الملخص
إنّ امتلاك تصور صحيح عن المصطلحات الموجودة في أي علم يعدّ من أسرار النجاح في تعلم ذلك العلم. «المبادئ الأحكامية» مصطلح حديث شاع في كتب الأصوليين المتأخرين، ولا يوجد له أثر في آثار الأصوليين المتقدمين. لقد اعتبر بعض علماء أصول الفقه مصطلح «المبادئ الأحكامية» مصطلحاً ثالثاً في مصاف مصطلحي المبادئ التصورية والتصديقية لعلم الأصول؛ وفي المقابل، يسعى آخرون إلى إدراج المبادئ الأحكامية ضمن المصطلحين المذكورين. مراد علماء الأصول من «المبادئ الأحكامية» هو سلسلة من المباحث تدور حول الحكم الشرعي نفسه بغض النظر عن تعلقه بموضوع خاص؛ ومباحث من قبيل تعريف الحكم الشرعي، وتقسيم الحكم الشرعي إلى وضعي وتكليفي وظاهري وواقعي، وتضاد الأحكام مع بعضها، واستقلالية الجعل في الأحكام الوضعية أو انتزاعيتها من جعل الأحكام التكليفية، ووجود الملازمة بين الأحكام، وإمكان اجتماع الأمر والنهي وغيرها من المباحث التي تندرج تحت هذا العنوان.
المقدمة
المبادئ الأحكامية، مصطلح حديث في علم الأصول قد يصعب فهمه على المبتدئين في تعلم هذا العلم. ويُظهر بحث آلي في برمجية مكتبة أصول الفقه أن هذا المصطلح قد ورد في 116 عنواناً من الكتب الأصولية وتكرر حوالي 470 مرة. وقد ورد مصطلح المبادئ الأحكامية كعنوان لباب مستقل في عدد ملحوظ من الكتب الأصولية؛ ككتب مثل «أنيس المجتهدين في علم الأصول» (النراقي، 1388: 1/ 95)، و«الأصول الأصلية والقواعد الشرعية» (شبّر، 1404: 52)، و«بحوث في الأصول» (المحقق الأصفهاني، 1416: 1/ 44 و74)، و«بدائع الأفكار» (الرشتي، بيتا: 32)، و«تحريرات في الأصول» (الخميني، 1418: 51/1)، و«زبدة الأصول» (الشيخ بهائي، 1423: 102)، و«المدخل إلى عذب المنهل في أصول الفقه» (الشعراني، 1373: 195). ووفقاً لتقرير المرحوم آقا بزرك الطهراني، فإن السيد إبراهيم راضي الأعرجي (ت 1247هـ) قد ألف في علم الأصول كتاب «المناهج» في مجلدين، خُصص المجلد الأول منه للمبادئ اللغوية والمجلد الثاني للمبادئ الأحكامية (الطهراني، 1389: 339/22). إن وجود مصطلحات مشابهة، وكذلك عدم وجود تحقيق مناسب وشامل يزيل الغموض عن هذا المصطلح، كان الدافع لإجراء بحث كامل في المصادر والآثار الأصولية، لإزالة الإبهام عن هذا المصطلح والكشف عن ماهيته ومحتواه للجميع بوضوح. لقد استُخدم هذا المصطلح حصراً في لسان الأصوليين المتأخرين، وقد تطرق بعضهم إلى تعريفه بإيجاز في سطر أو سطرين. كما أن عنوان المبادئ الأحكامية قد خُصص له مدخل في بعض معاجم وموسوعات علم الأصول، مع تقديم شرح موجز له (الملكي الأصفهاني، 1379: 107/2؛ مركز المعلومات والمدارك الإسلامية، 1389: 681؛ صنقور علي حيدر، 1428: 2/ 448)؛ لكن متابعة الكاتب تشير إلى أنه لم يُجرَ حتى الآن تحقيق مستقل وشامل حول هذا المصطلح. إن إعادة قراءة المعنى اللغوي لكلمة «مبادئ»، ودراسة المصطلحات المشابهة والشائعة في علم الأصول وسائر العلوم الدينية، وتقديم تعريف مناسب وشامل لهذا المصطلح، بالإضافة إلى الإشارة إلى المقاربة المختلفة للأصوليين في إدخال هذا المصطلح إلى ساحة علم الأصول، هي من ضمن المحتويات المقدمة في هذه المقالة.
توضيح المفاهيم
«المبادئ الأحكامية» تركيب وصفي مثل «المبادئ التصورية» و«المبادئ التصديقية» (الشيرازي، 1426: 2/ 320)، لذا يجب أن يكون كلا جزأيه إما محلى بـ«الـ» أو خالياً منها، واستخدامه بصورة «مبادئ الأحكامية» خطأ فاحش وقع في بعض الكتابات الأصولية (الشيخ الأنصاري، 1383: 1/ 594؛ الفاضل اللنكراني، 1430: 553/1؛ الحسيني الفيروزآبادي، 1400: 2/ 17). ولمزيد من المعرفة بهذا المصطلح، يلزم أولاً دراسة مصطلح «المبادئ» من منظور لغوي، ثم تمييزه عن المصطلحات المشابهة له في علم الأصول وسائر العلوم، وأخيراً تفسيره من وجهة نظر الأصوليين.
“المبادئ” من منظور لغوي
«المبادئ» في علم اللغة جمع «مبدأ» ومن جذر «بدأ» (مهموز اللام). ووزن «مَفْعَل» في اللغة العربية مشترك بين ثلاثة أشياء: اسم الزمان، واسم المكان، والمصدر الميمي للثلاثي المجرد (إميل بديع يعقوب، 1413: 252؛ وهو، 1367: 638).[1] وبناء على هذا التوضيح، فإن كلمة «مبدأ» تعني، على الترتيب، زمان البدء، ومكان البدء، أو البدء بالفعل؛ ولكن يبدو أن «مبدأ» في الاصطلاحات الآتية هو اسم مكان بمعنى محل الشروع، ويطلق على المطالب الأساسية والجذرية في كل علم اسم «مبدأ»، لأن العلم يجب أن يبدأ من هناك (المدني الكبير، 1384: 1/ 25). على سبيل المثال، عندما يقال إن علم الأصول هو من مبادئ علم الفقه (الحلي، 1432: 1/ 6)، فإن المعنى هو أن علم الأصول مقدمة لعلم الفقه، ويجب أن يبدأ تعلم علم الفقه من تعلم علم الأصول، وأن محل بدء تعلم علم الفقه هو علم الأصول.
