استفادة العموم والإطلاق من ترك الاستفصال وترك الاستيضاح

المستخلص

إذا طرح شخصٌ سؤالاً يحتمل وجوهاً وشقوقاً مختلفة، وأجاب المسؤول عن حكمه دون تفصيل بين الصور المختلفة أو طلب إيضاح وتفصيل من السائل، فإن عدم استفصاله أو عدم استيضاحه يُعد دليلاً على شمول الحكم لجميع المحتملات. في كلام أكثر الفقهاء، لم يتم التمييز بين هاتين القاعدتين، ولكن بالنظر إلى اختلاف الموارد في الحكم، إذا كان المراد الاستعمالي لسؤال السائل مجملاً، يكون المورد مجرى لقاعدة ترك الاستيضاح، وإذا لم يكن مجملاً، يكون المورد مجرى لقاعدة ترك الاستفصال. موضوع البحث الحاضر هو الإجابة عن هذا السؤال: هل هذه القاعدة حجة أم لا؟ وقد أورد بعض العلماء إشكالات على استفادة العموم من ترك الاستيضاح. في مقام تحليل أصل القاعدة ودراسة الإشكالات الواردة، لاستفادة الشمول في المرحلة الأولى يجب إثبات أن السؤال كان مجملاً بالنسبة للمجيب (في ترك الاستيضاح) أو أنه كان شاملاً لحصص مختلفة (في ترك الاستفصال). وفي المرحلة الثانية يجب إثبات أنه لم يكن للمجيب سبيل لتمييز الحصة التي أرادها السائل. في ترك الاستفصال، هاتان المرحلتان تامّتان والإطلاق ثابت، ولكن هذين الأمرين في ترك الاستيضاح ليسا تامّين، وبما أنه لا سبيل لإثبات الإجمال لدى المجيب، فلا يمكن استنتاج شمول الحكم.

مقدمة

من المباحث المهمة التي يجب بحثها في علم الأصول، بحث الموارد التي يكون للكلام فيها ظهور في العموم والشمول. ولهذا السبب، أصبح مبحثا الإطلاق والعموم جزءين لا يتجزآن من علم الأصول. ونظراً للثمار الكثيرة والاتساع الكبير لتطبيقات هذين المبحثين في جميع أبواب الفقه، أولى الأصوليون اهتماماً خاصاً بهما.

في الكتب الفقهية، بالإضافة إلى استخدام بحث الإطلاق والعموم لدراسة شمولية الحكم لجميع الأفراد، تم استخدام مباحث أخرى أيضاً، وبمناسبة كل بحث، ذُكرت نقاط متفرقة للفقهاء في أبواب مختلفة. ومن المباحث التي استُخدمت بكثرة في مختلف الأبواب، بحث ترك الاستيضاح وترك الاستفصال. وبالطبع، في معظم الموارد يُعبَّر عنه بترك الاستفصال، وسنبين الفرق بين هاتين القاعدتين لاحقاً.

يختلف ترك الاستفصال والاستيضاح عن أصالة الإطلاق؛ لأن ترك الاستفصال والاستيضاح إقامة قرينة على الإطلاق والعموم، لا أنه استفادة العموم والإطلاق من عدم القرينة والتخصيص. ويتضح هذا الفرق أكثر بناءً على النظرية التي تعتبر أصالة الإطلاق راجعة إلى أصالة عدم القرينة. وكما صرح بعض الأعلام كالشهيد الثاني (الشهيد الثاني، ١٤١٦، ص ١٧٠)، فإن أصل هذه القاعدة منسوب إلى الشافعي، وفي كتب الأصول العامة، تقريباً كل من بيّنوا سابقة البحث نسبوها إلى الشافعي (راجع: الرازي، ١٤٠٠، ج ٢، ص ٣٨٦؛ السبكي، ١٤١١، ج ٢، ص ١٣٧؛ الجويني، ١٤١٨، ج ١، ص ١٢٢).

ورغم أن ترك الاستفصال قاعدة معروفة وقد استفاد منها جميع فقهاء الإمامية في بحوثهم الفقهية بشكل متكرر (الطوسي، ١٣٨٧، ج ٤، ص ٢٣٩؛ الحلي، ١٤١٤، ج ٥، ص ٣٢٠؛ نفسه، ج ٧، ص ٩٧؛ هو، ١٤١٣، ج ١، ص ٢٧٠؛ نفسه، ج ٢، ص ١٣٠؛ هو، ١٤١٢، ج ٢، ص ١٤٤؛ هو، ج ١، ص ٢٣٦؛ الحلي، ١٣٨٧، ج ١، ص ٥٣؛ العاملي، ١٤١٩، ج ١، ص ١٣٣؛ هو، ١٤١٤، ج ١، ص ٢٢١)، إلا أن أول من أعطى هذه القاعدة عنواناً مستقلاً بين فقهاء الإمامية هو العلامة، ولكنه لم يبحثها (العلامة الحلي، ١٣٨٠، ص ١٣٣). وأول من بحث هذه القاعدة بشكل مستقل هو الشهيد الأول (الشهيد الأول، د.ت، ج ١، ص ٢٠٥). وبعده، بحث كثير من الفقهاء في كتبهم الأصولية هذا المبحث بشكل مستقل (فاضل المقداد، ١٣٦١، ص ١٥١؛ الشهيد الثاني، ١٤١٦، ص ١٧٠؛ موسوي القزويني، ١٣٧١، ص ٢٠٠؛ النراقي محمد مهدي، ١٣٨٨، ج ٢، ص ٧٣٢؛ هو، ١٣٨٤، ص ١٧٢؛ الميرزا القمي، ١٤٣٠، ج ١، ص ٥١٢؛ الطباطبائي المجاهد، ١٢٩٦، ص ١٥١؛ والكرباسي (الكلباسي)، د.ت، ص ٢٨٦). للأسف، منذ زمن الشيخ الأنصاري، خلت معظم الكتب الأصولية من هذا البحث، وعادةً لا يُتطرق إليه. وفيما بين المقالات، لم يُعثر إلا على مقالة مختصرة في الموقع الإلكتروني لآية الله الشبستري الزنجاني، وكذلك مذكرة من علي مراد مهاجري في لوح پژوهشي ذكرى رقم ٢٦ مستقاة من دروس آية الله الشبستري الزنجاني.

وتجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من عدم التطرق إلى هذه القاعدة، إلا أن مجرد ملاحظة كلمات الشهيد الصدر خلال بحوثه الفقهية (محمد باقر الصدر، ١٤٠٨، ج ١، ص ٣٢٨) وكلمات آية الله الشبستري (كتاب المضاربة، الجلسة ٥١ بتاريخ ٣٠/٠١/٩٥ وكتاب النكاح الجلسة بتاريخ ٣٠/٠٧/٧٩) ومقارنتها بما كتبه العامة ومقالاتهم، يدل على تقدم أصول فقه الشيعة على أصول فقه العامة (راجع: القرني، ١٤٢٥؛ المبارك، ١٤٢٥).

وبما أن رسالة علم الأصول هي دراسة المباني والكليات التي تقع في طريق الاستنباط بشكل منظم، منسجم، وموحد، يبدو من الضروري إضافة بحث ترك الاستيضاح وترك الاستفصال، الذي له تطبيقات كثيرة في أبواب مختلفة، إلى مباحث الكتب الأصولية.

هذه الكتابة المختصرة مبتكرة وإبداعية في أسلوب بيان مفاد القاعدة، وتقسيمها، ودراسة أدلتها وآراء الطرفين. ونظراً لعدم الاهتمام الكافي بهذه القاعدة، فإن هذا البحث يمثل خطوة نحو تطوير هذا الموضوع.

تبيين مفردات القاعدة

الاستفصال من مادة «ف ص ل» بمعنى التفريق بين شيئين (الفراهيدي، ١٤١٠، ج ٧، ص ١٢٦؛ ابن منظور، ١٤١٤، ج ١١، ص ٥٢١) وقطع شيئين (الفيومي، د.ت، ج ٢، ص ٤٧٤). والتفصيل يعني التمييز والفصل بين الأشياء (نفسه، ج ٢، ص ٤٧٤). وبناء على هذا، فإن المراد من ترك الاستفصال هو عدم طلب التفصيل والتمييز بين الشقوق المختلفة.

كما أن الاستيضاح من مادة «و ض ح» بمعنى الوضوح والظهور (ابن منظور، ١٤١٤، ج ٢، ص ٦٣٤؛ الفراهيدي، ١٤١٠، ج ٣، ص ٢٦٦؛ الفيومي، د.ت، ج ٢، ص ٦٦٢). وبناءً على ذلك، فإن ترك الاستيضاح يعني ترك طلب الإيضاح والكشف.

المعنى الاصطلاحي للقاعدة

في معظم الكلمات، لم يُفرّق بين ترك الاستيضاح وترك الاستفصال (الصدر، ١٤٠٨، ج ١، ص ٣٢٨؛ الميلاني، ١٣٩٥، ص ٤٦٠)، ولكن بالنظر إلى الآثار والأدلة المختلفة في نفي وإثبات كل منهما، يجب التمييز بين هاتين القاعدتين.

كما ذُكر، لم يُقدَّم في كثير من الكلمات شرح مستقل لهاتين القاعدتين. لذلك، نذكر أولاً تعريفاً للسيد المجاهد يشمل كلتا القاعدتين، ثم ندرس الشقوق المختلفة بينهما وموارد اختلافهما. قال صاحب الضوابط في تعريف قاعدة ترك الاستفصال: «إذا سأل سائل سؤالاً يحتمل أموراً مختلفة، وأجاب المسؤول في جوابه على نحو مطلق، يسمى ذلك ترك الاستفصال. مثلاً، لو سُئل عن حكم إنسان وقع في بئر (سؤال عن عدد الدلاء التي يجب نزحها إذا مات إنسان في بئر)، وأجاب: انزح سبعين دلواً، دون تفصيل بين المسلم والكافر والرجل والمرأة، مع أن كل هذه الأمور محتملة في مدلول اللفظ ومصداقه. أو أن يكون الاحتمال في نفس السائل، مثل أن يسأل السائل عما إذا كان مثقال من العين كافياً في كفارة إفطار يوم، ويكون معنى العين مجملاً. يستفاد العموم من عدم الاستفصال» (موسوي القزويني، ١٣٧١، ص ٢٠٠).

في التعريف المذكور، ورد مثالان يختلفان اختلافاً جوهرياً. في المثال الأول، المراد الاستعمالي للسؤال ليس مجملاً، أما في السؤال الثاني، فالمراد الاستعمالي مجمل. وكما قيل سابقاً، بالنظر إلى أن هذين الموردين يختلفان من حيث الآثار والإشكالات، نضع الأول ضمن موارد ترك الاستفصال، والثاني ضمن موارد ترك الاستيضاح.

بناءً على ذلك، لتقسيم تعريف القاعدتين، يجب القول إن سؤال السائل يمكن أن يكون على ثلاثة أنواع:

١) إذا كان السؤال مجملاً في مقام المراد الاستعمالي، مثل أن يكون اللفظ مشتركاً لفظياً، سواء كان السؤال عن قضية خارجية، مثلاً أن يسأل شخص: هل جاء زيد اليوم إلى المدرسة؟ بينما يكون زيد مشتركاً بين عدة أشخاص، أو أن يكون السؤال عن قضية حقيقية، مثلاً أن يقول: هل ماء العين مطهر؟ (مشترك بين عين الماء والعين الباصرة). هذا المورد نسميه ترك الاستيضاح.

٢) إذا لم يكن تعبير السائل مجملاً وكان مراده الاستعمالي واضحاً، ولكنه يحتمل صوراً مختلفة، أي أن يكون عنواناً عاماً أو مطلقاً ظاهراً في صور مختلفة، ويجيب المجيب جواباً واحداً دون استفصال أو تفصيل وبيان للصور المختلفة، فإن جوابه يكون مطلقاً ويدل ترك الاستفصال على ذلك. مثلاً، يُسأل عن حكم التوقف في المسجد للمستحاضة؟ فإذا أجاب بالجواز دون تفصيل بين المساجد وأقسام المستحاضة، دل ذلك على عموم الحكم لجميع المساجد وجميع أنواع المستحاضة. (رغم أنه في موارد متعددة وبتعابير مختلفة قيل عن هذا النوع من قواعد ترك الاستفصال، إلا أن تسمية هذا النوع من القواعد بترك الاستفصال ووجود فرق جوهري بينه وبين الإطلاق والعموم محل تأمل. وسيأتي تفصيل هذا المورد في بحث التطبيقات).

