مصلحة التسهيل من منظار السيد مصطفى الخميني (بالاعتماد على كتاب تحريرات في الأصول)

الخلاصة

يُعد السيد مصطفى الخميني من الفقهاء الراسخين في الفكر، الذين أشرقوا كالشمس في مختلف مجالات العلوم الإسلامية كالفقه والأصول والحديث والرجال والعلوم القرآنية والتفسير وغيرها، وخلّف وراءه في كل مجال آثارًا قيمة. ومما لا شك فيه أنه لم يكن قبل الثورة إلا القليل ممن أدركوا سمو فكره وآرائه الخاصة في مجال الفقه والأصول. وقد أولى سماحته في علم الأصول اهتمامًا خاصًا بـ«مصلحة التسهيل». إن مصلحة التسهيل هي نظرية مبتكرة طرحها الأصوليون المتأخرون وشاعت على ألسنتهم. ولكن، بما أن مصلحة التسهيل متجذرة في المبادئ الفلسفية لأصول الفقه، ويظهر أثرها في أسس استنباط المجتهد، فلا بد أن يكون شمولها ونطاقها في علم الأصول لافتًا للنظر، إلا أن هذا الأمر قلّما لوحظ في كتاباتهم. لقد كان المرحوم الحاج السيد مصطفى أكثر سبقًا من غيره في تحديد مجالات حضور هذه النظرية وتطبيقاتها، والتفت إلى موارد غفل عنها الآخرون على ما يبدو؛ ذلك أن المرحوم الحاج السيد مصطفى قد تجاوز ببحث مصلحة التسهيل حدود حجية الظنون، وأدخله في جميع المباحث الظاهرية والاضطرارية والأصول العملية، ومقدمات المفوّتة، والواجب الكفائي والتخييري، وغيرها من المواضع، واستند إليه فيها.

1. مقدمة

في مسألة كيفية ورود مبنى مصلحة التسهيل إلى علم الأصول، ومن الذي طرح الحديث عن مصلحة التسهيل في هذا العلم، لا بد من الإشارة إلى شخصية المتكلم الشيعي البارز أبي جعفر محمد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي؛ إذ إنه صاحب أقدم رأي في عدم حجية الظنون. فمن وجهة نظره، إن جعل الحجية من قبل الشارع لخبر الواحد – بل لكل أمارة ظنية – ممتنع الوقوع لما يترتب عليه من توالٍ فاسدة؛ لأنه لو كان خبر الواحد أو أي أمارة ظنية أخرى حجة، للزم تحليل الحرام وتحريم الحلال؛ لأن الأمارات الظنية لا تصيب الواقع دائمًا. فمن الممكن أن يكون شيء حرامًا في الواقع وتدل الأمارة على حليته، والعكس صحيح. وهذا الأمر يؤدي إلى تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة، وكلاهما قبيح ومحال الصدور من الشارع. لا تتوفر لدينا معلومات دقيقة حول الموضع الذي طرح فيه ابن قبة هذا الإشكال، إلا أن شبهته مطروحة في كتب الأصول الموجودة، وغالبًا ما يُطرح الحديث عن مصلحة التسهيل في معرض الجواب عن شبهته. ويُعد المحقق الحلي من رواد هذا الأمر، ففي بحث حجية خبر الواحد، طرح الحديث عن المصلحة. وإن لم يكن واضحًا أي نوع من المصلحة يقصده، إذ اكتفى بلفظ «المصلحة» ولم يزد على ذلك شيئًا (المحقق الحلي، 1423: 203). وفي كتب أصولية أخرى، تم التصدي لهذا الإشكال بنحو من الأنحاء. ولكن بعد ذلك، في كتاب «الفوائد الحائرية» في باب الاجتهاد، أُشير إلى هذه المصلحة، ثم تناولها الأصفهاني في «هداية المسترشدين» (الأصفهاني، 1429: 1/ 384). ثم جاء الشيخ الأنصاري وتسلّح بمصلحة السلوكية، وهي النظرية التي ردّها تلامذته، فأُعيد طرح بحث مصلحة التسهيل (العراقي، 1370: 420؛ الآخوند الخراساني، 1409: 277)، وتلميذه النائيني (النائيني، 1352: 2/ 65). إذن، مصلحة التسهيل هي نظرية مبتكرة من قبل الأصوليين المتأخرين، شاعت على ألسنتهم.

وبما أن مصلحة التسهيل متجذرة في المبادئ الفلسفية لأصول الفقه، ويظهر أثرها في أسس استنباط المجتهد، فلا بد أن يكون شمولها ونطاقها في علم الأصول لافتًا للنظر، إلا أن هذا الأمر قلّما لوحظ في كتاباتهم.

لقد كان المرحوم الحاج السيد مصطفى أكثر سبقًا من غيره في تحديد مجالات حضور هذه النظرية وتطبيقاتها، والتفت إلى موارد غفل عنها الآخرون على ما يبدو؛ ذلك أن المرحوم الحاج السيد مصطفى قد تجاوز ببحث مصلحة التسهيل حدود حجية الظنون، وأدخله في جميع المباحث الظاهرية والاضطرارية والأصول العملية، وفي مواضع أخرى استند إليه. لذا، يسعى الكاتب من خلال دراسة وتطبيق الموارد المذكورة في كتاب الأصول إلى الإشارة إلى هذه المواضع.

روايات مصلحة التسهيل في المصادر الشيعية

1. عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ وَ عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ جَمِيعاً عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَعْطَى مُحَمَّداً (ص) شَرَائِعَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى؛ التَّوْحِيدَ وَالْإِخْلَاصَ وَخَلْعَ الْأَنْدَادِ وَالْفِطْرَةَ الْحَنِيفِيَّةَ السَّمْحَةَ (الكليني، 1388: 2/ 17).

2. عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنِ ابْنِ الْقَدَّاحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ إِلَى النَّبِيِّ (ص) فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عُثْمَانَ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) مُغْضَباً يَحْمِلُ نَعْلَيْهِ حَتَّى جَاءَ إِلَى عُثْمَانَ فَوَجَدَهُ يُصَلِّي فَانْصَرَفَ عُثْمَانُ حِينَ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ (ص) فَقَالَ لَهُ يَا عُثْمَانُ لَمْ يُرْسِلْنِي اللَّهُ تَعَالَى بِالرَّهْبَانِيَّةِ وَلَكِنْ بَعَثَنِي بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَةِ، أَصُومُ وَأُصَلِّي وَأَلْمِسُ أَهْلِي، فَمَنْ أَحَبَّ فِطْرَتِي فَلْيَسْتَنَّ بِسُنَّتِي وَمِنْ سُنَّتِي النِّكَاحُ (المصدر نفسه: 5/ 494).

3. يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ بِالرَّهْبَانِيَّةِ، وَبُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ (الشيخ الطوسي، د.ت: 528).

4. سُئِلَ عَلِيٌّ (ع): أَيَتَوَضَّأُ مِنْ فَضْلِ وَضُوءِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَوْ يَتَوَضَّأُ مِنْ رَكْوٍ أَبْيَضَ مُخَمَّرٍ؟ فَقَالَ: لَا، بَلْ مِنْ فَضْلِ وَضُوءِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ أَحَبَّ دِينِكُمْ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ السَّهْلَةُ (الشيخ الصدوق، د.ت: 1/ 12).

مصلحة التسهيل في مصادر أهل السنة

1. عن أبي هريرة عن النبي (ص) قال: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ هَذَا الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» (البخاري، 1401: 1/ 23).

طريقة النبي (ص) الحنيفية السمحة؛ فيفطر ليتقوى على الصوم، وينام ليتقوى على القيام، ويتزوج لكسر الشهوة وإعفاف النفس وتكثير النسل (فتح الباري ج 1 ص 915 وج 9 ص 91).

2. عبد الرزاق عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: أخبرني محمد بن واسع أن رجلًا قال: يا رسول الله! جر مخمر جديد أحب إليك أن تتوضأ منه أو مما يتوضأ الناس منه أحب؟ قال: أحب الأديان إلى الله الحنيفية، قيل: وما الحنيفية؟ قال: السمحة، قال: الإسلام الواسع (ابن أبي شيبة، 1994: 1/ 73).

3. أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن عمر بن عبد العزيز عن أبيه أن رسول الله (ص) سُئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: الحنيفية السمحة (المصدر نفسه: 295).

4. عن ابن عمر قال: قلت قال رسول الله: الوضوء من جر جديد مخمر أحب إليك أم من المطاهر؟ فقال: لا، من المطاهر، إن دين الله الحنيفية السمحة. قال: وكان رسول الله يبعث إلى المطاهر فيؤتى بالماء فيشرب يرجو بركة أيدي المسلمين.

5. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة (الطبراني، 1995: 1/ 242).

6. عن ابن عباس سُئل رسول الله (ص): أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: الحنيفية السمحة (الطبراني، 2008: 11/ 181).

التطبيق في كتاب “تحريرات في الأصول”

النموذج والتطبيق الأول: إجزاء الأمر الاضطراري عن الأمر الواقعي

تناول عدد من الأصوليين مثل الآخوند الخراساني (نفسه: 108-109)، والنائيني (1352: 1/ 196)، والشهيد الصدر (1417: 4/ 403)، والخوئي (1417: 2/ 232)، والأصفهاني (1416: 1/ 115) مرحلتي الثبوت والإثبات عند الدخول في بحث الإجزاء، وخصصوا لكل منهما بحثًا منفصلاً.

فكما في مرحلة الثبوت، تصوروا عدة صور (أربع صور):

1. أن يكون الأمر الاضطراري وافيًا بتمام غرض الأمر الواقعي والاختياري.

2. أن يستوفي الأمر الاضطراري جزءًا من غرض الأمر الواقعي، ولا يكون الباقي إلزاميًا.

3. أن يكون الأمر الاضطراري وافيًا ببعض الغرض، ويبقى في الباقي إلزام، لكنه غير قابل للتدارك.

4. أن يكون الأمر الاضطراري وافيًا ببعض الغرض، ويبقى الباقي إلزاميًا، مع إمكان التدارك.

