تبيين الرؤى النقدية للإمام الخميني (قدس سره) في استعمال المنهج الفلسفي في علم الأصول

الملخص

إنّ نمو كل علم، بما في ذلك علم الأصول الذي يعد من أهم أدوات الاستنباط، يتطلب، بالإضافة إلى الإبداع، نقداً وإصلاحاً مستمراً لذلك العلم. ولا يتيسر الإبداع ونقد العلم إلا بالتحرك على أساس مبانيه المنهجية. ومن معضلات علم الأصول في القرنين الأخيرين خلط منهج البحث في الفلسفة، بوصفها علماً حقيقياً، مع منهج البحث في علم الأصول بوصفه علماً اعتبارياً. ويُعد حضرة الإمام الخميني من الأصوليين الذين تصدوا بكل قوة لنقد هذا الخلط الخاطئ منهجياً. وقد استقرأ هذا البحث جميع الآثار الأصولية للإمام (التي تشمل أربعة عشر مجلداً من مؤلفاته المكتوبة بخط يده وتقريرات تلامذته)، وجمع انتقاداته في هذا المجال، وحدد في تحليل إحصائي أن نقد الإمام في هذه المسألة يتجه نحو المرحوم الآخوند الخراساني. كما تم في هذا البحث تبيين الأسس النظرية للنموذج المنهجي المذكور، والإجابة عن بعض الإشكالات الواردة عليه في هذا الموضوع.

المقدمة

تُعدّ المنهجية العلمية من أهم أسرار نمو العلم وتقدمه وإصلاحه وترميمه؛ ذلك أن الحوارات النقدية والجهود الإبداعية التي تضمن تطور كل علم وإصلاح أخطائه لا تكون منطقية إلا في سياق منهجي. ومن جهة أخرى، لكل علم أدواته ومنهجه الخاص في الاستدلال، وعلم الأصول ليس استثناءً من هذه القواعد والإجراءات. ومن معضلات المنهجية في هذا العلم خلال المئتي سنة الأخيرة، لجوء بعض الأصوليين ذوي الذوق الفلسفي إلى استخدام المنهج الفلسفي وتسرية التحليلات الفلسفية أو التحليلات القائمة على المنهج الفلسفي إلى علم الأصول، والحال أن منهج الفلسفة هو منهج برهاني-عقلي، أما منهج علم الأصول فهو منهج عرفي-عقلائي؛ لأن علم الأصول هو علم تحليل الخطابات الشرعية، ويجب أن يرتكز على قواعد المحاورة وقوانين تحليل اللغة.

كثير من كبار علماء الأصول انتقدوا هذا الوضع، ولكن حتى الآن لم يُجرَ تحليل شامل يجمع هذه الانتقادات في جميع أبواب علم الأصول، ليس بالضرورة من وجهة نظر جميع النقاد، ويوضح الأسس النظرية لهذا المنهج النقدي ويرفع الإشكالات الواردة عليه وموارده. وبما أن حضرة الإمام الخميني من كبار رواد هذا النموذج النقدي، وقد دخل تلامذته أيضاً في هذه المباحث متأثرين به، فقد كُتب هذا البحث بهدف تبيين وتحليل رؤى الإمام في هذه المسألة، للإجابة عن سؤال حول ماهية الرؤى النقدية للإمام الخميني في استعمال المنهج الفلسفي في علم الأصول. وفي هذا السياق، يسعى البحث أولاً إلى تبيين الأسس النظرية لهذا التوجه، وثانياً إلى تصنيف هذه الرؤى وتقديمها دفعة واحدة، وثالثاً إلى الإجابة عن بعض الإشكالات الواردة على الإمام من منظور منهجي، لتقديم رؤية من منظور منهجي في طريقة تحقيق وتحليل ونقد الأصول في المحصلة النهائية لهذه الإنجازات الثلاثة.

منهج البحث في هذا البحث هو استقرائي، مع الاستفادة من المنهج الوثائقي. يشمل الاستقراء المذكور جميع الآثار الأصولية للإمام؛ أي أربعة عشر مجلداً، تتضمن سبعة مجلدات من مباحثه الأصولية التي كتبها بيده، ودورتين من تقريرات مباحثه الأصولية التي أعدها تلامذته الكبار في سبعة مجلدات (تهذيب الأصول في ثلاثة مجلدات، وجواهر الأصول في أربعة مجلدات).

الأسس المفهومية (المنهج الفلسفي والمنهج الأصولي)

كلمة “روش” (منهج) هي اسم مصدر، وتعني في اللغة “فعل الذهاب” (معين، ١٣٨٣: ج٢، ص ١٦٩٠)، وكيفية أداء عمل ما، وكذلك قاعدة لدراسة عمل أو شيء بشكل منهجي (أنوري، ١٣٨١: ج٤، ص ٣٧٣٧).

المنهج الفلسفي هو المنهج الذي يستفيد من البرهان العقلي بالمعنى الخاص لهذه الكلمة. البرهان العقلي في المصطلح المنطقي والفلسفي يختلف عن البرهان بمعناه العام، أي الاستدلال. وللتوضيح، فإن أحد مباحث علم المنطق هو بحث صورة القياس وأقسامه من الاقتراني والاستثنائي، ومبحث آخر في هذا العلم هو بحث مادة القياس. وفي هذا المبحث، يُقسّم القياس حسب المادة إلى خمسة أقسام: البرهان، الجدل، الخطابة، الشعر، والمغالطة. يرى المناطقة أن مادة البرهان هي الضروريات (البديهيات) التي هي وسيلة لكسب اليقين وأنواع النظريات اليقينية، وهي ست قضايا: الأوليات، الفطريات، الحسيات، التجريبيات، المتواترات، والحدسيات اليقينية (السبزواري، ١٣٧٩: ج١، ص ٣٢٤ – ٣٤٢).