٣) في المورد الثالث، المراد الاستعمالي محدد ولكن الإطلاق والعموم غير معين. على سبيل المثال، إشارة إلى قضية خارجية لم تُذكر لها قرينة، مثلاً أن يقول شخص: ضربت أحد أبنائي، فهل عليّ دية؟ في هذا السؤال لم يُحدد ما إذا كان الابن صغيراً أم كبيراً، بنتاً أم ولداً، يعيش مستقلاً أم تحت كفالة الأب، وهذه الموارد مجملة، ولكن من جهة أخرى، المراد الاستعمالي واضح، لذا فهذا هو القسم الثاني من ترك الاستفصال.

والآن بعد أن اتضح مفهوم القاعدتين المذكورتين، ندرس حجيتهما بشكل منفصل:

دراسة حجية ترك الاستيضاح

تمام الكلام في بحث ترك الاستيضاح هو أن يثبت أن السؤال كان مجملاً بالنسبة للمجيب (حتى لو لم يكن مجملاً بالنسبة للناقل أو أي شخص آخر). إذا ثبت أن السؤال كان مجملاً لدى المجيب وقد ترك الاستيضاح، يُعلم أنه أراد جميع الصور والمحتملات؛ لأن جوابه إما إخبار أو إنشاء. فإذا كان الجواب إخباراً وكان يتعلق بصورة واحدة محتملة دون الأخرى، يحتمل المجيب أن السائل أراد الصورة الأخرى وأن جوابه لا يطابق السؤال، أي أنه يحتمل عدم المطابقة مع الواقع.

مثلاً، يُسأل: هل جاء زيد إلى المدرسة؟ إذا كان زيد متردداً بين شخصين، وجاء أحدهما فقط إلى المدرسة، وأجاب المجيب: نعم، جاء، فإنه يحتمل أن زيد المقصود في السؤال لم يكن هو المراد، فيحتمل عدم مطابقة جوابه للواقع واحتمال الكذب.

وإذا كان الجواب بصيغة الإنشاء، ولم يكن شاملاً لجميع محتملات السؤال، فبالنظر إلى أن المجيب يحتمل أن مراد السائل قسم معين وأن الجواب صحيح بالنسبة للقسم الآخر، فإن المجيب يحتمل الإغراء بالجهل أو فوات الغرض أو غيرها من العناوين غير اللائقة بالحكيم.

مثلاً، يسأل السائل: صليت بثوب من خز، فهل صلاتي صحيحة؟ بالنظر إلى أن لباس الخز له معنى مجمل وفيه عدة احتمالات، فإذا أجاب المجيب: أعد صلاتك، وكانت الصلاة صحيحة في حالة واحدة فقط، فإنه يحتمل أن يكون قد تسبب في فوات صلاة السائل.

لذلك، البحث الرئيسي هو: هل الإجمال الذي في سؤال السائل يسري إلى الجواب أيضاً؟ (فلا يمكن الأخذ بإطلاقه) أم أن الجواب الذي له إطلاق يشمل جميع محتملات السؤال -الذي كان مجملاً-؟

تمام الكلام هو كيف نحرز أن السؤال كان مجملاً لدى المجيب: في الجواب يجب القول: أولاً، يجب أن تكون عبارة السؤال مجملة وليس لها ظهور في صورة أو مصداق خاص، وثانياً، ألا يتمكن المجيب من رفع هذا الإجمال، سواء بالعلم العادي، أي القرائن والشواهد، أو بعلم الغيب.

بالنسبة للأمر الأول، يجب القول إن الإجمال في اللفظ يمكن أن يكون له مناشئ مختلفة، مثل الاشتراك اللفظي أو إجمال اللغة. ولكن البحث المهم هنا هو أنه قد يتمسك بالأصل الموضوعي لإثبات الإجمال لدى المجيب.

مثلاً، إذا كان لفظ مثل «صعيد» مجملاً بالنسبة لنا، فإننا نحتمل أن هذا اللفظ كان له معنى واضح في الماضي وأصبح الآن مجملاً. لذلك، يتمسك بأصالة الثبات. وبالطبع، جريان أو عدم جريان هذه الأصول يجب أن يُبحث في مكان آخر. ورغم أن جريان هذه القاعدة محل تأمل وإشكال، إلا أنه يجب الانتباه إلى أن الطريق الوحيد لإثبات الإجمال لدى المجيب ليس أصالة الثبات.

كما يمكن لبعض الأصول اللفظية الأخرى أن تصحح الأمر الأول. مثلاً، إذا احتملنا أن السؤال منصرف إلى فرد خاص وليس مجملاً، أو احتملنا أن السؤال قد ذُكر ناقصاً، يمكننا نفي هذه الاحتمالات بالتمسك بالأصول اللفظية أو بشهادة الراوي بعدم حذف جزء من السؤال كان له تأثير في المعنى وكان بإمكانه رفع الإجمال.

بالنسبة للأمر الثاني، كان للمجيب طريقان لرفع إجماله: ١. قد تكون هناك قرائن في المقام نفت الإجمال. ٢. بالنسبة للأئمة الأطهار (عليهم السلام) الذين يُحتمل أنهم استخدموا علمهم الغيبي لفهم مراد السائل.

بالنسبة لاحتمال رفع الإجمال بواسطة القرائن والشواهد، إذا احتملنا وجود قرائن في المقام، فإن نفي القرينة يعتمد على أن نعلم هل عدم نقل الراوي دليل على عدم وجود القرينة أم لا؟

كما يُنفى احتمال وجود قرائن مصاحبة للكلام في بحث الظهورات بشهادة الراوي بعدم وجودها، يُدّعى هنا أيضاً أن الراوي يشهد بعدم وجود القرينة؛ فإذا تجاهلنا هذا الأمر، فلن يبقى لنا أي ظهور. وبعبارة أخرى، عدم نقل القرينة التي تحدد المراد من السؤال من قبل الراوي يتنافى مع وثاقته الواجبة. (طبعاً، مسألة أي نوع من القرائن يمكن نفيه بهذه الطريقة هي بحث مبنائي، وترك الاستيضاح ليس له خصوصية في هذا القسم، وليس هنا مجال للبحث فيه).

في بحث استخدام علم الغيب لفهم مراد السائل، يجب القول: ظاهر حال الأئمة (عليهم السلام) وسيرة أصحابهم في طريقة التعامل مع رواياتهم هو أن الظهور العرفي لكلام الأئمة حجة. بمعنى أنه إذا افترضنا أن الأئمة (عليهم السلام) هم من أفراد العرف، فإن أي معنى يُستظهر من كلامهم بهذا الفرض يكون حجة.