وقد قبل الأصوليون الصور الثلاث الأولى دون خلاف وحكموا بالإجزاء، أما في وقوع الصورة الرابعة أو عدم وقوعها، فقد اختلفوا. فالشخصيات من أمثال الآخوند والأصفهاني في نهاية الدراية، والمحقق العراقي (العراقي، 1370: 267)، والشهيد الصدر، يرون إمكانها عقلاً. وفي المقابل، يرى النائيني والخوئي (الخوئي، نفسه: 2/ 232) أنها غير معقولة وممتنعة. لذا، في البحث الإثباتي، ووفقًا لرأي صاحب الكفاية والأصفهاني والشهيد الصدر، يُطرح البحث الإثباتي الذي له أربع حالات؛ ثلاث منها مجزئة، وفي واحدة يُترك الأمر للأدلة الموجودة. ورغم أن الأصوليين المذكورين قد قالوا بالإجزاء في هذه الموارد، إلا أنهم في أي من هذه الصور(1) لم يستدلوا بمصلحة التسهيل، بل إن البعض منهم كالأصفهاني قد أخذ بعين الاعتبار مصلحتين في بعض الفروع: مصلحة جامعة تصدق في أول الوقت، ومصلحة أخرى خاصة بما يجب إتيانه عند ارتفاع العذر. وبالطبع، فإن المرحوم الإمام الخميني قد أخذ بعين الاعتبار أمرًا واحدًا هنا، وبناءً عليه قال بالإجزاء (الإمام الخميني، 1382: 1/ 126). وبعد البحث والتتبع، اتضح أن أيًا من الأصوليين المذكورين لم يقدم حلاً للوصول إلى الإجزاء. أما السيد مصطفى، فقد اعتبر هذا البحث، كوالده، خاصًا بمقام الثبوت، ولكنه سلك طريقًا مختلفًا للوصول إلى الإجزاء، وهو ما يتجلى بوضوح أكبر في “تحريرات في الأصول”(2). فإنه، بناءً على مبنى مصلحة التسهيل، يوضح: في الموضع المذكور، توجد طبيعتان؛ إحداهما عليا والأخرى ناقصة، ومن هاتين الطبيعتين واحدة فعلية والأخرى إنشائية. ومن الواضح أن الأمر الاضطراري هنا قد وصل إلى مرحلة الفعلية، والأمر الاختياري في مقام الإنشاء؛ لأنه لو لم يكن كذلك، لوقع الخلف، إذ إن فرض الموضوع هو تحقق الأمر الاضطراري. إذن، يتضح أن الأمر الاضطراري فعلي، بمعنى أن المطلوب الأعلى للمولى هو الصلاة بالماء في أول الوقت، بحيث توجد في نفس هذا العمل أغراض أخرى. ولكن عندما ينظر الشارع إلى قدرة المكلفين واستطاعتهم، ويرى أن الناس ليسوا على حد سواء من حيث القدرة والتمكن من أداء الصلاة في أول الوقت وآخره، ومن ناحية أخرى، لا يمكن مع وجود هذه الاختلافات الشديدة حفظ جميع مطلوبه، فإن المولى، لمصالح سياسية وغير سياسية، يتنازل عن مطلوبه الأعلى. ومن تلك السياسات “مصلحة التسهيل”، أي التسهيل على المكلفين حتى لا ينفروا من شريعة الإسلام الطاهرة، ولا يقولوا إن الإسلام دين صعب وملازمته شاقة. لذا، فإن الله، رغم طلبه الشديد للصلاة، قد وسّع الأمر عليهم. إذن، يجب أن نقول: عندما وسّع الشارع على العباد بالترخيص بالعمل الناقص، بحيث لم يوجبه عليهم مرة ثانية عند تبدل الحال، يتضح أن الشارع بقبوله العمل الناقص قد رفع اليد عن عمله الكامل، وهذا ليس إلا الإجزاء (الخميني، 1418: 2/ 282).

التطبيق الثاني: دراسة الإجزاء في الأمارات

يبدو أن الفقهاء حتى زمن الشيخ الأنصاري كانوا متفقين على إجزاء الأمارات، ولكن منذ زمن الشيخ الأنصاري فصاعدًا، ظهر الخلاف في إجزائها (البروجردي، 1415: 141).

فكما أن الشيخ الأنصاري (الشيخ الأنصاري، 1383: 23)، والآخوند الخراساني (نفسه: 111)، والنائيني (1376: 1/ 246-255)، والعراقي (1417: 1/ 243)، والإمام الخميني (نفسه: 1/ 190) قد قالوا بعدم الإجزاء، فإن المرحوم البروجردي كان قائلًا بالإجزاء في هذا المورد (العراقي، نفسه: 138-139).

أما السيد مصطفى، ففي الموضع المذكور، وبتوجيه واستدلال مختلف، وافق البروجردي في الرأي وقال بالإجزاء، حيث جعل مبحث الإجزاء عقليًا ويدور حول كيفية اجتماع الأحكام الواقعية والظاهرية، ويوضح: إذا قلنا بانحفاظ الحكم الواقعي، وجب القول بعدم الإجزاء. أما إذا قلنا بعدم انحفاظ الحكم الواقعي في صورة الترخيص والإمضاء ورضا المولى بالحكم الظاهري، فلا ينبغي القول به. في هذه الحالة، يجب أن نقبل الإجزاء؛ لأن الجمع بينهما ممتنع عقلاً، إذ لا يليق عقلاً بالمولى أن تكون له إرادة جدية في جعل السورة في الصلاة في جميع التقادير، ولكنه في مقام البيان يرفع اليد عن جزئيتها. ويتابع قوله: بما أن دليل المولى هو الإمضاء وإظهار الرضا الذي ورد مطلقًا، وهذا الإمضاء والرضا المطلق موجود بين الأمارات التي لم ينكشف خلافها والأمارات التي انكشف خلافها، ولا يوجد بينهما اختلاف من هذه الحيثية؛ لأن كليهما يشتركان في وحدة الدليل والإمضاء. إذن، لا يفهم العقل من هذه الأدلة شيئًا إلا أن نقول إن الشارع في مورد المخالفة للواقع قد رفع اليد عنه، ولأجل حفظ النظام وتسهيل أمور الناس وترغيبهم في أساس دين الإسلام، قد انصرف عن مطلوبه الأعلى (الخميني، 1418: 2/ 308).

ويستطرد السيد مصطفى قائلاً: عندما نفهم وجوب الصلاة من الأدلة، بحيث إننا عندما نرجع إلى الروايات، ندرك أن المولى قد بيّن الأمر هكذا: الصلاة واجبة، ولكم فرصة من أول الوقت إلى آخره. ومن الأدلة نفسها، ندرك أن المولى لم يوجب السورة، ومن جهة أخرى، أجاز المولى العمل بخبر الثقة. ندرك أن علة كون الشارع قد أوجب العمل بكلامه من جهة، وأجاز الاتباع لقول الثقة من جهة أخرى، هي قصد التسهيل على العباد. ولا يتحقق معنى للتسهيل إلا إذا قلنا بأن جميع آثار الصلاة الصحيحة تترتب على الصلاة بدون سورة؛ لأنه في غير هذه الصورة، تجب إعادة الصلاة، وهذا مخالف للمنة. مثلاً، لو أُقيم دليل على أن السورة وجلسة الاستراحة والجهر في صلاة المغرب ليست واجبة، وشخص بناءً على هذه الأدلة صلى ولم يراع السورة والجلسة والجهر، ثم بعد ساعة اتضح أن السورة كانت واجبة. فإذا لم نعتبره مجزيًا، يجب أن نقول إن الشخص يجب عليه إعادة الصلاة، وبعد إعادة الصلاة بالسورة ولكن بدون جلسة الاستراحة والجهر، يتضح أن جلسة الاستراحة كانت لازمة. فإذا لم نعتبره مجزيًا، يجب أن نقول إن المكلف يجب عليه إعادة الصلاة، وإذا استمر هذا الأمر هكذا، وجب علينا في كل مرحلة أن نلزم بالإعادة، وهذا يسبب المشقة والصعوبة على المكلفين والعباد. لذا، يترك السيد مصطفى النتيجة والحكم والقرار للوجدان، ويتساءل: هل يصح نسبة مثل هذا الأمر الشاق إلى الله ودينه وشريعته التي بُعثت على أساس السهولة والسماحة؟ (الخميني، 1418: 2/ 312). وكما يقول السيد الخوئي في هذا المورد: إن الترخيص بـ«العمل بالطرق والأمارات» في الشرع هو في مقابل وجوب الاحتياط الذي يوقع الأمة الإسلامية في المشقة والتكلف، وهذا الأمر نفسه قد يسبب أحيانًا النفور من أساس الدين. لهذا السبب، يتضح وجه القول بالإجزاء في خارج الوقت (الخوئي، نفسه: 2/ 272).

