خلاصة البحث
تُعدّ قاعدة «لا ضرر» من القواعد الفقهية المعروفة التي لها آثار جمّة في مختلف مباحث الفقه والحقوق. وقد تناول فقهاء الإمامية الجوانب المختلفة لهذه القاعدة تارةً في بحوث متفرقة، وتارةً أخرى بشكل مستقل. إن عدم انحصار القاعدة في معناها الأولي وإمكانية طرح رؤى جديدة حولها هو ما أكسبها هذه الأهمية. توصلت هذه الدراسة، المعتمدة على المنهج التحليلي-الاجتهادي والاستفادة من المصادر المكتبية، إلى أن مستند قاعدة «لا ضرر»، وهو قصة سمرة بن جندب والرجل الأنصاري، يدل في مسألة التزاحم على أن مفادها هو نفي منشأ الضرر من قِبَل الشارع، سواء كان منشؤه أحكاماً إلزامية أم أحكاماً ترخيصية. هذه النظرية قريبة من قول المشهور، لكنها تختلف عنه في أن قاعدة «لا ضرر» في النظرية الأخيرة تُجرى أيضاً في الأحكام الترخيصية التي تكون سبباً للضرر؛ أي في قضية سمرة التي هي مستند قاعدة «لا ضرر»، نفى رسول الله (ص) حكم الإباحة أو جواز تصرّف سمرة، وأذن للرجل الأنصاري بقطع النخلة.
مقدمة
تُعتبر قاعدة «لا ضرر» من القواعد الفقهية كثيرة الاستعمال. وبناءً على هذه القاعدة، يُرفع التكليف عن كثير من الأحكام التي تلحق ضرراً بالمكلف؛ أي إذا كان المكلف مريضاً، يُرفع عنه وجوب الصوم بسبب وجود هذه القاعدة. وقد أورد بعض العلماء هذه القاعدة في كتب الأصول، وآخرون في كتب القواعد الفقهية. ومن وجهة نظر كاتبي المقال، فإن هذه القاعدة فقهية؛ لأن معيار وملاك القاعدة الفقهية موجود فيها. ملاك القاعدة الفقهية هو أن تكون شبيهة بالمسألة الأصولية من جهة، وشبيهة بالمسألة الفرعية من جهة أخرى. وتوضيح ذلك أنها من حيث إمكانية وقوعها كبرى في القياس، تشبه المسألة الأصولية، ومن حيث إن نتيجتها جزئية، تشبه المسألة الفرعية. كما يُطلق على القواعد الفقهية عناوين ثانوية، مثل العناوين الثانوية كالعسر والحرج والضرر والاضطرار وغيرها، والتي تقع كبرى في القياس. على سبيل المثال، إذا كان المكلف مريضاً وكان الصوم يضر به، يُقال في الصغرى: «الصوم حرجٌ عليَّ» أو «الصوم ضررٌ عليَّ»، ثم تُضم الكبرى: «وكل أمر حرجي منفي في الإسلام». والنتيجة هي رفع وجوب الصوم عن هذا المكلف. وبهذا يتضح أنها لما وقعت كبرى، فهي شبيهة بالمسألة الأصولية، ولما كانت نتيجتها جزئية، فهي شبيهة بالمسألة الفرعية. بناءً على هذا، ينطبق تعريف ومعيار القاعدة الفقهية على قاعدة «لا ضرر». تتناول هذه المقالة بيان وتحليل أهم آراء الفقهاء حول قاعدة «لا ضرر». وقد تناولت معظم المؤلفات حول هذه القاعدة الفقهية سندها ودلالتها بالتفصيل، مما قد يسبب بعض الملل والكلل لطلاب العلم. لذلك، سعى هذا البحث إلى التركيز على الدلالة المعنائية للقاعدة المذكورة والآراء والانتقادات المطروحة، وشرح آخر نظريات الفقهاء المعاصرين حول هذه القاعدة ببيان سلس وواضح. والابتكار في هذه المقالة يكمن في كيفية بيان قاعدة «لا ضرر» وتطبيقها على مسألة التزاحم ونقدها للآراء السابقة، وهي نقطة جديرة بالاهتمام. كما أن الابتكار الآخر هو أن «لا ضرر» تجري أيضاً في الأحكام الجوازية، ويكون مفادها سبباً لرفع الحكم الترخيصي كذلك.
١. دراسة مفردات حديث «لا ضرر ولا ضرار»
الكلمات الثلاث «ضرر» و«ضرار» و«لا» في «لا ضرر ولا ضرار» مهمة، وفي هذا القسم نتناول معانيها.
١-١. الضرر
عُرِّف الضرر بمعنى دخول النقصان في الشيء (الفراهيدي، ١٤١٠، ج٧، ص٧). كما يأتي الضرر بمعنى الضيق، كما يُقال «مكان ذو ضرر» أي ذلك المكان ضيق (الجوهري، ١٤١٠، ج٢، ص٧٢٠). وذُكر الضرر أيضاً على أنه ضد النفع (ابن منظور، ١٤١٤، ج٤، ص٢٨٢). في الاصطلاح العرفي، الضرر هو نقص المال والنفس، مثل استخدام عبارة «أضر به البيع» عندما يكون البيع ضررياً، أو استعمال «الضرر للدواء والغذاء» عندما يلحق الدواء أو الغذاء ضرراً بالبدن، ويقابله النفع. بناءً على هذا، فالضرر هو الأذى والنقصان في الشيء، وإذا ألحق شخص ضرراً بآخر، فمعناه أنه أوقع به عيباً ونقصاناً. ولهذا السبب، لا يطلق الضرر على هتك الحرمة وإهانة الإنسان؛ كما لا يطلق النفع ضد الهتك والإهانة. على سبيل المثال، إذا نظر رجل إلى زوجة جاره بريبة وهتكها وأهانها، لا يُقال: «إنه أضر بها»، وإذا لم يفعل ذلك، لا يُقال: «إنه نفعها». «الضرر» اسم مصدر من «ضر يضر ضراً»، وفي مقابله «منفعة» (الخوئي، ١٤٢٢، ج٢، ص٥٢٢). كما أن «النفع» كمصدر ليس في مقابل «الضرر». يرى الآخوند الخراساني أن النفع في مقابل الضرر الذي هو مصدر، ولكن كلامه ليس تاماً؛ لأن المصدر يقابل المصدر، و«الضرر» يقابل «النفع»، و«ضرر» اسم مصدر، في مقابل «نفع» الذي هو مصدر؛ كما تشير الآية الشريفة: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ (الفرقان، ٣)، ففي الآية «ضراً» مصدر، وفي مقابله «نفعاً» أيضاً مصدر. مادة «ضرر» في استعمالها الثلاثي المجرد، أي «ضَرَّه يَضُرُّه»، متعدية، أما في باب الإفعال فتتعدى بالباء ويقال «أضر به»، ولا يُستخدم «أضره». معنى «الضرر» هو النقص في المال، مثل عندما يخسر شخص في معاملة، أو النقص في العرض، مثل هتك الحرمة. ويأتي أيضاً بمعنى النقص في البدن، كأن يفعل شيئاً يمرضه أو يقطع يده. وفي مقابل الضرر بمعنى النقص، تكون المنفعة بمعنى الزيادة. وهذه الزيادة إما في المال، مثل الربح في معاملة، أو في العرض، كأن يفعل ما يعظمه، أو زيادة في البدن، مثل تناول الدواء ليكون الجسم سليماً. بين الضرر والمنفعة توجد واسطة أيضاً، مثل تجارة لا نقص فيها في المال ولا زيادة. وعليه، فإن تقابل الضرر والمنفعة هو تقابل تضاد، لا تقابل عدم وملكة.