يقول الشهيد الصدر: المجيب في مقام التفهيم والتفاهم يتعامل مع الناس بما هو إنسان عرفي، ولا يُدخل علمه الغيبي، وإلا لانسد باب الاستدلال بالإطلاق وترك الاستفصال في جميع الموارد (الصدر، ١٤٠٨، ج ١، ص ٣٢٨).

الإشكالات الواردة على قاعدة ترك الاستيضاح

إشكال الشهيد الصدر على القاعدة

أشكل الشهيد الصدر في مقام تمامية الأمر الثاني (أن المجيب لم يكن لديه سبيل لرفع الإجمال) فقال: الراوي ملزم ببيان القرائن المتصلة، ولكن يُحتمل أن يكون المجيب قد علم بمراد السائل من خلال قرائن منفصلة، والراوي ليس ملزماً بنقل القرائن المنفصلة. نعم، لو كان لكلام السائل ظهور عرفي فعلي من الاستفهام المطلق، فإن نفس أصالة الظهور تنفي وجود قرينة منفصلة على معنى مخالف للظاهر، ولكن بما أن كلام السائل مجمل، فليس لدينا دليل على نفي القرينة المنفصلة (الصدر، ١٤٠٨، ج ١، ص ٣٢٨).

بناءً على رأيه، قد تكون هناك قرائن منفصلة بين السائل والمجيب لا يعلم بها الناقل. وفي مواضع أخرى، لا نواجه هذه المشكلة؛ لأن تعابير المتكلم لها ظهور فعلي في معنى، وهذا الظهور نفسه ينفي وجود قرينة منفصلة، ولكن مفروض المسألة هو أن تعبيره مجمل في المراد الاستعمالي.

دراسة إشكال الشهيد الصدر

في دراسة كلام الشهيد الصدر، يجب القول: هل طُرح في البحث الكلي للأصول أن الراوي يشهد بنفي أي نوع من القرائن؟ وهل شهادته تنفي القرائن العامة أيضاً أم لا؟ بحث ترك الاستفصال ليس له خصوصية في هذا القسم.

ولكن بحثاً شبيهاً بإشكال الشهيد الصدر طُرح في مقام في الأصول، وهو بحث حجية الكلام لغير المقصودين بالإفهام. فالذين أشكلوا في ذلك البحث على حجية الكلام، يمكنهم أن يشكلوا هنا أيضاً، ويعتبرون احتمال وجود قرائن بين السائل والمجيب مضراً بفهمنا. طبعاً، الفرق في المسألة المذكورة، الذي يجعلها أسوأ حالاً، هو أنه في ما نحن فيه، السؤال مجمل وليس له ظهور، فالذين مثل الشهيد الصدر ينفون احتمال القرائن المنفصلة بالظهور الفعلي، لا يمكنهم التمسك بذلك في هذا الأمر.

لذلك، يجب الانتباه إلى أنه ليس دائماً لا يوجد دليل على نفي القرائن المنفصلة، بل أحياناً يكون ظهور حال السائل أو المجيب أو… نافياً لوجود القرينة المنفصلة.

الإشكال الأول لآية الله الشبستري الزنجاني على القاعدة

النقطة التي يجب دراستها في بحث حجية قاعدة ترك الاستيضاح هي: كيف يمكن للسائل أن يسأل سؤاله مجملاً وهو يريد جواباً، وسؤاله المجمل خلاف غرضه؟

في دراسة هذا الإشكال، يقول آية الله الشبستري: على فرض تمامية الأمر الأول وأن الكلمات التي هي مجملة لنا الآن كانت مجملة في الزمان السابق أيضاً، يحدث في هذا البحث تعارض أحوال. لأنه عندما يسأل السائل سؤالاً ويسمع جواباً، يوجد احتمالان:

إما أن نقول إن السائل كان غافلاً عن محتملات كلامه، أي نضع جانباً أصل عدم غفلة وخطأه. في هذه الحالة يمكن الأخذ بالإطلاق.

أو أن نقول إن السائل طرح سؤاله بشكل صحيح، ولكن كانت هناك قرائن بينه وبين المجيب (الإمام عليه السلام) لم ينقلها الناقل بشكل صحيح. أي نضع جانباً أصل عدم غفلة وخطأ الناقل، فلا يمكن حينئذٍ الاستفادة من الإطلاق؛ وفي مورد خلاف الأصل بودن هذا الأمر، توجد إشكالات.

بناءً على ما قيل، عندما لا يجري أحد الأصلين، لا مجال للاستدلال والأخذ بالإطلاق، إلا أن ينحل العلم الإجمالي ويوجد دليل على رجحان أحد الأصلين. مثلاً، في حالة كون السؤال مكتوباً، بالنظر إلى الاهتمام الخاص بالأسئلة المكتوبة، يمكن نسبة الغفلة إلى الناقل، أو أن السائل سأل شفهياً ولكن الناقل نقله كتابة، فيكون الأمر عكس السابق (دراسة دلالة ترك الاستيضاح على العموم، مجلة ذكرى ٢٦).

دراسة إشكال آية الله الشبستري الزنجاني

في مقام نقد كلامه، يجب القول: في كثير من الموارد، لا يتنافى الإجمال مع أصل عدم الغفلة والخطأ – موارد يكون فيها غرض عقلائي للإجمال، مثلاً التقية توجب أن يتكلم المتكلم مجملاً، أو في حالة عدم وجود غرض في التبيين والتوضيح – وفي كلية هذا الأمر، أن الإجمال في السؤال يتنافى مع أصل عدم الغفلة، فهو غير مقبول.

نقد آخر لكلامه هو أن احتمال كون الخطأ من جانب السائل أو الناقل أكبر يوجب الظن، في حين أن الظن ليس بحجة، إلا إذا وصل إلى درجة الاطمئنان، أو إلى درجة لا يعتني العقلاء فيها باحتمال الخلاف من باب السيرة العقلائية، فيكون حجة.

بخصوص المثال الذي أورده لانحلال العلم الإجمالي، يجب القول: حتماً هو لم يقصد كلية هذا المثال، والبحث في موضع لا توجد فيه قرائن أخرى خلاف هذا الأمر. لأنه قد يكون السؤال مكتوباً، ولكن الناقل شخص دقيق جداً مثل زرارة، والسائل شخص من العوام يكثر احتمال خطئه، فبالتالي الكتابة قرينة، ولكنها ليست تمام المطلب.

