التدين الحقيقي هو ما يظهره الفرد المحتاط؛ وبهذا الترتيب، يؤدي العمل بالاحتياط إلى ابتعاد الآخرين عن الدين والابتعاد عن حقيقة التدين وضلالهم.

وينقسم كلا العنوانين إلى قسمين: موردي ومجموعي؛ أي أحياناً يكون الاحتياط في مورد واحد بمفرده موجباً للوهن والإضلال، وأحياناً ينشأ الوهن والإضلال من اجتماع عدة موارد.

والملاك في تشخيص وصدق الوهن هو العرف العادي والسليم، ومسائل مثل حجاب المرأة التي هي من صلب الدين، وإن استلزمت الوهن، فلن توجب رفع وجوب الحجاب؛ وبناءً عليه، فإن الملاك في صدق هذه العناوين هو العرف العادي والذهن غير المشوب، لا عرف المعاندين للدين وأمثالهم.[22]

وهذان العنوانان أيضاً إذا عرضا على الاحتياط، فسيوجبان نفي جوازه، وبالتالي لن يكون مجزئاً، ويقع في عداد الاجتهاد والتقليد.

4-2-4. اختلال النظام الاجتماعي

عنوان آخر، في حالة عروضه على الاحتياط يستلزم نفي جوازه، وهو اختلال النظام الاجتماعي؛ أي أن يكون الاحتياط بحيث يختل به النظام الاجتماعي (الحيدري، 1412هـ، ص 316).

والعمل بالاحتياط في جميع أو معظم التكاليف يتطلب تسلطاً على المبادئ والآراء الفقهية المختلفة من بداية ظهور الفقه في الإسلام حتى الوقت الحاضر، ويتطلب أيضاً تعلم طريقة الجمع بين الآراء والاحتياط على أساس جميع المبادئ، وهذا يعني صرف وقت طويل ومدة زمنية مديدة للعمل بالاحتياط. وبهذا الفرض، إذا سعى جميع أو أغلب المكلفين إلى الاحتياط في العمل بالأحكام، فسيؤدي ذلك إلى تعطيل الأعمال اليومية والمسؤوليات الاجتماعية، ويعم الفوضى المجتمع بأسره.

كما أن العمل بالاحتياط في مسائل شرعية مختلفة قد يؤدي إلى خلق أزمات اجتماعية كبيرة. على سبيل المثال، إذا عمل جميع أو معظم المكلفين بالاحتياط في مسائل الطهارة، فسيستلزم ذلك استهلاك كميات كبيرة من الماء، مما يواجه المجتمع بأزمة نقص المياه، أو في موارد أخرى، يؤدي العمل بالاحتياط وإجراء الاحتمالات المختلفة في كل تكليف إلى صرف وقت كبير لإنجاز هذه الأمور، ولا تؤدى المسؤوليات الاجتماعية للمكلفين، وهذا نفسه يؤدي إلى اختلال النظام الاجتماعي.

5-2-4. اندراس الفقه

إذا أدى الحكم بجواز الاحتياط إلى أن يمتثل جميع المكلفين التكليف عن طريق الاحتياط، فسيؤدي ذلك إلى عدم الرجوع إلى الآيات والروايات للحصول على الحكم الإلهي، وهذا يعني تعطيل حوزة الفقه وأسسها الفقهية. وبناءً عليه، إذا لزم مثل هذا العنوان، فسيستلزم نفي جواز الاحتياط.

الخاتمة

كُتب هذا البحث بهدف تبيين حكم الاحتياط في دائرة الأحكام التوصلية المحضة. وبعد دراسة المصادر وموارد الأحكام التوصلية (المعاملات بالمعنى الأعم)، تبين أنه لا يمكن جواز حكم الاحتياط في جميع هذه الأحكام؛ لأن في معظم المصادر إما لم يتم التطرق إلى حكم الاحتياط، أو أن المباحث المطروحة لم تكن لها صلة بالاحتياط في عرض الاجتهاد والتقليد، أو في حال التطرق إليه، اعتبر جوازه مطلقاً في جميع الموارد، ولم تتم الإشارة إلى موارد مثل عروض بعض العناوين الثانوية – وهو أمر مسلم به – أو تم التطرق فقط إلى قسم خاص من تقسيمات الاحتياط مثل دراسة الاحتياط في دوران الأمر بين المتباينين – الذي يستلزم التكرار – ولم يولوا أي اهتمام للأحكام التوصلية (المعاملات بالمعنى الأعم)، وكذلك في الأحكام الاعتقادية والأخلاقية التي تدخل في الفقه على أساس مبنى تعلق الأحكام بها وتقع تحت التوصليات، ولكن الاحتياط فيها غير ممكن، لم يتم العثور على تطرق لهذه النقطة من قبل العلماء في حكم جواز الاحتياط في التوصليات.

