الملخص
تُعدّ العدالة من أقدم المفاهيم التي عرفها البشر، ولها حضور لافت في حياته اليومية، وقد ورد ذكرها في النصوص الدينية كأحد المقاصد الأولية للأنبياء الإلهيين. هذا المفهوم سابق على الدين؛ ولكن لا ينبغي تفسيره بمعزل عن النظرة إلى الكون والإنسان ومصيره. وكما أنه في تطبيق هذا المفهوم على مصاديقه وإيجاد عينياته، حينما يُنظر إليه ضمن نظام معين، يجب مراعاة العناصر المؤثرة فيه والتي لها حضور في ذلك النظام. في قسم النظر والتنظير والتفكير، لم يتم التعامل مع مفهوم العدالة ومصاديقها كما ينبغي؛ ومن هنا، لا بد من إعادة قراءة وظائفها في كشف الحكم ليتم تطبيق العدالة على أساسها. تحضر العدالة في الفقه بوصفها سنداً، وقاعدة، ومنهجاً، ويجب أن تتحقق بوصفها خطاباً عاماً في تنفيذ الأحكام المكشوفة.
مقدمة
العدالة من أقدم المفاهيم التي عرفها البشر ولها حضور لافت في حياته اليومية، وقد ورد ذكرها في النصوص الدينية كأحد المقاصد الأولية1 للأنبياء الإلهيين. وقد أشار القرآن الكريم في مواضع عدة إلى هذا الأمر المهم (الحديد: 25؛ المائدة: 8). وقال أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) أيضاً: «إن العدل ميزان الله سبحانه الذي وضعه في الخلق ونصبه لإقامة الحق فلا تخالفه في ميزانه ولا تعارضه في سلطانه» (الآمدي، 1378، ج 2: 895، ش 13). العدالة ميزان الله الذي وضعه لعباده وأقامه لإقامة الحق؛ فلا تخالفوا الله في ميزانه ولا تعارضوه في سلطانه. وكذلك نُقلت عنه (عليه السلام) تعابير من قبيل «العدل ملاك» (العدل معيار؛ نفس المصدر: 896، ش 23)، و«العدل قوام الرعية» (العدل قوام عامة الناس؛ نفس المصدر: 894، ش 3)، و«العدل نظام الامرة» (العدل نظام الحكم؛ نفس المصدر: 901، ش 63). وقد تناول عامة الفلاسفة والمفكرين مثل أفلاطون وأرسطو بيان مفهوم العدالة وضرورة تطبيقها. ويمكن إرجاع مختلف التعاريف التي قُدمت للعدالة إلى قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصفه للعدالة: «يضع كل شيء في موضعه». سُئل أمير المؤمنين (عليه السلام): «أيهما أفضل العدل أو الجود؟ فقال (عليه السلام): العدل يضع الامور مواضعها والجود يخرجها عن جهتها والعدل سائس عام، والجود عارض خاص، فالعدل أشرفهما وأفضلهما» (نهج البلاغة (صبحي صالح)، حكمة 437). أو في مرتبة تالية، يمكن إرجاعه إلى تعريف «إعطاء كل ذي حق حقه» (للاطلاع على أمثلة، انظر: الطباطبائي، 1394، ج 1: 271؛ الخوانساري، 1364، ج 4: 427؛ الأندلسي، بدون تاريخ، ج 7، ص 319؛ جعفري لنكرودي، 1378، ج 4: 2504).
1. دراسة مفهوم العدالة
تدل مجموعة التعابير الواردة حول العدل في النصوص الدينية على أن هذا الأمر حقيقة جوهرية لا ينبغي أن تكون محط اهتمام في العمل فحسب، بل يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار في جميع ساحات فهم الدين، بما في ذلك كشف الأحكام الشرعية من قبل المتكفلين باستنباط الحكم. يمكن دراسة بحث العدالة من جوانب مختلفة في العلوم الإسلامية. فقد بُحثت العدالة في علم الكلام، وعلم الأخلاق، وسياسة المنزل، وسياسة المدن، بمناهج مناسبة. وقد طرحت أصول فقه الشيعة والمعتزلة من أهل السنة، العدل والظلم بوصفهما مصداقين عامين في العقليات؛ وفي الفقه أيضاً، اشتُرطت عدالة الفرد في إمام الجماعة، والحاكم الشرعي، والقاضي، والمفتي، والشاهد، وغيرهم. ولكن، هل يُستخدم العدل والظلم في عملية الاجتهاد أيضاً؟ وإن كان الأمر كذلك، ففي أي ساحات من هذه العملية يؤثر، وما هي أنواع هذا التأثير؟ في قسم النظر والتنظير والتفكير، لم يتم التعامل مع مفهوم العدالة كما ينبغي؛ ومن هنا، لا بد من إعادة قراءة وظائفها في كشف الحكم ليتم تطبيق العدالة على أساسها. إن موضوع دور العدالة في عملية الاستنباط يتضمن مسائل فرعية كثيرة2 يمكن أن يكون الكثير منها موضوعاً لبحث مستقل. فرضية هذا البحث هي أن العدالة تحضر في الفقه بوصفها سنداً، وقاعدة، ومنهجاً، ويجب أن تتحقق بوصفها خطاباً عاماً في تنفيذ الأحكام المكشوفة. يمكن تقسيم المفاهيم في تقسيم كلي إلى مفاهيم سابقة على الدين ومفاهيم لاحقة له. المفاهيم السابقة على الدين هي المفاهيم التي لم يتوصل البشر إلى وجودها وفهمها وتطبيقها على العينيات والمصاديق الخارجية عن طريق النصوص الدينية، بل يمتلك حقيقتها وفهمها في وجوده من خلال مسالك متنوعة، بحيث يمكنه أن يعدد لها مصاديق في الخارج وفي ساحة الحياة دون الاستعانة بالوحي والشريعة والتعبد.