التطبيق والنموذج الثالث

يرى الحاج السيد مصطفى أن مبنى مصلحة التسهيل قابل للطرح ومجزٍ في الأصول العملية أيضًا.

توضيح ذلك: إذا شك المكلف في الحكم الواقعي وعمل بمقتضى الأصل العملي، ثم تبين له يقينًا مخالفة مؤدى ذلك الأصل للواقع، فهل العمل المنجز وفقًا لمؤدى الأصل العملي يغني المكلف عن الامتثال مجددًا أم لا؟

في هذه المسألة خلاف بين الأصوليين. فالبعض، مثل صاحب الكفاية، يعتقدون أن أدلة حجية الأصول العملية، كقاعدة الطهارة وقاعدة الحلية ودليل حجية الاستصحاب، ناظرة إلى الأدلة الأولية ولها بالنسبة إليها جانب توضيحي وتفسيري؛ بمعنى أن ظاهر الأدلة الأولية، مثل «لا صلاة إلا بطهور»، يدل على أن الطهارة الواقعية شرط في الصلاة، ولكن قاعدة الطهارة (كل شيء طاهر) تشرف عليها وتوسعها، وتجعل شرط الصلاة أعم من الطهارة الواقعية والظاهرية. إذن، الصلاة التي تُؤدى مع إجراء قاعدة الطهارة أو الاستصحاب في اللباس المشكوك النجاسة، تكون واقعًا متوفرة على شرط الطهارة؛ أي أنها مجزئة ولا تحتاج إلى إعادة (الآخوند الخراساني، نفسه: 88).

ولكن آخرين يعتقدون أن حكومة الأصول، كحكومة أدلة الأمارات، هي حكومة ظاهرية، والتوسعة والتضييق في عالم الإثبات تظل قائمة ما لم ينكشف الخلاف. إذن، ما دام الشك في نجاسة ثوب المصلي قائمًا، نحكم بالطهارة بالأصل العملي، وتكون الصلاة صحيحة ومجزئة. ولكن عندما يزول الشك ويتضح الواقع، يتبين أنه لم تكن هناك طهارة من البداية، ومقتضى ذلك الحكم بعدم إجزاء مثل هذه الصلاة (النائيني، نفسه: 1/ 256؛ المظفر، 1430: 1/ 243).

وقد قسم السيد ضياء العراقي الأصول إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: الأصول المحرزة مثل الاستصحاب وقاعدة التجاوز والفراغ. القسم الثاني: الأصول غير المحرزة مثل قاعدة الطهارة وقاعدة الحلية. القسم الثالث: الأصول العدمية مثل قاعدة الرفع.

ويكتب: متعلق هذه الأصول، سواء كان حكمًا شرعيًا أم موضوعًا لحكم شرعي، لا يكون مجزيًا مطلقًا في جميع الموارد بعد انكشاف الخلاف يقينًا (العراقي، 1370: 300).

أما الحاج السيد مصطفى، فعلى خلاف سائر الأصوليين، وبناءً على مصلحة التسهيل، يعتبر الأصول العملية مجزئة في حالة انكشاف الخلاف، ويوضح في هذا الصدد: الحق أن نقول: إذا اعتبرنا العمل مجزيًا في الأمارات في حالة انكشاف الخلاف، واعتبرنا الإجزاء كاملاً، فيجب أن نعتبره في الأصول العملية أكثر كمالاً وإجزاءً، وإلا فإن الأمر يصبح مشكلاً.

لذا، في مورد أصالة الطهارة وأصالة الحلية، يوضح: الأدلة الأولية متكفلة بالأحكام الواقعية التي يشترك فيها جميع المكلفين. بحيث تبقى رتبة الأحكام الواقعية في جميع المراحل بالنسبة لجميع المكلفين. وعندما نلاحظ هذه القضية مع الأدلة المتكفلة بتأسيس الأصول الشرعية – التي قد تنتهي أحيانًا إلى خلاف الأدلة – ندرك أن الشارع في مقام التسهيل على المكلفين قد أتى بها واعتبرها مجزئة، كما اعتبرها مجزئة في الأمارات، بل الإجزاء هنا أولى؛ لأن تأسيس الأصل في الموضع المذكور كان بيد الشارع، والشارع بسبب رأفته وشفقته على الأمة الإسلامية قد ابتدع ابتكارات جديدة لا يهتدي إليها عقل الناس، ومن جهة أخرى، هذا الابتكار من الشارع قد أدى إلى عدم وصول المكلف إلى المقصد الواقعي. لذا، مع هذه الأوصاف، لكي لا يقع المكلفون في المشقة والعناء، رضي الشارع بالعمل نفسه. فهل ترضى نفس الإنسان، بظن أن الواقع محفوظ، أن يحكم بوجوب الإعادة والقضاء، ولا يرتب أثرًا على ما وقع ناقصًا؟ (الخميني، 1418: 2/ 327).