المصطلحات المشابهة
مصطلحات «مبادئ الاجتهاد»، «مبادئ الإرادة»، «مبادئ الاشتقاق»، «مبادئ العلوم»، «مبادئ الفقه»، «مبادئ التصديق»، «مبادئ التصور»، «مبادئ الأقيسة»، «مبادئ الأحكام الشرعية»، «مبادئ الكلام»، «مبادئ المنطق»، «مبادئ اللغوية» وغيرها، هي عناوين متجانسة ومشابهة لمصطلح «المبادئ الأحكامية» تظهر بين الحين والآخر في جميع المتون الأصولية وأحياناً في كتب المنطق؛ وحيث إن التفسير والتمييز الصحيح بين هذه العناوين سيساعدنا في فهم ماهية المبادئ الأحكامية فهماً صحيحاً، فإننا سنبدأ أولاً بالسعي لفهم هذه العناوين فهماً صحيحاً.
مبادئ الاجتهاد
المراد بمبادئ الاجتهاد هو مقدمات الاجتهاد وسلسلة العلوم التي يكون تعلمها ضرورياً لحصول ملكة الاجتهاد لدى المجتهد في استنباط الأحكام؛ مثل تعلم علم اللغة، والصرف، والنحو، والتفسير، وأصول الفقه، وغيرها (مركز المعلومات والمدارك الإسلامية، 1389: 773).
مبادئ الإرادة
هي مقدمات نشوء الإرادة في النفس للقيام بفعل ما؛ وهي مقدمات من قبيل التصديق بوجود المصلحة والشوق إلى تحصيلها.
مبادئ الاشتقاق
مبدأ الاشتقاق يعني المنشأ الأصلي لنشوء الكلمات. يوجد خلاف بين أهل الأدب حول مبدأ ونشوء المشتق؛ فيعتقد البعض أن مبدأ المشتق هو المصدر؛ ويعتقد آخرون أن مبدأ المشتق هو الفعل؛ ويقول البعض إن مبدأ المشتق هو اسم المصدر، ويقول المحقق النائيني: إن مبدأ المشتق هو المادة الصرفة الموجودة في جميع الصيغ، مثل مادة «ض.ر.ب» الموجودة في «ضَرَبَ، ضَارِبٌ، يَضْرِبُ…» (نفسه: 684).
مبادئ العلوم
مبادئ كل علم هي حدود موضوعاته وأجزائه وأعراضه والمقدمات البديهية أو النظرية لذلك العلم. وتوضيح ذلك أن كل علم يتكون من ثلاثة أجزاء: الموضوع، والمسائل، والمبادئ (الملكي الأصفهاني، 1379: 106/2). موضوع كل علم هو الشيء الذي يُبحث في ذلك العلم عن حالاته وعوارضه (المشكيني، 1374: 168). فمثلاً، موضوع علم النحو هو «الكلمة والكلام»، لأن في علم النحو يُبحث في حالات الكلمة والكلام مثل الرفع والبناء والتقديم والتأخير. مسائل كل علم هي قضاياه التي نسعى لبيانها وإثباتها، وتشترك في غرض خاص (المحقق الأصفهاني، 1416: 1/ 17)، مثل قضية «الفاعل مرفوع» التي هي من مسائل علم النحو، وقضية «المشتق حقيقة في المتلبس بالمبدأ بالفعل» التي هي من مسائل علم الأصول. وتنقسم مبادئ كل علم إلى قسمين: المبادئ التصورية والمبادئ التصديقية. المبادئ التصورية هي في الحقيقة تعريف موضوعات ومحمولات مسائل كل علم (المحقق الأصفهاني، 1416: 1/ 17)، وبعبارة أبسط، هي المصطلحات المستخدمة في مسائل كل علم، والتي يكون معرفتها وامتلاك تصور صحيح عنها ضرورياً لفهم مسائل العلم. فمثلاً، في مسألة «الفاعل مرفوع»، فإن تعريف أطراف هذه القضية، أي تعريف «الفاعل» و«المرفوع»، هي المبادئ التصورية؛ (الميرسجادي، 1379: 1/ 13) لأنه ما لم يكن لدينا تصور صحيح عن الفاعل والمرفوع، لا يمكننا تحديد صحة أو سقم هذه القضية. وكذلك في المسألة الأصولية «المشتق حقيقة في المتلبس بالمبدأ بالفعل»، فإن تعريف كل عنوان من العناوين الموجودة في هذه القضية، أي تعريف «المشتق، الحقيقة، المتلبس، المبدأ، وبالفعل»، هي المبادئ التصورية لهذا البحث الأصولي. المبادئ التصديقية هي مجموعة من القضايا المثبتة أو المفروضة التي يُستفاد منها في حل مسائل كل علم، وبعبارة أخرى هي مسائل يتوقف عليها تصديق قضايا كل علم (المحقق الأصفهاني، 1416: 1/ 17). إذا كانت المبادئ التصديقية بديهية، مثل استحالة اجتماع النقيضين، سُميت «العلوم المتعارفة»، وإذا كانت نظرية فإنها تنقسم إلى نوعين: الأصول الموضوعة: وهي قضايا يقبلها المعلم والمتعلم كمسلمات، وبناءً عليها يشرعان في حل المسائل، لأن هذه القضايا إما أن تُثبت في محلها في علم آخر، أو أنها ستُثبت في المستقبل في نفس العلم الذي يُدرّس. المصادرات: وهي قضايا لم تثبت في أي مكان، ولكنها تُستخدم في إثبات قضايا علم ما. ووجه تسميتها بالمصادرات هو أن هذه القضايا، لعدم إثباتها، تكون في الوقت الحالي مجرد ادعاء، ومن الواضح أن إثبات ادعاء بناءً على ادعاء آخر ليس صحيحاً، ويُعد نوعاً من المصادرة على المطلوب (الخميني، 1418: 51/1).[2]
مبادئ الفقه
يقال أحياناً إن علماً ما هو من مبادئ علم آخر؛ مثلاً، علم الأصول هو من مبادئ علم الفقه (الحلي، 1432: 6/1)؛ وهذه العبارة تعني أن المسائل المثبتة في علم الأصول تُستخدم لاستخراج الحكم الشرعي في علم الفقه، أي أن علم الأصول يُعد من المبادئ التصديقية لعلم الفقه.