٢. دراسة الهيئة التركيبية لحديث «لا ضرر ولا ضرار»
في الهيئة التركيبية لهذه الرواية، طُرحت سبعة احتمالات.
٢-١. رأي الشيخ الشريعة الأصفهاني
لهذه النظرية تقريبان.
التقريب الأول: كون حديث «لا ضرر» إنشائياً والنهي عن الضرر
الصحيح أن ظاهر جملة «لا ضرر ولا ضرار» خبري، وظاهر «لا» هو «لا» النافية، لكنها في الحقيقة نهي وإنشاء ينهى عن إيقاع الضرر بالغير. وعلى هذا المعنى، توجد شواهد في الآيات والروايات أيضاً. الشاهد الأول: الآيات، قول الله تعالى في الآية الشريفة ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (البقرة، ١٩٧)، مع أن الآية ظاهراً في مقام الإخبار و«لا» نافية للجنس، إلا أنها في الواقع إنشاء ونهي عن القيام بالأعمال المذكورة، وهذه الأمور محرّمة في الحج. الشاهد الثاني: الروايات، في الروايات أيضاً، توجد حالات ظاهرها النفي وجملة خبرية، لكنها في الواقع نهي، مثل «لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل» أو «لا غش بين المسلمين». وسبب صحة هذا النوع من الاستعمالات هو أنه ثبت في بحث الأوامر وصيغة «افعل» في الأصول أن الإخبار عن عدم الشيء مثل الإخبار عن وجود الشيء؛ أي إذا كان المولى يستطيع أن يخبر عن وجود الشيء في مقام الإنشاء ويكون مراده إيجاد ذلك الشيء، مثل «تعيد الصلاة»، فإن الإخبار عن عدم الشيء في مقام النهي عن إيجاده، مثل «لا رفث ولا جدال في الحج» أو «لا غش بين المسلمين»، صحيح أيضاً (الخوئي، ١٤٢٢، ج٢، ص٥٢٤؛ الشيخ الحر العاملي، ١٤٠٩، ج١٢، ص٢٠٨-٢١١). مما سبق بيانه، يتضح أن جملة «لا ضرر ولا ضرار» هي كبرى لصغرى، وهي «ما أراك يا سمرة إلا مضاراً»، والكبرى هي «لا ضرر ولا ضرار»؛ أي أن فعل سمرة ضرر، والضرر حرام. «لا ضرر ولا ضرار» ظاهرها النفي، لكن المولى يريد النهي؛ أي لا تضروا فإن الإضرار حرام.
التقريب الثاني: كون حديث «لا ضرر» إخبارياً وخبر عن ملزوم النهي
النقطة الأولى هي أنه للاحتمال الذي ذكره المرحوم الشيخ الشريعة في رواية «لا ضرر…»، قيل بتقريب آخر، وهو أن حديث «لا ضرر ولا ضرار» جملة خبرية اسمية، ويُكتفى بظهورها. ولهذا، فإن «لا ضرر ولا ضرار» في مقام الإخبار وليس في مقام الإنشاء والنهي، لكن الغرض الأصلي للشارع من هذا الإخبار هو الإخبار عن الملزوم، وهو المنع أو الحرمة الشرعية، و«لا ضرر» لازمه الحرمة (الشيخ الشريعة، ١٤١٠، ص١٨؛ الروحاني، ١٤١٣، ج٥، ص٣٩٩).
نقد نظرية الشيخ الشريعة الأصفهاني (النفي بمعنى النهي)
حول رأي الشيخ الشريعة، تُطرح ثلاثة إشكالات. الإشكال الأول يرد على التقريب الأول لكلام الشيخ الشريعة حيث يكون النفي في مقام النهي، ولا يرد على التقريب الثاني. أما الإشكالان الثاني والثالث فيردان على كلا التقريبين.
الإشكال الأول: عدم وجود قرينة لحمل النفي على النهي في حديث «لا ضرر»
ظاهر «لا ضرر ولا ضرار» جملة خبرية منفية. يجب العمل بظهور الجمل الخبرية، إلا إذا وُجدت قرينة على أنها استُعملت في مقام الإنشاء، مثل «تعيد الصلاة» أو «لا رفث ولا فسوق». في الحالات التي توجد فيها قرينة لحمل الجملة الخبرية على الإنشائية، إذا عُمل بظهور الجملة الخبرية، يؤدي ذلك إلى كذب تلك الجملة. في الآية المذكورة، يخبر الله تعالى بعدم وجود الرفث والفسوق والجدال في الحج، في حين أن مثل هذه التصرفات تقع بين الناس في الحج أيضاً، وهذه هي القرينة على أن هذا الإخبار قد استُعمل في مقام الإنشاء. بناءً على هذا، في بحث «لا ضرر ولا ضرار» لا توجد قرينة، لأن في الضبط الصحيح للرواية، لم يرد قيد «في الإسلام»، ونص الرواية هو «لا ضرر ولا ضرار». في هذه الحالة، لحمل النفي على النهي، نحتاج إلى قرينة غير موجودة في الرواية. وبالتالي، في جملة «لا ضرر ولا ضرار» يُتمسك بظهورها الخبري لكي لا يستلزم الكذب (الخوئي، ١٤٤٢، ج٢، ص٥٢٩).
الإشكال الثاني: عدم كون الأحكام الثانوية امتنانية
هذا الحديث الشريف وأمثاله مثل «لا حرج»، حديث الرفع و…، تُجرى في حالات يكون فيها امتنان على أمة الإسلام، وإذا كان «لا ضرر» يرفع حكماً أو مشقة عن الأمة، فهو منّة. أما إذا كان بمعنى النهي، وحرّمت الرواية الإضرار على المكلف وجعلت له حرمة، فليس فيه امتنان. فلا وجه لحمل النفي على معنى النهي. توضيح وجه الامتنان في قاعدة «لا ضرر» هو أن الأحكام الثانوية الشرعية التي ترفع الحكم الأولي الشرعي، قد بُيّنت فقط في دين الإسلام، ولم تُشاهد مثل هذه الحالات في الأديان الأخرى. حديث «لا ضرر» ليس حكماً عقلياً ليقال إن امتنانيته ليست من جهة الشرع، بل هو حكم شرعي، ولو لم يجعله الشارع ويمنعه، لكان المكلف ملزماً بنفس الأحكام الأولية. «رفع عن أمتي…»، حديث الشفعة، روايات زيادة الماء وإزالة شجرة سمرة، جاءت بصورة امتنانية، وكلها من الأحكام الثانوية النافية للأحكام الأولية.
الإشكال الثالث: عدم توافق هذا المعنى للرواية مع حقوق مثل الشفعة
هذا المعنى للرواية لا يتوافق مع بعض الحالات الأخرى مثل مورد الشفعة؛ لأن «لا ضرر» في الشفعة يرفع لزوم البيع، وفي هذا المورد لا معنى لجعل الحرمة. «لا ضرر» في قضايا الشفعة لا يريد أن يقول إن بيع الشريك حرام. بناءً على هذا، يجب أن تُفسّر الرواية بطريقة لا تتعارض مع حق الشفعة (الروحاني، ١٤١٣، ج٥، ص٤١٠).