المفاهيم اللاحقة للدين
أما المفاهيم اللاحقة للدين، فهي تلك الفئة من المفاهيم التي كان للدين دور في أصل تكوينها أو فهمها وتعيناتها، وكان أصل تكونها وتشكلها لاحقاً للدين، ويؤدي الدين دوراً في تفسيرها وتعيين مصاديقها. يجب تعيين مثل هذه المفاهيم بالتوجه إلى الأدلة الدينية وتفسيرها ومصاديقها. والمقصود بالدين هنا هو دين الإسلام3. إن عدم الالتفات إلى وجود هذا التقسيم والفرق بين هذين القسمين يسبب ضرراً في فهم النصوص الدينية؛ كما أنه مؤثر في منهج استنباط الأحكام ونتائجه، وهو بحد ذاته مسألة مهمة لبحث معمق. والجدير بالذكر أن تقسيم مفكري العالم الإسلامي إلى عدلية وأشاعرة ينشأ من هنا؛ إذ كان علماء العدلية يعتبرون مفاهيم الحسن والقبح والعدل والظلم من المفاهيم السابقة على الدين، وكان شعارهم أن الشارع المقدس لا يأمر إلا بالحسن والعدل، ولا ينهى إلا عن القبيح والظلم؛ بينما الأشاعرة – في مقابلهم – لم يكونوا يعرفون حسناً وقبحاً وعدلاً وظلماً دون أمر الشارع ونهيه، وكان شعارهم أن كل ما يأمر به الشارع فهو حسن وعدل، وكل ما ينهى عنه فهو قبيح وظلم. (الحسن ما حسنه الشارع والقبيح ما قبحه الشارع؛ انظر، عليدوست، 1381: 52-54). وقد تجلى هذا التقسيم والانقطاع في الفقه أيضاً، وقسّم فقهاء الإسلام إلى مجموعتين: الفقهاء الذين ينظرون إلى العدالة والظلم بوصفهما كيانين كليين مؤثرين في الاستنباط، والفقهاء الذين يستنبطون بالاستناد إلى نصوص الحكم الواضحة – بمعزل عن فهم العدل والظلم – (انظر: عليدوست، 1384: 128). على أي حال، العدالة من المفاهيم السابقة على الدين، ودراسة المفاهيم السابقة على الدين تتبع أيضاً ضرورات معينة. نشير إلى ضرورتين مهمتين لهما أهمية أيضاً في دراسة مفهوم «العدالة». الأولى: النظرة الكونية والإيديولوجيا ليست مرجعاً لكشف المفاهيم السابقة على الدين، ولكن تفسير هذه المفاهيم بمعزل عن النظرة إلى الكون والإنسان ومصيره يسبب ضرراً أيضاً؛ لأن نطاق الوجود والمبدأ والمآل للإنسان مؤثر في الفهم الصحيح لهذه المفاهيم. الثانية: من خلال النظر إلى العناصر الداخلة ودراسة العناصر بشكل منهجي كبنية لمفهوم ما، يمكن الوصول إلى فهم شامل له والوقوف على تطبيقاته. وبعبارة أخرى، في تطبيق المفهوم على مصاديقه وعينياته، حينما يُنظر إلى ذلك المفهوم في نظام ما، يجب ملاحظة العناصر المؤثرة فيه – والتي لها حضور في ذلك النظام -. ويمكن تصور الدراسة المنهجية بصورتين: بعد أن تُكشف العناصر الداخلة، يجب السعي في نسبة العناصر وارتباطها لتُدرك بشكل نظامي منسجم، ولكن العناصر أحياناً تنبع من داخل عنصر واحد، ويصبح ذلك العنصر محور وحدة للعناصر، وحينما يُدقّق فيه، يتحلل إلى عناصر أخرى. هذه العناصر تعمل كهرم له رأس وقاعدة تتكون من عناصر مفصلة. إذا كانت نتيجة نسبة العناصر كذلك، فقد وصلنا إلى عناصر هرمية ودراسة هرمية. ولكن ليس الأمر كذلك دائماً؛ لأن العناصر أحياناً تشكل بنية متسلسلة بجانب بعضها البعض. في هذه الحالة، نصل من خلال معرفة نسبة العناصر الداخلة إلى نظام حلقي وبالتالي إلى دراسة حلقية. إن معرفة بنية العناصر هذه تساعد بشكل كبير في نظرة شاملة إلى دراسة مفاهيم الكلمات الأساسية كالعدالة. ولهذا السبب تحديداً، في دراسة المفهوم، وسبر أغواره، وتحديد مصاديق مفاهيم مثل مفهوم العدالة، يجب دراسة مجموعة الدين والأدلة والمعارف المرتبطة به في قالبين هرمي وحلقي. بناءً على هذا، كون العدالة سابقة على الدين لا يعني أن تفسير هذا المفهوم بمعزل عن تفسير المفسِّر للوجود والإنسان ومصيره؛ – وكما أشير – مفاهيم مثل العدالة أو المصلحة أو الظلم والمفسدة هي مفاهيم قيمية أو مضادة للقيم تتبع الرؤية المذكورة. كما أن تفسير العدالة وتعيين عينياتها ومصاديقها يتبع نظاماً من القواعد. على سبيل المثال، في مسألة ما إذا كان عدم المساواة في الإرث ودية المرأة والرجل في الشريعة عادلاً أم لا؟ يجب دراسته في نظام طولي وهرمي، وأن الإسلام يعتبر العفة والعصمة أصلاً غير قابل للمساومة بالنسبة للمرأة، وعلى هذا الأساس، يفضل بقاءها في المنزل على حضورها غير المنضبط والمطلق في المجتمع. هذا الأساس يؤدي إلى أن تُرفع عنها مسؤولية نفقة الآخرين، بل وتُدفع نفقاتها من قبل زوجها. عدم وجود التزامات اقتصادية على المرأة يؤدي إلى أن يكون إرثها وديتها أقل من إرث ودية الرجل. بالإضافة إلى ذلك، لا توجد أي علاقة بين مقدار حصة الإرث ومقدار الدية وشخصية الإنسان وقيمته؛ أي أن زيادة حصة إرث الرجل ومقدار ديته مقارنة بالمرأة ليست دليلاً على تكريم الرجل على المرأة، كما أن قلة دية المرأة مقارنة بالرجل ليست دليلاً على عدم تكريم المرأة مقارنة بالرجل. كما أن الدراسة الطولية والهرمية للأحكام – أحياناً – ليست كافية؛ بل يلزم دراسة عدة أحكام مترابطة ومتناظرة جنباً إلى جنب (حلقياً) ليتضح كونها عادلة. بناءً على هذا، تعد دراسة العدالة مع الأخذ بعين الاعتبار النظرة الكونية والإيديولوجيا المقبولة في نظام هرمي وحلقي ضرورة.
2. تقييم المواجهة النظرية والعلمية للعدالة بعد الثورة الإسلامية في إيران
الخطابات هي نتاج مراحل مختلفة من الهيئة الاجتماعية البشرية، تبدأ تدريجياً من نطاقات صغيرة وتتوسع مع مرور الزمن لتسيطر كإطار على المعارف والتقييمات والمشاعر، وتنظم أنواع السلوكيات السياسية والثقافية والاقتصادية. في الثورة الإسلامية في إيران، تشكل خطاب العدالة مع اهتمام خاص بمجال السياسة، حيث أصبح الحضور الشعبي بدعم ديني (إسلامي) مشروعاً ومؤسسياً. هذه الحقيقة المباركة والانتصار العظيم بحاجة إلى صون وحراسة، وأداء المسؤولية تجاهها لا يتم إلا من خلال إعادة قراءة وتقوية وتكرار أركانها نظرياً وعملياً؛ وهي نقطة ذات أهمية بالغة في الحفاظ على الفاعلين النشطين (عيوضي، 1384: 149). مع ذلك، للأسف، يجب الإقرار بأن عامة مفكري الحوزة وغيرهم لم يتعاملوا مع مقولات جوهرية مثل المصلحة والعدالة تعاملاً مؤسسياً ومعرفاً له بداية ونهاية محددة، بل كان تعاملهم معها غير مؤسسي وغير مبرمج و«بالتراضي». أدى هذا التعامل إلى عجز المسؤولين التنفيذيين في البلاد عن التعامل المنهجي في هذا الصدد. بناءً على هذا، يلزم على المتكفلين بالاستنباط والأحكام أن يولوا اهتماماً لوظائف العدالة في الفقه كسند وقاعدة ومنهج في كشف الحكم، حتى يتمكن المسؤولون التنفيذيون عن الأحكام المكشوفة من التحرك على أساسها، وفي هذه الحالة، تُطرح العدالة كخطاب، وتُفهم، وتتحقق عينياً. بالطبع، لم يقتصر السلوك المشار إليه مع مقولة العدالة في التنفيذ والتشريع وحتى استنباط الأحكام الشرعية على العصر الحاضر وما بعد الثورة الإسلامية في إيران؛ بل كان هذا السلوك موجوداً على مر التاريخ حتى في القسم الأخير، أي في استنباط الأحكام الشرعية، سواء كان الاستنباط بمعزل عن التزاحم – وهو ما نسميه «الاستنباط الأول» – أو في فرض تزاحم المصالح والمفاسد؛ أي في فرض تزاحم واجبين أو حرامين أو واجب وحرام – وهو ما نسميه «الاستنباط الثاني» -. مع ذلك، فإن «العدالة» في فقه علماء الإمامية، إلى جانب الأدلة الأربعة المعروفة أي القرآن والسنة والإجماع والعقل، لا تملك فاعلية استقلالية كسند خامس؛ ولكن سلب هذه الفاعلية من مفهوم العدالة لا ينبغي أن يؤدي إلى تجاهل تأثيرها الكبير في كشف الحكم؛ لأن العدالة تحضر في هذه القوالب:
3. العدالة بوصفها قاعدة في كشف الأحكام في الاستنباط الأول
تثبت المراجعة للنصوص والمتون الدينية أن العديد من الأحكام في الاستنباط الأول، مثل سلوك متولي القضاء ومسؤولي النظام مع الناس، تنبع من قانون «العدل والإنصاف»؛ وإن كانت هذه القاعدة نفسها مستندة إلى نصوص منقولة أو إدراك العقل. بعبارة أخرى، مع أن العدالة ليس لها فاعلية استقلالية في الاستنباط الأول في الفقه، فإن مضمون بعض النصوص وإدراك العقل يتجسد عموماً في قالب المصلحة أو العدالة، وفي هذه الحالة، تُستخدم العدالة كقاعدة في كشف الحكم. يمكن بيان هذه الفاعلية في قالب آخر؛ على هذا النحو: إن المراجعة لنصوص بعض أبواب الفقه – مثل باب القضاء – توصل الفقيه إلى قاعدة فقهية مستفادة من نصوص متعددة ومتفرقة في ذلك الباب، وتلك هي «قاعدة العدالة». يمكن لهذه القاعدة أن تكون مرشداً ومستنداً للفقيه في كثير من الأحكام في باب القضاء والحكم. يُستخدم كيان العدالة في هذه الوظيفة كجزء من الشريعة.
4. العدالة بوصفها منهجاً في فهم الأدلة في الاستنباط الأول
تأتي العدالة أحياناً في صورة منهج، ويفهم الفقيه الأدلة الشرعية في جميع أبواب الفقه بذلك المنهج ويستنبط الحكم. في هذه الحالة، تُفهم كثير من الأدلة بشكل خاص؛ فبعض الأدلة التي تبدو خاصة تُفهم على أنها عامة – والعكس صحيح – أدلة تبدو عامة، تُفهم على أنها خاصة؛ دون أن يخرج مستنبط الحكم عن ضوابط الاجتهاد المعروفة. هنا تكتسب العدالة فاعلية آلية (آلية في تفسير الأدلة). مثلاً، حينما يستنبط شخص في مسند القضاء والفقه من الحديث النبوي «الخراج بالضمان» (الطوسي، 1418، ج 7: 256-258) أن كل من ضمن سلعة (حتى لو كانت هذه السلعة في حيازته بالغصب والسرقة)، فإن منافع السلعة له4، فإن الإمام الصادق (عليه السلام) استناداً إلى كون مثل هذا الحكم ظالماً، قد رده وقال: «في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها وتمنع الأرض بركاتها» (نفس المصدر). في هذا القضاء وأمثاله، تحبس السماء مطرها وتمنع الأرض بركاتها. بالطبع، في هذا الحديث، في الاستدلال وحكم أبي حنيفة، لا يوجد ذكر مباشر لـ«الخراج بالضمان»؛ ولكن كما فهم الجميع، فإن سند كلامه كان استنباطه غير الصحيح من هذه الجملة. ولهذا السبب، فإن سليم رستم باز، الشارح المعروف لـ«المجلة»، في شرح المادة 596 التي تحتوي على رأي أبي حنيفة والفقه الحنفي، يستفيد من هذه الجملة (رستم باز، بدون تاريخ: 318). نحن نفترض صدور جملة «الخراج بالضمان» عن النبي العظيم الشأن ﷺ5 حتى لا يكون الإفتاء بموجبها بحاجة إلى عمل واستناد مشهور؛ ولكن بالنظر إلى الآيات المبينة للعدالة ومحاربة الظلم، والتي هي من آيات بيان مقاصد الله في تشريع المقررات، هل يمكن الالتزام بما أفتى به أبو حنيفة؟ لازم كلام أبي حنيفة هو أنه إذا قام ظالم بالاعتماد على قوته فقط، بطرد آلاف الناس من بيوتهم ومساكنهم واستولى على بيوتهم، فلا يكون ضامناً؛ نعم، إذا أتلف عين البيت أو جزءاً منه، يكون ضامناً لقيمته، وهذا هو ما اعتبرته الحجة المعتبرة، الإمام الصادق (عليه السلام)، ظلماً. بناءً على هذا، فإن شمول الحديث لمثل هذه المصاديق ضيق ذاتياً من البداية، ولا يمكن لأي فقيه أن يلتزم به؛ وإن كان للأسف، بسبب وروده في فقه الحنفية وانعكاسه في «المجلة» كقانون، قد طُبّق في حكومة العثمانيين. المهم هو أن يكون منهج الفقيه في فهم الأدلة واستنباط الأحكام، منهجاً يميل إلى العدالة، مع عدم الخروج عن ضوابط وقواعد الاجتهاد المعروفة.