الإشكال الثاني لآية الله الشبستري الزنجاني

يشكل آية الله الشبستري في مقام عدم استخدام الإمام (عليه السلام) لعلم الغيب في جواب الأسئلة، فيقول: الإمام (عليه السلام) في كثير من الموارد كان يعمل بعلمه غير العادي، ولا يوجد دليل أو أصل جارٍ في المقام يثبت أن الإمام (عليه السلام) لم يُدخل علمه.

دراسة إشكال آية الله الشبستري

في دراسة كلام آية الله الشبستري، يجب القول: أولاً، هو لم يأتِ بمثال على استخدام الأئمة (عليهم السلام) لعلمهم الغيبي، بينما العكس من ذلك موجود بكثرة في الروايات. أي لم يذكر دليلاً على كلامه، رغم أن احتمال صحة هذا الأمر يمكن أن يكون مضراً بجريان قاعدة ترك الاستيضاح.

ثانياً، يبدو أن ظهور كلمات وظهور حال الأئمة (عليهم السلام) هو أنهم في كلامهم لا يستخدمون علم الغيب، وشاهد هذا الأمر هو ثبت وضبط هذه الروايات من قبل الأصحاب والعمل بها، بحيث ربما لم يشكل أحد حتى الآن هذا الإشكال.

نتيجة حجية ترك الاستيضاح

النتيجة النهائية لحجية ترك الاستيضاح هي أنه فقط في الموارد التي يمكننا فيها إثبات أن السؤال كان مجملاً بالنسبة للمجيب بواسطة أصول موضوعية مثل أصالة الثبات، يمكن اعتبار ترك الاستيضاح دليلاً على الإطلاق. ويجب أن يكون مورد السؤال من الموارد التي يمكننا فيها رفع احتمال وجود قرينة لدى المجيب بشهادة عدمية من الراوي، أي ألا نحتمل وجود قرائن عامة متصلة لا يتنافى عدم نقلها مع وثاقة الراوي.

دراسة حجية ترك الاستفصال

بناءً على ما تقدم في مقدمة البحث، فإن لترك الاستفصال قسمين. الصورة الأولى هي أن يوجد في كلام السائل عام أو مطلق يشمل موارد ومصاديق أو حتى جهات وجوانب مختلفة. فإذا لم تُبيَّن في الجواب الشقوق المختلفة أو لم يُسأل السائل عنها، يُعلم أن الحكم المذكور يشمل جميع الصور.

لتوضيح الأمر بشكل أفضل، نورد مثالين حيث تم الاستفصال لأن حكم الأقسام المختلفة كان مختلفاً:

المثال الأول: تم الاستفصال من السائل: عَنْ زُرَارَةَ قَالَ سَأَلْتُهُ عَنْ مُحْرِمٍ غَشِيَ امْرَأَتَهُ وَ هِيَ مُحْرِمَةٌ قَالَ جَاهِلَيْنِ أَوْ عَالِمَيْنِ؟ (الحر العاملي، ١٤٠٩، ج ١٣، ص ١١٢). زرارة: سألت عن محرم جامع زوجته وهي محرمة؟ قال: أكان ذلك عن جهل أم عن علم؟

المثال الثاني: لم يتم الاستفصال، ولكن حُكم الشقوق المختلفة قد بُيّن بشكل منفصل: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) عَنِ الرَّجُلِ لَا يَجِدُ الْمَاءَ فَيَتَيَمَّمُ وَ يُقِيمُ فِي الصَّلَاةِ فَجَاءَ الْغُلَامُ فَقَالَ هُوَ ذَا الْمَاءُ فَقَالَ إِنْ كَانَ لَمْ يَرْكَعْ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّأَ وَ إِنْ كَانَ قَدْ رَكَعَ فَلْيَمْضِ فِي صَلَاتِهِ (الكليني، ١٤٠٧، ج ٣، ص ٦٤). (ترجمة مضمونية) سألت الإمام الصادق (ع) عن رجل لا يجد الماء فيتيمم ويقيم الصلاة. وفي أثناء الصلاة، يأتي غلامه بالماء. فقال الإمام (ع): إن لم يكن قد ركع فليقطع صلاته ويتوضأ، وإن كان قد ركع فليتم صلاته.

هنا، كما في بحث ترك الاستيضاح، يجب إثبات أن السؤال كان له ظهور في العموم والإطلاق لدى المجيب، وإلا فلا يمكن الاستفادة من الإطلاق. لذلك، الأمور التي تمنع الإطلاق والعموم، مثل احتمال وجود قرينة أو الانصراف (بل احتمال الانصراف) أو احتمال وجود قرائن عامة متصلة بالكلام، إذا كانت جارية في السؤال، فإنها تمنع الأخذ بالإطلاق من ترك الاستفصال.

بعد المباحث المذكورة، النقطة المهمة هي أن هذا النوع من ترك الاستفصال هو بقوة الإطلاق والعموم نفسه، فإذا كان الجواب مطلقاً فله إطلاق، وإذا كان عاماً فله عموم.

مثال: ما حكم إخراج المتاع من المسجد للجنب؟ جائز. هذه الجملة لها إطلاق وتشمل أي مسجد.

هل تنجيس أي مسجد حرام؟ حرام، وتطهيره واجب فوري. هذه الجملة لها عمومية بالنسبة لجميع المساجد.

الصورة الثانية للبحث هي إيراد مثال لهذه القضية، التي وإن كانت مورداً خارجياً، إلا أن المراد الاستعمالي ليس مجملاً.

مثال: عمي مريض، هل تجب عيادته؟ هل عيادة عمي المريض واجبة علي؟ كون العم من جهة الأب أو الأم أو كليهما مجمل (طبعاً بالنظر إلى الظروف السابقة حيث كان العم من الأب والأم كثيرين). هذا القسم أيضاً ليس له بحث خاص.

عدم ورود الإشكال على قاعدة ترك الاستفصال

الإشكالات التي في بحث ترك الاستيضاح لا ترد هنا، لأن:

أولاً، بالنظر إلى الظهور الفعلي لسؤال السائل، فإن إشكال الشهيد الصدر بالنسبة لقاعدة ترك الاستيضاح لا يرد هنا، لأنه طبقاً لاعتراف الشهيد الصدر، يمكن رفع احتمال اعتماد السائل والمجيب على قرائن منفصلة بوجود الظهور الفعلي للكلام.