التطبيق الرابع

في حالة أن شخصًا، بناءً على أصل عملي وأمارة، ترك واجبًا موقتًا في وقت وجوبه، ثم بعد انقضاء الوقت، اتضح له أن العمل كان واجبًا في وقته. في هذه الحالة، بعد ثبوت دليل القضاء، هل يجب القضاء أم لا؟

اعتبر النائيني في المورد المذكور أن العمل طبقًا للأمارة والأصل غير مجزئ، لذا أوجب الإعادة في الوقت والقضاء خارج الوقت (النائيني، 1376: 1/ 247).

لم يفرق البروجردي بين الأدلة الأصولية والأمارات (اشتهاردي، د.ت: 65). لذا يكتب: الملاك هنا هو الأدلة الموجودة. إذا كانت الأدلة ظاهرة في أن العمل المنجز هو فرد من أفراد طبيعة المأمور به، فإنه مجزئ وفقًا لمقتضى القاعدة. وإذا لم يكن من أفراد المأمور به، فإنه غير مجزئ (نفسه: 63). ويكتب الحائري: إذا كان جعل الأحكام من باب الطريقية ولرفع الحيرة، فإن الأحكام الظاهرية غير مجزئة عن الأحكام الواقعية. أما إذا شككنا في أنها من باب الطريقية أم السببية، أو علمنا بالسببية ولكن شككنا في أن العمل المنجز كان وافيًا بتمام غرض المولى أم لا، فالحق أن مقتضى القاعدة هو عدم الإجزاء مطلقًا (الحائري اليزدي، 1418: 82).

أما السيد مصطفى، في مورد ترك المأمور به حسب الدليل الظاهري، فقد تحدث مرة أخرى عن مصلحة التسهيل واستند إليها على هذا النحو: عندما تركنا طبيعة موقتة بدليل اجتهادي، وتوصلنا بدليل اجتهادي إلى أن الصلاة في وقت الكسوف غير واجبة، ثم بعد فترة أدركنا أن صلاة الكسوف كانت واجبة في ذلك الوقت، وهذا الوجوب كان بحيث لو لم تؤدَّ في وقتها، لوجب قضاؤها (طبعًا دليل قضاء الصلاة بعد وقتها، مع الأخذ في الاعتبار إطلاقات الأدلة الموجودة، التي لم تكن نصًا في الكسوف). ففي هذه الحالة (حيث إن الشخص لا يعلم بالوجوب ولا بوجوب القضاء في الوقت الذي ترك فيه الصلاة) هل يجب القضاء أم لا؟

يعتمد الحاج السيد مصطفى مرة أخرى على مبنى التسهيل ولا يرى لزوم قضاء الصلاة في هذه الحالة؛ لأنه يعتبر الملاك والمناط (مصلحة التسهيل) في الموضع المذكور متساويًا مع الموضع الذي تخطئ فيه الأمارة، ويقول: القول بعدم وجوب القضاء أرجح؛ لأن ترك الصلاة كان مستندًا إلى دليل، مع هذه النظرة أن الشارع قد أمضى هذه الطرق والأدلة. بالإضافة إلى ذلك، هناك شواهد تدل على عدم وجوب الصلاة على المكلف. مثلاً، أسس الشارع أصل البراءة، وهذا التأسيس ظاهر في أن الشارع قد رفع اليد عنه. كما أن ما لا يعلمه الإنسان بمنزلة المرفوع عنه (الخميني، 1418: 2/ 346). لذا، بناءً على مصلحة التسهيل، في حالة ترك المأمور به حسب الدليل الظاهري، لا تلزم الإعادة. ويبدو أن السبزواري في هذا المورد، مثل السيد مصطفى، قد اعتبر الموضع المذكور (الأمارات، الأصول العملية، والقواعد المعتبرة) مجزيًا بسبب امتنان الشارع على أمته، ومع البحث في كتابه يتضح أن امتنانه هو نفسه مصلحة التسهيل (السبزواري، د.ت: 1/ 201).

التطبيق والنموذج الخامس: التأثير في الجمل الشرطية

من المواضع التي طُرح فيها بحث مصلحة التسهيل، مبحث «الجمل الشرطية في مرحلة الإثبات».

في الجمل الشرطية مثل «إن جاءك زيد فأكرمه»، يرى مشهور الأصوليين أن الشرط قيد لمفاد الهيئة. أما الحاج السيد مصطفى فيرى أن الشرط لتعليق الاستعمال؛ لأن الهيئة قبل تحقق الشرط لا فائدة لها من حيث البعث والإغراء والتحريك نحو المطلوب. ويتابع قائلاً: عندما يكون المولى بصدد جعل حكم يسبب مشقة وصعوبة للمكلفين، أو حتى لو كان هناك احتمال لهذا الأمر، يمكنه أن يبيّن الحكم بقضية شرطية ليوصل مرامه ومسلكه التسهيلي بالنسبة للمكلفين، وليتضح أن العباد في سعة في تحصيل المقدمات. إذن، من المحتمل أن الشارع في مقام الإثبات، قد اعتبر الاستعمال معلقًا، وإن لم يكن هناك تعليق في الواقع في الإرادة والطلب وفي مفاد الهيئة. لذا، لا ينبغي الخلط بين مقام الثبوت ومقام الإثبات وبين الموقفين (الخميني، 1418: 3/ 73).

التطبيق السادس: مقدمات المفوّتة

موضع آخر تحدث فيه السيد مصطفى عن مصلحة التسهيل هو مبحث مقدمات المفوّتة والواجب المشروط. فقد اعتبر قوام الواجب المشروط بمصلحة التسهيل، ويوضح في هذا الصدد: قوام الواجب المشروط هو بمصلحة التسهيل. لذا، فإن المولى في تحصيل مقدماته قبل تحقق الشرط، قد أراد التسهيل والتيسير على العباد. إذن، لا يمكن إيجاب مقدمات المفوّتة في الواجب المشروط. فإذا كانت الصلاة واجبة مشروطة بالدليل الإثباتي، فإن مقدماتها ليست واجبة على إطلاقها، وإن علمنا بحصول الشرط (الخميني، 1418: 3/ 121).

