مرجّحات باب التعارض: من التنوع في الظاهر إلى الوحدة في الأداء الوظيفي

الملخص

إن ما يُعرَف بعنوان المرجّحات ليس متجانساً في ظاهره؛ فبشكل إجمالي، يقوم بعضها بتقوية سند الروايات المتعارضة، وبعضها الآخر بجهة صدورها، وبعضها بمضمونها. بناءً على رؤية المرحوم الوحيد البهبهاني، يُقدَّم مرجّحٌ كموافقة الكتاب ومخالفة العامة على أي مرجّح آخر على الترتيب. ولكن باعتراف المرحوم الشيخ الأنصاري في تعارض المرجّحات نفسها، أولاً، تكون الأولوية دائماً للمرجّحات الدلالية والمضمونية كموافقة الكتاب والسنة القطعية. ثانياً، في التعارض بين المرجّح الصدوري والجهتي، يُقدَّم المرجّح الصدوري. في مقابل هاتين الرؤيتين، طرح المرحوم الآخوند الخراساني أولاً فرضية عدم تفاوت الأداء الوظيفي، وبالتالي عدم وجود ترتيب بين المرجّحات، ولكن لاحقاً حظيت هذه الفرضية بقبول أصوليين مثل المرحوم الآقا ضياء العراقي، وإلى حد ما المرحوم السيد اليزدي.

المقدمة

مرجحات باب التعارض هي خصائص تميّز الروايات في مقام التعارض. وفقاً لما تم تنقيحه في علم الأصول، فإن تعارض الروايات لن يؤدي إلى طريق مسدود في مسار الاستنباط منها، بل في ظروف تساوي المتعارضين، يكون الخيار المشهور لدى الأصوليين هو الأخذ بالتخيير؛ أي لا ينبغي طرح كليهما، وإذا كان لأحدهما رجحان، فإن الخيار المشهور مرة أخرى هو وجوب ترجيح الرواية التي لها ميزة على الرواية المقابلة. بالطبع، إن ما تم نقضه وإبرامه تحت عنوان المرجحات ليس متجانساً في ظاهره؛ فبشكل إجمالي، يقوّي بعضها سند الروايات المتعارضة، وبعضها جهة الصدور، وبعضها الآخر مضمونها. هذا التنوع في الأداء الوظيفي ظاهراً قد قوّض وحدة خطاب المشهور في التعارض ثم في الترتيب بين المرجحات نفسها؛ مثلاً، في الحالات التي تكون فيها الروايات المتعارضة ذات مرجّح، ولكن ليس من قسم واحد، بل مرجّح بعضها سنديٌّ باعتبار الفضائل الأخلاقية والعلمية لسلسلة الرواة، وفي المقابل، مرجّح الرواية الأخرى دلاليٌّ من حيث انسجام دلالتها مع مضمون قرآني، أو سنة قطعية، أو مخالفة العامة.

على الأقل منذ عهد المرحوم الوحيد البهبهاني (١١١٧-١٢٠٥هـ) فصاعداً، تشكلت ثلاث رؤى رئيسية في هذا المجال. وفقاً للترتيب التاريخي، في الرؤية الأولى، يتقدم المرجّح الجهتي على المرجحات الصدورية مثل الموافقة مع الشهرة أو خصائص الرواة. في الرؤية الثانية، انعكس هذا الترتيب وأُعطيت الأولوية للمرجحات الصدورية. الإذعان لأصل تفاوت أداء المرجحات وكذلك الترتيب بينها يشكل القاسم المشترك لهاتين الرؤيتين. في مقابل هاتين الرؤيتين، يقف المرحوم الآخوند الخراساني (١٢٥٥-١٣٢٩هـ) الذي يرى أن دور جميع المرجحات هو إعادة حجية سند الخبر الراجح، أي أنه لا يقبل بأصل الترتيب بين المرجحات ولا بتفاوت أدائها الوظيفي الذي يسبقه. بالإضافة إلى ذلك، يختلف المرحوم الآخوند مع القائلين بالترتيب وتفاوت الأداء الوظيفي اختلافاً جوهرياً أكبر، لأنه بناءً على استنتاجه، المستفاد من الروايات المتعددة والمتنوعة المعروفة بالأخبار العلاجية، هو التخيير في الأخذ بالمتعارضين. على هذا الأساس، لا يقبل المرحوم الآخوند برأي المشهور القائل بوجوب الترجيح في التعارض من الأساس. ومع ذلك، دفاعاً عن وحدة الأداء الوظيفي للمرجحات، يشير الآخوند إلى ضرورة وفائدة الملاك الكلي للترجيح القائم على حل منسجم لهذه المسائل في مقام التوجيه والمعيار؛ وهذا الملاك الكلي الذي يحظى بتأييد المشهور وخاصة أطراف النزاع في هذا المبحث أيضاً، هو دور المرجحات في زيادة احتمال الصدق والصدور الواقعي للرواية الراجحة. في الواقع، إن الأداء الوظيفي لجميع المرجحات هو إعادة حجية خبر الواحد الذي فُقدت في فرض التعارض.

على سبيل المثال، حجية خبر الواحد التي تُعلَّق في ظروف التعارض، تُعاد بملاحظة موافقة مضمونه مع الكتاب أو الشهرة. آثار الالتزام الشامل بهذا المبدأ لا تقتصر على انسجام فروع المسألة مثل موضوع الترتيب بين المرجحات، بل يجب أن تحظى بالاهتمام أيضاً في قبض وبسط عدد المرجحات وإضافة بعض المتغيرات غير المنصوصة أو العقلانية. هذا هو أقل ما يُتوقع من تشكيل نظرية أصولية على الأقل في مجال التعادل والترجيح. وإلا، إذا عانت الدراسات الموضعية من التهافت أو عدم الشمولية دون تصور واضح للمبدأ ومقتضياته، فلن يكون ذلك غير متوقع كثيراً.

أقسام المرجّحات

هناك عدة تقسيمات لمرجحات التعارض في المصادر الأصولية، أحدها من ابتكار المرحوم الشيخ الأنصاري (١٢١٤-١٢٨١هـ). وفقاً لتقسيمه، فإن مجموع المرجحات قسمان: داخلية وخارجية. أساس هذا التقسيم هو التمييز بين المرجحات المتقومة بالرواية نفسها والمرجحات الخارجة عنها؛ وفقاً لهذا المبدأ، فإن مزايا مثل أعدلية الراوي، وأفصحية متن الرواية، ومخالفتها للعامة، متقومة بالرواية نفسها وبالتالي فهي من المرجحات الداخلية، أما الموافقة مع الكتاب أو الشهرة الفتوائية أو الأصل العملي، التي لها اعتبار ووجود مستقل بغض النظر عن الرواية، فهي من المرجحات الخارجية (الشيخ الأنصاري، ١٤٢٨: ٤/ ١١٣).

هذا التقسيم، وإن أثار إعجاب بعض الأصوليين في البداية (الرشتي، بلا تا: ٤٣٧)، إلا أنه واجه انتقاد المرحوم الآخوند الخراساني الذي تساءل كيف يمكن عدّ الكتاب أو الشهرة أو الأصل العملي من المرجحات الخارجية والمستقلة، في حين أنها ليست مرجحات بحد ذاتها، بل ما هو مرجح هو «موافقة الرواية» لهذه الأمور. على أي حال، المرجح متقوم بالرواية نفسها لا خارجاً عنها ليكون استقلاله وانضمامه أساساً للتقسيم (الآخوند الخراساني، ١٤١٠: ٤٥٩).

بالطبع، يبرر المرحوم الآخوند في النهاية تقسيم المرجحات إلى داخلية وخارجية بناءً على اختلاف منشأ انتزاعها (نفسه). لكن هذا التقسيم وملاكاته من وجهة نظره، وهو لا يقول بالترجيح، لا أهمية له. ولهذا السبب، في الفصل الذي خصصه للمسائل المترتبة على مبنى القائلين بالترجيح وترتيب المرجحات، يشير في البداية إلى تنوعها الواسع، لكن بما أنه لا يرى فرقاً في الأداء الوظيفي بينها، فإنه يعتبر الخوض والمناقشة في التقسيمات الشائعة أمراً غير مجدٍ (الآخوند الخراساني، ١٤٣٠: ٣/ ٣٣٩).