المبادئ الكلامية والمنطقية واللغوية وغيرها
عندما يُستفاد في علم مثل علم الفقه، لإثبات مسألة ما، من مسائل علم الكلام، أو المنطق، أو اللغة، أو سائر العلوم، فإن هذه المسائل تُسمى اصطلاحاً بالمبادئ الكلامية، والمنطقية، واللغوية لذلك الفرع الفقهي، وتكون من سنخ المبادئ التصديقية لعلم الفقه. فمثلاً، عندما نستند إلى حكمة الله تعالى وعدم صدور الفعل اللغو من الحكيم، في تفسير آية أو رواية في علم الفقه، فإننا في الحقيقة نكون قد استخدمنا قضية «الله حكيم» التي تُثبت في علم الكلام.
مبادئ الأقيسة
مبادئ الأقيسة أو مبادئ المطالب هو مصطلح منطقي في باب الصناعات الخمس، ويُقصد به القضايا البديهية المستخدمة في كل قياس، وهي تنقسم إلى ثمانية أقسام: اليقينيات، والمظنونات، والمشهورات، والوهميات، والمسلّمات، والمقبولات، والمشبّهات، والمخيّلات؛ وقد قدم هذا التعريف المرحوم المظفر: «المقدمات المستغنية عن البيان، تُسمّى مبادئ المطالب أو مبادئ الأقيسة وهي ثمانية أصناف: يقينيات ومظنونات ومشهورات ووهميات ومسلّمات ومقبولات ومشبّهات ومخيّلات» (المظفر 1423: 326).
مبادئ الأحكام
بما أن الشارع المقدس حكيم على الإطلاق، فإن الأوامر والنواهي الشرعية تستند إلى مصالح ومفاسد، أي عندما يأمر المولى بشيء، فإن هذا الأمر يصدر لوجود مصلحة فيه، وعندما ينهى عن فعل، فإنه ينهى عنه لوجود مفسدة فيه. المصالح والمفاسد التي هي أساس صدور الأحكام تسمى «ملاكات الأحكام» أو «مبادئ الأحكام التكليفية»، ولا ينبغي الخلط بينها وبين «المبادئ الأحكامية». ملاك ومبدأ الحكم بالوجوب هو إرادة المولى الأكيدة والشديدة للفعل، ومبدأ الحكم بالاستحباب هو إرادته الضعيفة؛ كما أن مبدأ الحكم بالحرمة هو كراهة وبغض المولى الشديد للفعل، وملاك الحكم بالكراهة هو كراهة المولى الضعيفة لذلك الفعل. في مقام التمثيل، يمكن القول إن الأب أحياناً يرى في تحصيل ابنه العلمي مصلحة عظيمة لا يمكن التغاضي عنها بأي وجه؛ لذا تنشأ لدى الأب إرادة شديدة تجاه تحصيل أبنائه للعلم، ومن ثم يأمرهم بالتحصيل العلمي ويجعله إلزامياً لهم. وأحياناً أخرى، يرى الأب في أمر مثل تعلم السباحة مصلحة لأبنائه، ولكن مصلحتها ليست بالغة إلى حد يجعل تركها غير جائز لهم، لذا يقول لهم: من الأفضل أن تتعلموا السباحة! وأحياناً أخرى، يرى في أمر مثل الإدمان مفسدة كبيرة، فيحذر أبناءه بشدة منه ويمنعهم من هذا الفعل. وأحياناً أخرى، لا تكون مفسدة فعل، مثل مشاهدة التلفاز، كبيرة إلى حد المنع، بل يقول لأبنائه: من الأفضل ألا تفعلوا هذا. الملاك في المباحات إما خلو الفعل من أي مصلحة ومفسدة، أو أن ملاك تشريعه هو ترك المكلف حراً طليقاً (الصدر، 1418: 2/ 13). مثل أن يحدد المسؤولون في المدرسة وقتاً بين الحصص الإلزامية كـ«فرصة» للطلاب. جدير بالذكر أن الشيعة والمعتزلة يعتقدون أن الأفعال في الواقع تتصف بالحسن والقبح، والله تعالى لهذا السبب أمر ببعض الأفعال ونهى عن بعضها، ولكن الأشاعرة يعتقدون أن الأفعال في حد ذاتها لا مصلحة فيها ولا مفسدة ولا حسن ولا قبح، بل إنها تكتسب الحسن والقبح بأمر الشارع ونهيه (مركز المعلومات والمدارك الإسلامية، 1389: 421).
الخلفية التاريخية لمصطلح المبادئ الأحكامية
«المبادئ الأحكامية» مصطلح جديد اشتهر في علم الأصول وبين متأخري هذا العلم: «قد اشتهر في علم الأصول تقسيم المبادئ إلى مبادئ تصورية وتصديقية وأحكامية» (الخميني، 1418: 51/1). نقل مقرر درس المرحوم البروجردي عنه أن البحث حول معاندات وملازمات الأحكام كان شائعاً في كتب القدماء وكانوا يسمونها بالمبادئ الأحكامية: «إنّه كان للقدماء مباحث يبحث فيها عن معاندات الأحكام وملازماتها يسمونها بالمبادئ الأحكامية» (البروجردي، 1415: 154). «قد كان القدماء من الأصوليين يذكرون في كتبهم الأصولية نُبذاً من المبادئ اللغوية، ونُبذاً من المبادئ العقلية كالبحث عن الحسن والقبح، ونُبذاً من المبادئ الأحكامية» (البروجردي، 1415: 206). ويبدو أن الأستاذ جعفر السبحاني قد استنبط من هذه العبارة للمرحوم البروجردي أن المبادئ الأحكامية كانت موجودة كمصطلح في لسان القدماء: «إن المبادئ الأحكامية من اصطلاحات القدماء في خصوص علم الفقه» (السبحاني، 1414: 2/ 175). يبدو أن طرح مباحث حول الحكم الشرعي، مثل معاندات وملازمات الأحكام، في كتب الأصوليين القدماء، لا مجال لإنكاره، ولكن وجود مصطلح «المبادئ الأحكامية» في لسان القدماء هو محل شك، إذ لم يُعثر على أثر لهذا المصطلح في كتب القدماء عند البحث في المصادر الأصولية الموجودة. وبحسب تتبع الكاتب، فإن أول استعمال لهذا المصطلح يُلاحظ في كلمات الشيخ البهائي المتوفى سنة 1031هـ (الشيخ البهائي، 1423: 62). مع أن المقصود بالقدماء في استعمالات الفقهاء المعاصرين، عادةً، هم فقهاء زمن الغيبة الكبرى (329هـ) حتى زمن الشيخ الطوسي (460هـ)؛ وأحياناً يُطلق على جميع الفقهاء حتى زمن المرحوم المحقق الحلي (676هـ) (الملكي الأصفهاني، 1379: 2/ 60). وقد صرح بعض المحققين بأنه حتى في مصادر المنطق، التي هي منشأ مصطلحي المبادئ التصورية والتصديقية، لا يوجد أثر لهذا المصطلح: «لم نجد في كتب المنطق في حدود اطلاعنا ذكراً للمبادئ الأحكامية والتي يفترض أن تكون من أجزاء العلوم مثل المبادئ التصورية والتصديقية» (صنقور علي حيدر، 1428: 2/ 452).