التطبيق السابع

استكمالاً لموضوع مقدمات المفوّتة، طرح السيد مصطفى الخميني مصلحة التسهيل في دراسة الإشكالات المتعلقة بالقيد الموجود في القضايا الحينية، وذلك بأن قام المستشكل بتقسيم ثنائي، وفي كل قسم أورد إشكالاً: القيد الموجود في القضايا الحينية، في الأمر والمأمور به، إما أن تكون له مصلحة أو لا تكون له أي مصلحة، وهذا الاحتمال الثاني غير مقبول؛ لأنه يستلزم جواز الإتيان بالحج والصلاة قبل الاستطاعة والزوال (وهو ليس كذلك). أما إذا كان من القسم الأول وله مصلحة، فهو على نحوين: أ. له مصلحة ملزمة؛ ب. له مصلحة غير ملزمة. فإذا كان من القسم الأول وله مصلحة ملزمة، فلا بد من وجود أمر بتحصيله، وهو يستلزم أمرين: 1. أن يكون الواجب المشروط منجزًا مطلقًا؛ 2. أن يستلزم تقديم الزمان وتحصيل الاستطاعة، وهذا يؤدي إلى عدم وجود واجب معلق. أما إذا كان من القسم الثاني، أي أن القيد له مصلحة غير ملزمة، فهو ينقسم بدوره إلى قسمين: القسم الأول: أن تكون المصلحة الملزمة في نفس الصلاة والحج، وفي هذه الحالة يتعين وجوبهما قبل الوقت والاستطاعة. القسم الثاني: إذا كان بحيث تتحول مصلحة الصلاة والحج مع هذا القيد إلى مصلحة ملزمة، فيجب القول بعدم وجود إيجاب بعد حصول المصلحة. ولكن في كل هذا التقسيم، لم يكن هناك أي تصور للواجب المعلق. إذن، أين هو تصور الواجب المعلق؟

يجيب الحاج السيد مصطفى على هذا الإشكال بسهولة بناءً على رؤيته لمصلحة التسهيل، ويوضح في تحليل المصلحة والمفسدة: قد يكون للقيد في القضايا الحينية مصلحة ملزمة، ولكن الشارع، بملاحظة مصلحة التسهيل، لا يرى توجيه التكليف بذلك القيد، وفي المقابل يرى صحة التكليف الذي لا ينشأ عن مشقة وعناء، مثل الاستطاعة في الحج. إذن، في هذه الحالة، لا يرجع الوجوب إلى المشروط؛ لأن الطلب الفعلي المتعلق بالحج يأتي في زمان حين الاستطاعة، أي عندما تتحقق الاستطاعة، يأتي الطلب الفعلي النفسي للحج، وليس كما يتوهم البعض أن الإرادة والطلب مشروطان؛ لأن الاشتراط في عالم التكوين غير ممكن عقلاً، وإن كان ممكنًا في عالم التشريع (الخميني، 1418: 3/ 126). وفي سياق هذا البحث، يطرح السيد مصطفى إشكالاً آخر ويجيب عنه بمصلحة التسهيل. الإشكال الذي يورده المستشكل هو: القضية الحينية في الأمور الاعتبارية لا معنى لها ولا أساس، بل القضايا تابعة لملاكات نفس الأمر. فإذا كانت القيود ذات مصلحة، تصبح القضية شرطية، وإذا لم تكن ذات مصلحة، تصبح القضية حينية. ولا شك أن الاستطاعة والوقت كلاهما دخيل في المصلحة، فكيف يمكننا القول إن القضية حينية بالنسبة لهما؟ لأن القضايا الحينية هي من القضايا البتية لا المشروطة.

يجيب الحاج السيد مصطفى: نعم، نقبل هذا القول، ولكن في الشرع المقدس توجد مصالح أخرى يلاحظها الشارع، ولذا يعتبر الأشياء الدخيلة في المصلحة بنحو لا تدخل فيها. طبعًا، اعتبار عدم الدخول ليس بنحو لا تكون لها أي مدخلية؛ لأنه لو لم تكن لها أي مدخلية، للزم أن يكون إيجاب الحج والصلاة في حين الاستطاعة والزوال لغوًا، بل إن الشارع قد اعتبر هذا الأمر لمصلحة التسهيل. إذن، إذا تحقق القيد، يصبح ما هو واجب منجزًا (الخميني، 1418: 3/ 126).

التطبيق الثامن: الواجبات التخييرية

الواجبات التخييرية هي مبحث آخر طرح فيه الحاج السيد مصطفى مصلحة التسهيل، واعتبر أن غرض المولى في الواجبات التخييرية على ثلاثة أنحاء:

أ. أحيانًا يكون للمولى غرض إلزامي في شيء ما، ولكن مصلحة التسهيل تقتضي عدم وجوبها جميعًا.

ب. أحيانًا يكون للمولى أغراض إلزامية، ولكن هذه الأغراض متضادة بحيث لا يمكن الجمع بينها.

ج. أحيانًا يكون لجميعها غرض واحد يتحقق بمحصلات متعددة.

فبناءً على أن للمولى أغراضًا في جميع حالات الواجب التخييري، فقد تصور المولى جميع أطرافه، وفي مرحلة الشوق إلى جميع الأطراف كان له شوق، وفي مرحلة الإرادة، أراد كل طرف من أطرافه بإرادة مستقلة، بحيث إنه في عالم البعث والإرادة نحو كل طرف، أرسل بعثًا منفصلاً على نحو التعيين. إذن، الإرادة في الواجب التخييري ليست على صورة إرادة مرددة، بل توجد إرادتان أو إرادات متعددة في الواجب التخييري، أراد الله أن يبعث الناس نحو جميع أطرافه. لذا، يجب على المولى أن يفيد الغرض بنحو يكون للعبد اختيار بالنسبة لكل طرف، ولكن لا يكون له اختيار في ترك جميع الأطراف. إذن، لإيصال غرضه، يجب على المولى أن يبيّن بكلمة توصل اختيار العبد في مرحلة العمل، ولا فرق في أن يكون مبين غرض المولى حرفًا أو اسمًا.