بالإضافة إلى نقد المرحوم الآخوند لمبدأ تقسيم المرحوم الشيخ، يجب أن نضيف أن ادعاءه القائم على تفاوت أداء المرجحات وتقديم المرجح الصدوري على الجهتي – كما سنرى في قسم الآراء – لا علاقة له بتقسيمه، لأن كلا النوعين من المرجحات الداخلية. هذا النوع من الادعاءات يتناسب أكثر مع تقسيمها إلى صدورية وجهتية ومضمونية. تنوع المرجحات من هذا المنظور، وإن كان يظهر بوضوح في آثار المرحوم النائيني (١٣٥٥هـ) (النائيني، ١٣٧٦: ٤ / ٧٧٨)، فإنه يشكل بشكل خفي مبدأ الشيخ وكل من يقول بأداء وظيفي مختلف للمرجحات، ويبدو في الظاهر أكثر انسجاماً مع مصب المرجحات.

٣. الآراء في تنوع المرجّحات وترتيبها

أشرنا في المقدمة إلى أن القائلين بلزوم الترتيب بين المرجحات لديهم افتراضان مشتركان: تنوع أداء المرجحات ووجوب الترجيح كقاعدة مستفادة من الروايات في التعارض غير المتكافئ. بالنظر إلى هذين الافتراضين والافتراض المنافس، الذي لا يرى أي تنوع أو تفاوت بين أداء المرجحات، قام المرحوم النائيني بتقرير آراء واختياره للمسألة على النحو التالي:

– المرحوم الآخوند الخراساني: لا يوجد أي ترتيب بين المرجحات، بل كلها في عرض واحد. فإذا كان أحد المتعارضين حائزاً لبعض المرجحات والآخر حائزاً لمرجح آخر، وقع التزاحم، ونتيجة لذلك، يُقدَّم ما كان مناط ترجيحه أقوى.

– المرحوم الوحيد البهبهاني: المرجح المتعلق بجهة الصدور يتقدم على المرجحات السندية والمضمونية. فإذا كان أحد المتعارضين مخالفاً للعامة والآخر موافقاً للشهرة أو الكتاب، يُقدَّم المخالف للعامة.[1]

– مختارنا: المرجح السندي يتقدم على المرجح الجهتي والمضموني. فالخبر المشهور يتقدم على الخبر المخالف للعامة أو الموافق للكتاب (نفسه: ٤/ ٧٧٨).

كما يلاحظ، في مسألة الترتيب وعدمه بين المرجحات، تطرح ثلاث رؤى عامة. بالطبع، صحيح أن رؤية المرحوم النائيني تختلف عما سنبحثه من الشيخ، لأن دعوى النائيني ومبناها في القسم الأول من الدعوى، أي تقدم المرجح السندي على الجهتي، هو عين دليل الشيخ (نفسه: ٤/ ١٣٦). ادعاء النائيني الخاص يتلخص في تقدم المرجح السندي على المضموني. بعبارة أخرى، اختيار المرحوم النائيني مستفاد من رؤية الشيخ، مع فارق أن الشيخ قبل فقط بتقدم المرجح السندي على الجهتي، لكن النائيني عمم تقدمه على المرجح المضموني أيضاً. مع تفاصيل هذه الاختلافات والاشتراكات ومستنداتها سنتعرف أكثر في ما يلي. ملاك الترتيب في دراسة الآراء في هذا المقال هو مسارها التاريخي.

١/٣. تقدّم المرجّح المضموني والجهتي

بناءً على هذه الرؤية التي تعود للمرحوم الوحيد البهبهاني، فإن مرجحاً كموافقة الكتاب يتقدم على جميع المرجحات الأخرى، كما أن لمرجحية مخالفة أحاديث وفتاوى العامة مكانة مماثلة.[2] بالطبع، مفهوم موافقة الكتاب، بعد تدقيقات المرحوم الشيخ، تقلص إلى موافقة «ظاهر الكتاب»[3] وفي مقابل مخالفته، إلى المخالف المباين الذي يرتفع فقط من خلال التصرف في ظاهر الآية أو الرواية المتعارضة، وكذلك المخالفة بنحو العموم من وجه (الشيخ الأنصاري، ١٤٢٨: ٤/ ١٤٧؛ النائيني، نفسه: ٧٩٢/٤).

على أي حال، أساس هذه الرؤية في كلا القسمين تشكله الروايات؛ روايات متواترة أُمر فيها بتطبيق الروايات على الكتاب، وكذلك روايات مفادها الأخذ بمخالفة العامة في كل الظروف، وخاصة أنه قد صُرِّح بهذه التعليلات في الروايات نفسها: بأن الرشد في خلافهم، وأنهم ما هم من الحقيقة في شيء (البهبهاني، ١٤١٥: ٢١٩).[4]

وفقاً لهذا النوع من التعليلات، فإن الرشد/الفلاح مطلقاً في مخالفة العامة وآراؤهم مجردة تماماً من الحقيقة. المرحوم الميرزا الرشتي (١٣١٢هـ) من تلاميذ المرحوم البهبهاني يبدي استغرابه من أولئك الذين يعطون الأولوية في تعارض المرجحات للترجيح السندي، متسائلاً كيف يمكن لسند رواية موافقة للعامة أن يجد فرصة للترجيح بوجود نص الإمام(ع) القاضي بلزوم الابتعاد عن الآراء الموافقة لهم بشكل مطلق! (الرشتي، بلا تا: ٤٥٧).

نقد ودراسة

لم يأخذ منتقدو هذه الرؤية، بل وعموم الأصوليين المتأخرين، ادعاء المرحوم البهبهاني بجدية فيما يتعلق بمكانة المرجح المضموني، لأن التعبير الموجود مثل ضرورة عرض الروايات على الكتاب يدل إلى حد ما على الخلط بين مرجحية الكتاب ومرجعيته. هذا التعبير يتناسب أكثر مع مرجعية الكتاب التي تشكل أحد شروط حجية خبر الواحد بعدم مخالفته بنحو التباين مع نص قرآني (النائيني، نفسه: ٤/ ٧٩٠). أما مرجحيته في حال تعارض روايتين، إحداهما موافقة لظاهر القرآن وبالطبع ستكون الرواية المقابلة لها مخالفة في نفس المستوى، فهو موضوع آخر، ويبدو أن أمثال المرحوم البهبهاني لم يكن الأمر واضحاً لديهم تماماً أو لم يروا ضرورة للحديث عنه بوضوح. أما فيما يتعلق بملاك أو علة تقديم المرجح الجهتي على السندي، فكما مر، كان عماد استناد المرحوم البهبهاني وبعض تلامذته هو الروايات؛ خاصة التعليلات الواردة فيها التي وصفت الرشد والحقيقة بأنهما دائماً في مخالفتهم.

يبدو أن هذه التعليلات قد لوحظت في الروايات، ولكن هل المراد منها هو مدلولها الظاهري وأن الرشد والحقيقة سيكونان دائماً في مخالفتهم؟ باعتراف المرحوم الشيخ، الإجابة الإيجابية على هذا السؤال صعبة جداً، لأنه بالنظر إلى الاشتراكات الكثيرة التي لدينا مع العامة، لا يمكننا أن نعتقد أن المخالفة المطلقة لهم هي سبب الفلاح وإدراك الحقيقة. من هنا، فإن الملاك في الأخذ بمخالفة العامة هو عدم صدورها للتقية، وهذا أيضاً يختص بحالتين: الأولى، أن نقطع بصدور روايتين من المعصوم(ع)، كالمتواترتين؛ والثانية، أن يكون التعبد بصدور كلتيهما ضرورياً، كخبرين متكافئين. في مثل هذه الحالات، يكون رفع التعارض ممكناً فقط بتفسير الرواية الموافقة للعامة على محمل التقية، ولكن بغض النظر عن هذه الحالات، إذا كان رفع التعارض ممكناً عن طريق ترجيح السند، فمن المنطقي أن لا تصل النوبة إلى حملها على التقية، لأن جهة الصدور فرع على أصل الصدور، والرواية التي يكون أصل صدورها مشكوكاً فيه، يكون تصحيح جهة صدورها بلا معنى ولغواً (الشيخ الأنصاري، ١٤٢٨: ٤/ ١٣٧).