٢-٢. رأي الآخوند الخراساني
الاحتمال الآخر في حديث «لا ضرر ولا ضرار» هو الاحتمال الذي اختاره الآخوند بهذا البيان، وهو أن مفاد الحديث هو نفي الحكم بلسان نفي الموضوع (الآخوند، ١٤٠٩، ص٣٨٢). في روايات مثل «لا ربا بين الوالد والولد»، الربا هو بمعنى الزيادة الموجودة خارجاً بين الأب والابن. فالشارع بهذه الجملة يريد رفع حكم حرمة الربا. مثل هذا التعبير من وجهة نظر الآخوند هو نفي الحكم بلسان نفي الموضوع. وكذلك «لا شك لكثير الشك»، الذي هو نفي حكم الشاك عن كثير الشك، هو بلسان نفي الموضوع. وبهذا الترتيب، في «لا ضرر» أيضاً يكون مفاده نفي الحكم بلسان نفي الموضوع؛ أي الأحكام التي ثبتت لموضوعاتها بقطع النظر عن الضرر، عند كون هذه الموضوعات ضررية، تُرفع تلك الأحكام مع موضوعاتها. ونتيجة لذلك، الوضوء قبل أن ينطبق عليه عنوان الضرر واجب، وعندما ينطبق عنوان الضرر على الوضوء، يُرفع الوجوب، ويتغير موضوع الطهارة، أي الوضوء، ويجب التيمم كبدل للوضوء.
إشكال على رأي الآخوند
الضرر في هذا الحديث في سببه؛ مثل الوضوء والصوم والغسل، عندما تكون هذه الأسباب ضررية، لم يُستعمل، بل الضرر الذي نُفي في الرواية هو الضرر في مقام التشريع. يرى الآخوند أن ما نُفي هو طبيعي الضرر في الخارج على نحو الادعاء، ومصحح النفي الادعائي هو نفي الحكم الشرعي أو نفي الوصف (صحة الوضوء) (الآخوند، ١٤٠٩، ص٣٨٢). هذا الكلام ليس تاماً، لأن النفي الادعائي في حالات يكون فيها لوجود الموضوعات أثر، و«لا» النافية ترفع الأثر المترتب بنفي الموضوع نفسه بصورة ادعائية، مثل «لا صلاة إلا بطهور» أو «أشباه الرجال ولا رجال»، حيث يمكن الادعاء بأن نفي الصلاة في الخارج قد تم بصورة ادعائية، وما نُفي في هذه الحالات هو نفس الشيء «الصلاة والرجال»، وإن كان بدافع نفي وصف «الرجولية» والأثر الذي يترتب على «الصلاة والرجال» في هذه الحالات. وكذلك في «لا شك لكثير الشك»، ما يُنفى هو نفس الشك الذي هو موضوع الحكم الشرعي، وهذا الشك قد يستلزم وجوب صلاة الاحتياط، و«لا شك» يرفعه عن كثير الشك. أما في مثل «لا ضرر»، فلا يُرفع الأثر المرغوب مع الأثر المترتب على نفس الضرر. الجدير بالذكر أنه في مثل «لا صلاة إلا بطهور» أو «أشباه الرجال لا رجال»، «لا» النافية ترفع الأثر المترتب على عنوان الصلاة أو الرجال في الخارج، وإن كان برفع ادعائي، لأن ذلك الأثر غير مرغوب فيه، لكن في مثل «لا ضرر» ليس الأمر كذلك، لأن «لا» لا تستطيع رفع أثر الضرر. والسبب هو أن الضرر إما لا أثر له، أو له أثر، وليس مراد الشارع رفع حكم الضرر؛ لأن بقاء الحكم يعتمد على بقاء الموضوع. الآخوند قاس «لا ضرر» بعبارات مثل «رفع ما استكرهوا واضطروا ولا حرج»، وهذا القياس ليس صحيحاً؛ لأن العناوين المذكورة في مثل «رفع ما استكرهوا واضطروا ولا حرج» تتعلق بنفس فعل المكلف. بينما الموضوع أو الحكم الوضعي، مثل صحة ذلك الفعل، ما لم تنطبق عليه هذه العناوين، هو متعلق التكليف، أو أن الموضوع حكم وصفي يُرفع بانطباق هذه العناوين ذلك الحكم التكليفي أو الوصفي. نفي الحكم بلسان نفي الموضوع يكون في الحالات التي يكون فيها للموضوع، بقطع النظر عن الضرر، حكم بموجب عموم أو إطلاق دليل مثل أدلة الوضوء والصوم، وعندما ينطبق الضرر على ذلك المورد، يدل دليل نفي الضرر على نفي شمول الحكم لذلك المورد الضرري. وهذا لأن ذلك العنوان الموضوعي لا ينطبق على هذا المورد الضرري – وإن كان ادعاءً – أي أن الوضوء الضرري ليس وضوءً بصورة ادعائية، ولكن في الحديث الشريف، ما نُفي ليس الوضوء الضرري والصوم الضرري؛ بل نفس الضرر هو الذي نُفي. وبهذا الترتيب، لا معنى لنفي حكم يترتب على عنوان الضرر، لأن الضرر هو الموضوع، وما دام الضرر موجوداً، فحكمه موجود أيضاً، وفي الحالة التي يكون فيها الضرر، لا يمكن رفعه (الخوئي، ١٤٢٢، ج٢، ص٥٢٧؛ التبريزي، ١٣٨٧، ج٥، ص٨٦).
٢-٣. رأي الفاضل التوني
هذا الرأي، المنسوب إلى الفاضل التوني، يرى أن في حديث «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» كلمة أو عبارة مثل «غير متدارك» مقدرة؛ أي أن مضمون حديث «لا ضرر ولا ضرار غير متدارك في الإسلام» كان. في هذه الحالة، يكون معنى الحديث هو أنه لا يوجد ضرر في الإسلام لم يتم تداركه. بعبارة أخرى، كل ضرر يُتصور في الإسلام، قد تداركه الشارع، وسبب تدارك الشارع هو بضمانة تقع على عاتق المضر؛ أي أن الشارع بجعل الضمان على ذمة المضر، تدارك الأضرار التي لحقت بالمتضرر. إذن، لا يوجد في الإسلام ضرر لم يتم تداركه (الأنصاري، ١٤٢٨، ج٢، ص٤٦٠).
٢-٣-١. إشكالات الاحتمال الثالث
الإشكال الأول: إشكال الشيخ الأنصاري
هذا الإشكال من قبل الشيخ الأنصاري (الأنصاري، ١٤٢٨، ج٢، ص٤٦١). اعتبر الشيخ الأنصاري تقدير كلمة «غير متدارك» باطلاً، لأنه في حالة هذا التقدير، يكون معنى الحديث هو أن الضرر غير المتدارك ليس في الإسلام؛ أي أن كل ضرر يكون في الإسلام، قد تداركه الشارع وجبره. هذا الكلام باطل، لأنه إذا سُئل الفاضل التوني، القائل بالاحتمال الثالث، كيف يتدارك الشارع الأضرار، سيجيب: تدارك الضرر يكون بأن يجعل الشارع ضماناً على ذمة الضار، وبجعل الضمان على ذمة الضار، يتدارك الضرر الذي لحق بالمتضرر. لكن يجب الانتباه إلى أنه لو جعل الشارع الضمان مئة مرة على ذمة الضار، فالضرر الذي لحق بالمتضرر لا يُجبر؛ لأن تدارك الضرر لا يتحقق بجعل الضمان على ذمة الضار، بل يتحقق تدارك وجبران الضرر من المتضرر بأن يرد الضار الضرر الذي ألحقه بالمتضرر. على سبيل المثال، إذا سُرق منه مال، أن يعيده إليه؛ وإلا بمجرد جعل الضمان على ذمة الضار، لا يتدارك هذا الضرر. وإذا أتلف شخص سيارة شخص آخر وألحق به ضرراً، فلو جعل الشارع الضمان على ذمة الشخص الضار مئة مرة، فلن يُجبر الضرر ولن يُتدارك، إلا إذا أعاد الشخص الضار الضرر والخسارة إليه في الخارج. إذن هذا الاحتمال باطل.