بل قد نقول: بعد أن أوجب المولى جميعها على نحو التعيين، يمكنه إفادة الاختيار، بأن يكلف العبد في عالم البعث بجميع الأطراف، ثم يلتفت إلى لزوم مراعاة السهولة والتسهيل بالنسبة للعباد، ثم يأتي بقرينة منفصلة ليعلم العبد أنه مختار في العمل بواحد منها (الخميني، 1418: 4/ 38).

التطبيق والنموذج التاسع: الواجب الكفائي

مورد آخر طرح فيه السيد مصطفى مصلحة التسهيل هو في بحث تصور أقسام الواجب الكفائي. فبعد بيان أقسام طبيعة الواجب الكفائي، يوضح: غرض المولى بحسب التصور:

أ. إما أن يتعلق بأصل الوجود وصرفه؛ ب. أو بنفس الطبيعة؛ ج. أو بطبائع متعددة، ولكن المولى، لغرض التسهيل، اكتفى بواحد منها (الخميني، 1418: 4/ 39).

فالآن، كيف يكون الواجب الكفائي مطلوبًا بحيث يمكن فيه التكرار العرضي، ولكن لا يمكن فيه التكرار الطولي؟ إذا كانت وحدة الغرض موجودة، فيجب أن يكون كلاهما متماثلين. وبعبارة أخرى، كما أن التكرار العرضي ممكن في الموضوع أو المتعلق الطبيعي أو طبيعة الواجب، فالتكرار الطولي ممكن فيه. إذن، كيف يمكن أن يتصف كل فرد من الأفراد عرضًا بصلاة الميت، بينما لا يبقى وجوب بالنسبة للأفراد الطوليين؟ هل يبدو هذا العمل عقلائيًا؟ إذن، إذا أقيمت صلاة الميت، كدفن الميت، من قبل جماعة من الناس كمصداق واحد، فهي صحيحة. أما إذا تكرر مصداقها، فيستلزم ذلك تعدد الغرض والأمر (لأن هذا العمل هو نفس قضية تكرار الامتثال). فمع هذه الأوصاف، هل هذا الأمر في الواجب الكفائي صحيح ويبدو عقلائيًا؟

يجيب السيد البروجردي على هذا السؤال قائلاً: الطبيعة من حيث هي طبيعة مطلوبة للمولى. فإذا أتى شخص واحد بتلك الطبيعة، تحقق امتثال أمر المولى، وإذا أتت بها جماعة في عرض واحد، فقد أتوا جميعًا بنفس الطبيعة. ولكن السيد مصطفى لا يرى هذا الجواب وافيًا وكاملاً، ويوضح: في حالة تعدد الصلاة في الخارج وتعدد الاتصاف بالوجوب، يجب أن يتعدد الأمر والغرض، وهذا الأمر خلاف طبيعة الواجب الكفائي. لذا، يرى أن حل هذه المشكلة لا يكون إلا بمصلحة التسهيل، بعنوان أن الواجب العيني والكفائي قد لا يختلفان في مرحلة الجعل والطلب وتعدد الطلب، ولكنهما يختلفان من حيثية واحدة. تلك الحيثية هي أن الواجب العيني ليس له غرض غير الأغراض الملزمة الموجودة فيه، أما في الواجب الكفائي، فهناك غرض آخر للمولى غير ذلك الغرض، وهو «مصلحة تسهيل الأمر على العبد»، وهذه المصلحة هي التي أوجبت أن يكون العمل واجبًا كفائيًا. مثلاً، عندما يأمر المولى جميع الأفراد بصلاة الميت، وتقوم جماعة منهم بأداء الحكم، يدرك المولى أن الحكم على بقية الأفراد قد يسبب صعوبة ومشقة للمكلفين، وهو ما نُفي في أصل دين الإسلام. لذا، في حالة قيام مجموعة من العباد به، يرضى بذلك المقدار ويسقط الوجوب عن الآخرين (الخميني، 1418: 4/ 50).

التطبيق والنموذج العاشر: تنجز العلم الإجمالي

بحث آخر استدل فيه الحاج السيد مصطفى بمصلحة التسهيل هو في مورد تنجز العلم الإجمالي. طبعًا، بداية مبحثه ناظرة إلى قول والده (الإمام)، حيث إن الإمام الخميني يفصّل بين العلم الإجمالي الذي يوجد مع تكليف إلزامي وبين العلم الإجمالي الذي له حجية فعلية. ويرى السيد مصطفى أن هذا التفصيل ممكن في مرحلة الإثبات، ولكنه لا يقبله في مقام الثبوت ويعتبره غير معقول. لذا يوضح: كما أن الترخيص في الشبهة البدوية غير ممكن عقلاً، فالترخيص في أطراف العلم الإجمالي مع الإرادة الفعلية والحكم الإلهي غير ممكن عقلاً. ولكن الترخيص في أطراف الحجية الإجمالية ممكن، كما هو ممكن في كثير من العلوم الإجمالية. وعلة الترخيص هي أنه في العلم الإجمالي، لا يُقطع بإرادة المولى وحكمه الواقعي. مثلاً، عندما نعلم إجمالاً بنجاسة أحد الإناءين، فإن هذا العلم لا ينافي أن نقول إن الشيء الذي يُحتمل نجاسته في الشرع، لا إشكال في أكله بحسب الواقع؛ لأن ما يقتضي حرمة شربه هو خبر الثقة، وهو غير موجود هنا. ويتابع قائلاً: إن جريان أصل البراءة في جميع الأطراف دليل على أن مصلحة التسهيل مقدمة على مصلحة الواقع، وإطلاقات أدلة الترخيص في العلم الإجمالي مقدمة على أدلة حرمة شرب الخمر (الخميني، 1418: 6/ 185). ويتابع السيد مصطفى: عندما يكون موضوع الأصول العملية عنوان «المشكوك والمشتبه» أو عنوان «مشكوك الخمر ومشتبه النجاسة»، تكون النسبة بين موضوع الحرمة وموضوع الترخيص عمومًا وخصوصًا من وجه؛ لأن مشكوك الخمر أعم من أن يكون ذلك الشيء خمرًا واقعًا أو لا. إذن، يعتبر هذه المسألة من باب التزاحم أو التعارض، ويقول: في حالة اجتماع الأمر والنهي، يعجز العبد عن الجمع بينهما (الخميني، 1418: 6/ 188). ومثل المثال المذكور، وإن كان من حيث إن الاحتياط في المحل المذكور ممكن، يحتمل أن يكون جانب الواقع مقدمًا، ولكن من جهة أخرى، يحتمل أن يكون ملاك مصلحة التسهيل هنا أقوى، وفي هذه الحالة يقدم جانب الترخيص، بمعنى أنه مخير بين الارتكاب والترك. إذن، إذا كان من باب التزاحم، فهو مخير.