بالطبع، درس المرحوم الشيخ عدة خيارات فيما يمكن أن يكون ملاك ترجيح مخالفة العامة، ولكن من بينها، يبرز دور متغير التقية في صدور الأحكام الموافقة للعامة، أي أن الإمام(ع) لحفظ النفس ومنافع التشيع قد حكم في بعض الحالات بما ينسجم معهم. من البديهي أن مثل هذه الأحكام المعللة بأغراض اجتماعية-سياسية لا يمكن بالضرورة أن تكون دائماً خالية من الحقيقة وخالية من أي رشد، وإن كان احتمال مخالفة الواقع فيها منخفضاً.[5]

إذن، أولاً، التعليلات الواردة في الروايات القائمة على حصر الرشد والحقيقة في مخالفة العامة هي على الأكثر علة غالبة لا دائمة. ثانياً، ملاك الترجيح في الروايات المخالفة للعامة هو ميزة نسبية لها مقارنة بالرواية الموافقة لهم، حيث ينتفي فيها احتمال التقية. ثالثاً، جهة صدور الحديث من شؤون صدوره، وما دام الترجيح بالسند ممكناً، لا تصل النوبة إلى ترجيحه من جهة الصدور. سنعود إلى هذه النقطة الأخيرة قريباً. لكن الشك في دور العلية المصطلح عليها في نفي الرشد والحقيقة في موافقة العامة، هو نقد وارد وكافٍ لإبطال فكرة التعليل لدى المرحوم البهبهاني، أي أن الملاك في رجحان المخالفة للعامة هو أنها في مظنة الرشد والحقيقة، لا أن الرشد والحقانية محصوران في مخالفة العامة.

مع ذلك، لا يتجاهل المرحوم الشيخ خيار الأقربية إلى الواقع تماماً في ملاك ترجيح الروايات المخالفة للعامة: أن الترجيح بالمخالفة من أحد وجهين- على ما يظهر من الأخبار-: أحدهما: كونه أبعد من الباطل وأقرب إلى الواقع، فيكون مخالفة الجمهور نظير موافقة المشهور من المرجحات المضمونية، على ما يظهر من أكثر أخبار هذا الباب. والثاني: من جهة كون المخالف ذا مزية؛ لعدم احتمال التقية (نفسه: ٤/ ١٢٨).

من المعلوم أنه إذا تدخل هذا المتغير، فإن النتيجة في ترتيب المرجحات ستختلف. وبالطبع دون أن يذكر ذلك، فإن تبعة هذا التحول في فهم ملاك مرجح مخالفة العامة، لن تقتصر في النهاية على هذا النوع من المرجحات، ولن تكون مجرد واحد من متغيرين، لأن ملاك جميع المرجحات، كما صرح به المرحوم الشيخ بالانسجام مع مشهور الأصوليين وكما استظهره من النصوص، هو أقربية الرواية الراجحة إلى الواقع وأبعديتها عن الباطل. عقلانية هذا الملاك تحسم النتيجة حالياً في تعارض المرجح الجهتي والسندي من حيث الدعوى لصالح المرحوم البهبهاني، لكنها تحوّل مستوى النقاش من تعارض الترجيح بالسند والجهة إلى أدائها الوظيفي بالنسبة لكاشفيتها عن الواقع. هذا التحول، فضلاً عن أنه يجرّ رؤية الشيخ نفسه بشأن تقدم المرجح السندي على الجهتي إلى الإبهام والتهافت، يطرح أيضاً هذا السؤال: هل مخالفة العامة في جميع الظروف ستحمل ملاك الأقربية إلى الواقع؟

٢/٣. تقدّم المرجّح السندي على الجهتي

بإذعان المرحوم الشيخ، في تعارض المرجحات نفسها، أولاً، التقدم دائماً للمرجحات الدلالية[6] والمضمونية كموافقة الكتاب والسنة القطعية. ثانياً، في التعارض بين المرجح الصدوري والجهتي، التقدم للمرجح الصدوري. مثلاً، لدينا روايتان متعارضتان، وكلاهما له مرجح، ولكن ليس من قسم واحد، بل مرجح إحداهما سندي، أي أن سلسلة رواتها تتمتع بفضائل أخلاقية وعلمية، وفي المقابل، مرجح الرواية الأخرى جهتي، أي أن مفادها من حيث الدلالة يخالف العامة. في مثل هذه الحالات، وفقاً لمختار المرحوم الشيخ، يكون الترجيح للرواية الأولى (نفسه: ١٣٨/٤). وكما مر في تقرير وتصنيف الآراء، فإن المرحوم النائيني أيضاً، بتشخيصه قوة هذه الرؤية، انضم إلى الشيخ ودافع عنها (نفسه: ٤/ ٧٨٨).

جوهر دليل المرحوم الشيخ لهذه الدعوى هو أصالة صدور الحديث وفرعية جهته: إن جهة الصدور متفرعة على أصل الصدور؛ أي أن جهة صدور الرواية متفرعة على أصل صدورها (نفسه: ٤/ ١٣٨).

بناءً على هذه القاعدة التي تُعرف في المنطق بـ«قاعدة الفرعية»، «ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له»، أي أن ثبوت شيء لشيء فرع على وجود ذلك الشيء الثاني. إذا قلنا إن «ب» موجود كصفة لـ«ألف»، يجب أن يكون «ألف» موجوداً حتى توجد «ب» كصفة له (مطهري، بلا تا: ٩/ ٢٢٨). تطبيق القاعدة على سند وجهة صدور الرواية واضح، لأن إثبات أن رواية ما صدرت لبيان حكم واقعي أو أن أغراضاً كالتقية تدخلت في صدورها، يتوقف على أن تكون تلك الرواية قد صدرت، وما لم يُحرز صدورها، فإن الحديث عن اتصافها بأن جهة بيانها كذا هو بلا معنى. بناءً على ذلك، في التعارض بين المرجح السندي والجهتي، يكون التقدم للمرجح السندي، ومع إثبات رواية لها ترجيح سندي، لا تصل النوبة لإثبات جهة صدور الرواية المقابلة.

المرحوم النائيني، بناءً على الالتزام بهذه القاعدة، قدّم المرجح السندي على جميع المرجحات ومنها موافقة الكتاب والسنة القطعية. مثلاً، حديث رواته أعدل أو أوثق يرجح على حديث موافق للكتاب أو السنة القطعية من وجهة نظر النائيني (النائيني، ١٣٧٦: ٤ / ٧٧٨). ولكن مواصلة هذا الحوار لا طائل من ورائها، لأنه أولاً، هو نفسه في تعارض هذا النوع من المرجحات، أعطى التقدم للمرجح المضموني (نفسه: ٧٩٢). ثانياً، المزايا السندية مثل أعدلية وأصدقية الرواة توفر على الأكثر ظناً شأنياً بالأقربية إلى الواقع، لكن انطباق الرواية المقابلة مع ظاهر القرآن يسبب أقربية فعلية لها إلى الواقع (الشيخ الأنصاري، ١٤٢٨: ٤/ ١٤٥). من هنا، انتهت هذه المناقشة في هذا الخصوص للقائلين بالترتيب وعدمه على المبنى.