5. العدالة بوصفها سنداً في الاستنباط الثاني
في البيان السابق، تم التأكيد على أن العدالة لا تملك فاعلية استقلالية وسندية، ولكن هذا التأكيد صحيح عندما يكون الحديث عن الاستنباط الأول، وعندما يكون الحديث عن الاستنباط الثاني، فإن العدالة تكتسب فاعلية استقلالية. هنا يمكن للفقيه أن يستفيد من «الموافقة مع العدالة» كمعيار للتقديم والترجيح، ويجعله سنداً في تقديم إلزام على إلزام آخر. مثلاً، يمكن للعدالة أن تكون مؤثرة في تقييد قانون «المنفعة الدائمة تابعة لمطلق الملك» وقانون «تسلط الناس على مالهم وما لهم» والعديد من القوانين الأخرى. نبدأ تتبع هذا المجال ببحث مقارن بين الشيخ الأنصاري والمحقق الأصفهاني، مع تحكيم الإمام الخميني. الشيخ الأنصاري لا يرى حداً لسلطنة المالك؛ حتى في الحالة التي يتعامل فيها عالماً وعامداً مع آخر، فيغبنه، ولكي يسلب دافع الفسخ من المغبون، يؤجر السلعة إجارة طويلة الأمد حتى ينصرف المغبون عن فسخ المعاملة، وإذا فسخ أيضاً، لا يكون له عائد؛ لأنه حتى انتهاء مدة الإجارة، تكون أجرة المال للغابن، دون أن يكون عليه مسؤولية تجاه المغبون (الأنصاري، 1422، ج 5: 194 وج 6: 151). يستند سماحته في كل هذا إلى سلطنة المالك (الغابن) على السلعة التي حصل عليها بطريق شرعي، ويرى تجسيد ذلك في قانون «المنفعة الدائمة تابعة للملك المطلق». وهو يرى (والأفضل أن يقول: المنفعة الدائمة تابعة لمطلق الملك). مع أن في هذا العمل، يلحق أحياناً ضرر فادح بالآخر (المغبون)؛ فإن الشيخ الأنصاري لا يعتبر إيراد هذا الضرر تحديداً لسلطنة المالك (الغابن). المحقق الأصفهاني يخالف هذا الرأي ويرى أن قيام شخص عمداً بمعاملة غبنية يستفيد من خلالها من سلعة لمدة خمسين عاماً مثلاً، ولا يلزمه جبران ذلك، هو عمل قبيح (الأصفهاني، بدون تاريخ، ج 2: 65). الإمام الخميني لا يدافع عن فكر الشيخ ويخالف قول المحقق الأصفهاني؛ وهو يعتقد: «عندما يجعل الشارع الأقدس من جهة الغابن مالكاً للسلعة ومسلطاً عليها في كل تصرف، ومن جهة أخرى، تُفسخ المعاملة في الغبن من وقت الفسخ، لا من الأول، فلا وجه للحكم بعدم صحة تصرفات الغابن وضمانه» (الخميني، 1421، ج 4: 510 و 511). سماحته، في رد فعل على كلام المحقق الأصفهاني وباستخدام نفس تعبيره، يقول: «ما يقوله الشيخ ليس قبيحاً؛ ما هو قبيح هو أن نعتبر المالك (الغابن) ضامناً لتصرف قام به في ملكه» (نفس المصدر). تلاحظون أن عدم وضوح حدود سلطنة المالك، عندما تتزاحم مع مصالح الآخرين، هو ما يحسم هذا النزاع. في الواقع، المحقق الأصفهاني باعتقاده أنه «ليس مقبولاً أن يتملك شخص غابن، بمجرد أنه تسلط آنياً على المال، منافع طويلة الأمد لسلعة ويتسبب في تفويت منافع المغبون6، واقتضاء السلطنة ليس إلى هذا الحد»، قد خالف كلام الشيخ (الأصفهاني، بدون تاريخ، ج 2: 65)؛ بينما الطرف المقابل، بالتأكيد على جواز تصرف المالك في ملكه غير المحدود كيفما شاء، يعتبر فكره قانونياً (وبالتالي عادلاً)7. هنا، في الواقع، الخلاف يدور حول قبول أو عدم قبول قاعدة «المنفعة الدائمة تابعة لمطلق الملك» وقاعدة تسلط «الناس مسلطون على أموالهم»؛ لأن قبول هاتين القاعدتين محل اتفاق الجميع؛ ولكن عند التزاحم مع مصالح ومنافع الآخرين، يظهر الخلاف، وهنا يصبح قبول وعدم قبول العدالة هو المحدد لنطاق هاتين القاعدتين ويخلق النزاع المذكور. وقبولها يؤدي إلى تحديد وتقييد هاتين القاعدتين. في مجال البحث، قاعدة العدالة، في الواقع، ضمن أن لها دوراً تفسيرياً لهاتين القاعدتين والأدلة الداعمة لهما (فاعلية آلية)، يمكنها أن تطرح نفسها كـ«معيار ترجيح»، وهنا تكتسب دوراً سندياً وفاعلية استقلالية. بالطبع، في هذا التزاحم وأمثاله، يجب رؤية مقتضى جميع القواعد، والرضوخ له، وقبوله، والعدالة هي أحد أهم المؤشرات التي يجب أخذها في الاعتبار. في مثال