ثانياً، بالنظر إلى أن للكلام ظهوراً، فليس لدينا علم إجمالي بعدم جريان أصل عدم الغفلة والخطأ في السائل أو الناقل، لذا فإن الإشكال الأول لآية الله الشبستري لا علاقة له ببحث ترك الاستفصال.

ثالثاً، حتى لو قبلنا في البحث السابق باحتمال أن الإمام (ع) قد فهم مراد السائل باستخدام علمه الغيبي، ومثل آية الله الشبستري قلنا إنه لا يوجد أصل ينفي هذا الاحتمال، إلا أنه هنا بالنظر إلى وجود طريق عادي للعلم بمراد المتكلم، فإن ظهور حال الإمام (ع) هو عدم استخدام علم الغيب لفهم مراد السائل.

الجواب الآخر هو أننا نقول عن عمد إن مراد السائل هو ما يصل إليه ظهور كلامه، وليس أمراً خفياً يريد الإمام (ع) رفعه بعلمه الغيبي.

النتيجة

بالنظر إلى عدم ورود الإشكالات التي ترد على قاعدة ترك الاستيضاح، يمكن القول إن ترك استفصال المجيب في موضع يكون فيه للسؤال ظهور في المراد الاستعمالي وله محتملات أو حصص مختلفة، هو دليل على شمول الحكم لجميع الموارد.

تطبيقات ترك الاستيضاح:

المقصود من التطبيقات التي أُوردت ليس بالضرورة أن تطبيق هذه القاعدة في هذه الموارد خالٍ من الإشكال، بل هي شواهد على تمسك العلماء بهذه القاعدة.

المثال الأول: مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُكَيْمٍ عَنْ مُعَمَّرِ بْنِ خَلَادٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا (ع) عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْخَزِّ فَقَالَ صَلِّ فِيهِ (الحر العاملي، ١٤٠٩، ج ٤، ص ٣٦٠).

سألت الإمام الرضا (ع) عن الصلاة في الخز؟ فقال: صلِّ فيه. بالنظر إلى أن معنى الخز الآن مجمل لنا وله عدة احتمالات، إذا تمكنا من إثبات أن السؤال كان مجملاً أيضاً في زمن صدور الرواية، فإن هذه الرواية تكون مجرى لقاعدة ترك الاستيضاح. وبعبارة أخرى، بما أن السؤال كان مجملاً بالنسبة للمجيب -وهو الإمام (ع)- وله عدة احتمالات، وبالنظر إلى أن الإمام قد صحح الصلاة في الخز، نفهم أن الصلاة بكل ما يحتمل أن ينطبق عليه معنى الخز صحيحة، وإلا لوقع الإغراء بالجهل. الخوئي في ذيل موثقة معمر بن خلاد، بعد دراسة المعاني المحتملة في هذه الرواية ونفي احتمال بعض المعاني، يحتمل ثلاثة معانٍ: المراد هو الحرير غير الخالص، أو وبر الخز، أو جلد الخز. والآن بما أن هذه الاحتمالات الثلاثة موجودة، وأن الإمام (ع) ترك الاستفصال ولم يقل ما المراد بالخز؟ فإن ذلك يؤدي إلى انعقاد الإطلاق لكلام الإمام (ع) (الخوئي، ١٤١٨، ج ١٢، ص ١٨١).

المثال الثاني: وَ عَنْهُ (الحسين بن سعيد) عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنْ سَمَاعَةَ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْمَاءِ الْجَارِي يُبَالُ فِيهِ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ (الحر العاملي، ١٤٠٩، ج ١، ص ١٤٣). سماعة يقول: سألته عن الماء الجاري الذي يُبال فيه؟ فقال: لا بأس به. مراد سؤال سماعة في الرواية غير معلوم وسؤاله مجمل، أي لا ندري هل سأل عن طهارة الماء الجاري في حالة البول فيه أم عن جواز البول في الماء الجاري. لذا، إذا قبلنا حجية قاعدة ترك الاستيضاح، نقول إن هذا السؤال كان مجملاً أيضاً بالنسبة للإمام (ع)، وكان له احتمالان، والآن بما أن الإمام (ع) قال لا بأس، نستنتج أن الجواب مطلق ويشمل كلتا الصورتين. أي أولاً أن البول في الماء الجاري ليس حراماً، وثانياً أن الماء الجاري في حالة البول فيه طاهر. طبعاً، إذا أشكلنا في القاعدة، يجب أن نقول إن الجواب مجمل ولا ندري بأي فرض من الفرضين أجاب الإمام (ع). الشهيد الصدر في ذيل هذه الرواية أورد أنه: إذا قبلنا أن هذه الرواية مجملة، ويمكن أن يُراد منها معنيان، أي إما أن يكون السؤال عن جواز البول في الماء الجاري «سألته عن الماء الجاري هل يبال فيه»، أو السؤال عن طهارة الماء الجاري «سألته عن الماء الجاري المبال فيه هل هو طاهر»، يطرح بحث هل أن ترك الاستفصال (بتعبير هذه المقالة ترك الاستيضاح) يوجب العموم أم لا؟ طبعاً، كما مر، هو بسبب احتمال وجود قرائن منفصلة بين السائل والإمام لا يقبل القاعدة، ويعتبر جواب الإمام (ع) مجملاً لنا (الصدر، ١٤٠٨، ج ١، ص ٣٢٨).

المثال الثالث: مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) عَنْ تَمَاثِيلِ الشَّجَرِ وَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ فَقَالَ لَا بَأْسٍ – مَا لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مِنَ الْحَيَوَانِ (الحر العاملي، ١٤٠٩، ج ٥، ص ٣٠٨). سألت الإمام الصادق (ع) عن تمثال (مجسمة) الشجر والشمس والقمر؟ فقال: لا بأس ما لم يكن من الحيوان. اختلف الأصوليون في أن حذف المتعلق يفيد العموم أم يوجب إجمال الكلام. في هذه الرواية أيضاً، سُئل عن تماثيل (مجسمة) الأشجار والشمس والقمر، وحُذف متعلقها. بناءً على أن حذف المتعلق يفيد العموم، نقول إن السؤال له عمومية، ومن كل فعل بالنسبة لتماثيل هذه الأشياء، أي السؤال عن جواز أمور مثل صنع، وحفظ، وشراء، وبيع تمثال هذه الأشياء. وبما أنه قيل في الجواب إذا لم يكن حيواناً فلا بأس، طبقاً لقاعدة ترك الاستفصال نستنتج: صنع، وحفظ، وشراء، وبيع مجسمة الحيوان فيه إشكال، ولكن صنع وحفظ وشراء وبيع مجسمة غير الحيوان حلال. أما إذا اعتبرنا حذف المتعلق موجباً للإجمال (وهو المبنى الصحيح في نظرنا)، فإن سؤال السائل يصبح مجملاً، وتكون هذه الرواية من مصاديق بحث ترك الاستيضاح، أي يقال هكذا: إن قاعدة ترك الاستيضاح تحكم بأن الإمام (ع) بسبب عدم توضيحه وطلبه بيان الفعل المقصود بالسؤال، فإن جوابه له ظهور في الإطلاق، ويكون صنع وحفظ وشراء وبيع مجسمة غير الحيوان حلالاً، ونفس هذه الأفعال بالنسبة لمجسمة الحيوان حرام. ولكن طبقاً للنظرية التي تم تقويتها في هذه المقالة، بما أن قاعدة ترك الاستيضاح ليست حجة، فإن جواب الإمام (ع) مجمل ولا ندري حكم أي من الأفعال قد بيّنه.