لكن الميزة المهمة للنائيني هي أنه بالإضافة إلى تأييد قاعدة الفرعية، أضاف الاستناد إلى ظهور مقبولة عمر بن حنظلة. وفقاً لاستظهاره، فإن معنى ذكر المرجح السندي في هذه الرواية قبل المرجح الجهتي هو تقدمه الرتبي عليه. نص هذه الرواية، التي استُند إليها في أبواب مختلفة من الفقه لتحديد مرجع لرفع الخصومات الحقوقية بين الشيعة وكذلك لرفع الخلاف الذي قد يقع بين الحكمين أنفسهما في مقام القضاء، هو: عَنْ عُمَرَ بْنِ حَنْظَلَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع) عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِنَا بَيْنَهُمَا مُنَازَعَةٌ فِي دَينٍ أَوْ مِيرَاثٍ، فَتَحَاكَمَا إِلَى السُّلْطَانِ وَ إِلَى الْقُضَاةِ، أيحِلُّ ذَلِكَ؟ قَالَ: «مَنْ تَحَاكَمَ إِلَيْهِمْ فِي حَقٍّ أَوْ بَاطِلٍ، فَإِنَّمَا تَحَاكَمَ إِلَى الطَّاغُوتِ … قُلْتُ: فَكَيْفَ يَصْنَعَانِ؟ قَالَ: «يَنْظُرَانِ إِلى مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مِمَّنْ قَدْ رَوَى حَدِيثَنَا، وَنَظَرَ فِي حَلَالِنَا وَحَرَامِنَا، وَعَرَفَ أَحْكَامَنَا، فَلْيَرْضَوْا بِهِ حَكَماً … قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ كُلُّ رَجُلٍ اخْتَارَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِنَا، فَرَضِيا أَنْ يَكُونَا النَّاظِرَينِ فِي حَقِّهِمَا، وَاخْتَلَفَا فِيمَا حَكَمَا، وَكِلَاهُمَا اخْتَلَفَ فِي حَدِيثِكُمْ قَالَ: «الْحُكْمُ مَا حَكَمَ بِهِ أَعْدَلْهُمَا وَأَفْقَهُهُمَا وَأَصْدَقُهُمَا فِي الْحَدِيثِ وَأَوْرَعُهُمَا…». قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّهُمَا عَدْلَانِ مَرْضِيانِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، لَا يَفَضَّلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى صاحِبِهِ؟ قَالَ: فَقَالَ: «يَنْظُرُ إِلى مَا كَانَ مِنْ رِوَايَتِهِمْ عَنَّا فِي ذلِكَ الَّذِي حَكَمَا بِهِ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِكَ… قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الْخَبَرَانِ عَنْكُمْ مَشْهُورَينِ قَدْ رَوَاهُمَا الثِّقَاتُ عَنْكُمْ؟ قَالَ: «يَنْظَرُ، فَمَا وَافَقَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْكِتَابِ وَالسَّنَةِ وَخَالَفَ الْعامَةَ، فَيَؤْخَذُ بِهِ، وَيَتْرَكُ مَا خَالَفَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْكِتَابِ وَالسنة وَوَافَقَ الْعامة» (الكليني، ١٤٢٩: ١/ ١٦٧).

المرحوم النائيني، أولاً، مع الالتفات إلى أنه في بعض الروايات لم يُذكر أي من المرجحات السندية،[7] لا يرى تعارضاً بين المقبولة وتلك الروايات، لأنه بناءً على قاعدة الجمع بين المطلق والمقيد، تتوفر الأرضية لتقييد الروايات الخالية من هذا المرجح بالمقبولة (النائيني، نفسه: ٧٨١/٤). ثانياً، يلتفت إلى أن متن المقبولة صامت ظاهراً عن خصائص وشخصية الراوي كمرجح، لأن موضوعها هو تعارض الحكمين لا الروايتين، لكن النائيني بملاحظة أن أصل اختلاف الحكمين هو اختلاف الروايات، يجعل مناط ترجيحهم واحداً مع الروايات، أي أن المناط الترجيحي الذي بُيّن لأحد الحكمين هو في الواقع مناط ترجيح الرواية التي أدت بتعارضها إلى اختلاف في الحكم (نفسه: ٧٨٤).

نقد ودراسة

لإثبات تقدم المرجح السندي على الجهتي، قُدّم استدلالان: الأول، الاستناد إلى قاعدة الفرعية، والثاني، الاستظهار من مقبولة عمر بن حنظلة. مع الملاحظات التالية، سيتضح أن كلا الاستدلالين قاصران عن إثبات المدعى:

١. عدم انطباق قاعدة الفرعية

أهم تحدٍ للاستدلال بقاعدة الفرعية هو عدم جريانها، لأنه في السيرة العقلائية القائمة على العمل بخبر الواحد، لا يُرى ترتيب بين التعبد بالصدور والجهة ليُعترف بالطولية بينهما، وبالتالي، قبل التعبد بالجهة، يجب أن نكون قد أحرزنا أصل صدوره. ما هو موجود في هذه السيرة هو اشتراط العمل بخبر الواحد بتمامية جريان الأصول العقلائية الثلاثة على الأقل التالية: – أصالة السند [الصدور] لإلغاء احتمال عدم الصدور؛ – أصالة الجهة لإلغاء احتمال التقية؛ – أصالة الظهور لإلغاء احتمال عدم إرادة ظهور الكلام. فإذا اختل جريان أحدها في مورد، توقفت السيرة في ذلك المورد، دون أن يكون هناك التفات طفيف إلى تقدم وتأخر بين الصدور والجهة معمولاً به (العراقي، ١٤٢٠: ٢/ ٢٨٣؛ الإمام الخميني، ١٣٧٥: ٢١٧).

علاوة على ذلك، المرحوم الشيخ، بالانسجام مع المشهور، قائل بالتعدي من المرجحات المنصوصة. وقد بذل جهداً مضاعفاً لإرجاع أكثرية التعليلات الواردة في الروايات إلى علة واحدة. استنتاجات الشيخ من وجوه التعليل هي أن أقربية الحديث ذي الميزة إلى الواقع، بالنسبة للحديث المقابل، هي معنى التعليل بـ«فإن المجمع عليه لا ريب فيه» في الترجيح بموافق الشهرة الروائية، و«أنّ الحق و الرشد في خلافهم» في الترجيح بمخالف العامة، و«فان أشبههما فهو حق و إن لم يشبهما فهو باطل» في الترجيح بموافقة الكتاب والسنة القطعية، هو أن الخبر الحائز لهذه المزايا أقرب إلى الواقع والصدق من الخبر الفاقد لها (الشيخ الأنصاري، ١٤٢٨: ٤ / ٧٦-٧٨). بناءً على ذلك، فإن التعبد بالمرجحات المنصوصة ليس جائزاً أصلاً، بل يجب أن يتبع ملاك الترجيح الذي هو حقيقة عقلانية، ومعلوم أنه كما أن المرجحات المنصوصة تتمتع بهذا الأداء العقلاني، فإن المزايا غير المنصوصة أيضاً لا يمكن أن تكون خالية منه. نتيجة لذلك، فإن الإذعان بأي ترتيب بين المرجحات هو نوع من التناقض، لأن تحديد أي مرجح سيزيد احتمال الأقربية إلى الواقع من المرجح الآخر، أقوى وأكثر تأثيراً، يعتمد على متغيرات مختلفة ولا يمكن دائماً وصف نمط واحد، مثلاً في تعارض المرجحات السندية والجهتية، يكون التقدم للرجحان في جانب السند. من الممكن تماماً أنه في ظروف ما، مع وجود مرجح سندي، يكون لمدلول الحديث المخالف للعامة ميزة تزيد من أقربيته إلى الواقع بشكل كبير، والشيخ نفسه على هذا المبدأ في موضع آخر، يقدّم المرجحات المضمونية على السند. استدلاله هو كون مدلول الحديث «مظنون المطابقة» للواقع، ومع وجود ظن فعلي بانطباقه على الواقع من خلال موافقته لدليل مسلم خارجي، لا يبقى وجه للقلق بشأن السند، ومخالفة العامة أيضاً إذا كانت من باب كونها متلازمة مع الرشد والحقيقة، توجب الرجحان، فإنها تحظى بنفس المكانة (نفسه: ٤ / ١٤٥).