آخر، يمكن القول: يمكن للحاكم المشروع في المسألة المذكورة – بناءً على اقتضاء العدالة والمصالح التي يشخصها الخبراء – كحكم حكومي، أن يفرض قيوداً على تسلط المالكين على ممتلكاتهم بشكل مباشر أو غير مباشر. مثلاً، لحل أزمة المرور، والحفاظ على هدوء وسلامة المجتمع، وبدافع مكافحة تلوث الهواء واحترام وقت المواطنين، يأخذ المحلات والمنازل والأراضي من أصحابها، أو يفرض قيوداً أخرى. النقطة الجديرة بالذكر هي أن سلب السلطنة، كما يحدث غالباً بشكل مباشر، يتم أحياناً بشكل غير مباشر وغير مرئي؛ مثلاً، تضطر الحكومة أحياناً من أجل تقديم الخدمات وتنفيذ المشاريع الوطنية والعامة النفع إلى الاقتراض الخارجي، أو طباعة النقود بدون غطاء وغير متعارف عليه، أو تقوم بإجراء آخر تكون نتيجته واحدة وهي التضخم وانخفاض قيمة النقد المتداول في البلاد؛ هنا لم تحدد الحكومة والحاكمية ظاهرياً أي سلطة؛ ولكن في الواقع، من خلال خفض القدرة الشرائية لأصحاب النقد المتداول والموظفين، بمقدار التضخم الذي أوجدته، قد قللت من سلطة المالكين على ممتلكاتهم، وهذا ليس سوى تحديد غير مباشر وغير مرئي. وبما أن هذا التحديد مصداق للإحسان إلى المجتمع، فهو جائز شرعاً ولا يوجب ضماناً على الحكومة. لهذا السبب، لا يرى الكاتب أن الحكومات غير المقصرة ضامنة في التضخم الذي تحدثه. ومن هذا القبيل، فرض قيود من قبل الحاكمية ودخولها إلى الحرم الخاص للمواطنين، عندما يتوقف على ذلك تنفيذ العدالة ومنع الظلم والجور. هنا، في الواقع، تواجه الحاكمية حكمين شرعيين: 1. لزوم تنفيذ العدالة ومنع الظلم والتجاوز؛ 2. حرمة الدخول إلى الحرم الخاص للآخرين. وبما أنه لا يمكن الخضوع لكلا الحكمين (تزاحم المصلحة والوجوب مع المفسدة والحرمة)، فإن العدالة تقتضي تقديم منع التجاوز والظلم وإقرار أمن المواطنين على حرمة الدخول إلى الحرم الخاص للآخرين – بالطبع فقط بمقدار الضرورة والمصلحة – (انظر: عليدوست، 1394: 17 و 18).
6. العدالة بوصفها خطاباً عاماً في تنفيذ الأحكام المكشوفة
إن الاستفادة من العدالة بوصفها سنداً وقاعدة ومنهجاً في عملية كشف الأحكام، ليست سوى جزء من العمل اللازم الذي يجب مراعاته وتوسيعه منطقياً. الضرورة الأخرى التي يجب أن تظهر هي جعل خطاب العدالة حاكماً في تنفيذ الأحكام المكشوفة، بحيث يجب على الجميع، وخاصة مسؤولي النظام، من خلال الالتزام بالقانون وتنفيذه الدقيق، أن يجعلوه محط اهتمامهم. في هذا السياق، يبرز كلام بعض المفكرين المسلمين الذين يقولون: العدالة ليست سوى الالتزام بالقانون وتنفيذه. أصل العدالة من مقاييس الإسلام التي يجب أن نرى ما ينطبق عليها؛ العدالة في سلسلة علل الأحكام وليست في سلسلة معلولاتها، ليس الأمر أن ما قاله الدين هو العدل، بل ما هو العدل، يقوله الدين (مطهري، 1409: 14). ومن الطريف أن القانون وليد العدالة، ومع ذلك، فإن تنفيذ القانون هو عين العدل. الجدير بالذكر أنه في هذه القوالب الثلاثة الأخيرة، تُستخدم العدالة كأحد مقاصد الشريعة، وتؤثر – بالطرق التي مرت – في استنباط الحكم أو تنفيذه.
النتيجة
1. يعتبر مفكرو العدلية والإمامية العدالة مفهوماً سابقاً على الدين، لا لاحقاً له.
2. تعد دراسة العدالة مع الأخذ بعين الاعتبار النظرة الكونية والإيديولوجيا المقبولة في نظام هرمي وحلقي ضرورة.
3. العديد من الأحكام في الاستنباط الأول، مثل سلوك متولي القضاء ومسؤولي النظام مع الناس، تنبع من قانون «العدل والإنصاف»؛ وإن كانت هذه القاعدة نفسها مستندة إلى نصوص منقولة أو إدراك العقل.
4. تأتي العدالة أحياناً في صورة منهج، ويفهم الفقيه الأدلة الشرعية في جميع أبواب الفقه بذلك المنهج ويستنبط الحكم. في هذه الحالة، تُفهم كثير من الأدلة بشكل خاص؛ فبعض الأدلة التي تبدو خاصة تُفهم على أنها عامة – والعكس صحيح – أدلة تبدو عامة، تُفهم على أنها خاصة.