وأهم الأحكام التي تُستثنى من حكم جواز الاحتياط تقع في فئتين: المستثنيات الذاتية والمستثنيات العرضية. الفئة الأولى هي الأحكام التي لا تقبل الاحتياط ذاتاً، مثل الأحكام العلمية، والاعتقادية، والاحتياط في التزاحم، ودوران الأمر بين الإثبات والنفي؛ والفئة الثانية تشمل بعض العناوين التي تعرض على الاحتياط وتسبب عدم جوازه؛ مثل الإضرار، والعسر والحرج، ووهن الدين أو المذهب، التي في بعض الحالات بشكل مطلق، وفي بعضها الآخر في ظروف خاصة، لا يجوز الاحتياط، وإن كان جائزاً كعنوان أولي، ولكن مع عروض العناوين الثانوية يرتفع جوازه.

الهوامش

1. سيتضح المراد من التوصليات في دراسة المفهوم.

2. «إن المكلف بها الآن من الرعية صنفان: مجتهد… ومقلد… فمن لم يعتقد ما ذكرناه و لم يأخذ كما وصفناه فلا صلاة له».

3. «المسألة الثالثة: العمل بالاحتياط غير لازم».

4. «من احتاط في العبادة، بحيث تحصل الصحة على كل تقدير، فحينئذ لا وجه للقول ببطلان تلك العبادة».

5. باب أدلة الأحكام ذيل عنوان «القول في الأدلة العقلية والقواعد والأصول الشرعية والفوائد».

6. حول توسع الفقه ليشمل المسائل الاعتقادية، يراجع مؤلفات الكاتب الأخرى. انظر: الأعرافي، الموسوي، 1390ش، ص 87-130؛ الأعرافي، 1391ش، ج1، ملحق 3 (خلفية الأحكام العقدية)، ص 489-508؛ الأعرافي، 1391ش، ج2، ملحق 3 (عدد من الأحكام العقدية)، ص 293-362.

7. حاط يحوط حَوْطاً وحياطة والحمار يحوط عانته: يجمعها.

8. حاطه حوطًا وحياطةٌ: حَفِظه وتعهَّدَه.

9. «احتاط للشيء: أخذ بأوثق الوجوه».

10. «هو العمل الذي يُتيقن معه ببراءة الذمة من الواقع المجهول».

11. المراد من الأحكام في هذا المقام هي الأحكام الشرعية، لا الأحكام العقلية والوضعية (راجع: التبريزي، 1426هـ، ج1، القاعدة الثانية، ج2، ص 245 والقاعدة الثالثة، ج4، ص 47 والقاعدة الرابعة، ج4، ص 445).

12. وفقاً لما توصلنا إليه، لم يُبحث الاحتياط في الأحكام الاعتقادية والأخلاقية وغيرها من المستثنيات بشكل خاص (الاحتياط في عرض الاجتهاد والتقليد، لا احتياط الأصل العملي)، وإذا تعرضوا لبحث الاحتياط في التوصليات (المعاملات بالمعنى الأعم)، فقد حكموا بجوازه بشكل مطلق ولم يستثنوا شيئاً (اليزدي، 1426هـ، ج1، ص 26؛ الخوئي، 1414هـ، ص 67).

13. ظاهراً في تقسيمه لم تلاحظ الأحكام الاعتقادية والأخلاقية؛ ولكن بناءً على مبنى توسيع الفقه ليشمل الاعتقادات والأخلاق (الأعرافي، الموسوي، 1390ش، ص 87-130)، يمكن إدراج الأحكام الاعتقادية والأخلاقية في قسم التوصليات في تقسيم صاحب الشرائع.