٢. عدم ارتباط المقبولة بتعارض الروايات

علاوة على قاعدة الفرعية، استند المرحوم النائيني أيضاً إلى ظهور المقبولة للتأكيد على تقدم المرجح السندي على الجهتي. في التمسك بظاهر المقبولة، تجدر الإشارة إلى هذه النقاط: أولاً، في متن المقبولة للترجيح في مقام التعارض، صُرّح بعدة خصائص: قَالَ: «الْحُكْمُ مَا حَكَمَ بِهِ أَعْدَلْهُمَا وَأَفْقَهُهُمَا وَأَصْدَقُهُمَا فِي الْحَدِيثِ وَأَوْرَعُهُمَا». أما المرحوم النائيني فإنه لا يعتبر من بينها الأفقهية والأورعية من الخصائص الداخلة في ترجيح الرواية، بل يرى أن هذه المرجحات تناسب الحكم والقضاء لا النقل والرواية، وبهذه الملاحظة تجاهل المرجحات الشخصية وأصيب بالتزلزل بالنسبة لأصل دعواه (النائيني، ١٣٧٦: ٤/ ٧٨٤). هذا النوع من التقطيع دون مراعاة مقتضى السياق وانسجام وحدة الكلام هو تصرف انتقائي في الظهور.

ثانياً، فيما يتعلق بظهور متن المقبولة في ترجيح الروايات المتعارضة، هناك خلاف شديد بين الأصوليين. فقهاء معاصرون مثل المرحوم الخوئي (الخوئي، ١٤١٧: ٢ / ٤١٤)، والمرحوم الحكيم (الحكيم، ١٤٠٨: ٢/ ٥٩٠)، والإمام الخميني (الإمام الخميني، ١٣٧٥: ١٦٧، ١٧٢ و ١٧٤) هم من منكري ظهورها في ترجيح الروايات. من وجهة نظرهم، المقبولة مختصة بالقضاء وفصل الخصومة. المرحوم الشيخ نفسه أيضاً، مع الإذعان بأن صدر المقبولة يختص بالتحكيم، اعتبر تخصيصها أو تعميمها إلى الرواية أمراً غير مناسب تماماً (الشيخ الأنصاري، ١٤٢٨: ٤ / ٥٨)، وعلى فرض أن أصل اختلاف الحكمين هو اختلاف الروايات، فوفقاً لتحليل المرحوم العراقي، لا تزال مرجحات صدر المقبولة لا ترتبط بالرواية، لأن الفقرات الأولى من المقبولة لها ظهور في تدخل صدور الحكم بالمرجحات الموجودة، وعلى أي حال، موضوعها هو صدور الحكم لا نقل الرواية (العراقي، ١٤٢٠: ٢/ ٤٧٣).[8]

بناءً على ذلك، فإن المواجهة الإنكارية لظهورها أو التردد في هذا الخصوص، بملاحظة ذلك، أمر يثير الشك كثيراً في أن التمسك بالظهور ليس عملية استدلالية، بل هو وجداني أكثر، أي أن أمر الظهور دائر بين الوجود والعدم. من هنا، من بين هذين الادعاءين، يبدو قبول إنكار ظهورها هو الموجه. مؤيد صحة هذا الاستنتاج هو عدم ذكر جميع المرجحات في روايات أخرى وعدم وجود ترتيب فيها. نتيجة لذلك، لم تكن الروايات في مقام بيان الترتيب، بل كان شأن صدورها هو أصل المرجحات.

٣/٣. عدم التفاوت في الأداء الوظيفي

أكد المرحوم الآخوند الخراساني أولاً على ادعاء عدم تفاوت الأداء الوظيفي، وبالتالي عدم الترتيب بين المرجحات، في حدود فرضية، لأنه هو نفسه كان يرى أن مفاد الأخبار العلاجية هو وجوب التخيير لا وجوب الترجيح. ولكن المرحوم الآقا ضياء العراقي (١٣٦١هـ) وإلى حد ما المرحوم السيد اليزدي (١٣٣٧هـ) اختاروا من بين الفرضيات تلك الفرضية. بالطبع، لا يزال جوهر الاستدلالات يدور حول أفكار الآخوند. هو في الفصل الذي فتحه لهذه المناسبة، لا يرى في الأداء الوظيفي لجميع المرجحات، بناءً على وجوب الترجيح، أكثر من شيء واحد، وهو إعادة بناء سند خبر الواحد الذي واجه مشكلة بسبب التعارض:

بناءً على هذا المبدأ، الذي هو أولاً، بموجب الأخبار العلاجية، الترجيح، وثانياً، التعدي من المرجحات المنصوصة واجبان، فإن المزايا التي تسبب ترجيح إحدى الروايتين المتعارضتين وطرح الأخرى، تكون متنوعة وحالاتها متعددة، مثل راوي الخبر، نفس الخبر، وجه صدوره، وكذلك متن ومضمون الخبر… وأيضاً مرجحات أخرى تميز خبراً عن خبر آخر من جهة ما، لكن هذه المزايا توجب تقديم أحد السندين وترجيحه على طرح السند الآخر، لأن الأخبار العلاجية تدل على تقديم الرواية التي لها ميزة في إحدى الجهات والنواحي. فكل هذه مرجحات سند، حتى موافقة الخبر للعامة هي من مرجحات السند وفعلية حجيته والرواية المقابلة لها تُطرح من الأصل (الآخوند الخراساني، ١٤٣٠: ٣٣٩/٣).

كرر المرحوم العراقي هذا البيان نفسه، ولكن مع فارق أنه بشفافية، وضع المبدأ على وجوب الترجيح، خلافاً للآخوند. من وجهة نظره، نسبة مطلقات التخيير في باب التعارض مع الروايات الدالة على وجوب الترجيح في الروايات غير المتكافئة، مثل سائر موارد الجمع بين المطلق والمقيد. أما أن نتعدى من المرجحات المنصوصة ونرجح الخبر المتعارض بناءً على أي ميزة، فليس بقاعدة، لأن هذا الإجراء هو تقييد لمطلقات التخيير في المتعارضين، دون أن يكون لدينا دليل معتبر على تقييده. نتيجة لذلك، فإن روايات التخيير بملاحظة إطلاقها تشمل كل نوع من التعارض، سواء كان لأحدها مرجح أم كانا متساويين. ولكن روايات الترجيح مقيدة بالموارد التي يكون فيها أحدهما حائزاً لمرجح من النوع المنصوص. فمقتضى الجمع بين المطلق والمقيد هو أن نحمل هذه الإطلاقات على المقيدات (العراقي، ١٤٢٠: ٢/ ٤٧٥).

الدخول في هذه المناقشة حول ما إذا كان التعدي من المرجحات المنصوصة جائزاً بل واجباً أم لا، يبعدنا عن هدف هذا المقال وليس له دخل في عملية الاستدلال، لكن افتراضه يمكن أن يُستخدم كجواب نقضي في مقابل أمثال المرحوم الشيخ وجميع مدعي الترتيب بين المرجحات من جهة، وجواز التعدي من المرجحات المنصوصة من جهة أخرى. النص الذي استعرضناه سابقاً من المرحوم الآخوند يظهر أنه دخل في هذا المبحث بهذه الطريقة تحديداً. على أي حال، يُتوقع أنه مع تحديد الأداء الوظيفي للمرجحات، ستتضح مسألة جواز التعدي من المرجحات المنصوصة أيضاً.