5. يمكن للفقيه في الاستنباط الثاني أن يستفيد من «الموافقة مع العدالة» كمعيار للتقديم والترجيح، ويجعله سنداً في تقديم إلزام على إلزام آخر.
6. إن جعل خطاب العدالة حاكماً في تنفيذ الأحكام المكشوفة ضرورة للجميع، وخاصة لمسؤولي النظام من خلال الالتزام بالقانون وتنفيذه الدقيق.
قائمة المصادر
1. القرآن الكريم.
2. نهج البلاغة.
3. الآمدي، عبد الواحد التميمي (1378ش). غرر الحكم ودرر الكلم. ترجمة: سيد حسين شيخ الإسلامي. قم: انتشارات انصاريان.
4. الآملي، محمد تقي (1413هـ). المكاسب والبيع، (تقريرات درس آية الله ميرزا محمد حسين نائيني). الطبعة الأولى. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
5. الأصفهاني، محمد حسين (د.ت). حاشية المكاسب. قم: مجمع الذخائر الإسلامية.
6. الأنصاري، الشيخ مرتضى (1422هـ). المكاسب. الطبعة الثانية. قم: مجمع الفكر الإسلامي.
7. الحر العاملي، محمد بن حسن (1414هـ). وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة. الطبعة الثانية. قم: مؤسسة آل البيت (ع).
8. الخميني، السيد روح الله الموسوي (1421هـ). كتاب البيع. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.
9. الخوانساري، سيد أحمد (1364ش). جامع المدارك في شرح المختصر النافع. الطبعة الثانية. قم: اسماعيليان.
10. رستم باز، سليم (د.ت). شرح المجلة. الطبعة الثالثة. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
11. الطوسي، محمد بن حسن (1418هـ). تهذيب الأحكام. الطبعة الأولى. طهران: صدوق.
12. علي أكبريان، حسنعلي (1386ش). قاعدة عدالت در فقه اماميه. الطبعة الأولى. قم: پژوهشگاه علوم و فرهنگ اسلامى.
13. عليدوست، أبو القاسم (1390ش). «عدالت به مثابه يك سند، قاعده، رویکرد و گفتمان عام در کشف حکم و اجرای احکام مکشوف». مجموعة مقالات دومين نشست انديشه هاى راهبردى (عدالت). الطبعة الأولى. طهران: پیام عدالت، المجلد الأول، ص 155-159.
14. __________ (1395ش). فقه و حقوق قراردادها (ادلۀ عام روایی). الطبعة الأولى. طهران: سازمان انتشارات فرهنگ و انديشه اسلامى.
15. __________ (1383ش). فقه و عرف. الطبعة الأولى. طهران: سازمان انتشارات فرهنگ و انديشه اسلامى.
16. __________ (1381ش). فقه و عقل. الطبعة الثالثة. طهران: سازمان انتشارات فرهنگ و انديشه اسلامى.
17. __________ (1388ش). فقه و مصلحت. الطبعة الأولى. طهران: سازمان انتشارات فرهنگ و انديشه اسلامى.
18. __________ (1394ش). «ماهيت و چيستى شناسى فقه امنيت و فقه امنيتى». فصلنامه حكومت اسلامى، العدد 78.
19. عيوضي، محمدرضا (1384ش). «گفتمان عدالت سياسى در انقلاب اسلامى». كتاب نقد، العدد 37.
20. مطهري، مرتضى (1409هـ). مبانى اقتصاد اسلامى. الطبعة الأولى. طهران: انتشارات حكمت.
الهوامش
1. الشريعة بمعناها الأخص، أي مجموعة الأحكام، لها أهداف أولية ووسطى ونهائية محدودة، وقد جعل الله تعالى شريعة تؤمن هذه الأهداف؛ فمثلاً، نُظمت قوانين الإسلام الاقتصادية بحيث تؤمن القسط والعدل في المجتمع (الهدف الأولي)؛ ومع تطبيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية، تتفتح المواهب وتتهيأ الظروف وتُزال موانع النمو والارتقاء (الغاية الوسطى)، وفي النهاية، يصل البشر إلى الكمال والغاية النهائية، أي معرفة الله وعبادته الواعية. يمكن استقاء هذه الأهداف بالترتيب من القرآن الكريم، الحديد: 25، والأعراف: 157، والذاريات: 56 (عليدوست، 1381: 130).