علم الأصول لا يستفيد أبداً من المنهج البرهاني بالمعنى المذكور، بل إن منهج علم الأصول هو منهج عرفي-عقلائي (الطباطبائي، د.ت: ج١، ص ١٤-١٥). في هذا المنهج يسود التسامح، وبالطبع هذا التسامح لا يعني عدم الدقة، بل يعني الابتعاد عن الدقة العقلية الفلسفية (الإمام الخميني، ١٣٨١: ص ٢١٩). تبحث قضايا علم الأصول في الأمور الاعتبارية؛ لأن محورها الأساسي هو “ما ينبغي أن يكون”، وليس “ما هو كائن”، وإلزاماتها ليس لها أي علاقة سببية. المقصود بالاعتباري هو المعاني التصورية والتصديقية التي لا وجود لها إلا في وعاء العمل والإدراك لدينا؛ مثل الرئاسة والملكية والزوجية، وفي الخارج لا يوجد سوى الإنسان، لا هذه الأمور التي صُنعت في ذهنه لإدارة شؤونه (الطباطبائي، ١٤١٤: ص ٢٥٦-٢٥٩).

نظراً للفرق بين المنهجين الفلسفي والأصولي، يرى الإمام الخميني أن المباحث العقلية والفلسفية مفيدة في التعاليم المتعلقة بالمعارف الإلهية في الكتاب والسنة، لكنه يعتقد في العلوم الفقهية والأصولية أن معطيات ومخرجات هذه العلوم تتمحور حول الإفهام الشائع والمعاني البسيطة لدى عامة الناس. ولهذا السبب، يجب على الفقيه أن يكون مأنوساً بالمحاورات العرفية (الإمام الخميني، ١٤٢٣: ج٣، ص ٥٦٨-٥٦٩). ويرى سماحته أن شرط الاجتهاد هو الأنس بالمحاورات العرفية وتجنب الدقائق العقلية والفلسفية، ويشكو من خلط المباحث الفلسفية بالعلوم الاعتبارية كالفقه والأصول التي يقوم عليها فهم الكتاب والسنة (الإمام الخميني، ١٤٢٦: ص ٩-١٠). وبناءً على هذا الأصل المنهجي، ينتقد الإمام في مواضع متعددة الأصوليين لخلطهم بين الأحكام الحقيقية والأمور الاعتبارية (الإمام الخميني، ١٤٢٣: ج١، ص ٣١٨ و٤٨٨؛ نفسه، ١٣٨١: ص ٢١٩-٢٢٠). ونظراً لأهمية خلط الحقيقة والاعتبار، يرى الإمام أن المنشأ الوحيد للأخطاء العلمية في العلوم الاعتبارية هو خلط الحقيقة والاعتبار. (نفسه، ١٤٢٣: ج١، ص ٣١٨-٣١٩). وبالطبع، فإن تعبير “المنشأ الوحيد للخطأ” هو من منظور معرفي، حيث يمكن اعتبار أن وجه التمايز الكامل بين المنهج الفلسفي والمنهج الأصولي يكمن في حقيقية الأول واعتبارية الثاني، وإلا فإن خلط هذين المنهجين من منظور منهجي له أبعاد متنوعة، وفي هذا البحث، يُقصد المعنى الثاني الأكثر عمومية وشمولاً.

وبالطبع، يجب الانتباه إلى أن الغرض من هذا البحث ليس رفض استخدام المنهج العقلي في علم الأصول؛ إذ يُستخدم العقل في منهج علم الأصول، ولكن هذا لا يعني استخدام البراهين العقلية الرياضية والفلسفية، بل المقصود هو السعي العقلي للوصول إلى الأحكام الشرعية (السبحاني، ١٤١٥: ج١، ص٥)، وكما سيُقال في الأسس النظرية، فإن العقل نفسه يحكم باستخدام المناهج العقلائية للاستدلال الاعتباري في علم الأصول؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (إبراهيم: ٤)، والأمر والنهي (الخطاب) الذي هو موضوع بحث علم الأصول، هو المصداق المتيقن من “لسان قومه”، وهو نفس اللغة العرفية للناس في محاوراتهم. ولهذا السبب، فإن الدقة الفلسفية المطروحة في العلوم العقلية ليست ضرورية على الإطلاق في الفقه والعلوم المرتبطة به، بل هي مضرة للاجتهاد الصحيح الذي هو تفريع الفروع على الأصول في المباحث الفقهية (الاشتهاردي، ١٤١٧: ج١، ص ١٢٥).

خلفية التحليلات الفلسفية في علم الأصول

يعتقد المرحوم البهبهاني أن المحقق الخوانساري (السيد حسين) في كتاب “مشارق الشموس في شرح الدروس” كان من أوائل من أدخل الدقائق الفلسفية والعقلية إلى علم الأصول، واستمرت هذه المباحث في هذا العلم (البهبهاني، ١٤١٥: ص ٣٩-٤٠). بعده، يمكن الإشارة بشكل خاص إلى شخصيتين أخريين في هذا الخلط المنهجي: الأولى، المرحوم الآخوند الخراساني، والثانية، تلميذه البارز المرحوم المحقق الأصفهاني. يعتقد المرحوم العلامة الحاج آقا بزرگ، من تلامذة الآخوند الخراساني، أن الآخوند أدخل الفلسفة إلى علم الأصول أكثر من سابقيه مثل صاحب الفصول والشيخ الأنصاري.