الإشكال الثاني: إشكال على رأي الفاضل التوني
بيان الرواية بصيغة «لا ضرر غير متدارك في الإسلام» ليس صحيحاً؛ لأن الحديث بهذا المعنى لا يشمل حتى مورد الرواية نفسها. مورد الرواية كان قصة سمرة بن جندب حيث أُلحق ضرر بالرجل الأنصاري. هذا الضرر كان عرضياً وشرفياً وهتكاً للحرمة. الضرر العرضي والشرفي، مثل هتك الحرمة، لا يمكن تداركه أبداً وبأي وجه.
٢-٤. رأي مشهور الفقهاء والشيخ الأنصاري
وفقاً لرأي المشهور، فإن حديث «لا ضرر» في مقام بيان أنه يريد رفع الضرر من خلال رفع منشئه؛ أي أن «لا ضرر» يرفع منشأ الضرر في مقام التشريع وتشريع الشارع. بعبارة أخرى، منشأ الضرر في الأحكام الشرعية هو الأحكام الإلزامية، و«لا ضرر» يرفع الأحكام الإلزامية المسببة للضرر. على سبيل المثال، في الوضوء، مسح الرجلين واجب. فإذا أخرج المكلف حذاءه من قدمه ليمسح، وبسبب برودة الهواء الشديدة، مرض، فإن «لا ضرر» يرفع وجوب مسح الرجلين. إذن، «لا ضرر» هو نفي الضرر برفع منشئه «الحكم الإلزامي» في مقام التشريع؛ سواء كان منشأ الضرر هو نفس الحكم الإلزامي، مثل لزوم البيع، أو متعلق الحكم، مثل الوضوء. بعبارة أخرى، الشارع في «لا ضرر» يزيل الوجوب والحرمة؛ لأنه إذا حرّم الشارع شيئاً ولم يستطع المكلف فعله، فهذا منشأ الضرر؛ كما حرّم الشارع أكل الميتة في مقام التشريع. ففي وقت الاضطرار وعدم توفر الطعام، إذا بقيت الميتة محرمة، يلحق الضرر بالمكلف. الشارع يزيل هذا النوع من الوجوب والحرمة بواسطة «لا ضرر» (الأنصاري، ١٤٢٨، ج٢، ص٤٦١). رأي المشهور يتضمن نقطتين مهمتين: ١. الحكم الشرعي الإلزامي سبب والضرر مسبَّب عنه. رفع المسبَّب «الضرر» يكون برفع السبب «الحكم الإلزامي الشرعي» وهو المتعارف. فطبقاً لهذا الاحتمال الرابع، حديث «لا ضرر» هو نفي للسبب بلسان نفي المسبَّب «الضرر». ٢. حديث «لا ضرر» يتوجه فقط إلى المكلفين المطيعين، لا العاصين؛ لأن الأحكام الإلزامية مثل الوجوب والحرمة لا تسبب ضرراً إلا لمن يريدون أداء تكاليفهم. المكلف العاصي أصلاً لا يقصد إتيان الأحكام الإلزامية، والأحكام الإلزامية لا تضره أصلاً. بناءً على هذا، القضية سالبة بانتفاء الموضوع.
إشكالات رأي المشهور
الإشكال الأول: عدم شيوع نفي السبب بلسان نفي المسبَّب
طرح الآخوند الخراساني هذا الإشكال على هذا النحو، وهو أن لدينا نوعين من الاستعمال: نفي السبب بلسان نفي المسبَّب، ونفي المسبَّب بلسان نفي السبب. طبقاً للاحتمال الرابع، حديث «لا ضرر» يتكفل بنفي السبب «الحكم الإلزامي الشرعي» بلسان نفي المسبَّب «الضرر»، وهذا النوع من الاستعمال غير مستحسن. نفي المسبَّب بلسان نفي السبب مثل أن يقال عن مكلف بدون طهارة «فلان لا وضوء له»؛ أي ننفي المسبَّب (الطهارة الباطنية) بلسان نفي السبب (الوضوء). هذا النفي شائع؛ أما في مسألة «لا ضرر»، فالأمر بالعكس؛ أي نفي السبب (الحكم الإلزامي الشرعي) بلسان نفي المسبَّب (الضرر)، وهذا النوع من الاستعمال قبيح وفيه بشاعة (الآخوند، ١٤٠٩، ص٣٨٢).
الجواب على عدم شيوع نفي السبب بلسان نفي المسبَّب
إشكال الآخوند يرد عليه هو أيضاً؛ لأن رأي الآخوند كان أن الشارع في حديث «لا ضرر» نفى الحكم بلسان نفي الموضوع، مثل «لا ربا بين الولد والوالد»، لأن الربا نفسه بمعنى الزيادة موجود بين الأب والابن، والمراد من الآية ليس نفي الربا نفسه؛ بل المراد نفي حكم الربا أي الحرمة. وبهذه الطريقة، يُصطلح على ذلك بنفي الحكم بلسان نفي الموضوع. ولهذا، فإن الشارع قبل انطباق عنوان الضرر على الوضوء، أوجب حكمه، و«لا ضرر» يرفع حكم الوجوب بواسطة نفي الضرر (الوضوء الضرري). بناءً على هذا، نفي السبب (الحكم الإلزامي) بلسان نفي المسبَّب (الضرر) فيه بشاعة؛ وهو الاحتمال الذي طرحه الآخوند نفسه في معنى الرواية، فيه بشاعة؛ لأن نفي المسبَّب (الضرر) بلسان نفي السبب (الموضوع الضرري مثل الوضوء) موجود، ومن هذه الجهة لا فرق بين احتمال الآخوند وهذا الاحتمال الرابع.
الإشكال الثاني: إشكال المحقق الأصفهاني على رأي المشهور
الأفعال نوعان: توليدية وغير توليدية. التوليدية هي الأفعال التي إذا تهيأت مقدمتها، يأتي ذو المقدمة قسراً. بعبارة أخرى، إذا وجد السبب، وجد المسبَّب أيضاً؛ مثل أنه عندما تأتي أفعال الوضوء، تأتي الطهارة الباطنية أيضاً قسراً. الأفعال غير التوليدية ليست كذلك، فإذا جاءت المقدمة، لا يأتي ذو المقدمة قسراً وتلقائياً؛ بل بعد مجيء المقدمة، إذا أراد المكلف، يأتي بذي المقدمة، وإلا فإن ذا المقدمة لا يأتي من تلقاء نفسه، مثل نصب السلم، فليس الأمر بحيث أن صعود الجدار يتحقق قسراً بعد نصب السلم؛ بل بإرادة المكلف. إذا أراد المكلف، يصعد السطح، وإذا لم يرد، لا يصعد. لهذا السبب، تسمى هذه المقدمات إعدادية، والأفعال التوليدية لا تُستخدم بشأنها. الآن بعد بيان هذه المقدمة، يُقال إنه إذا كان الحكم الشرعي الإلزامي للضرر من باب الأسباب التوليدية، ففي الأسباب التوليدية يمكن القول إننا نرفع السبب بلسان نفي المسبَّب؛ مثلاً، ننفي السبب، لكننا نريد نفي السبب، وبنفي الطهارة، عدم إرادة الوضوء. لكن في بحثنا، العلاقة بين الحكم الإلزامي والضرر ليست من نوع علاقة الأفعال التوليدية؛ أي ليس الأمر بحيث أنه إذا جاء الحكم الضرري، لزم أن يأتي الضرر قسراً؛ بل الحكم الضرري من قبيل المقدمات الإعدادية، وبمجرد جعل الحكم الإلزامي لا يأتي الضرر؛ بل لتحقق الضرر، إرادة الشخص لها دخل أيضاً. ولهذا، في المقدمات الإعدادية أو الأفعال غير التوليدية، لا يجوز نفي السبب (الحكم الشرعي الإلزامي) بلسان نفي المسبَّب (الضرر) (الأصفهاني، ١٤٢٩، ج٢، ص٣٠).