14. هذا القسم من الاجتهاد (لا لعمل النفس ولا للمقلدين) في نفسه مستحب؛ بدليل الروايات الكثيرة في فضل العلم والعالم وذم الجهل؛ ولكن في بعض الظروف بعروض عناوين، يصبح واجباً؛ مثل الزمن الذي يخشى فيه من اندراس الفقه وانحطاط طرق الاجتهاد والاستنباط بترك الاجتهاد.

15. المراد من كون الاعتقاد اختيارياً هو اختيارية مقدماته التي بحصولها يحصل الاعتقاد قهراً. مثل الاعتقاد بكون النهار أو الليل، الذي يكفي أن يفتح المرء عينيه باختياره ويعلم بكونه نهاراً أو ليلاً، وكذلك مثل الاعتقاد بوجود الله أو صفاته الذي يحصل بالدراسة والاستدلال والبرهان.

16. دراسة اشتراط أو عدم اشتراط ذلك خارجة عن رسالة هذا البحث.

17. يشير الشيخ الأنصاري في بحث الانسداد إلى هذا المورد؛ ولكنه يعتقد بالتخيير (بالطبع مع اختلاف محل البحث عن الاحتياط في التوصليات) (الكلانتري، 1425هـ، ج3، ص 194). كما يطرح الشيخ في الأصول العملية ضمن نقطة حول دوران الأمر بين المتباينين والاحتياط فيه، ما يرتبط ببحث احتياط الأصول العملية ويختلف عن الاحتياط في التوصليات في عرض الاجتهاد والتقليد (الكلانتري، 1425هـ، ج3، ص 408). وأبو الحسن المشكيني (محشي الكفاية) أيضاً ضمن نقطة يجيز الاحتياط في التوصليات مطلقاً ولا يذكر استثناءً؛ ولكن بعد عدة أسطر يشير إلى أحد موارد الاحتياط المستلزم للتكرار، وهو نفس الاحتياط في دوران الأمر بين المتباينين، ولا يشير إلى عدم إمكان الاحتياط في التوصليات في هذا المورد (المشكيني، 1413هـ، ج3، ص 130).

18. وفقاً لما توصلنا إليه، لم يتعرض أحد لعدم جواز الاحتياط في التوصليات بسبب العسر والحرج؛ ولكن الشيخ الأنصاري بمناسبة بحث الانسداد وعلاقته بالاحتياط لديه نقاط. في هذا الصدد، راجع مطارح الأنظار (الكلانتري، ج3، ص 189).

19. لم يُعثر على سابقة لتسمية العسر والحرج بالموردي والمجموعي في الفقه؛ ولكن من بعض التقسيمات والتسميات المشابهة الموجودة في الفقه والأصول (مثل تسمية أحد أقسام العموم بالعام المجموعي في مقابل العام البدلي والاستغراقي) يمكن استعارة مثل هذه التسميات بهدف تنظيم المباحث.

20. المكلف في أداء التكاليف الشرعية مخير بين الاجتهاد والتقليد والاحتياط. والمراد بعدم الوجوب هنا هو الوجوب التعييني للاحتياط، وإلا فقد يثبت وجوب لهذه الثلاثة على نحو الوجوب التخييري، الذي حتى على فرض ثبوت الوجوب التخييري لا يخل ببحثنا هنا.

21. هذان العنوانان منفصلان، ولكنهما طُرحا معاً.

22. لتوضيح المراد بـ «العرف العادي» في النص؛ في تقسيم يمكن تقسيم العرف إلى ثلاثة أقسام: أ) «عرف المتشرعة» وهو العرف السائد بين المتدينين؛ ب) «عرف ضد الدين» وهو العرف السائد بين من يعادون الدين بالشبهات والإلقاءات المختلفة؛ ج) «العرف العادي» وهو الحالة الوسط بين العرفين السابقين، فهو ليس متديناً ولم يصله كلام الدين؛ ولكن الإلقاءات والشبهات السلبية لم تملأ ذهنه أيضاً، ومرادنا هو هذا النوع الثالث من العرف.

Scroll to Top