عارض بعض فقهاء القرنين الأخيرين بشدة دخول التحليلات العقلية إلى علوم الفقه والأصول، لدرجة أنهم قالوا إن الفقيه لا ينبغي أن يكون له أنس بالمباحث العقلية (النراقي، د.ت: ص ٢٦٨-٢٦٩)، لكن المرحوم النراقي رفض هذا القول وأعاد صياغته بشكل منطقي وبمنهجية. وفي إعادة الصياغة هذه، يؤكد على أن المهم هو عدم استخدام المنهج العقلي-الفلسفي والرياضياتي وأمثالها في الفقه، وليس عدم الأنس بهذه المناهج (النراقي، د.ت: ص ٢٦٩).

بعد المرحوم الآخوند، أورد بعض تلامذته إشكالات على بعض التحليلات الفلسفية لأستاذهم، لكن شخصين في العصر الحاضر بينا هذه الانتقادات بشكل علمي وموسع: الأول، المرحوم العلامة الطباطبائي، الذي قدم خدمة عظيمة في تبيين ورد هذا الخلط المنهجي من خلال تدوين وإنتاج نظرية الاعتبار وتطبيقها في حاشيته على “كفاية الأصول”، ولم يقدم أحد نظرية الاعتبار وأبعادها مثله؛ الثاني، حضرة الإمام الخميني، الذي نقد بشكل جدي وأوسع من المرحوم العلامة موارد دخول التحليلات الفلسفية إلى علم الأصول، والتزم هو نفسه منهجياً بهذا المبدأ في إنتاج أفكاره الأصولية الجديدة.

الخلط المنهجي في مباحث مقدمات الألفاظ

يتناول هذا القسم من المقال تبيين موارد انتقاد حضرة الإمام لخلط الحقيقة والاعتبار في علم الأصول في المباحث التمهيدية لهذا العلم. وقد طُرحت المباحث في هذا القسم حسب عناوين مباحث علم الأصول.

١. لزوم وجود موضوع لكل علم

يعتقد الأصوليون، تبعاً للمناطقة والفلاسفة، أن كل علم يجب أن يكون له موضوع خاص (الحائري الأصفهاني، ١٤٠٤: ص ١٠؛ نفسه، ١٤٢٩: ج١، ص ١١٤-١١٥). وقد تمسك الآخوند الخراساني في بيان ضرورة وجود موضوع لكل علم بالقاعدة الفلسفية “الواحد”؛ لأنه طبقاً لقاعدة الواحد، فإن الواحد يصدر دائماً من الواحد، ومن الواحد لا يصدر إلا واحد (السبزواري، ١٣٦٩: ج٢، ص ٤٦٦). ويقول الآخوند طبقاً لهذه القاعدة: إذا لم يكن للعلم موضوع خاص، فكيف يمكن الحصول على غرض واحد لهذا العلم من مسائله المتشتتة؟ ويستنتج أنه يجب إيجاد جامع بين هذه المسائل المختلفة ليترتب عليه الغرض الواحد (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩: ص ٨).

يعتقد المرحوم الإمام الخميني، في نقد رأي المرحوم الآخوند، أن من لديه أدنى اطلاع على العلوم العقلية يعلم أن هذه القاعدة خاصة بالواحد البسيط الحقيقي، ولا تسري في العلوم التي لها وحدة اعتبارية (الإمام الخميني، ١٤٢٣: ج١، ص ١٤-١٥). وتوضيح ذلك أن الواحد البسيط الحقيقي هو الله تعالى الذي له وحدة حقة حقيقية ذاتية، والواحد الذي صدر منه هو الصادر الأول الذي له وحدة حقة حقيقية ظلية، وسيأتي مزيد من التوضيح في هذا المجال في بحث “تبيين حقيقة التخيير”.

٢. تبيين مفهوم «الذاتي» في تعريف موضوع العلم

قبل المرحوم الآخوند، قال الأصوليون، تبعاً للمناطقة والفلاسفة، في بداية كتبهم في تعريف موضوع العلم: “هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية”، وفسروا العوارض الذاتية بمعنى الذاتي في باب البرهان (الحائري الأصفهاني، ١٤٠٤: ص ١٠؛ نفسه، ١٤٢٩: ج١، ص ١١٤-١١٥). وقد اتبع المرحوم الآخوند أيضاً هذا النهج في هذه المسألة (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩: ص ٧).

وقد استدل حضرة الإمام في هذه المسألة بردٍّ على الآخوند، وهو استدلال يبتني على هذه النظرة النقدية والمنهجية بأن الأحكام الخمسة ليست من سنخ الموضوعات القابلة للتحليل الفلسفي؛ لأنها ليست أعراضاً أصلاً (الإمام الخميني، ١٤٢٣: ج١، ص ١٤). ومقصود سماحته من كونها ليست أعراضاً هو أن هذه الأحكام خارجة عن سنخ الكونيّات والحقائق الفلسفية، وفي الحقائق الفلسفية يُقسّم ما سوى الله إلى قسمين، أي الجوهر والعرض. وتوضيح أن الأحكام الخمسة ليست من سنخ الحقائق القابلة للتحليل الفلسفي سيأتي في المباحث القادمة.

٣. الصحيح والأعم (الوحدة الجامعة)

يكتب المرحوم الآخوند في بحث تصوير الجامع لقول الصحيحي: “لا شك أن هذا الجامع قابل للتصوير؛ إذ يمكن الوصول من وحدة الأثر إلى وحدة المؤثر” (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩: ص ٢٤). وقد استدل في ذلك بالقاعدة الفلسفية “الواحد لا يصدر إلا من الواحد” (التي هي ملازمة لقاعدة “الواحد لا يصدر منه إلا الواحد”).