جواب هذه المقالة على إشكال المحقق الأصفهاني
الجواب الأول: العلاقة بين الحكم الشرعي الإلزامي والضرر ليست علاقة أفعال توليدية، وهما ليسا من الأفعال التوليدية. من حيث إن الأفعال ليست توليدية، ورفع السبب (الحكم الإلزامي) بلسان نفي المسبَّب (الضرر) غير ممكن، فالكلام صحيح. لكن يجب الانتباه إلى أن منشأ حدوث الضرر هو جعل الحكم من قبل الشارع، وجعل الحكم هو منشأ الضرر. من جهة أخرى، في الاستعمالات الشائعة، رفع شيء بلسان رفع منشئه كثير جداً. على سبيل المثال، منشأ الفوقية هو السقف. ولهذا، العرف ينفي السقف بلسان نفي منشأ الفوقية. بناءً على هذا، ينفي الفوقية ويريد بذلك نفي السقف. إذن «لا ضرر في الإسلام» هو أيضاً نفي الضرر بلسان نفي منشأ الضرر، وهو نفس الحكم الإلزامي؛ أي يقول: «الضرر ليس في الإسلام» ويريد به منشأ الضرر؛ أي الحكم الإلزامي ليس في الإسلام. هذا النوع من الاستعمال متعارف.
الجواب الثاني: في مسألة «لا ضرر»، إرادة المولى أقوى من إرادة العبد. ولهذا، ما يسبب إقدام العبد على الوضوء مع كونه مضراً له، هو إرادة الشارع وحكم الشارع بوجوب الوضوء، ولكن بما أن العلة الأصلية لحركة العبد نحو الوضوء الضرري هي إرادة الشارع، وإرادة العبد ضعيفة أمام إرادة الشارع، فإننا من باب نفي إرادة الشارع أو نفي الحكم الشرعي الإلزامي، ننفي المسبَّب (الضرر).
الإشكال الثالث: اعتراض المرحوم الروحاني على النظرية المشهورة
من وجهة نظر المرحوم الروحاني، الاحتمال الرابع يمكن تفسيره بطريقتين. الصورة الأولى: المراد من الضرر في حديث «لا ضرر» هو سبب الضرر، أي الحكم. توضيح ذلك أن يُذكر المسبَّب (الضرر) ويُراد السبب (الحكم). إطلاق الضرر على الحكم الذي هو سبب الضرر هو إطلاق مسامحي وادعائي، مثل إطلاق كلمة «القتل» على الرمي والذبح. وعلى هذا الأساس، من «لا ضرر» يُراد «لا حكم ضرري». الصورة الثانية: أن يكون المراد من النفي هو نفس الضرر، حقيقةً وواقعاً، والمقصود الأصلي هو الإخبار عن نفي سببه، وهو الحكم الشرعي، والإخبار عن ثبوت المسبَّب أو نفيه بلحاظ ثبوت السبب أو نفيه شائع جداً في العرف، مثل الإخبار عن مجيء المرض بينما المقصود والملحوظ هو سبب المرض. بعبارة أبسط، يُنظر إلى الضرر والحكم الشرعي على أنهما لازم وملزوم لبعضهما البعض؛ لا من باب السبب والمسبَّب. بعد بيان هاتين الصورتين للاحتمال الرابع، طرح العالم المذكور إشكالين: الإشكال الأول: الإشكالات التي طرحها المحقق الأصفهاني ترد على التوجيه الأول للاحتمال الرابع، ولكن طبقاً للتوجيه الثاني، لا ترد تلك الإشكالات، لأنه في التوجيه والتصوير المذكور، المنفي حقيقةً وجداً هو نفس الضرر، والمقصود الأصلي هو بيان اللازم، أي رفع الحكم الضرري باعتبار أن الضرر ينشأ من ذلك الحكم. الإشكال الثاني: الإشكال الذي طرحه الآخوند بأن الاحتمال الرابع فيه بشاعة استعمال، يرد أيضاً على التوجيه والتصوير الأول للاحتمال الرابع، أما طبقاً للتوجيه والتصوير الثاني حيث يُلحظ الضرر والحكم الشرعي من باب اللازم والملزوم، فلا يُطرح إشكال بشاعة الاستعمال، لأن ذكر اللازم وإرادة الملزوم، وكذلك العكس، شائع في الاستعمال. الجدير بالذكر أن الإشكالات الثلاثة لا ترد طبقاً للتصوير والتوجيه الثاني للاحتمال الرابع، لكن في مورد الاحتمال الرابع، يبقى إشكال واحد يرد طبقاً لكلا التوجيهين والتفسيرين. طبقاً لتفسير الاحتمال الرابع، «لا ضرر» يرفع الأحكام الضررية، وأنتم تعلمون أن هذه أحكام إلزامية هي منشأ الضرر، مثل وجوب الوضوء أو حرمة أكل الميتة في حالة الاضطرار؛ وإلا فإن الأحكام الترخيصية مثل الاستحباب أو الكراهة أو الإباحة ليست منشأ للضرر أصلاً لكي تُرفع بـ «لا ضرر». إذن، في النهاية، طبقاً لهذا الاحتمال، حديث «لا ضرر» يرفع الحكم الإلزامي من وجوب وحرمة. أما في قصة سمرة بن جندب، فلا يوجد حكم إلزامي أصلاً؛ بل كان لسمرة جواز الدخول، وجواز الدخول ليس حكماً إلزامياً ليرفعه «لا ضرر» (الروحاني، ١٤١٣، ج٥، ص٣٩٩، ص٤٠٧).
جواب هذه المقالة على إشكال الروحاني
في قصة سمرة بن جندب أيضاً، يوجد حكم إلزامي، وهو حرمة تصرف الأنصاري أو حرمة قطع شجرة سمرة من قبل الأنصاري، و«لا ضرر» يرفع حرمة هذا التصرف.
٢-٥. نظرية الإمام الخميني
طرح الإمام الخميني في تبيين معنى حديث «لا ضرر» احتمالاً خامساً يتفرع بيانه على مقدمات.