مكانة المبادئ الأحكامية
المتعارف عليه في باب المبادئ بين أهل العلم هو ذكر عنواني المبادئ التصورية والتصديقية لكل علم، وقد سبق توضيح هذين المصطلحين. وقد أدى دخول مصطلح المبادئ الأحكامية إلى حقل علم الأصول إلى ردتي فعل: ردة الفعل الأولى هي أنه أدى إلى التشكيك في إدراج بعض المسائل المتداولة ضمن مسائل علم الأصول، وطُرح احتمال إدراجها في المبادئ الأحكامية لعلم الأصول؛ فمسألة اجتماع الأمر والنهي (النائيني، 1368: 1/ 332)، ومسألة الضد (السبحاني، 1424: 1/ 420)، ومقدمة الواجب (النائيني، 1368: 1/ 212) هي من المسائل محل النزاع المذكور. وقد نقل المحقق النائيني الخلاف في المسألة الأخيرة كالتالي: «اختلفوا في أن مسألة وجوب المقدمة هل هي من المسائل الكلامية أو من المسائل الفقهية أو من المبادئ الأحكامية أو من المسائل الأصولية». ردة الفعل الثانية هي أن بعض الأصوليين، أحياناً بالتصريح وأحياناً بحسب الظاهر، قبلوا بمصطلح المبادئ الأحكامية في عرض مصطلحي المبادئ التصورية والتصديقية وقدموا تعريفهم الخاص به. الشيخ الأنصاري (الأنصاري، 1426: 244)، والميرزا الشيرازي (الشيرازي، 1409: 69/3)، والمحقق النائيني (النائيني، 1368: 1/ 8؛ وهو، 1376: 1/ 27)، والآقا ضياء العراقي (العراقي، 1417: 2/ 359؛ وهو، 1363: 186)، والميرزا علي الإيرواني (الإيرواني، 1370: 1/ 212)، والسيد حسن البجنوردي (البجنوردي، 1380: 28/1)، والسيد حسين البروجردي (س. البروجردي، 1419: 238)، ومحمد حسن الآشتياني (الآشتياني، 1383: 57)، والشيخ صدرا البادكوبئي (البادكوبئي، 1481: 1/ 13)، والآقاميري الدزفولي (الآقاميري الدزفولي، 1376: 301)، والعلامة الشعراني (الشعراني، 1373: 197)، والفاضل اللنكراني (الفاضل اللنكراني، 1430: 2/ 285)، والسيد محسن الخرازي (الخرازي، 1422: 6/3)، والسيد علي الميلاني (الميلاني، 1428: 246/2) هم من هذه الفئة. في المقابل، سعى آخرون إلى تحويله، من خلال تقديم تحليل لماهية هذا المصطلح، إلى جزء من المبادئ التصورية أو المبادئ التصديقية. السيد عبد الأعلى السبزواري (السبزواري، بيتا: 9/1)، والمحقق الخوئي (الخوئي، 1417: 2/ 295؛ 3/ 6، 4/ 179؛ وهو، 1300: 1/ 291)، والإمام الخميني (الخميني، 1376: 33/4)، والسيد تقي الطباطبائي القمي (الطباطبائي القمي، 1371: 1/ 233)، ومحمد تقي بهجت (بهجت، 1388: 26/1)، والميرزا جواد التبريزي (التبريزي، 1387: 441/1)، ومكارم الشيرازي (مكارم الشيرازي، 1428: 1/ 342)، وجعفر السبحاني (السبحاني، 1414: 466/1)، وصالحي المازندراني (صالحي المازندراني، 1424: 14/2) هم من منكري استقلال المبادئ الأحكامية مقابل المبادئ التصورية والتصديقية. بحسب اعتقاد المرحوم الخوئي، إذا كان البحث في المبادئ الأحكامية يدور حول تعريف الحكم وحدوده وثغوره، فإنه يدخل ضمن المبادئ التصورية، وإذا كان يدور حول الحالات العارضة على الحكم مثل التضاد والتلازم بين الأحكام، فإنه يدخل ضمن المبادئ التصديقية وليس شيئاً غير ذلك؛ إذن، عرض المبادئ الأحكامية كمبادئ غير هذين النوعين أمر غير مفهوم: «لا نعقل المبادئ الأحكامية في مقابل المبادئ التصورية والتصديقية. نعم قد يكون الحكم موضوعاً فيبحث عن حالاته وآثاره إلا أنه في الحقيقة داخل في المبادئ التصديقية وليس شيئاً آخر في مقابلها وهو ظاهر، كما أن تصوره بذاته وذاتياته داخل في المبادئ التصورية» (الخوئي، 1417: 2/ 295). الشهيد السيد مصطفى الخميني، على الرغم من أنه كان في البداية من المعارضين لاستقلال المبادئ الأحكامية (الخميني، 1418: 51/1)، إلا أنه في بحث اجتماع الأمر والنهي تراجع عن موقفه وقبل بالمبادئ الأحكامية في عرض المبادئ التصورية والتصديقية (الخميني، 1418: 128/4). بعض القائلين بعدم استقلال المبادئ الأحكامية يعتبرونها جزءاً من المبادئ التصديقية لعلم الأصول (الصافي الكلبايكاني، 1428: 1/ 257). ويرى آخرون أنها جزء من المبادئ التصورية (السبحاني، 1414: 466/1)، ويعتقد البعض أن المبادئ الأحكامية تقع ضمن المبادئ التصديقية والتصورية معاً (المحقق الأصفهاني، 1416: 1/ 17). على أي حال، سواء كانت المبادئ الأحكامية عنواناً مستقلاً أو داخلة ضمن العنوانين الآخرين، فإن مكان البحث عن مبادئ أي علم ليس في ذلك العلم نفسه. فمثلاً، المسائل الأصولية التي هي مبادئ تصديقية لعلم الفقه، لا ينبغي أن تُبحث في متن علم الفقه، بل الأجدر أن تُبحث مبادئ كل علم في علم آخر تكون فيه هذه المبادئ من عوارض موضوع ذلك العلم؛ ولكن بما أنه لم يتم التطرق إلى مبادئ كل علم في محلها، أو لم تُبحث بشكل مستوفٍ، فقد جرت سيرة العلماء على بحث مبادئ كل علم في مقدمة ذلك العلم (النائيني، 1376: 1/ 27).[3] بهذا البيان، فإن مكان طرح المبادئ الأحكامية هو مقدمة علم الأصول؛ ولهذا السبب، طرح الشهيد الصدر في بداية الحلقة الثانية مباحث حول تعريف الحكم الشرعي، وتقسيم الحكم الشرعي إلى وضعي وتكليفي، ومبادئ الحكم التكليفي، والتضاد بين الأحكام التكليفية، ووجود الحكم الشرعي في جميع جوانب حياة الإنسان، والحكم الواقعي والظاهري، واجتماع الحكم الواقعي والظاهري، وقضية الحقيقية والخارجية في الأحكام الشرعية (الصدر، 1418: 1/ 162-169).