ويشكل حضرة الإمام الخميني على سماحته بأن التمسك بالواحد في هذه المسألة ليس صحيحاً؛ لأن هذه القاعدة خاصة بالواحد المطلق الذي لا تشوبه شائبة كثرة، ولا يمكن تصور كثرة فيه عقلاً ووهماً، ولا تشمل أموراً كالصلاة التي لها وحدة اعتبارية (الإمام الخميني، ١٣٧٦: ج١، ص ٢٨٧. كذلك راجع: نفسه، ١٤٢٣: ج١، ص ١٠٢-١٠٣؛ نفسه، ١٤١٥: ج١، ص ١٤٨-١٤٩). وسيأتي مزيد من التوضيح في هذا المجال في بحث “تبيين حقيقة التخيير”.

٤. الفرق بين المشتق والمبدأ

يعتقد معظم الأصوليين في بحث الفرق بين المشتق والمبدأ أن هذا الفرق هو نفس الفرق بين الجنس والفصل مع المادة والصورة. وتصوير المسألة هو أن المشتق “لا بشرط”، ومن هذه الجهة هو مثل الحيوان والناطق اللذين هما جنس وفصل الإنسان، ولذلك يُحملان على بعضهما البعض ونقول: “بعض الحيوان ناطق”. أما المبدأ فهو “بشرط لا”، ولذلك لا يُحمل؛ فالجنس يختلف عن المادة، والفصل يختلف عن الصورة. المرحوم الآخوند والمحقق النائيني من الأصوليين الذين يصرحون بأننا قلنا هذا الكلام تبعاً لأهل المعقول (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩: ص ٥٥؛ النائيني، ١٣٧٦: ج١، ص ١٠٦). والجدير بالذكر أن الفلاسفة يتفقون عادة على هذه المسألة، أي الفرق بين الجنس والفصل مع المادة والصورة (صدر المتألهين، ١٣٦٠: ص ٤٣).

يعتقد حضرة الإمام الخميني أن هذا الفكر هو خلط بين المنهج الفلسفي والفهم العرفي؛ لأن تفسير المشتق يكون بالعرف والذهن العرفي البسيط، لا بالبرهان الفلسفي (الإمام الخميني، ١٤٢٣: ج١، ص ١٧٥).

٥. الاستدلال على وضع المشتق لخصوص المتلبس

تمسك البعض في هذه المسألة بوجوه عقلية لإثبات أن المشتق حقيقة في خصوص المتلبس، ومجاز في الأعم. ومن أدلة الآخوند على وضع المشتق للمتلبس بالمبدأ في الحال، صحة سلب المشتق عمن انقضى عنه المبدأ. وهنا يرد إشكال على هذا الدليل، حيث أجاب عنه الآخوند بتحليل فلسفي والتفريق بين قيد السلب وقيد المسلوب، وقال إن سلب المعنى المقيد لا يدل على سلب المعنى المطلق (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩: ص ٤٧).

وقد قال حضرة الإمام إن هذا البحث هو بحث لفظي، وبالتالي فإن طريقة إثباته هي التبادر، لا التحليل العقلي (الإمام الخميني، ١٤١٥: ج١، ص ٢١٥). التبادر هو إحدى طرق كشف معاني الألفاظ التي تُبحث في علم الأصول.

الخلط المنهجي في مباحث الألفاظ

يتناول هذا القسم من المقال تبيين موارد انتقاد حضرة الإمام لخلط الحقيقة والاعتبار في علم الأصول في مباحث القسم الأول من هذا العلم. وتُطرح المباحث في هذا القسم أيضاً حسب عناوين مباحث علم الأصول.

١. ظهور الأمر في الوجوب

اعتقد المحقق الحائري في أواخر عمره أن العلل التشريعية تشبه تماماً العلل التكوينية، وهذا المبدأ وهذه النظرة كان لهما تأثير كبير في أصوله بل وفي مباحثه الفقهية. وبناءً على هذا المبدأ، قال ذلك المرحوم في علم الأصول ببحث الفور والتراخي بالفورية، وفي بحث التعبدي والتوصلي بأصالة التعبدية، وفي بحث ظهور الأمر بظهوره في الوجوب، وفي بحث تداخل الأسباب بعدم التداخل، وقد رد المرحوم الإمام هذه النتائج برده لذلك المبدأ. وسيتم بحث هذه الموارد في تتمة المقال. وبناءً على هذا المبدأ، أي قياس العلل التكوينية والتشريعية، يعتقد في بداية بحث الأوامر أن الأمر ظاهر في الوجوب، وعلة هذا الظهور هي أن الإرادة التي تكمن وراء الأمر طالبة للوجوب، والندب يحتاج إلى قيد زائد (الحائري اليزدي، ١٤١٨: ص ٧٤).

يقول حضرة الإمام إن القيد الزائد ونفيه لعدم وجوده هو بحث لفظي يتعلق بالتعريف اللفظي لهاتين الإرادتين، أما الإرادة الإيجابية والندبية فهما حقيقتان تكوينيتان، والنسبة بينهما ليست نسبة القيد والمقيد، بل هما حقيقتان بسيطتان. لذا، لا معنى لتقييد تحقق الإرادة بقيد الرخصة في الترك لنستحصل الندب (الإمام الخميني، ١٣٧٨: ص ١٨٨).