لإثبات هذه الدعوى، قُدّم استدلالان:

أ) معرفة الأداء الوظيفي للمرجّحات

ما له الأولوية في هذا القسم قبل التركيز على الأداء الوظيفي للمرجحات هو الانتباه إلى التحدي الناشئ من التعارض. وقد أوضح المرحوم الآخوند وشارحو آثاره هذه المسألة جيداً، حيث إن ما يتحدى التعارض في الدرجة الأولى هو سند الروايات؛ أي صحيح أن التعارض هو تنافٍ بين دليلين أو عدة أدلة على مستوى الدلالات، لكن هذا التضاد نفسه على مستوى الدلالة يواجه التعبد في سندها بمشكلة. دليل هذا التسري من المدلولات إلى نطاق الأسناد هو أن التعبد بسند خبر الواحد أصلاً هو لغاية العمل بمقتضاه، وفي الحالة التي تكون فيها الروايات متعارضة والطريق إلى الجمع الدلالي مسدود، يكون التعبد بسبب عدم الانتفاع منها لغواً، ونتيجة لذلك، لن يكون مشمولاً بدليل اعتبار حجية خبر الواحد (الفيروزآبادي، ١٤٠٠: ٦ / ١٩). بعبارة أخرى، ليس الأمر أن التعبد بسندها بمقتضى حجية أدلة خبر الواحد محفوظ، ولكن نقد وحجيتها الدلالية مستند ومجال آخر.

إذن، بالنظر إلى التحدي الناشئ من التعارض والذي يقتصر على جانب السند، فإن المتوقع من المرجحات هو رفع هذه المشكلة بعينها، والمرجحات بكل أنواعها، يكون أداؤها الوظيفي هو هذا؛ حتى معنى الترجيح بموافقة الكتاب ومخالفة العامة هو التعبد بأن مثل هذه الروايات قد صدرت: فلا محيص من إرجاع الأمر بالأخذ بما يخالف العامة وما يوافق الكتاب إلى التعبد بالبناء على أنه هو الصادر، وأن الموافق للعامة والمخالف للكتاب غير صادر، ومرجع ذلك إلى ما ذكرنا من رجوع المرجحات إلى الترجيح الصدوري، إذ لا نعني من كونها مرجحاً صدورياً إلا هذا، غاية الأمر يختلف وجه ترجيح السند في هذه المرجحات من كونه تارة لأجل قوة احتمال الصدور، وأخرى لأجل قوة المضمون، وثالثة لأجل قوة الجهة (العراقي، ١٤١٧: ٢٠١/٤).

بالطبع، في الحالة التي نقطع فيها بصدور الروايات المتعارضة، يختلف أداء مخالفة العامة في مقام الترجيحات، أي أنه في تلك الحالة لن يكون لدينا خيار سوى أن نفسر مخالفة العامة كمرجح جهتي بنفس المعنى الذي يُستفاد من ظاهرها، لأن في مثل هذه الحالات، يكون استحكام السند مانعاً قطعياً من تسري تحدي التعارض إلى السند، ولا يُتصور فيه خلل ليحتاج إلى إعادة بناء (الآخوند الخراساني، ١٤٣٠: ٣٣٩/٣).

ب) معرفة منشأ المرجّحات

يُرى النظر إلى هذه المسألة من هذه الزاوية أكثر في فكر المرحوم السيد اليزدي. هو الذي يتفق مع المرحوم الآخوند فقط في عدم الترتيب، يجعل النصوص الواردة محوراً أولاً، لكنه في النهاية، مع الإذعان بأن سيرة العقلاء أيضاً في تعارض الأخبار غير المتكافئة، مبنية على الترجيح، وذلك بناءً على ملاك «أقوائية الدليل»، يعتبر الروايات في هذا المجال إرشاداً إلى السيرة. بهذا النوع من النظرة، كما صرح السيد نفسه، الإشارة إلى عدة مرجحات هي على الأكثر للتعرف أكثر على مصاديق الملاك المقصود. بناءً على ذلك، من وجهة نظر السيد اليزدي، فإن السيرة المستقرة للعقلاء في تعارض الأخبار والأمارات هي ترجيح الرواية التي لها ميزة؛ لا فرق بين أن تكون من النوع المنصوص أو بنحو يُعتبر في العرف ميزة. بالطبع، يجب ألا نغفل عن هذا القيد، وهو أن المرجح يجب أن يكون لديه صلاحية رفع الحيرة في مقام العمل للمخاطب، ولكن على أي حال، الملاك الكلي في الترجيح هو أقوائية الدليل من وجهة نظر العرف (الطباطبائي، ١٤٢٦: ٥٩٣).

على أي حال، يحل المرحوم السيد اليزدي مناقشتين بناءً على الطبيعة العرفية للمرجحات: الأولى، مسألة جواز التعدي من المرجحات المنصوصة، والتي بالنظر إلى عدم لزوم التعبد بما ورد في النصوص، تتوفر الأرضية للترجيح بأي متغير على القاعدة؛ بشرط أن يُعتبر ذلك المتغير ميزة في العرف. ثانياً، ترتيب المرجحات، والذي بفرض عقلانية المرجحات وملاكها، فإن أي نوع من التقييد يتناقض مع طبيعتها: لا وجه لملاحظة الترتيب المذكور في الأخبار، والاستشكال فيها ودفعه على ما يظهر من الرسالة، إذ بناءً على التعدي من جهة حمل الأخبار على ما ذكر [مثال بودن مرجحات] لا يكون لدليل المرجحات إطلاق من الجهة المذكورة [که غیر از آن مرجحی نیست]، ولا يكون الترتيب ملحوظاً ومعتبراً (نفسه: ٥٩٤).

بهذا الترتيب، فإن الفهم العرفي لملاك الترجيحات هو أقوائية أحد الدليلين، والذي يؤمّن أحياناً من خلال السند، وأحياناً من خلال الجهة، وأحياناً أخرى من خلال المضمون. إذن، الأداء الوظيفي للمرجحات واحد، أي تقوية الدليل فقط، ولكن ليس بمعنى أنها تقوي سند الرواية بشكل موحد، بل تتنوع بتنوع أبعاد الدليل. المحور المشترك بين هذه الرؤية ومختار الآخوند هو عدم الترتيب بين المرجحات ووحدة أدائها الوظيفي.

نقد ودراسة

من بين الاستدلالين المقدمين لعدم مراعاة الترتيب بين المرجحات، وقبله عدم التفاوت في أدائها الوظيفي، فإن التمسك ببناء العقلاء يفتقر إلى مثال، بل هو ادعاء محض. لهذا السبب، تحدث المرحوم العراقي عن غياب سيرة عقلائية شاملة في المتعارضين (العراقي، ١٤٢٠: ٢/ ٤٧٧). بناءً على ذلك، فإن السيرة التي هي على وشك الوجود والعدم، أصل وجودها محل نقاش، وهي مشكوكة، ونتيجة لذلك، حجيتها سالبة بانتفاء الموضوع تقريباً. بالإضافة إلى ذلك، فإن مبنى المشهور في المتعارضين، بصرف النظر عن الأخبار العلاجية، هو تساقطهما. أساس هذا المبنى أيضاً هو عدم وجود سيرة عقلاء في مورد التعارض: إذا وصلت الأمارتان وتكاذبتا في المضمون، فإنّ كلّ واحدة منهما إذا كانت مبتلاة بمعارض ينفي ما تثبته، لا تكون عند العقلاء حجّة على مضمونها، فلو كانت صلاة الجمعة واجبة واقعاً، لا تكون الأمارة القائمة على وجوبها حجة عليه، إذا قامت أمارة أخرى مثلها على عدم وجوبها، فكل واحدة منهما ساقطة عن الحجية. ولا معنى لحجية إحداهما لا بعينها؛ لعدم تعقل ذلك بعد سقوط كل واحدة منهما عنها، لأن الواحد لا بعينه وبلا عنوان لا وجود له، والموجود كل واحد مشخصاً بشخصية، وهي ساقطة عن الحجية، فلا يعقل أن يكون الواحد لا بعينه حجّة، هذا حال مضمونهما المبتلى بالمعارض (الإمام الخميني، ١٣٧٥: ١١٠).

بناءً على ذلك، فإن الاستناد إلى سيرة العقلاء القائمة على وجوب الترجيح بأقوى الدليلين ليس مجدياً حتى، أولاً، بالاعتماد على طبيعتها العقلانية، نعتبر النصوص المتضمنة للمرجحات إرشاداً إلى هذا السلوك الجاري بين العرف، وثانياً، نعتبر ملاك هذا السلوك الجاري هو طريقية المرجحات في الكشف عن أقوائية الرواية الراجحة بالنسبة للمرجوحة، وثالثاً، بسبب كشف طبيعتها وملاكها، نعمل بيد مفتوحة في ترتيب وتعيين المصاديق.