2. بعض هذه الأسئلة على النحو التالي: (1) هل يمكن اعتبار العدالة في الفقه قاعدة فقهية لمعرفة الحكم الشرعي؟ ما تعريف هذه القاعدة؟ (2) ما علاقة قاعدة العدالة بقاعدة العدل والإنصاف – التي تجري في بعض النزاعات المالية -؟ (3) في فقه الإمامية، في أي موارد تمسك بقاعدة العدالة؟ (دراسة نطاق القاعدة) (4) هل مصاديق العدالة ثابتة أم متغيرة؟ هل يوجد تفصيل في هذه المسألة؟ (5) هل يمكن للإنسان أن يعرف مصاديق العدالة دون مساعدة الشرع؟ (هل العدالة سابقة على الدين أم لاحقة له؟) (6) في معرفة مصداق العدالة، رأي من هو المعتبر؟ المكلف، عرف جميع الأزمنة والأمكنة، عرف الزمان، التفاهم الاجتماعي، الحاكم الإسلامي…؟ أي مرتبة من المعرفة والاعتقاد (قطعي، اطمئناني، ظني) هي المعتبرة فيه؟ (7) ما العوامل التي تؤدي إلى أن يُعتبر حكم ما عادلاً في زمان وظالماً في زمان آخر؟ (8) ما أدلة اعتبار قاعدة العدالة؟ (9) إذا اعتُبر حكم مستفاد من رواية ما ظالماً، فماذا يجب أن يُفعل؟ (علي أكبريان، 1386: 21). (10) كيف هي علاقة قاعدة العدالة بمقاصد الشريعة والنصوص المبينة لها؟ على سبيل المثال، في التفسير وتشخيص وتطبيق المصلحة وإسنادها إلى الشريعة، يجب الأخذ بنظر الاعتبار رؤية الشارع؛ لأن الشارع المقدس في الإسلام، بالنظر إلى رؤيته للعالم وارتباطه بالآخرة، ومن الإنسان وهدف خلقه، يقدم تفسيراً خاصاً للمصلحة والمفاهيم المشابهة، يتباين مع ما يعتبره الآخرون مصلحة أو عدالة أو مفسدة أو ظلماً، من حيث المعنى والمفهوم، ومن حيث المصداق، عام وخاص من وجه، ومصدر هذا الاختلاف هو تباين الرؤى تجاه الأمور المذكورة (عليدوست، 1388: 86). (11) في وقت تزاحم حكمين إلزاميّين غير متوافقين، مصلحتين أو مفسدتين، أو مصلحة ومفسدة ملزمة، هل يمكن أن تكون العدالة معياراً للترجيح؟ (12) هل يمكن في وقت تعارض سندين مبينين للشريعة، جعل الموافقة مع العدالة معياراً لترجيح السند الموافق للعدالة على النص الفاقد لهذه الميزة؟
3. إن إسقاط النظرة الكونية والإيديولوجية للبشر على المفاهيم الخارجية والواقعية مثل التراب والماء والأرض ليس مقبولاً؛ ولكن في المفاهيم الاعتبارية القيمية والثانوية للموضوعات، من قبيل «العدالة» و«الظلم» و«المصلحة» و«الحق» و«الباطل»، له مكانة خاصة.
4. كان أبو حنيفة ممن استفاد من هذا المورد بشكل مطلق ووسع نطاق هذه الجملة إلى أقصى حد. في صحيحة أبي ولاد التي تحكي عن قضائه؛ تم توضيح هذه الاستفادة. نقرأ في هذه المعتبرة عن أبي ولاد: «اكتريت بغلاً إلى قصر بني هبيرة ذاهباً وجائياً بكذا وكذا وخرجت في بعض الطريق فأخبرت أن الطريق قد أخذ ورجعت، فلما رجعت إلى الكوفة أردت أن أرد البغل وأعطيه كراء ما ذهبت إليه، فقال: لا، حتى تعطيني كراء الذهاب والمجيء كاملاً. فذهبت إلى أبي حنيفة، فقال: له كراء ما ذهب وجاء كاملاً. فقلت له: إنه لم يذهب ويجيء! فقال: أليس قد اكتريته ذاهباً وجائياً؟ قلت: بلى. قال: فله ما اكتريته له. فخرجت من عنده وأنا أقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم حججت في تلك السنة فأتيت أبا عبد الله (عليه السلام) فقصصت عليه القصة، فقال: في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها وتمنع الأرض بركاتها. ثم قال: عليك أن تعطيه كراء ما ذهبت إليه وأجرة المثل لما رجعت». (الطوسي، 1418، ج 7: 256-258).
5. في علم سند هذه الجملة، هناك كلام كثير وقد تناول الكاتب هذه المسألة في الفصل السادس من كتاب «فقه وحقوق قراردادها» (أدلة عام روائي)؛ وخلاصة القول هي أن الكلام الصحيح هو ما قاله المحقق النائيني: هذا الخبر يُحسب من جوامع الكلم (قليل اللفظ كثير المعنى) والتأمل والتردد في سنده (صدوره)، غير جائز (الآملي، 1413، ج 1: 270). ضمناً، يمكن استخلاص مضمون المتن المذكور وفقاً للتفسير الذي نقدمه، من أدلة معتبرة أخرى أيضاً؛ بحيث أن ترك المتن المذكور والأحاديث الحاملة لمضمونه لا يسبب أي خلل في استنباط الأحكام؛ ولكن بمعزل عن هذه الغنى، نعتقد أنه يمكن قبول تعبير «إن الخراج بالضمان» أو «الخراج بالضمان» كحديث عن النبي العظيم الشأن ﷺ والفتوى به.
6. يجب الانتباه إلى أن الغابن أحياناً يؤجر العين فوراً ليمتلك المنافع بعد فسخ العقد، ويصرف المغبون عن فسخ المعاملة.
7. لقد نقد الكاتب فكر الشيخ والدفاع عنه بالتفصيل (انظر: عليدوست، 1388: 365).