المقدمة الأولى: المقامات الثلاثة للرسول والنبي
المقام الأول: الرسالة والنبوة أو التبليغ. النبي والرسول في هذا المقام وظيفتهما مجرد التبليغ، وهما مجرد واسطة في إيصال المطالب. في هذا المقام، اللوح المحفوظ له موضوعية، والنبي هو الطريق الوحيد لبيان ذلك اللوح المحفوظ. بالنظر إلى هذا المقام، أوامر ونواهي النبي في مقام الرسالة والتبليغ ليست أوامر مولوية؛ بل إرشادية، لأنه كما بُيّن، النبي والرسول في هذا المقام مجرد ناقلين، وكل ما يبيّنونه هو من اللوح المحفوظ. ولهذا، فأوامرهم إرشادية أيضاً. ونتيجة لذلك، الإرشاد إلى الأمر الموجود في اللوح المحفوظ، والمولوي هو تلك الأوامر نفسها الموجودة في اللوح المحفوظ، مثل ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (الجمعة، ٩). أمر ﴿فَاسْعَوْا﴾ في هذه الآية مولوي، لكن هذا المطلب نفسه الذي ينقله النبي في مقام التبليغ ويأمر به، هو مجرد إرشاد إلى ذلك الأمر من الله تبارك وتعالى، وليس أن الأمر المنقول من النبي في رتبة التبليغ والنبوة هو مولوي بنفسه، وأن ما في اللوح المحفوظ مولوي أيضاً. المقام الثاني: الحكومة والسلطنة على الناس. في هذا المقام، كل ما يأمر به النبي والرسول هو من قِبَل نفسه، ولا علاقة له بأمر الله أصلاً. في هذا المقام، قد لا يكون لله أمر في ذلك المجال أصلاً، مثل الأمر بالجهاد عند هجوم الأعداء على أرض الإسلام، وهو أمر مولوي. بالإذعان لهذا المقام، الفرق بين المقام الأول والمقام الثاني هو أنه في المقام الأول حيث يكون النبي في مرتبة التبليغ، تُحمل جميع أوامره على الإرشادية، لأنه لا يقول من عند نفسه وهو ناقل للوح المحفوظ؛ أما في مقام السلطنة والحكومة، فتُحمل أوامره على المولوية؛ أي أن أمر الرسول نفسه واجب الطاعة. المقام الثالث: القضاء. النقطة الجديرة بالاهتمام هي أن مقام القضاء يختلف عن مقام الحكومة. في مقام الحكومة، يُطرح بحث السلطنة والولاية، حيث تكون الولاية على أفراد المجتمع، أما في القضاء، فالقاضي ليس له ولاية على طرفي الدعوى والمراجعين، بل يُطرح فقط بحث فصل الخصومة في باب القضاء. ولهذا، الأمور الحسبية قابلة للدراسة من باب القضاء، لا من باب الولاية والحكومة. بعد بيان هذه المقدمة، يُقال إنه إذا لاحظنا ودرسنا روايات الشيعة وروايات أهل السنة معاً، فإن حديث «لا ضرر» لم يصدر من رسول الله (ص) في مقام القضاء، لأن القضاء يكون حيث يكون للإنسان نزاع وخصومة مع شخص آخر عن طريق شبهة حكمية أو موضوعية. في مسألة «لا ضرر»، سمرة بن جندب والأنصاري لم يكن بينهما نزاع في الشبهة الحكمية، لأنهما كانا يعرفان الحكم، والأنصاري كان يعرف أن التصرف في ملك الغير وقطع شجرة الأنصاري حرام. موضوع القضاء منتفٍ أيضاً في الشبهة الموضوعية، لأن الشجرة لسمرة بن جندب. إذن لم يكن بحث قضاء؛ أي أن رسول الله (ص) لم يصدر «لا ضرر» في مقام القضاء، وكذلك لم يكن من باب مقام التبليغ والنبوة، لأنه في مصادر أهل السنة جاء تعبير «حكم» أو «قضى». ورغم أن هذه التعابير تشير إلى مقام القضاء، لكن بالنظر إلى ما سبق، ليس مقام القضاء. إذن يُحمل على مقام السلطنة؛ أي أن رسول الله (ص) في مقام الحكومة والسلطنة، قال حديث «لا ضرر». إذن «لا ضرر» بمعنى «حرّم الضرر». كما بُيّن، رأى الشيخ الشريعة أن «لا ضرر» نهي بلسان النفي ومعناه حرمة الضرر. معنى الاحتمال الخامس، وهو أن يكون «لا ضرر» حكماً حكومياً، هو حرمة الضرر. فهل هذا المعنى للاحتمال الخامس هو نفسه رأي الشيخ الشريعة؟ الجواب هو أن بين هذين القولين فرقاً واضحاً. طبقاً لبيان الشيخ الشريعة، بيّن رسول الله (ص) «لا ضرر» في مقام التبليغ والنبوة، وفي هذه الحالة، «حرّم الضرر» ليس جزءاً من «ما سنّ النبي»، والرسول يخبر فقط عن الحكم في اللوح المحفوظ، أما طبقاً لبيان حضرة الإمام الخميني، فقد بيّن رسول الله (ص) هذا «لا ضرر» في مقام السلطنة. ولهذا، يصبح حكماً مولوياً، وليس إرشادياً وإخباراً عن اللوح المحفوظ (الخميني، ١٣٨٢، ج٣، ص١١٧).
إشكالات الاحتمال الخامس
الإشكال الأول: إثبات الحكم السلطاني لـ«لا ضرر» بالتمسك بروايات أهل السنة
من القرائن التي أوردها الإمام الخميني لإثبات أن النبي بيّن حديث «لا ضرر» في مقام ومرتبة الحكومة والسلطنة، هو أنه في روايات أهل السنة جاء هذا الحديث بلفظ «قضى» و«حكم»، أي «قضى رسول الله… لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» أو «حكم رسول الله… لا ضرر ولا ضرار في الإسلام». إشكال هذا الاستدلال هو أن هذه القرينة، أي أحاديث أهل السنة التي جاء فيها تعبير «قضى رسول الله…» أو «حكم رسول الله…»، هذه القرينة محل خدش، لأن جميع الأخبار والأحاديث في مورد حديث «لا ضرر» المنقولة عن أهل السنة ضعيفة من حيث السند، وقد أعرض عنها علماء الشيعة. من جهة أخرى، روايات الشيعة في باب حديث «لا ضرر»، التي لا ضعف في سندها، جاء فيها تعبير «قال رسول الله… لا ضرر ولا ضرار في الإسلام»، ومادة «قال» لها ظهور في أن النبي في رتبة ومقام التبليغ. ونتيجة لذلك، هذا الكلام من النبي هو حكم إرشادي يهدي إلى اللوح المحفوظ. ولهذا، إذا أردنا أن نأخذ «لا ضرر» بمعنى النهي عن الضرر، فيجب أن نعتبر نفس احتمال الشيخ الشريعة ونقول إن هذا الحديث جزء من «ما فرض الله على العباد»، لا أن نقول طبقاً للاحتمال الخامس إن هذا الحديث جزء من «ما سنّ النبي» (التبريزي، ١٣٨٧، ج٥، ص٩٤).
الإشكال الثاني: ارتكاب خلافين للظاهر بناءً على الاحتمال الخامس
في حال القول بالاحتمال الخامس، يلزم خلافان للظاهر، وهما: أ: «لا» في حديث «لا ضرر» التي هي للنفي، تُحمل على النهي لتؤدي معنى «حرّم الضرر». ب: «لا» في حديث «لا ضرر» لا تجد معنى؛ لأنه لا معنى لأن يكون الضرر حراماً. على سبيل المثال، إذا جرح شخص جلد يده أو إصبعه بسكين، لا معنى لأن نقول إن جرح اليد هو إضرار وحرام. نعم، طبقاً لهذا الاحتمال، «لا ضرار» يجد معنى، لأن الإضرار يعني إيجاد الضرر، ويمكن القول إن إيجاد الضرر حرام، أما «لا ضرر» بمعنى أن يكون الضرر حراماً، فلا معنى له (التبريزي، ١٣٨٧، ج٥، ص٩٤).
الإشكال الثالث: مسألة التزاحم في الحديث
هذا الحديث لا علاقة له بمقام الحكومة والسلطنة ليكون «لا ضرر» أمراً مولوياً وجزءاً من «ما سنّ النبي». في هذا الحديث، الكلام عن بحث التزاحم. توضيح الكلام هو أن تكليفين وردا على الأنصاري في وقت واحد، وهو في مقام الامتثال لا قدرة له على أداء كلا التكليفين. من جهة، حفظ العرض والناموس لازم عليه، ومن جهة أخرى، التصرف في ملك الغير، أي شجرة سمرة بن جندب، حرام على الأنصاري. وبهذا الترتيب، النبي بما أن في باب التزاحم، الملاك الأقوى مقدم، قدّم الأهم على المهم، وقدّم منع الأذى لمسلم على حفظ ملك شخص، وعلى هذا الأساس أمر بقطع الشجرة. وجه صدور هذه الرواية هو باب التزاحم، ولا علاقة له بالحكم الولائي والحكم الحكومي (التبريزي، ١٣٨٧، ج٥، ص٩٤).