بالطبع، يمكن استخدام هذا المبنى المشهور، أي تساقط المتعارضين، كمقدمة استدلالية للرؤية الأخيرة، لأنه بفرض عدم تغطية دليل حجية خبر الواحد للمتعارضين، فإن الأداء الوظيفي للمرجحات هو إعادة بناء السند الذي سقط بسبب التعارض. إذن، صحيح أن المرجحات متنوعة في الظاهر، ولكنها جميعاً، بتعبير المرحوم الآخوند والعراقي، مرجحات صدورية، ولا ينبغي توقع شيء آخر منها، لأنه مع وجود مشكلة في جانب السند، فإن أي ترجيح يُتصور، سواء في جانب الجهة أو في جانب المضمون، فاقد للموضوع، أي يجب قبل أن ننسب حكماً إلى الشرع استناداً إلى جهة بيان رواية أو صحة مضمونها، أن نحرز هويتها الشرعية. سبيل هذا الأمر الهام في غير مورد التعارض هو أدلة حجية خبر الواحد، أما في المتعارضين، فهذه الأخبار العلاجية هي التي تحيي سندها من جديد رغم تساقطها كخبر واحد.

كذلك، فإن إنكار الطبيعة العرفية لأصل الترجيح بناءً على قوة أحد الدليلين مع تنقيح المناط من النصوص الواردة في ارتباط بالمرجحات لا يتنافى معه، بل هو استمرار لهذا المسار، كما سار عليه المرحوم الشيخ، ولا يزال ممهداً. كما أشرنا سابقاً، فإن نموذجه لكشف أن الملاك في المرجحات هو أقربية الرواية الراجحة إلى الواقع والصدق، لم يكن إلغاءً للتعبد بأصل الترجيح، بل كشفاً لمناطه من التعليلات الواردة في الروايات بدعم من الإجماع. بناءً على ذلك، لم يصل الشيخ إلى ذلك الملاك من خلال عرفية طبيعة المرجحات لينكر كشف المناط من الأساس بنفي عرفية المرجحات، بل توصل إلى هذه النتيجة من خلال توجه نصوص الباب بشكل موحد وتلقي الأصوليين المنسجم لها: ذهب جمهور المجتهدين إلى عدم الاقتصار على المرجحات الخاصة بل ادّعى بعضهم ظهور الإجماع وعدم ظهور الخلاف على وجوب العمل بالراجح من الدليلين، بعد أن حكى الإجماع عليه عن جماعة (الشيخ الأنصاري، ١٤٢٨: ٤/ ٧٥).

استكشاف الملاك الواحد والشامل للترجيح، كما أنه يوفر أرضية جواز التعدي من المرجحات المنصوصة، فإنه يرسم مقدمة أخرى لصالح هذه الرؤية الأخيرة. نؤكد مجدداً أن نتيجة استكشاف المرحوم الشيخ مع المرحوم السيد اليزدي من الروايات ليست واحدة، بل استنتاج السيد هو أقوائية الدليل والتركيز عليه، أما كشف الملاك عند الشيخ فبناءً على الخصائص المشتركة للمرجحات، وأقربية الراجح بالنسبة للواقع.

إذن، أولاً، في التعارض الأصل هو التساقط، لأنه إما أن السيرة في مثل هذه الموارد غير ثابتة أو أن الأدلة اللفظية قاصرة عن إثباتها؛ ثانياً، كما يُستفاد من روايات الباب، فإن الملاك الكلي في المرجحات هو أقربية الرواية الراجحة إلى الواقع بالنسبة للمرجوحة؛ ثالثاً، المرجحات ذات الملاك الواحد، رغم تنوعها في الظاهر، دورها هو إعادة اعتبار سند الرواية المتعارضة الساقط.

نتيجة لذلك، المرجحات رغم تنوعها، فإن أداءها الوظيفي ليس أكثر من شيء واحد، وهو إحياء سند الرواية الراجحة، ولن يكون بينها أي ترتيب حتى يكون لدينا في مقام الاجتماع قلق تقديم وتأخير أي منها، بل في هذا الفرض، سيكون التقدم للمرجح الذي يجمع ملاك الترجيح: فلا وجه لإتعاب النفس في بيان أنّ أيها يقدّم أو يؤخر إلا تعيين أنّ أيها يكون فيه المناط في صورة مزاحمة بعضها مع الآخر (الآخوند الخراساني، ١٤٣٠: ٣/ ٣٤٠).

النتيجة

من بين الرؤى الثلاث الرئيسية التي دُرست فيما يتعلق بالأداء الوظيفي للمرجحات، تتميز الرؤية الأخيرة القائمة على عدم تفاوت الأداء الوظيفي للمرجحات وكذلك عدم وجود ترتيب محدد بينها؛ سواء من حيث الاستدلال أو من حيث أدائها الوظيفي في مقام نظرية أصولية. تمكن المرحوم الآخوند والأصوليون الذين اتفقوا معه من تجاوز التنوع الظاهري للمرجحات وحل المشكلة الناشئة عن التعارض بالمرجحات، وبما أن المشكلة في السند، فإن الجواب عليها لا يمكن أن يكون غير متجانس وغير مرتبط بها. بناءً على ذلك، نعيد قراءة المبادئ الداخلة في نظرية المرحوم الآخوند أو في هذه الرؤية، بصرف النظر عن نسبتها إليه، على النحو التالي:

– قصور أدلة حجية خبر الواحد في المتعارضين؛

– إحياء سند الروايات الراجحة مجدداً بإعمال المرجحات؛

– إمكان كشف ملاك المرجحات من توجه النصوص.

التردد في نسبة النظرية إلى المرحوم الآخوند، أولاً، من حيث أنه، كما ذُكر مراراً من قبل، ليس قائلاً بالترجيح، بل مختاره من الأخبار العلاجية هو التخيير. ثانياً، هو والمرحوم العراقي ليسا قائلين بكشف الملاك من نصوص الترجيح، ولكن مع ذلك، فإن الآخوند، بالنظر إلى المبنى المسلّم والمشهور بأن الأصل في المتعارضين هو التساقط، يرى المرجحات جواباً لمشكلة وقعت بالتعارض. على أي حال، بالنظر إلى هذه المبادئ التي أُخذ أولها وآخرها من المشهور، فإن فهم نظرية وحدة الأداء الوظيفي وكذلك عدم الترتيب بين المرجحات يكون أسهل. يمكن أيضاً لترسيخ أصل النظرية وكذلك للتفكير في حل لجواز التعدي من المرجحات المنصوصة، إيلاء اهتمام أكبر بإمكانية كشف ملاكها بالنظر إلى النصوص. بالطبع، الآخوند نفسه يلتفت تماماً إلى أن تبعة افتراض إمكانية كشف الملاك في الترجيحات، كما قال به المرحوم الشيخ والمشهور، ليست سوى إرجاع تنوع المرجحات إلى أداء وظيفي واحد، ولكنه في النهاية لا يرى طريق كشف الملاك من النصوص ممهداً إلى هذا الحد.

المصادر والمراجع

الآخوند الخراساني، محمد كاظم، كفاية الأصول، تعليقة: عباس علي زارعي سبزواري، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة السادسة، ١٤٣٠هـ.

الآخوند الخراساني، محمد كاظم، درر الفوائد، مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، الطبعة الأولى، ١٤١٠هـ.

العراقي، آقا ضياء الدين، مقالات الأصول، تحقيق ونشر: قم، مجمع الفكر، الطبعة الأولى، ١٤٢٠هـ.

العراقي، آقا ضياء الدين، نهاية الأفكار، تقرير: محمد تقي البروجردي، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم، الطبعة الثالثة، ١٤١٧هـ.

الإمام الخميني، السيد روح الله، التعادل والترجيح، تحقيق ونشر: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، طهران، الطبعة الأولى، ١٣٧٥هـ ش.