مفهوم ومحتوى المبادئ الأحكامية
ما سيأتي هو تقرير لمعنى ومفهوم ومصاديق المبادئ الأحكامية في لسان الأصوليين، وفي النهاية سيتم تقديم خلاصة لهذه الآراء. بحسب الميرزا حبيب الله الرشتي، فإن المراد بالمبادئ الأحكامية هو المباحث التي تدور حول أدلة استنباط الحكم الشرعي، وبهذا التوضيح، ينطبق مصطلح المبادئ الأحكامية على كل علم الأصول أو على الأقل على معظم مباحث هذا العلم. ولعل وجه ذلك هو أن هذه المباحث هي مبدأ ومقدمة للوصول إلى الأحكام الشرعية: «و أما المبادئ الأحكامية فالأظهر فيها أيضاً ما ذكره المحقق الجواد من أنّها تبحث عن أحوال الأدلة ووجهه أن البحث عن مدلول الدليل بحث عن الدليل لا يقال فمسائل الفقه حينئذ تندرج في هذا العلم لأنه يبحث عن مداليل الأدلة من الأحكام لأنا نقول إنّ الفقه يبحث عن مداليل الأدلة التفصيلية والمبادئ الأحكامية عن أحوال مداليلها الإجمالية وموضوع الفن هي الأدلة الإجمالية» (الرشتي، بيتا: 32). لم يعتبر المحقق الأصفهاني المبادئ الأحكامية عنواناً مستقلاً، لذا حصر مبادئ علم الأصول في المبادئ التصورية والتصديقية، ثم قسم كلاً منهما إلى قسمين: مبادئ لغوية وأحكامية، وأدرج جميع مباحث الألفاظ تحت أربعة عناوين: المبادئ التصورية اللغوية، والمبادئ التصديقية اللغوية، والمبادئ التصورية الأحكامية، والمبادئ التصديقية الأحكامية. ووفقاً لتحليله، فإن المبادئ التصورية الأحكامية تتكفل بمعرفة أنواع المجعولات الشرعية في باب الأحكام وتقسيمات الحكم: «المقام الثالث في المبادئ التصورية الأحكامية وهو متكفل لمعرفة المجعولات الشرعية بما لها من التقسيمات» (المحقق الأصفهاني، 1416: 1/ 44). ولهذا، طرح تحت هذا العنوان المباحث التالية: تقسيم الحكم إلى تكليفي ووضعي وأنواع كل منهما، وتقسيم الواجب إلى مطلق ومشروط، ومعلّق ومنجز، ونفسي وغيري، وتعييني وتخييري، وعيني وكفائي، وموسّع ومضيّق، وتقسيم تعبدي وتوصلي (المحقق الأصفهاني، 1416: 1/ 44-73). ودون تقديم تعريف للمبادئ التصديقية الأحكامية، أدرج المباحث التالية تحت هذا العنوان: 1. إمكان أو امتناع أخذ قصد القربة في متعلق الأمر كمبدأ تصديقي لجواز التمسك بالإطلاق أو عدمه. 2. مسألة مقدمية ترك الضد لإنجاز الضد الآخر وعكسها كمبدأ تصديقي للحكم بالاقتضاء في مسألة الضد. 3. مسألة تعلق الحكم بالفرد أو الطبيعة، كمبدأ تصديقي لمسألة اجتماع الأمر والنهي. 4. دراسة حقيقة الوجوب من حيث التركيب والبساطة، كمبدأ تصديقي لمسألة نسخ الوجوب (المحقق الأصفهاني، 1416: 1/ 74-108). يخبر الميرزا حسن البجنوردي عن طرح قسم ثالث من المبادئ في علم الأصول ويوضح قائلاً: «زادوا في علم الأصول قسماً آخر من المبادئ وسموها بالمبادئ الأحكامية. والمراد منها معرفة حالات الأحكام الشرعية من تقسيمها إلى الوضعية والتكليفية، وأن الأحكام التكليفية متضادة بأسرها، وأن الأحكام الوضعية هل هي منتزعة عن التكليفية أو مستقلة في الجعل، وغير ذلك من حالاتها وعوارضها. وقد ذكروا ذلك في علم الأصول بالمناسبات» (البجنوردي، 1380: 1/ 28). يعتبر السيد عبد الأعلى السبزواري المبادئ الأحكامية هي نفسها الأحكام المنسوبة إلى الشارع ويدخلها ضمن المبادئ التصورية أو التصديقية: «ويزيد في علم الأصول مبادئ أخرى اصطلحوا عليها بالمبادئ الأحكامية، وهي عبارة عن الأحكام المنسوبة إلى الشارع -تكليفية كانت أو وضعية- وترجع إما إلى المبادئ التصورية، أو التصديقية، وليست خارجة عنهما، كما هو واضح» (السبزواري، بيتا: 1/ 9). يرى الميرزا النائيني أن المبادئ الأحكامية هي مباحث يُبحث فيها عن الحكم نفسه بما هو هو؛ مباحث مثل الجعل الاستقلالي أو الانتزاعي للأحكام، واشتراط الأحكام بشروط عقلية، ومقدمة الواجب، ومسألة الضد، واجتماع الأمر والنهي: «هي التي يبحث فيها عن حال الأحكام بما هي من كونها مجعولة استقلالية أو انتزاعية ومن حيث اشتراطها بشروط عقلية وغير ذلك. ومن هذا القبيل مباحث مقدّمة الواجب والنهي عن الضدّ واجتماع الأمر والنهي» (النائيني، 1368: 1/ 8)؛ «المراد من المبادئ الأحكامية هو ما يتوقف عليه معرفة الأحكام الشرعية من التكليفية والوضعية بأقسامهما، وكذا الأحوال والعوارض للأحكام من كونها متضادّة، وكون الأحكام الوضعية متأصلة في الجعل، أو منتزعة عن التكليف، وغير ذلك من حالات الحكم» (النائيني، 1376: 1/ 27). يعتقد الشهيد مصطفى الخميني أن المراد بالمبادئ الأحكامية هو مباحث من علم الأصول تهدف إلى كشف الحكم الشرعي عن طريق العقل، مع تدخل النقل؛ مثل بحث مقدمة الواجب ومسألة الضد. بعبارة أخرى، تنطبق المبادئ الأحكامية في هذا التفسير على مباحث المستقلات العقلية: «المراد منها هي المباحث المعنونة في هذا العلم لكشف الحكم الشرعي من طريق العقل، مع دخالة النقل، كالبحث عن وجوب المقدمة، وحرمة الضدّ» (الخميني، 1418: 4/ 128). يرى المرحوم البروجردي أن موضوع البحث في المبادئ الأحكامية هو لوازم الأحكام الشرعية ومعانداتها؛ مثلاً، الإجزاء هو لازم جواز العمل بالأحكام الاضطرارية، وكذلك النهي في العبادة يتنافى ويعاند الحكم بصحتها: «المراد بالمبادئ الأحكامية هي لوازم الأحكام الشرعية ومعانداتها» (الطباطبائي البروجردي، 1421: 161). ويعتقد الميرزا أبو الحسن المشكيني أيضاً في حاشيته على الكفاية أن موضوع البحث في المبادئ الأحكامية هو العوارض التي تعرض للأحكام الشرعية بذاتها وبقطع النظر عن متعلقاتها، مثل مسألة مقدمة الواجب؛ فبرأيه، التضاد بين الأحكام هو من عوارض الأحكام نفسها، ولكن الملازمة بينها ليست كذلك، فتخرج عن بحث المبادئ الأحكامية: «إنها عبارة عن الأحكام العارضة للأحكام بما هي، لا من حيث الخصوصية الموجودة في متعلّقها، مثل كون المقدمة مما يتوقف عليه ذوها، وليست الملازمة من عوارض الحكمين بما هما بخلاف التضاد، فإنّه ناش من الأحكام بما هي» (المشكيني، 1413: 1/ 448). وبحسب المحقق الخوئي، فإن المراد بالمبادئ الأحكامية هو لوازم الحكم ومقتضياته من حيث هو حكم؛ بغض النظر عما إذا كان الحاكم هو الشارع أو العقل؛ مثل بحث ما إذا كان وجوب الشيء يقتضي وجوب مقدمته أم لا: «المراد بالمبادئ الأحكامية لوازم الحكم من حيث هو حكم ومقتضياته مع قطع النظر عن الحاكم ككون وجوب الشيء مقتضيا لوجوب مقدّمته أم لا مثلاً» (الخوئي، 1428: 1/ 518). نقل الفيروزآبادي في شرح الكفاية رؤيتين في شرح المبادئ الأحكامية؛ إحداهما رؤية الشيخ البهائي التي تحصر المبادئ الأحكامية في مباحث ماهية الحكم، والأخرى رؤية صاحب التقريرات الذي يعتبرها تدور حول عوارض الأحكام: «المبادئ الأحكامية وهي المسائل الباحثة عن حقيقة الحكم وماهيته كما يظهر من البهائي رحمه الله في الزبدة أو عن حالاته وعوارضه مثل أن وجوب الشيء هل يستلزم عقلاً وجوب مقدمته أم لا أو الوجوب هل يجوز اجتماعه مع الحرمة أم لا كما يظهر ذلك من صاحب التقريرات رحمه الله» (الحسيني الفيروزآبادي، 1400: 1/ 5). اعتبر العلامة الشعراني المبادئ الأحكامية هي المباحث التي تدور حول الأحكام الشرعية من قبيل الوجوب والندب وغيرها: «المبادئ الأحكامية وهي أبحاث تتعلق بالأحكام من الوجوب والندب وغيرهما مما لم يبحث عنها غير أهل الأصول» (الشعراني، 1373: 197). اعتبر الآقا ضياء العراقي محتوى المبادئ الأحكامية هو مطلق عوارض ومحمولات الأحكام الشرعية، من قبيل التضاد والملازمة بين الأحكام، وقدم هذا التفسير على أنه الشائع بين الأصوليين: «إن المبادئ الأحكامية على ما هو المعروف عند الأصوليين هي المسائل التي تكون محمولاتها من عوارض الأحكام التكليفية أو الوضعية كتضاد الأحكام وملازمة بعضها لبعض ونحوهما» (العراقي، 1370: 311). وبحسب الميرزا الشيرازي، فإن الغرض الأصلي من المبادئ الأحكامية هو معرفة الحكم، والحاكم، والمحكوم به، والمحكوم عليه، وأقسام الحكم؛ ولكن أحياناً تتوقف معرفة بعض الأقسام على معرفة بعض لوازم وأحكام الحكم؛ لذا يُبحث في هذين الأمرين أيضاً: «المبادئ الأحكامية، فإنّ الغرض فيها لما كان معرفة الحكم والحاكم والمحكوم عليه وبه وأقسام الحكم من التكليفي والوضعي بأقسامهما، وقد يتوقف معرفة بعض الأقسام على معرفة بعض لوازمه وأحكامه، فلذا قد يقع البحث فيها عن لوازم بعض تلك الأقسام وأحكامه نظراً إلى توضيح الحال في الملزوم» (الشيرازي، 1409: 2/ 213). وفي موضع آخر، اعتبر مطلق المسائل المتعلقة بالحكم أو لوازمه تحت عنوان المبادئ الأحكامية: «المبادئ الأحكامية… عبارة عن المسائل المبحوث فيها عن الحكم أو لوازمه» (الشيرازي، 1409: 6/3). على الرغم من أن الإمام الخميني لا يعتبر المبادئ الأحكامية خارجة عن المبادئ التصورية والتصديقية، إلا أن تصوره لمصطلح المبادئ الأحكامية هو كل ما له دخل في الحكم الشرعي: «فليس هنا أمر وراء ما ذكرنا نسميه بـ«المبادئ الأحكامية» نعم وقع الاصطلاح في تسمية ما يكون دخيلًا في الحكم الشرعي بـ«المبادئ الأحكامية» ولا مضايقة فيه» (الخميني، 1376: 4/ 34). وقد سمى الملا مهدي النراقي أيضاً الباب الثالث من مقدمة كتابه بالمبادئ الأحكامية وطرح تحته 24 فصلاً، وصرح بأن المبادئ الأحكامية تبحث عن نفس الحكم والحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه: «البحث في المبادئ الأحكامية عن نفس الحكم، والحاكم، والمحكوم فيه، والمحكوم عليه» (النراقي، 1388: 1/ 99). يرى الميرزا علي الإيرواني أن المبادئ الأحكامية هي مسائل تبحث حول ماهية الحكم وكذلك حالاته: «المبادئ الأحكامية هي المسائل الباحثة عن حقائق الأحكام الشرعية وأحوالها» (الإيرواني، 1370: 1/ 212). ويرى الفاضل اللنكراني أن المبادئ الأحكامية هي مسائل يكون موضوعها الحكم الشرعي، مثل تقسيم الحكم إلى وضعي وتكليفي وتحقق التضاد بين الأحكام: «وأما المبادئ الأحكامية فهي عبارة عن المسائل التي يكون الموضوع فيها عبارة عن الأحكام، كالبحث عن تحقق التضاد وعدمه بين الأحكام الخمسة، وتقسيم الأحكام إلى الوضعية والتكليفية وأمثال ذلك» (الفاضل اللنكراني، 