أما إذا قلنا إن الأدلة في عرض بعضها البعض، يقع بينها تعارض؛ لأننا في الخارج نعلم بكذب أحدها. لذا، يجب هنا الرجوع إلى مرجحات باب التعارض الداخلية والخارجية، وفي هذه الحالة تكون النتيجة مختلفة، بحيث يترجح أحيانًا دليل الطبيعة، وأحيانًا يترجح دليل المشتبه والمشكوك. لذا، عندما نلاحظ القانون الكلي، أي حرمة الخمر، لا يوجد هنا شيء غير طبيعة الخمر، وتحريمه هناك يلاحظ فقط بالنسبة للعبد، وأحيانًا يلاحظ قانون الترخيص. إذن، عندما يحرز الخمر، يعمل بالقانون الأول، وعندما لا يحرز، يعمل بالقانون الثاني. طبعًا، قد يكون الواقع أهم، فلا يعمل بالملاك الثاني، مثلاً عندما تكون هناك شبهات مهمة، لا يعمل بالقانون الثاني؛ لأن ملاك الواقع أقوى من ملاك التسهيل.

ولا يخفى أن ملاك التسهيل قد يصل إلى حد يكون الله راغبًا في تلك المصلحة، مثل قصر الصلاة وعدم وجوب الصوم في السفر؛ لأن الله، بناءً على التسهيل، أراد التيسير على عباده.

كل النكتة في هذه المصلحة هي أن الله أراد أن ييسر على المكلفين حتى لا تُعرف الشريعة الإسلامية بأنها شريعة قاسية وقاتلة، ولا ينفر الناس من الدين ويهربوا منه. لذا، في كثير من المواقف، أمر بالترخيص (الخميني، 1418: 6/ 188).

النتيجة

يمكن تسمية مصلحة التسهيل مبنىً دقيقًا وآلية ضرورية في علم الأصول. وبما أن للمباني الأصولية تأثيرًا كبيرًا في علم الفقه والرأي الفقهي، فإن قبول هذا المبنى، مع الأخذ في الاعتبار المجتمع المعاصر، يُعد أمرًا عقلانيًا ومستحسنًا لتقديم الدين الحقيقي.

قائمة المصادر

الآخوند الخراساني، محمد كاظم بن حسين، كفاية الأصول، قم، طبع آل البيت، الطبعة الأولى، 1409 هـ.

ابن أبي شيبة، عبد الله بن محمد، المصنف، دار الفكر، 1994 م.

الأصفهاني النجفي، محمد تقي بن عبد الرحيم، هداية المسترشدين، قم، الطبعة الثانية، 1429 هـ.

الأصفهاني، محمد حسين، بحوث في الأصول، قم، الطبعة الثانية، 1416 هـ.

ـــــــــــــــــــــــ ، نهاية الدراية في شرح الكفاية، قم، الطبعة الأولى، 1374 هـ.

الإمام الخميني، روح الله، تهذيب الأصول، قم، الطبعة الأولى، 1382 هـ ش.

الأنصاري، مرتضى بن محمد أمين، مطارح الأنظار، قم، الطبعة الثانية، 1383 هـ ش.

البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، بيروت، دار الفكر، 1401 هـ.

البروجردي، حسين، تقريرات في أصول الفقه، قم، الطبعة الأولى، 1417 هـ.

ـــــــــــــــــــــــ ، نهاية الأصول، طهران، الطبعة الأولى، 1415 هـ.

الحائري اليزدي، عبد الكريم، درر الفوائد، قم، الطبعة السادسة، 1418 هـ.

الخوئي، أبو القاسم، محاضرات في أصول الفقه، دار الهادي، قم، الطبعة الرابعة، 1417 هـ.

السبزواري، عبد الأعلى، تهذيب الأصول، قم، الطبعة الثانية، د.ت.

الشيخ المفيد، الأمالي، قم، جامعة المدرسين بحوزة قم العلمية، 1403 هـ.

الصدر، محمد باقر، بحوث في علم الأصول، بيروت، الطبعة الأولى، 1417 هـ.

الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الأوسط، دار الحرمين، 1995 م.

ـــــــــــــــــــــــ ، المعجم الكبير، مكتبة ابن تيمية، 2008 م.

العراقي، ضياء الدين، بدائع الأفكار في الأصول، النجف الأشرف، الطبعة الأولى، 1370 هـ.

ـــــــــــــــــــــــ ، نهاية الأفكار، قم، الطبعة الثالثة، 1417 هـ.

الكليني الرازي، محمد بن يعقوب، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثالثة، 1388 هـ ش.

المحقق الحلي، جعفر بن حسن، معارج الأصول، لندن، الطبعة الأولى، 1423 هـ.

المظفر، محمد رضا، أصول الفقه، قم، انتشارات إسلامي، الطبعة الخامسة، 1430 هـ.

النائيني، محمد حسين، أجود التقريرات، قم، الطبعة الأولى، 1352 هـ ش.

ـــــــــــــــــــــــ ، فوائد الأصول، قم، الطبعة الأولى، 1376 هـ ش.

الهوامش

1. أشار النائيني في مبحث القطع إلى مصلحة التسهيل، لكنه لم يستند إليها في باب الإجزاء (النائيني، 1352: 2/ 22).

2. على الرغم من أنه ذُكر في المقدمة أن الأصوليين المتأخرين قد قبلوا مصلحة التسهيل واستفادوا منها، إلا أنهم في البحث المذكور لم يشيروا إلى مصلحة التسهيل.

Scroll to Top