الحر العاملي، محمد، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت، قم، الطبعة الأولى، ١٤٠٩هـ.

الحكيم، السيد محسن، حقائق الأصول، قم، كتابفروشي بصيرتي، الطبعة الخامسة، ١٤٠٨هـ.

الخوئي، السيد أبو القاسم، مصباح الأصول، تقرير: السيد محمد سرور بهسودي، قم، مكتبة داوري، الطبعة الخامسة، ١٤٢٢هـ.

الشهيد الصدر، محمد باقر، بحوث في علم الأصول، تقرير: السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، قم، مؤسسة دائرة المعارف للفقه الإسلامي على مذهب أهل البيت، الطبعة الثالثة، ١٤١٧هـ.

الشهيد الصدر، محمد باقر، مباحث الأصول، تقرير: السيد محمد كاظم الحائري، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأولى، ١٤٠٨هـ.

الشيخ الأنصاري، مرتضى، فرائد الأصول، تحقيق ونشر: قم، مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة التاسعة، ١٤٢٨هـ.

الطباطبائي اليزدي، السيد محمد كاظم، التعارض، تحقيق وتعليق الشيخ حاجي عبد الرؤوف السنان، قم، مؤسسة انتشارات مدين، الطبعة الأولى، ١٤٢٦هـ.

الفيروزآبادي، مرتضى، عناية الأصول، قم، كتابفروشي فيروزآبادي، الطبعة الرابعة، ١٤٠٠هـ.

الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، تحقيق ونشر: قم، دار الحديث للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، ١٤٢٩هـ.

المطهري، مرتضى، شرح مبسوط منظومه، تهران، انتشارات صدرا، بلا تا.

الميرزا الرشتي، حبيب الله، بدائع الأفكار، قم، مؤسسة آل البيت، بلا تا.

النائيني، ميرزا محمد حسين، فوائد الأصول، تقرير: محمد علي الكاظمي، قم، جامعة المدرسين بحوزة علمية قم، الطبعة الأولى، ١٣٧٦هـ ش.

الوحيد البهبهاني، محمد باقر، الفوائد الحائرية، تحقيق: محمد مهدي الآصفي، قم، مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة الأولى، ١٤١٥هـ.

الهوامش

1. هذه النسبة تختلف عما يُستفاد من ظاهر متن الفوائد الحائرية (انظر: مستند رأي العلامة البهبهاني، القسم التالي).

2. في أن المراد بمخالفة العامة هو مخالفة أحاديثهم أم يشمل فتاواهم أيضاً، يوجد اختلاف يسير. ولكن كما ذكر الشهيد الصدر، فإنه يشمل كليهما؛ لأن المرجحات عموماً لها جانب طريقي. بناءً على ذلك، إذا كانت مخالفة أخبارهم في ظروف ما يمكن أن تكون كاشفة عن حقانية الرواية، فإن مخالفة فتاواهم أيضاً يمكن أن تؤدي نفس الدور في تلك الظروف (الشهيد الصدر، ١٤٢٦: ٧/ ٣٥٨).

3. الاختلاف مع النص والاختلاف بنحو العموم والخصوص المطلق خارج عن موضوع التعارض؛ لأنه في الحالة الأولى، حتى لو لم يكن هناك معارض، كانت الرواية المخالفة للنص واجبة الإعراض عنها، وفي الحالة الثانية حيث تتوفر أرضية الجمع الدلالي، فإن اختلافهما ليس من مصاديق التعارض المستقر حتى تصل النوبة إلى الترجيح (الإمام الخميني، ١٣٧٥: ١٨٧).

4. هذه التعابير مقتبسة من الروايات التالية: «… قلتُ: جُعِلتُ فِدَاكَ أَرَأَيْتَ إِن كَانَ الْفَقِيهَانِ عَرَفَا حُكمَهُ مِنَ الكِتَابِ وَالسنة وَوَجَدَنَا أَحَدَ الخَبَرَينِ مُوَافِقاً للعامة والآخر مُخالِفاً لَهُم، بِأَيِّ الخَبَرَينِ يَؤْخَذْ؟ فَقَالَ: مَا خالَفَ العامة فَفِيهِ الرِّشَاد» (الكليني، ١٤٢٩: ١/ ١٦٧، باب كراهة الارتفاع إلى قضاة الجور، ح ٥)، «دَعُوا مَا وَافَقَ القَوْمَ؛ فَإِنَّ الرُّشَدَ فِي خِلَافِهِمْ» (نفسه: ١٧، خطبة الكتاب، ح ٩)، «خُذْ بِمَا خَالَفَهُمْ فَإِنَّ الْحَقَّ فِيمَا خَالَفَهُمْ» (الأحسائي، بلا تا: ٤/ ١٣٣) و «مَا أَنْتُمْ وَاللَّهِ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا هُمْ فِيهِ – وَلَا هُمْ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ – فَخَالِفُوهُمْ فَمَا هُمْ مِنَ الْحَنِيفِيهِ عَلَى شَيء» (الحر العاملي، ١٤٠٩: ٢٧/ ١١٩، باب وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة، ح ٣٢).

5. فإن المعارض المخالف للعامة وإن كان مأموناً من احتمال التقية ولكن مع ذلك لا يكون قطعياً جهة وذلك لجواز صدوره لا لبيان حكم الله الواقعي بل لبيان خلاف الواقع لمصلحة قد اقتضت ذلك غير التقية (الفيروزآبادي، ١٤٠٠: ١٤٣/٦).

6. من مجموع موارد الجمع العرفي، يخرج المرحوم الشيخ فقط اختلاف النص والظاهر عن موضوع التعارض، أما الاختلاف بين الأظهر والظاهر، والخاص والعام، وما شابه ذلك، فيعتبرها من مصاديق التعارض التي يرتفع تعارضها بمرجح دلالي (الشيخ الأنصاري، ١٤٢٨: ٤/ ٨٩ و ٩٣). ولكن في نظر المرحوم الآخوند وأكثرية المعاصرين، فإن جميع الاختلافات البدوية بين روايتين التي يوجد لها وجه جمع عرفي، تكون خارجة اصطلاحاً عن موضوع التعارض (الآخوند الخراساني، ١٤٣٠: ٣/ ٢٩٤).

7. مثل رواية محمد بن عبد الله عن الإمام الرضا(ع) التي ورد فيها من المرجحات مخالفة العامة فقط، وكذلك رواية الحسن بن الجهم التي ذكرت موافقة كتاب الله فقط (الحر العاملي، نفسه: ٢٧/ ١١٩).

8. أضاف المرحوم الشهيد الصدر هذه النقطة أنه إذا كان الترجيح بالصفات من مرجحات الراوي، فيجب إما أن يُنظر فيه لكل سلسلة السند أو للراوي المباشر مع الإمام، ولكن وفقاً لنص المقبولة، تُلاحظ هذه الخصائص فيما يتعلق بالقضاة الذين بطبيعة الحال يقعون في آخر سلسلة السند: «أن الترجيح بالصفات طُبّق في المقبولة على أول السلسلة، أي على نفس الحاكمين من دون أن يُفرض في المقبولة أن الحاكمين هما الراويان المباشران للإمام، بينما لو كان هذا ترجيحاً لإحدى الروايتين لكان ينبغي تطبيقه: إما على مجموع السلسلة، وإما على آخر السلسلة المباشر للإمام، كما يصنعه القائلون بالترجيح بالصفات في الرواية، وكما هو مقتضى الصناعة؛ لأنّ التعارض في الحجية والتنجيز إنّما هو بين نقلي الراويين المباشرين للإمام. وأما من قبلهما من الرواة فلا تعارض في نقلهم، إذ أحدهما ينقل موضوعاً آخر غير ما ينقله الآخر، فأحدهما يقول مثلاً: سمعت زرارة قال: كذا، والآخر يقول مثلاً: سمعت أبا بصير قال: كذا» (الشهيد الصدر، ١٤٠٨: ٧٢٢/٥).

Scroll to Top