٢-٦. نظرية المرحوم الروحاني
طُرح هذا الاحتمال من قبل المرحوم الروحاني. «لا» في حديث «لا ضرر» لنفي الجنس، ويخبر بأنه لا يوجد ضرر حقيقةً؛ لكن مراد هذا الحديث هو لوازم هذا الخبر، ولوازم هذا الخبر هي: رفع المقتضي وإيجاد المانع. توضيح ذلك في مثال هو أنه إذا جرى سيل وكان زيد قلقاً جداً، وقال له بكر: «لا تقلق، هذا السيل ليس له مقتضٍ لتخريب بيتك (زيد) أصلاً، لأن بجانب منزلك توجد آبار متعددة، والسيل يصب في تلك الآبار ولا يصل إلى بيتك». ولكن أحياناً، لكي يخرج بكر زيداً من القلق، يقول له: «لا تقلق، لأنه رغم أن السيل له مقتضٍ لتخريب منزلك، لكن يوجد مانع أيضاً؛ أي أننا أنشأنا سداً يصطدم به السيل ويقف». من وجهة نظر المرحوم الروحاني، حديث «لا ضرر» هذا، في المكان الذي يكون فيه الحكم الشرعي منشأ للضرر، يرفع مقتضي الحكم. على سبيل المثال، شخص مريض والماء يضره، حديث «لا ضرر» يرفع مقتضي الحكم، أي مقتضي وجوب الوضوء، وعندما يُرفع مقتضي الوجوب، يُرفع حكم الوجوب أيضاً. أما إذا لم يكن الحكم الشرعي منشأ للضرر في مكان ما، مثل الأحكام الترخيصية كالاستحباب والكراهة، فإن حديث «لا ضرر» في هذه الحالات يوجد مانعاً؛ مثلاً في قصة سمرة بن جندب والأنصاري، حيث لا يوجد حكم إلزامي، بل كان لسمرة بن جندب فقط حكم ترخيصي باسم جواز الدخول، وإذا كانت الأحكام الترخيصية منشأ للضرر، فإن حديث «لا ضرر» يوجد مانعاً في ذلك المكان، بأن يجعل الحرمة ويقول إن دخول سمرة حرام. إذن، «لا» هي لا النافية للجنس، وحقيقةً في مقام الإخبار عن نفي جنس الضرر، أي يخبر بأنه لا يوجد ضرر، لكن مراد هذا الإخبار هو بيان لوازم هذا الخبر، وهي: أ. رفع المقتضي في المكان الذي يكون فيه الحكم إلزامياً ومنشأ للضرر. ب. إيجاد المانع في المكان الذي يكون فيه الحكم ترخيصياً ومنشأ للضرر. من وجهة نظر المرحوم الروحاني، هذا الحديث حقيقةً في مقام الإخبار عن نفي جنس الضرر، لكن مراده بيان هذين اللازمين، ويتصور بشكلين: ١. في بعض المصاديق، يوجد كلا اللازمين؛ أي حديث «لا ضرر» في بعض الموارد يرفع المقتضي ويوجد المانع؛ مثلاً استعمال الماء مضر لزيد. حديث «لا ضرر» في هذا المورد يرفع مقتضي الحكم، أي يرفع مقتضي وجوب الوضوء، وعندما يُرفع مقتضي وجوب الوضوء، يرتفع حكم الوجوب أيضاً. لكن بما أنه رفع مقتضي وجوب الوضوء، لكن مقتضي الاستحباب لم يُرفع، ولأنه قد يتوضأ المكلف بسبب هذا الاستحباب ويلحق ضرراً بنفسه، بناءً على هذا، حديث «لا ضرر» بواسطة لازمه الثاني، أي بإيجاد المانع، يمنع هذا الضرر أيضاً بأن يجعل الحرمة للوضوء. إذن في هذا المورد، يوجد كلا لازمي حديث «لا ضرر» معاً. ٢. أحياناً يجري لازم واحد فقط، وهو على نوعين: النوع الأول: يجري لازمه الأول فقط، وهو رفع مقتضي الحكم الإلزامي. مثلاً باب الشفعة من هذا النوع. زيد وبكر شريكان، وزيد يبيع حصته لشخص ثالث. حديث «لا ضرر» في هذا المورد يرفع فقط حكم اللزوم من المعاملة التي وقعت بين زيد وذلك الشخص الثالث. هذا الرفع للزوم من البيع الذي وقع، كافٍ لجبر الضرر الواقع على بكر؛ لأن عقد البيع عندما يخرج عن اللزوم، يجوز فسخه. النوع الثاني: يجري لازمه الثاني فقط، وهو إيجاد المانع، مثل قصة سمرة بن جندب. في هذه القصة، لم يكن هناك حكم إلزامي ليكون منشأ للضرر، وكان يوجد فقط حكم ترخيصي بجواز الدخول لسمرة بن جندب. ولهذا، لأن الحكم الإلزامي غير موجود، حديث «لا ضرر» في هذا المورد يوجد مانعاً فقط، أي يجعل الحرمة ويعلن أن دخول سمرة حرام (الروحاني، ١٤١٣، ج٥، ص٤١٢).
إشكالات الاحتمال السادس
الإشكال الأول: عدم كون حديث «لا ضرر» امتنانياً بناءً على احتمال صاحب منتقى الأصول
أحاديث مثل «لا ضرر» و«لا حرج» هي امتنانية وفي مقام المنّ على العباد. الآن هذا الامتنان يجب أن يجري على جميع المسلمين، أي يرفع العناء والمشقة عن جميع المسلمين، لا أن يرفع المشقة عن فئة ويكون امتنانياً، لكن بالنسبة لفئة أخرى لا يرفع المشقة ولا يكون امتنانياً ويلقي الضرر على عاتقهم. هذا النوع من تفسير حديث «لا ضرر» لا يتوافق مع كونه امتنانياً. وعلى هذا الأساس، حديث «لا ضرر» طبقاً للاحتمال السادس، رفع الضرر عن الأنصاري، لكنه حمّل سمرة بن جندب الضرر، وهذه النتيجة لا تتوافق مع كون حديث «لا ضرر» امتنانياً.
الإشكال الثاني: عدم إفادة «لا ضرر» لرفع المقتضي وإيجاد المانع
طبقاً لأحد الاحتمالات، مراد حديث «لا ضرر» بيان لازمين هما رفع المقتضي وإيجاد المانع. هذا الاحتمال ليس أكثر من ادعاء، لأنه ليس من الواضح من أي جزء من حديث «لا ضرر» يُستفاد هذا الاستظهار. بالإضافة إلى ذلك، هذا الاحتمال السادس هو مزيج من الاحتمال الأول، أي رأي الشيخ الشريعة، والاحتمال الرابع، أي رأي آية الله الخوئي والشيخ الأنصاري. أن يوجد حديث «لا ضرر» مانعاً ويجعل الحرمة، هو نفس كلام الشيخ الشريعة بأن «لا ضرر» يعني «نهي عن الضرر»، وإذا رفع حديث «لا ضرر» المقتضي ورفع الحكم الضرري، فهو نفس رأي الشيخ الأنصاري وآية الله الخوئي.
الإشكال الثالث: عدم إيجاد حكم بواسطة «لا ضرر»
حديث «لا ضرر» مثل حديث «لا عسر ولا حرج في الدين» هي أحاديث امتنانية، والأحاديث الامتنانية نافية للحكم فقط، أي يمكنها فقط رفع الحكم، وليست مثبتة للحكم ولا يمكنها جعل حكم. إذن حديث «لا ضرر» يرفع الحكم المشق، لكنه لا يمكن أن يكون جاعلاً للحكم. خلافاً لهذا المبدأ المهم، حديث «لا ضرر» طبقاً للاحتمال السادس، أصبح جاعلاً للحكم أيضاً؛ لأن أحد لازمي هذا الحديث هو إيجاد المانع وجعل الحرمة.