1430: 2/ 285). يعتبر جعفر السبحاني البحث عن حالات الأحكام داخلاً في عنوان المبادئ الأحكامية، ويعتبر البحث عن الحسن والقبح في هذا الباب أيضاً، ولكنه يرى أن الملازمة بين حكم العقل والشرع مسألة أصولية وخارجة عن المبادئ الأحكامية: «واعلم أن البحث عن الحسن والقبح يعدّ من المبادئ الأحكامية التي يبحث فيها عن أحوال الأحكام الشرعية، مثل البحث عن جواز اجتماع الأمر والنهي في شيء بعنوانين، فإنّه عند البعض من المبادئ الأحكامية. وأما البحث عن المسألة الثانية أي وجود الملازمة بين حكم العقل بالحسن، أو القبح والحكم الشرعي فهو من المسائل الأصولية» (السبحاني، 1415: 1/ 46). وبحسب مكارم الشيرازي، فإن المبادئ الأحكامية هي محل البحث عن أحوال الحكم وأوصاف الوجوب والحرمة، وتشمل مباحث من قبيل اجتماع أو عدم اجتماع الوجوب والحرمة في شيء واحد (مكارم الشيرازي، 1428: 1/ 515) وكذلك التضاد بين الأحكام (نفسه: 2/ 163). ومع ذلك، فإنه، تبعاً للمحقق الخوئي، يعتقد أن المبادئ الأحكامية تعود إلى المبادئ التصديقية أو التصورية لعلم الأصول (نفسه: 1/ 342). من خلال دراسة كلمات الأصوليين حول المبادئ الأحكامية، يمكن استخلاص ما يلي: 1. برأي معظم الأصوليين، المبادئ الأحكامية هي مباحث تدور حول الحكم الشرعي؛ ولهذا السبب سُميت بالمبادئ الأحكامية. بالطبع، في نطاق المباحث التي تندرج تحت هذا العنوان، تظهر اختلافات في التعابير. فمثلاً، البعض يحصر البحث في ماهية وحقيقة الحكم تحت هذا العنوان، بينما يأخذ آخرون في الاعتبار جميع العوارض والحالات وتقسيمات الحكم الشرعي. 2. برأي البعض، مثل الميرزا حبيب الله الرشتي، فإن المراد بالمبادئ الأحكامية هو المباحث التي تدور حول أدلة استنباط الحكم الشرعي، وبهذا التوضيح، ينطبق مصطلح المبادئ الأحكامية على كل علم الأصول أو على الأقل على معظم مباحث هذا العلم. 3. طبق الشهيد مصطفى الخميني المبادئ الأحكامية لعلم الأصول على مباحث غير المستقلات العقلية في هذا العلم. 4. يرى بعض الأصوليين أن المبادئ الأحكامية عنوان مستقل وفي عرض المبادئ التصورية والتصديقية. 5. يرى بعض الأصوليين أن المبادئ الأحكامية قابلة للإرجاع إلى المبادئ التصورية والتصديقية؛ فمثلاً، بتعبير المحقق الأصفهاني، المبادئ التصورية قسمان: المبادئ التصورية الأحكامية والمبادئ التصورية اللغوية. والمبادئ التصديقية أيضاً قسمان: المبادئ التصديقية اللغوية والمبادئ التصديقية الأحكامية.
اختصاص المبادئ الأحكامية بعلم أصول الفقه
بناءً على ما قيل في تعريف المبادئ الأحكامية، يتضح أن البحث في المبادئ الأحكامية يختص بعلم أصول الفقه، ولا وجود للمبادئ الأحكامية في العلوم الأخرى؛ ولهذا السبب، يعبر البعض عن المبادئ الأحكامية بـ«المبادئ الخاصة» (الزاهدي، 1362: 1/ 20؛ الملكي الأصفهاني، 1379: 107/2). كلمات بعض الأصوليين حول اختصاص المبادئ الأحكامية بعلم الأصول هي كالتالي: «ثم إن لعلم الأصول مبادئ خاصة وتسمّى بالمبادئ الأحكامية» (النائيني، 1368: 1/ 8). «والظاهر أن المبادئ الأحكامية هي المسائل الخاصة بها الأصول، ولا تشترك فيها سائر العلوم؛ لأن مبادئ العلم بين تصورية، وتصديقية، ولا ثالث لهما» (الخميني، 1418: 4/ 128). وجه اختصاص المبادئ الأحكامية بعلم الأصول هو أن المبادئ الأحكامية تدور حول الحكم، ولا يُبحث عن الحكم الشرعي إلا في علم أصول الفقه. يقول المحقق النائيني في هذا الصدد: «ووجه اختصاص المبادئ الأحكامية بعلم الأصول، هو أنّ منه يستنتج الحكم الشرعي وواقع في طريق استنباطه» (النائيني، 1376: 1/ 27). مع التصريحات السابقة لبعض الأصوليين باختصاص المبادئ الأحكامية بعلم الأصول، تحدث البعض عن المبادئ الأحكامية كمبادئ لعلم الفقه. الميرزا علي الإيرواني (الإيرواني، 1370: 212/1)، والمحقق البروجردي (البروجردي، 1415: 154)، وجعفر السبحاني (السبحاني، 1414: 1/ 466)، ومكارم الشيرازي (مكارم الشيرازي، 1428: 1/ 342) وبعض شراح الكفاية (الميرسجادي، 1379: 1/ 13) هم من هذه الفئة. يقول جعفر السبحاني: «إن المبادئ الأحكامية من خصائص علم الفقه. فقد أضاف المحققون إلى علم الفقه مبادئ خاصة تسمى بالمبادئ الأحكامية، وهي فرع من المبادئ التصورية لذلك العلم» (السبحاني، 1414: 466/1). برأي الميرزا الإيرواني، المبادئ الأحكامية هي مسائل تبحث عن حقيقة وماهية الأحكام الشرعية وأحوالها، وهذه المسائل لا علاقة لها بعلم الأصول؛ لذا، فإن اعتبارها من مبادئ علم الفقه هو كلام وجيه: «المبادئ الأحكامية هي المسائل الباحثة عن حقائق الأحكام الشرعية وأحوالها، وهي غير المبادئ التصورية الباحثة عن موضوع العلم وعن الجهة المبحوث عنها في العلم وهي المحمولات، وإضافتها على ما ذكرنا إلى علم الأصول وعدّها من مباديه لا وجه له إذ لا ارتباط للمسائل الباحثة عن الأحكام الخمسة وخواصها بعلم الأصول لتعدّ من مباديه (نعم) لا بأس بعدها من مبادئ علم الفقه» (الإيرواني، 1370: 1/ 212).