تطبيقات قاعدة ترك الاستفصال:

المثال الأول: الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ عَلَى بْنِ مَهْزِيَارَ عَنْ صَفْوَانَ عَنِ الْعِيصِ بْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) عَنْ رَجُلٍ صَلَّى فِي ثَوْبِ رَجُلٍ أَيَّامًا ثُمَّ إِنَّ صَاحِبَ الثَّوْبِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى فِيهِ قَالَ لَا يُعِيدُ شَيْئاً مِنْ صَلَاتِهِ (الكليني، ١٤٠٧، ج ٣، ص ٤٠٤). سألت الإمام الصادق (ع) عن رجل صلى أياماً في ثوب رجل آخر، ثم أخبره صاحب الثوب أنه لا تصح الصلاة في هذا الثوب (ما حكم صلوات هذا الشخص)؟ فقال الإمام (ع): لا يعيد شيئاً من صلواته (صحيحة). يمكن أن تكون هناك علل مختلفة تمنع صحة الصلاة في ثوب ما. في هذه الرواية، لم يُعلم لماذا لم تكن الصلاة صحيحة في هذا الثوب. هل كان الثوب نجساً؟ أم مغصوباً؟ أم من حيوان غير مأكول اللحم؟ الآن، إذا جرينا قاعدة ترك الاستفصال، نقول إن الإمام (ع) لم يسأل عن علة عدم صحة الصلاة في هذا الثوب، مع أنه كان واضحاً أن لهذه المسألة صوراً مختلفة. فترك استفصال الإمام يدل على أن الحكم الصادر بصحة الصلاة يشمل جميع الصور. صاحب الجواهر في ذيل هذه الرواية، لرد احتمال أن يكون المانع غير النجاسة مثل الغصب، تمسك بترك الاستفصال، أي أن هذه الرواية تدل على أن النجاسة المجهولة ليست مانعاً من الصلاة (النجفي، ١٤٠٤، ج ٦، ص ١٧٨).

المثال الثاني: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ قَالَ: سَأَلَ دَاوُدُ بْنُ يَزِيدَ أَبَا الْحَسَنِ (ع) عَنِ الْقَرَاطِيسِ وَ الْكَوَاغِذِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَيْهَا هَلْ يَجُوزُ السُّجُودُ عَلَيْهَا أَمْ لَا فَكَتَبَ يَجُوزُ (الطوسي، ١٤٠٧، ج ٢، ص ٣٠٩). الراوي يسأل الإمام (ع) هل يجوز السجود على الأوراق المكتوب عليها أم لا؟ فيكتب الإمام (ع) في الجواب: يجوز. في الرواية المذكورة، حُكم بجواز السجود على الأوراق المكتوب عليها، بينما هذه الأوراق لها حصص وأنواع وأجناس مختلفة، ولكن لم تُحدد حصة خاصة في السؤال. بالنظر إلى الإطلاق الموجود في السؤال، تحكم قاعدة ترك الاستفصال بأن الجواب مطلق ويشمل جميع الحصص. يقول المحقق الهمداني: ترك استفصال الإمام (ع) يدل على أنه لا فرق في أن تكون الورقة مصنوعة مما يصح السجود عليه أو من غيره (الهمداني، ١٤١٦، ج ١١، ص ١٩٧).

المثال الثالث: عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلَى بْنِ فَضَّالِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْكَانَ عَنْ زُرَارَةَ وَأَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَا جَمِيعاً سَأَلْنَا أَبَا جَعْفَرٍ (ع) – عَنْ رَجُلٍ أَتَى أَهْلَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَ أَتَى أَهْلَهُ وَ هُوَ مُحْرِمٌ وَ هُوَ لَا يَرَى إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ حَلَالٌ لَهُ قَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ (الطوسي، ١٤٠٧، ج ٤، ص ٢٠٨). سألنا الإمام الباقر (ع) عن رجل جامع زوجته في شهر رمضان أو في حالة الإحرام وهو يظن أن هذا العمل حلال له، ما حكمه؟ فقال الإمام (ع): ليس عليه شيء. السؤال عن شخص جاهل بحرمة الجماع في شهر رمضان المبارك أو في حالة الإحرام. هذا السؤال مطلق ويمكن أن يكون جاهلاً قاصراً أو مقصراً. قاعدة ترك الاستفصال تحكم بأن جواب الإمام (ع) يشمل كلتا الصورتين، وفي كلتا الحالتين لا كفارة على الجاهل. الحكيم أيضاً يعتبر ترك الاستفصال دليلاً على شمول الحكم للجاهل القاصر والمقصر (الحكيم، ١٤١٦، ج ٨، ص ٣٤١).