٢. الفور والتراخي

قال المحقق الحائري في بحث الفور والتراخي، مثل الآخوند، إنه لا يُستفاد أي من الفور والتراخي من متن لفظ الأمر، لكنه في أواخر عمره الشريف، وبناءً على المبدأ المذكور في المبحث السابق، اعتقد أن الأمر وإن لم يدل على الفورية من حيث اللحاظ والتقييد، إلا أن الفورية من لوازم الأوامر، ولهذا السبب اعتبر الأصل في قضاء الصلوات هو المضايقة (الحائري اليزدي، ١٤٠٤: ص ٥٧٣).

يقول حضرة الإمام في الرد عليه إن العلل التكوينية بشكل عام لا يمكن أن تؤثر في زمن متأخر عن وجودها؛ لأن الزمان من أبعاد الوجود المادي، وما لم يأتِ الزمان، فلن يتحقق ما فيه. أما العلل التشريعية فليست كذلك. لذا، يمكن الأمر بماهية مطلقة وفارغة عن الفور والتراخي (الإمام الخميني، ١٣٧٨: ص ١٨٦. كذلك راجع: نفسه، ١٤٢٣: ج١، ص ٢٤٥).

٣. التعبدي والتوصلي: مطابقة العلل التشريعية والتكوينية

في بحث التعبدي والتوصلي، يُبحث فيما إذا كان الأصل عند الشك هو التعبدية أم التوصلية. كان المرحوم المحقق الحائري اليزدي، أستاذ حضرة الإمام الخميني، يعتقد أن الأصل هو التوصلية، لكنه في أواخر عمره تراجع عن هذا الفكر واعتقد أن العلل التشريعية تشبه تماماً العلل التكوينية، وأن جميع مقتضيات العلل التكوينية مثل تكثر المعلول بتكثر العلة وعدم انفكاك المعلول عن العلة، تجري بدقة أيضاً في العلل التشريعية. وبناءً على هذا المبدأ ومبدأين آخرين، وهما تعلق الأوامر بالماهية الكلية اللابشرطية والانطباق القهري لمتعلق الأمر على الماهية المقيدة بقيد قصد الأمر لضيقها الذاتي، يقول: كما أن النار كعلة طبيعية لا تؤثر في مطلق المحترق ولا في المحترق المقيد بـ”المحترق من جهة النار”، ولكن في التحقق الخارجي، لا يحترق إلا المحترق من جهة النار، ففي الأوامر الشرعية أيضاً، يوجد قيد داعي الأمر كقيد لُبّي؛ وإن لم يكن قابلاً للأخذ في متعلق الأمر (الإمام الخميني، ١٤١٥: ج١، ص ٢٧٥-٢٧٦).

وقد قال حضرة الإمام في الرد عليه إن مقارنة العلل التشريعية بالتكوينية خاطئة من الأساس؛ لأنه في التكوين، لا يوجد المعلول إلا بوجود علته، أما في العلل التشريعية، فعندما يأمر شخص بشيء، لا تكون للأمر كعلة وذلك الشيء كمعلول هذه الأحكام؛ لأن هذا المعلول رتبته متقدمة على العلة؛ إذ يجب على الآمر أن يتصور ذلك الشيء كمتعلق بجميع قيوده (نفسه، ١٤٢٣: ج١، ص ٢٢٧؛ كذلك راجع: نفسه، ١٤١٥: ج١، ص ٢٧٦-٢٧٧ وص ١٧٢).

٤. مقدمة الواجب: رجوع القيد في الواجب المشروط إلى الهيئة أو المادة

من مباحث الألفاظ في علم الأصول بحث مقدمة الواجب، وهو من مباحث هذا القسم، ومن تقسيمات الواجب تقسيم الواجب إلى مطلق ومشروط. في هذا المبحث، تُطرح مسألة ما إذا كانت القيود والشروط في الواجب المشروط تعود إلى الهيئة أم إلى المادة (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩: ص ٩٥). في الجواب، يقبل معظم الأصوليين أن الظهور العرفي في عودة القيد إلى الهيئة؛ مثلاً، في قضية “إن جاءك زيد فأكرمه”، وجوب الإكرام مقيد بمجيء زيد. لكن المرحوم الشيخ الأنصاري يعتقد أنه لوجود محذور عقلي، يجب التخلي عن هذا الظهور وإرجاع القيد إلى الوجوب، بل إلى المادة، أي الواجب؛ بمعنى: إذا جاء زيد، فإن الإكرام هو متعلق الواجب، لا أن الوجوب نفسه معلق على مجيء زيد؛ لأن الهيئة من المعاني الحرفية الجزئية، فلا سعة لها ولا إطلاق، بل هي فرد، وما هو فرد فهو متشخص بنفسه، وتقييده لا معنى له (الشيخ الأنصاري، ١٣٨٣: ج١، ص ٢٣٦-٢٣٧).

اعتبر الإمام الخميني كلام الشيخ هذا خلطاً بين الأحكام الاعتبارية الأصولية والحقيقية الفلسفية؛ لأنه في العلوم الاعتبارية لا إشكال في أن يصدر الآمر أمره معلقاً (الإمام الخميني، ١٤٢٣: ج١، ص ٣١٨-٣١٩).

وقد أورد آية الله مكارم إشكالاً على كلام حضرة الإمام بأنه على الرغم من أن الخلط بين الأحكام الحقيقية والاعتبارية يسبب إشكالات كثيرة في الفقه والأصول، إلا أن هذا لا يعني عدم وجود أي قانون على الإطلاق في الاعتباريات؛ لأن ما هو من الأمور الاعتبارية المحضة هو “المعتَبَر”، أما “الاعتبار” نفسه فهو أمر تكويني ويخضع لقوانينه، وهنا أيضاً الكلام في إيجاد الاعتبار الذي لا معنى لتعليقه على شيء (مكارم، ١٤١٥: ج١، ص ٣٥٧-٣٥٨).