الإشكال الرابع: وجود حكم إلزامي في قصة سمرة
بناءً على رأي المرحوم الروحاني، في قصة سمرة بن جندب، لا يوجد أي حكم إلزامي ليكون منشأ للضرر، ويوجد فقط حكم ترخيصي، أي جواز دخول سمرة. إذن حديث «لا ضرر» في هذه القصة له لازم واحد فقط وهو إيجاد المانع وجعل الحرمة. وفي الجواب يقال إنه في نفس قصة الأنصاري وسمرة، لدينا حكم إلزامي وهو حرمة التصرف في مال الغير، الذي شغل ذمة الأنصاري في فرض قطع الشجرة.
٢-٧. الاحتمال السابع: رأي هذه المقالة
منشأ ومأخذ هذا الاحتمال السابع هو نفس الاحتمال الرابع الذي طرحه الشيخ الأنصاري وآية الله الخوئي، ولكن أُدخل عليه تعديل وتوسيع لدفع الإشكالات الواردة عليه. توضيح الاحتمال السابع هو أنه حدث خلط لدى القائلين بالاحتمال الرابع، وهو أنهم تصوروا أن الأحكام الإلزامية مثل الوجوب والحرمة يمكن أن تكون منشأ للضرر، أما الأحكام الترخيصية فلا يمكن أن تكون منشأ للضرر أبداً. هذا التصور خاطئ، لأن الأحكام الترخيصية يمكن أن تكون منشأ للضرر أيضاً. توضيح الكلام هو أنه في الأحكام يوجد جانبان: أحدهما بالنسبة للمكلف نفسه وصاحب الحكم، والآخر بالنسبة للمحيطين والآخرين. إذا نُظر إلى الأحكام الترخيصية مثل الاستحباب و… بالنسبة للشخص المكلف، فلا تكون منشأ للضرر أبداً، لأن المكلف يستطيع إذا كان الوضوء المستحب يضره ألا يتوضأ. من جهة أخرى، إذا نُظر إلى نفس الحكم الترخيصي الذي جعله الشارع للمكلف، بالنسبة للآخرين، يتضح أن الحكم الترخيصي يمكن أن يكون منشأ للضرر أيضاً. على سبيل المثال، في نفس قصة سمرة – بفرض عدم وجود حكم إلزامي ووجود حكم ترخيصي فقط باسم جواز دخول سمرة بن جندب – حكم الجواز هذا، الذي هو ترخيص، ليس منشأ للضرر بالنسبة لسمرة نفسه، لكنه منشأ للضرر بالنسبة للأنصاري. إذن ثبت أن الأحكام الترخيصية يمكن أن تكون منشأ للضرر أيضاً. الآن بعد أن اتضح أن الحكم الترخيصي له قابلية أن يكون منشأ للضرر، يمكن القول إن مفاد حديث «لا ضرر» هو أنه يريد رفع منشأ الضرر، ومنشأ الضرر هو حكم الشارع، سواء كانت أحكاماً إلزامية أو أحكاماً ترخيصية، إذن حديث «لا ضرر» في مقام بيان نفي منشأ الضرر، أي نفي الحكم الضرري في مقام التشريع. يجب الانتباه إلى أن هذه النظرية السابعة هي نفس الاحتمال الرابع الذي طرحه الشيخ الأنصاري وآية الله الخوئي، لكنهما حصرا الحكم الضرري في الأحكام الإلزامية. ولهذا، أورد البعض إشكالاً بأنه إذا أخذنا الحديث على هذا الاحتمال الرابع بأنه في مقام نفي الحكم الإلزامي، فإنه لا يشمل مورده الخاص وقضية سمرة بن جندب، لأنه في ذلك المورد لا يوجد حكم إلزامي، بل يوجد فقط حكم ترخيصي باسم جواز دخول سمرة بن جندب؛ ولكن بالنظرية المبيّنة في هذه المقالة، الحكم الضرري أعم من الإلزامي، وبهذا التوسيع الذي أُعطي للاحتمال الرابع، تُدفع هذه الإشكالات أيضاً، وعندما يمكن للحكم الترخيصي أن يكون منشأ للضرر، مثل جواز دخول سمرة بن جندب، يُدفع طبقاً لمفاد حديث «لا ضرر».
النتيجة
السؤال المحوري في هذا التحقيق هو: هل قاعدة «لا ضرر» تقتصر على نفي الحكم الإلزامي، أم أنها تشمل الأحكام الإباحية أيضاً؟ هذه الدراسة، ضمن نقد المباني المطروحة في قاعدة «لا ضرر» وباستخدام القرائن الموجودة في مستنداتها، أثبتت نظرية دلالة قاعدة «لا ضرر» على مسألة التزاحم، لأنه في حديث سمرة المشهور، يوجد حكمان شرعيان في ظرف امتثال الحكم، وبناءً على تقديم العرض والشرف على الأموال، حكم رسول الله (ص) بمنع التصرف في قطع نخلة سمرة وجواز دخولها إلى فناء الأنصاري، وأثبت ملكية الأنصاري لمنزله وحريمه. بناءً على هذه النظرية، يتوسع رأي المشهور القائم على دلالة قاعدة «لا ضرر» في الأحكام الإلزامية، ويصح أيضاً تطبيق قاعدة «لا ضرر» في الأحكام الترخيصية.
المصادر
* القرآن الكريم
١. ابن منظور، جمال الدين محمد بن مكرم (١٤١٤ق). لسان العرب، چاپ سوم، بیروت: دار الفكر للطباعة والنشر و التوزیع دار صادر.
٢. اصفهانی، محمد حسین (١٤٢٩ق). نهاية الدراية في شرح الكفاية، چاپ دوم، بیروت: موسسه آل البیت (ع) لاحیاء التراث.
٣. انصاری، مرتضی (١٤٢٨ق). فرائد الأصول، چاپ نهم، قم: مجمع الفكر اسلامي.
٤. آخوند خراسانی، محمد کاظم (١٤٠٩ق). كفاية الأصول، چاپ اول، قم: موسسة آل البیت (ع).
٥. تبریزی، جواد (۱۳۸۷ش). دروس فی مسائل علم الأصول، چاپ دوم، قم: دار الصدیقة الشهیدة (ع)، موسسه آل البیت (ع).
٦. جوهری، اسماعیل بن حماد (١٤١٠ق). الصحاح-تاج اللغة وصحاح العربیة، چاپ اول، بيروت: دار العلم للملایین.
٧. خویی، ابوالقاسم (١٤٢٢ق). مصباح الأصول، چاپ اول، قم: طبع موسسة إحیاء آثار السید الخويي.
٨. روحانی، محمد (١٤١٣ق). منتقى الأصول، چاپ اول، قم: دفتر آیت الله سید محمد حسینی روحانی.
٩. اصفهانی، فتح الله (١٤١٠ق). قاعدة لا ضرر، چاپ اول، قم: دار الفکر.
١٠. حر عاملی، محمد (١٤٠٩ق). وسائل الشيعة، چاپ اول، قم: دفتر انتشارات اسلامی.
١١. فراهیدی، خلیل بن احمد (١٤١٠ق). کتاب العین، چاپ دوم، قم: نشر هجرت.
١٢. موسوی خمینی، روح الله (۱۳۸۲ش). تهذيب الأصول، با تقرير جعفر سبحانی، چاپ اول، قم: موسسه تنظیم و نشر آثار امام خمینی.