المثال الرابع: موثقة عمار: «عَنْ أَبي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الدُّمَّلِ يَكُونُ فِي الرَّجُلِ فَيَنْفَجِرُ وَ هُوَ فِي الصَّلَاةِ قَالَ يَمْسَحُهُ وَ يَمْسَحُ يَدَهُ بِالْحَائِطِ أَوْ بِالْأَرْضِ وَ لَا يَقْطَعُ الصَّلاةَ» (الطوسي، ١٤٠٧، ج ١، ص ٣٤٩). السؤال عن حكم الدمامل التي تنفجر في الصلاة (يخرج منها الدم)؟ فقال الإمام (ع): يمسحه ويمسح يده بالجدار أو بالأرض ولا يقطع صلاته. من النجاسات التي يُدّعى أنها مستثناة في الصلاة ولا تضر بصحتها دم الدمل، فبناءً على الحكم هذا الدم مستثنى ولا فرق بين قليله وكثيره. لبيان هذا الحكم يتمسك بالرواية أعلاه. لأن الدمّل الذي في السؤال مطلق ويشمل فرضي الدم القليل والكثير. فبسبب أن الإمام (ع) في الجواب لم يستفصل ولم يفصّل هو أيضاً، فإن الحكم بصحة الرواية مطلق ويشمل كلا الموردين. الشيخ الأنصاري أيضاً في بحث أن دم الدمل ليس مانعاً من الصلاة سواء كان قليلاً أو كثيراً، تمسك بعدم الاستفصال في الرواية أعلاه (الأنصاري، ١٤١٥، ج ٥، ص ٢٣٣).

المصادر

١. ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم (١٤١٤). لسان العرب. الطبعة الثالثة. بيروت – لبنان: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع – دار صادر.

٢. الجويني، عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد (١٤١٨). بيروت، دار الكتب العلمية.

٣. الحر العاملي، محمد بن حسن (١٤٠٩). وسائل الشيعة. قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام.

٤. حكيم، سيد محسن الطباطبائي (١٤١٦). مستمسك العروة الوثقى. قم: مؤسسة دار التفسير.

٥. الحلي (فخر المحققين)، محمد بن حسن بن يوسف (١٣٨٧). إيضاح الفوائد في شرح مشكلات القواعد. قم: مؤسسة إسماعيليان.

٦. الحلي، حسن بن يوسف (١٣٨٠). تهذيب الوصول إلى علم الأصول. لندن: د.ن.

٧. __________ (١٤١٢). منتهى المطلب في تحقيق المذهب. مشهد: مجمع البحوث الإسلامية.

٨. __________ (١٤١٣). مختلف الشيعة في أحكام الشريعة. الطبعة الثانية. قم: دفتر انتشارات إسلامي وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم.

٩. __________ (١٤١٤). تذكرة الفقهاء (ط – الحديثة). قم: مؤسسه آل البيت عليهم السلام.

١٠. __________ (١٤١٩). نهاية الإحكام في معرفة الأحكام. قم: مؤسسه آل البيت عليهم السلام.

١١. الخوئي، سيد أبو القاسم الموسوي (١٤١٨). موسوعة الإمام الخوئي. قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي (ره).

١٢. الدزفولي، مرتضى بن محمد أمين الأنصاري (١٤١٥). كتاب الطهارة. قم: مؤتمر تكريم الشيخ الأعظم الأنصاري العالمي.

١٣. الرازي، محمد بن عمر بن الحسين (١٤٠٠). المحصول في علم الأصول. الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

١٤. السبكي، عبد الوهاب بن علي ابن عبد الكافي (١٤١١). الأشباه والنظائر. بيروت: دار الكتب العلمية.

١٥. الشهيد الأول، محمد بن مكي (١٤١٩). ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة. قم: مؤسسه آل البيت عليهم السلام.

١٦. __________ (١٤١٤). غاية المراد في شرح نكت الإرشاد. قم: انتشارات دفتر تبليغات إسلامي حوزه علميه قم.

١٧. __________ (د.ت). القواعد والفوائد في الفقه والأصول والعربية. قم: د.ن.

١٨. الشهيد الثاني، زين الدين بن علي (١٤١٦). تمهيد القواعد. قم: د.ن.

١٩. الشيرازي، ميرزا محمد حسن بن محمود – الإيرواني، محمد (١٤١٨). تقريرات في أصول الفقه. قم: د.ن.

٢٠. الصدر، سيد محمد باقر (١٤٠٨). بحوث في شرح العروة الوثقى. الطبعة الثانية. قم: مجمع الشهيد آية الله الصدر العلمي.

٢١. الطباطبائي المجاهد، محمد بن علي (١٢٩٦). مفاتيح الأصول. قم: د.ن.

٢٢. الطوسي، محمد بن حسن (١٣٨٧). المبسوط في فقه الإمامية. الطبعة الثالثة. طهران: المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية.

٢٣. __________ (١٤٠٧). تهذيب الأحكام. الطبعة الرابعة. طهران: دار الكتب الإسلامية.

٢٤. فاضل المقداد، مقداد بن عبد الله (١٣٦١). نضد القواعد الفقهية على مذهب الإمامية. قم: د.ن.

٢٥. الفراهيدي، خليل بن أحمد (١٤١٠). كتاب العين. الطبعة الثانية. قم: نشر هجرت.

٢٦. الفيومي، أحمد بن محمد المقري (د.ت). المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي. قم: منشورات دار الرضي.

٢٧. الكرباسي، محمد إبراهيم بن محمد حسن (د.ت). إشارات الأصول. د.م: د.ن.

٢٨. الكليني، أبو جعفر، محمد بن يعقوب (١٤٠٧). الكافي (ط – الإسلامية). الطبعة الرابعة. طهران: دار الكتب الإسلامية.

٢٩. الموسوي القزويني، سيد إبراهيم (١٣٧١). ضوابط الأصول. قم: د.ن.

٣٠. الميرزا القمي، أبو القاسم بن محمد حسن (١٤٣٠). القوانين المحكمة في الأصول (طبع جديد). قم: د.ن.

٣١. الميلاني، سيد محمد هادي الحسيني (١٣٩٥). محاضرات في فقه الإمامية – صلاة المسافر وقاعدتي الصحة واليد. مشهد: مؤسسة چاپ و نشر دانشگاه فردوسي.

٣٢. النجفي، محمد حسن (١٤٠٤). جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام. الطبعة السابعة. لبنان: دار إحياء التراث العربي.

٣٣. النراقي، محمد مهدي بن أبي ذر (١٣٨٤). تجريد الأصول. قم: د.ن.

٣٤. __________ (١٣٨٨). أنيس المجتهدين في علم الأصول. قم: د.ن.

٣٥. الهمداني، آقا رضا بن محمد هادي (١٤١٦). مصباح الفقيه. قم: مؤسسة الجعفرية لإحياء التراث و مؤسسة النشر الإسلامي.

الهوامش

١. بالطبع في كثير من التعبيرات وردت بعنوان ترك الاستفسار أو ترك الاستفهام أو ترك الاستخبار أو ترك السؤال.

Scroll to Top