ولدى الأستاذ السبحاني في موضوع مشابه بيان يمكن أن يكون جواباً مجملاً على رأي آية الله مكارم: المعتَبَر لا ينفصل عن الاعتبار (السبحاني، ١٤٢٤: ج١، ص ٤٦٦)، لكنه لم يفصل لماذا لا ينفصل المعتَبَر عن الاعتبار.

في تأييد كلام الأستاذ السبحاني والإمام ونقد كلام آية الله مكارم، يمكن القول: أولاً، حيثية الوجود الوهمي في الأمر الاعتباري تقتضي ألا يخضع للقوانين التكوينية، والمقياس العقلي الوحيد الذي يُستخدم في الاعتباريات هو لغوية وعدم لغوية الاعتبار، وبالطبع يجب في هذا الصدد مراعاة خصوصية المعتَبِر (المطهري، ١٣٨٠: ج٦، ص ٤٠٢). ثانياً، لم يتطرق آية الله مكارم إلى بيان كيفية ارتباط التكوين والاعتبار، لكن المرحوم العلامة كان واعياً لهذا الارتباط في نظرية الإدراكات الاعتبارية، وبينه في قالب المنشئية: الاعتبار ليس محضاً بلا حقيقة؛ مثلاً، عندما نشرب الماء، نلاحظ أولاً من جهاز التغذية صورة حسية للعطش، وبعد ذلك، يتجلى فينا طلب الارتواء، ونستخدم نسبة الوجوب واللزوم بيننا وبين الارتواء. وبما أن هذا الأثر، أي إزالة العطش، نعرفه بالتجربة أو بالتعلم من الآخرين في الماء، فإننا نعطي صورة المطلوب والمرتوي للماء، وبعد ذلك، نضع نسبة الوجوب بيننا وبين حركة خاصة يمكن أن تؤمن شرب الماء، وفي هذه اللحظة، تكون القوة الفعالة هي وحركتها هي شرب الماء (الطباطبائي، ١٣٨٧: ص ١٥٧).

إذن، ارتباط الاعتبار والتكوين هو بسبب المنشئية التكوينية للاعتبار، لا شيء آخر، ولذلك فإن المقصود بظرف الاعتبار هو نفس ظرف الإدراك، ولهذا السبب فإن المعتَبِر هو الحافظ له، لا النفس الأمرية. هذا يشبه حكم قاضٍ في قضية، وهو نسبة كلامية تتغير بتغير رأيه، ووجودها بدوام تأييده (الطباطبائي، د.ت: ج٢، ص ٢٣٩-٢٤٠). فإذا قلنا إن العلوم الاعتبارية تعود بالضرورة إلى أمور حقيقية، فهذا يعني أن النفس لا توجدها دون الاستعانة بالخارج، بل يوجد بينها وبين المعاني الحقيقية نوع من الاتحاد الوجودي، بتصرف يقوم به الوهم فيها (الطباطبائي، ١٤٢٨: ص ٣٤٦).

بناءً على ذلك، فإن نظرية منشئية الاعتبار للتكوين ناظرة إلى عملية إيجاد الاعتباريات وإلى معنى حاجة الإنسان إلى هذه الأمور ودورها في كمال الإنسان، وليست ناظرة إلى بحث الوجود الأنطولوجي لهذه الأمور، وهناك فرق كبير بين هذين الأمرين (راجع: الطباطبائي، ١٣٧١: ج١٤، ص ١٦-١١٤). لذا، يصرح المرحوم العلامة بأن العلوم الاعتبارية تعود بالضرورة إلى أمور حقيقية؛ لأن النفس لا توجدها دون الاستعانة بالخارج، بل يوجد بينها وبين المعاني الحقيقية نوع من الاتحاد الوجودي، بتصرف يقوم به الوهم فيها (الطباطبائي، ١٤٢٨: ص ٣٤٦). ومن جهة أخرى، في وعاء الذهن، فإن الاعتبار والمُعتبَر شيء واحد، وهما نسب وإضافات يحللها العقل. وهنا يتضح منطق كلام الأستاذ السبحاني في إطار نظرية الإدراكات الاعتبارية وكون علم الأصول اعتبارياً، حيث إن الاعتبار والمُعتبَر شيء واحد، وعندما يكون الاعتبار والمُعتبَر واحداً، فإن ادعاء آية الله مكارم المبني على اختلافهما يكون غير صحيح.

٥. متعلق الأوامر والنواهي (الطبيعة أم الأفراد)

في أواخر مباحث الأمر، يوجد بحث حول ما إذا كان متعلق الأوامر هو الطبيعة أم الأفراد (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩: ص ١٣٨). ويعتقد الآخوند في ذيل هذا المبحث في “دفع وهم” أنه بناءً على كلا المبدأين الفلسفيين لأصالة الوجود وأصالة الماهية، لا يمكن أن تكون “الطبيعة المطلقة” متعلقاً للطلب (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩: ص ١٣٩). بناءً على ذلك، بنى الآخوند هذا البحث على البحث الفلسفي للوجود والماهية. والمرحوم الأصفهاني أيضاً بناه على هذا البحث، أي ما إذا كان للكلي الطبيعي وجود خارجي أم لا (الأصفهاني، ١٤٢٩: ج٢، ٢٥٣-٢٥٤).