النتيجة
مصطلح المبادئ الأحكامية محل نزاع من ثلاث جهات: النزاع الأول هو ما إذا كانت عنواناً مستقلاً في عرض المبادئ التصورية والتصديقية، أم أنها تعود إلى أحدهما أو كليهما، ولكلا الرأيين أنصار. النزاع الثاني هو ما إذا كانت المبادئ الأحكامية جزءاً من مبادئ علم الأصول أم من مبادئ علم الفقه؛ فغالبية الأصوليين يعتبرونها من مبادئ علم الأصول، والبعض يعتبرها من مبادئ علم الفقه. النزاع الثالث هو في بيان محتوى المبادئ الأحكامية والمباحث التي تندرج تحتها؛ فبناءً على رأي غالبية الأصوليين، يمكن القول في هذا الصدد: «المبادئ الأحكامية» هي سلسلة من المباحث تدور حول الحكم الشرعي نفسه بغض النظر عن تعلقه بموضوع خاص. كل من الأصوليين قد ذكر بشكل متفرق مباحث كجزء من المبادئ الأحكامية في آثاره؛ وبتجميع هذه الموضوعات المتفرقة، يمكن القول: بحسب الرأي المشهور، فإن هذه المباحث يمكن طرحها تحت عنوان المبادئ الأحكامية: 1. تعريف الحكم الشرعي ودراسة ماهيته وحالاته العارضة عليه. 2. تقسيمات الحكم الشرعي من قبيل التكليفي والوضعي، والواقعي والظاهري، والأولي والثانوي. 3. بساطة أو تركب الأحكام الخمسة. 4. الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي. 5. العلاقة بين الحكم الوضعي والتكليفي. 6. جعلية أو انتزاعية الأحكام الوضعية. 7. الفرق بين الحكم والفتوى. 8. الفرق بين الحكم والوظيفة الشرعية. 9. الفرق بين الحكم والوظيفة العقلية. 10. موضوع الحكم ومتعلق الحكم. 11. مراتب الحكم. 12. مبادئ الحكم التكليفي (ملاكات الأحكام). 13. العلاقة بين الأحكام التكليفية: تضاد أو … . 14. اجتماع الأمر والنهي. 15. قاعدة نفي خلو الحوادث عن الحكم الشرعي. 16. التلازم بين حكم العقل والشرع. 17. التلازم بين الأحكام (التلازم بين وجوب شيء ووجوب مقدمته، التلازم بين وجوب شيء وحرمة ضده). 18. كيفية جعل الأحكام على نحو القضايا الحقيقية أو الخارجية. 19. ثبات الأحكام في تطورات الزمان وتغير الأحكام بتغير الموضوعات. 20. تبيين العلاقة بين الحكم والموضوع. 21. تعلق الحكم بالطبائع أو الأفراد. 22. مناسبة الحكم والموضوع. 23. استحالة اختصاص الحكم بعالم. 24. مسقطات الحكم. 25. أخذ القطع بالأحكام في موضوع الأحكام. 26. جواز نسخ الأحكام. 27. اشتراك جميع المكلفين في الأحكام. 28. الشك في الحكم الشرعي. 29. العلاقة بين التعليل والحكم.
الهوامش
1. «ومبدأ الشَّيء: ما يتركب منه، وما منه يكون؛ فالحروفُ مَبْدَأُ الكَلم، والنَّواةُ مبدأُ النَّخل. ومَبادِئُ المطالب: ما يؤدى إليها وينتقل عنها إلى المطالب، وهي الأُمور المعلومة التي يرتبها الفكر؛ ليتأدَّى بها إلى المجهولة. ومَبادِئُ العِلمِ: ما يبْدَأُ به قبل المقصود لذاته؛ لتَوَقفِ ذات المقصودِ علیه.»؛ ومن قاموس أبجدي، ص 775: «المَبْدَأ – ج مَبَادِئ [بدأ]: أصل كل شيء؛ كُتُبُ المبادئ: أصول العلم، سبب وعلة.».
2. «المبادئ التصديقية هي البراهين المستعملة في المسألة لإثبات الحكم فيها لموضوعها، وهي إذا كانت بديهية تسمى العلوم المتعارفة، وإذا كانت نظريةً، فإن كانت ثابتة في العلم الآخر، وتكون منتجة نتيجة بالفعل، أو يصدقها المتعلم لحسن الظن بالمعلم لأنه سيصدقها بالتفصيل في نفس العلم، فهي الأصول الموضوعة». وفي غير الصور المذكورة تسمّى بـ«المصادرة»؛ ضرورة أنّ إثبات مسألة بدعوى أخرى منضمة إليها، لا يكون صحيحاً، كما لا يخفى.».
3. «ثم إنّ البحث عن المبادئ بأقسامها، ليس من مباحث العلم، بل كان حقها أن تذكر في علم آخر، مما كانت المبادئ من عوارض موضوعه، إلا أنه جرت سيرة أرباب العلوم على ذكر مبادئ كل علم في نفس ذلك العلم، لعدم تدوينها في علم آخر».