وقد أبدى حضرة الإمام استغرابه من هذا المنهج، قائلاً: لماذا بنوا بحثاً عرفياً على مباحث فلسفية؟ وقال الإمام في جوابه إنه يجب حل كشف متعلق الأمر بالطرق العرفية، لا بالدقائق الفلسفية التي لا يدركها أهل العرف (الإمام الخميني، ١٤٢٣: ج١، ص ٤٨٨؛ وكذلك راجع: نفسه، ١٤١٥: ج٢، ص ٦٤). كما قام حضرة الإمام في بيان جديد وعملي جداً في جوابه المفصل لهم، بتحليل الماهيات الاعتبارية الشرعية مثل الصلاة وغيرها، ولم يعتبرها من سنخ الكليات الطبيعية المصطلح عليها في المنطق، بل عرفها بأنها “عنوان كلي” (نفسه، ١٤٢٣: ج١، ص ٤٨٩؛ وكذلك راجع: نفسه، ١٤١٥: ج٢، ص ٦٤).

وبالطبع، فقد أجرى سماحته في أواخر هذه المسألة بحثاً فلسفياً مستفيضاً في تعريف الماهية وإمكان تعلق الأمر بها، ليوضح إشكال البحث الفلسفي للآخوند وأتباعه القائلين بعدم إمكان تعلق الأمر بالطبيعة الكلية (نفسه، ١٤٢٣: ج١، ص ٤٩٣-٥٠٦؛ نفسه، ١٤١٥: ج١، ٦٧-٧٨؛ نفسه، ١٣٧٦: ج٣، ص ٤١١-٤٢٧)، ولكن لا ينبغي الظن بأن سماحته قد حلل بحث الألفاظ بالمنهج الفلسفي؛ لأن هذا البحث من الإمام هو مجرد نقد لأدلتهم الفلسفية وتحليل صحيح للماهية، وهو نوع من الوجود الأنطولوجي تم بالمنهج الفلسفي، ولا ينبغي الظن بأن سماحته، وهو المنادي بتجنب الأصوليين لخلط أحكام الحقيقة والاعتبار في علم الأصول، قد خلط هنا بين القضايا الحقيقية والاعتبارية وفي منهج العلوم الفلسفية والعلوم الاعتبارية.

٦. تبيين حقيقة التخيير العقلي

قسّم الآخوند الخراساني في بحث الواجب التخييري، التخيير إلى قسمين: التخيير العقلي والشرعي. التخيير العقلي هو أن يكون للآمر غرض واحد، مثل إضاءة الغرفة، حيث يأمر بإشعال المصباح أو النار. وأضاف سماحته: في هذا الأمر، بما أن إضاءة الغرفة معلول لشيء جامع بين الفعلين (إشعال المصباح أو النار)، وبما أن صدور الواحد من الكثير غير ممكن، فلا ينبغي أن يتعلق الأمر بهذين الفعلين، بل بالجامع بينهما (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩: ص ١٤٠-١٤١).

ويشكل حضرة الإمام على عمل هذه القاعدة الفلسفية في العلوم الاعتبارية كالأصول (الإمام الخميني، ١٤٢٣: ج١، ص ٥١٥؛ نفسه، ١٣٧٦: ج٣، ص ٤٤٧)، وقد ذُكر تبيين إشكال سماحته في المباحث السابقة. توضيح بيان حضرة الإمام هو أنه في المباحث الفلسفية الصدرائية، يُعتقد أنه بسبب مسانخة المعلول مع العلة، فإن أول مخلوق إلهي له بساطة ووحدة شاملة؛ بحيث إن جميع الحقائق الخلقية موجودة ومنضوية فيه ببساطة وكلية. وهذا الموجود له وحدة حقة حقيقية ظلية، في مقابل الله تعالى الذي له وحدة حقة حقيقية ذاتية (راجع: صدر المتألهين، ١٣٦٠: ص ١٥٣؛ نفسه، ١٣٥٤: ص ٦٥؛ السبزواري، ١٣٦٠: ص ٢٦٢؛ نفسه، ١٣٦٩: ج١، ص ١٦٦؛ ج٣، ص ٦٧٠).

هذه الحقيقة هي العقل الأول والصادر الأول، وقد ورد ذكرها في الروايات بعنوان العقل (المجلسي، ١٤٠٣: ج١، ص ٩٧) أو نور النبي الأكرم (ص) (الديلمي، ١٤٢٧: ص ١٩٥) أو أرواح النبي وأهل البيت (ع) (الصدوق، ١٣٧٨: ج١، ص ٢٦٢). وفي الدعاء الرجبي الشريف ورد مضمون حول هذه المنزلة السامية: “أَسْأَلُكَ بِمَا نَطَقَ فِيهِمْ مِنْ مَشِيَّتِكَ فَجَعَلْتَهُمْ مَعَادِنَ لِكَلِمَاتِكَ وَأَرْكَاناً لِتَوْحِيدِكَ وَآيَاتِكَ وَمَقَامَاتِكَ الَّتِي لَا تَعْطِيلَ لَهَا فِي كُلِّ مَكَانٍ يَعْرِفُكَ بِهَا مَنْ عَرَفَكَ لَا فَرْقَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا إِلَّا أَنَّهُمْ عِبَادُكَ وَخَلْقُكَ” (الشيخ الطوسي، ١٤١١: ج٢، ص ٨٠٣؛ ابن طاووس، ١٣٧٦: ج٣، ص ٢١٤). فمقطع “لَا فَرْقَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا إِلَّا أَنَّهُمْ عِبَادُكَ وَخَلْقُكَ” في هذا الدعاء الشريف، يشير بوضوح إلى الفرق بين كون هذه الوحدة الحقة الحقيقية ظلية وبين الوحدة الحقة الحقيقية الإلهية التي هي ذاتية.

٧. نقد المقدمة الأولى للقائلين بامتناع اجتماع الأمر والنهي

يذكر القائلون بامتناع اجتماع الأمر والنهي مقدمات لاستدلالهم، وأول مقدمة هي أن الأحكام الخمسة متضادة، ولذلك فإن اجتماع الأمر والنهي تكليف بالمحال، بل هو محال في نفسه، وحتى لو أجزنا التكليف بالمحال، فإن الاجتماع غير جائز (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩: ص ١٥٨).

بدأ حضرة الإمام أيضاً من تعريف التضاد، وطبقاً لمحورين من مكونات هذا التعريف، أي التضاد بين أمرين “وجوديين” “عارضين” على موضوع واحد، استنتج أنه في الأمور الاعتبارية التي ليست من سنخ الوجود، وبالتالي ليست أعراضاً، لا معنى للتضاد (الإمام الخميني، ١٤٢٣: ج٢، ص ٣٧٤-٣٧٦).

٨. مسألة الخروج من الدار الغصبية

إذا كان شخص في مكان مغصوب، وخروجه من ذلك المكان يستلزم تصرفاً فيه (على الأقل تصرف مثل حركة النفس للخروج)، فما حكم هذه التصرفات؟ يعتقد المرحوم الآخوند في هذه المسألة التي هي من تنبيهات نهاية بحث اجتماع الأمر والنهي، أنه حتى لو استخدم شخص تعدد العنوان والمعنون لرفع مشكلة التضاد في هذه المسألة، فإنه يظل محالاً أن نقول في هذه المسألة إن حركات هذا الشخص للخروج من الدار الغصبية مأمور بها ومنهي عنها في آن واحد؛ لأن نفس الطلب هنا محال (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩: ص ١٧٣).

كما يعتقد بعض الأصوليين أن الخروج واجب، وهذه التصرفات ليست حراماً ولا عقاب عليها. وينظر هؤلاء في هذا الرأي إلى قاعدة “الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار”، ولا يدخلون المسألة في هذه القاعدة، وبالتالي يعتقدون أن هذا الخروج ليس غصباً.

وقد قال حضرة الإمام في الرد عليهم إن هذه قاعدة كلامية في اختيار الباري تعالى ولا علاقة لها ببحثنا، ثم قرر عنوان ومصب هذا البحث حسب قاعدة عقلائية (الإمام الخميني، ١٤١٥: ج٢، ص ١٤٦-١٤٧).

٩. تصوير العلية المنحصرة في مفهوم الشرط

لدى المحقق الأصفهاني في مفهوم الشرط بحث يجب فيه إثبات علية الشرط المنحصرة للجزاء حتى يكون قابلاً للمفهوم؛ لأنه إذا لم تكن العلة منحصرة وأردنا أخذ المفهوم، فيجب أن يكون للجزاء علل مختلفة، وهنا نضطر إلى نسبة المعلول إلى الجامع بين تلك العلل؛ لأن “الواحد لا يصدر منه إلا الواحد”، وهذا الإسناد أيضاً خلاف ظاهر الشرطية التي نقدم فيها التالي على مقدمه، لا على قدر جامع (الأصفهاني، ١٤٢٩: ج٢، ص ٤١٦).

وقد أورد حضرة الإمام بعض الإشكالات عليه، وفي النهاية، في بيان جميل، يعتقد أنه بصرف النظر عن هذه الإشكالات، فإن الإشكال المنهجي لسماحته، أي استخدام التحليلات العقلية الدقيقة في مباحث الألفاظ التي يجب تحليلها بالاستظهار العرفي، غير مقبول (الإمام الخميني، ١٤٢٣: ج٢، ص ١٠٤). وقد طُرح نفي تطبيق قاعدة الواحد في علم الأصول بشكل مفصل في عدة مباحث من هذا المقال.

١٠. استحالة تداخل الأسباب الشرعية كالاسباب التكوينية

من مباحث مفهوم الشرط مسألة أنه إذا كان لدينا عدة شروط وجزاء واحد، فهل يجب إتيان الجزاء لكل شرط من الشروط، أم يكفي مرة واحدة للجميع؟ تُعرف هذه المسألة بتداخل الأسباب. وقد قال بعض الكبار مثل المحقق الأصفهاني والمحقق الحائري في هذه المسألة بعدم تداخل الأسباب، وعمدة دليلهم أو على الأقل بعض مستنداتهم هو تسري حكم الأسباب التكوينية إلى التشريعية.

يعتقد حضرة الإمام أولاً أن أصل هذه المسألة ممكن ولا استحالة ذاتية فيه؛ لأن العلل التشريعية غير العلل التكوينية (الإمام الخميني، ١٤١٥: ج٢، ص ١٩٥). بعد الفراغ من أصل الإمكان، في مرحلة دراسة التداخل أو عدمه، فإن رأي البعض الذين استدلوا بالقوانين الفلسفية المناسبة للعلل التكوينية في عدم التداخل في هذه المسألة الأصولية، فيه إشكال منهجي في خلط منهج العلوم الحقيقية والعلوم الاعتبارية كعلم الأصول. ويوضح أن المرحوم الحاج آقا رضا الهمداني قد سار أيضاً على هذا المنهج، أي مقارنة العلل التكوينية والتشريعية، واستفاد من قضايا مثل “امتناع تأثير المتأخر في المتقدم” (الحاج آقا رضا الهمداني، ١٤١٦: ج٢، ص ٢٦٠-٢٦١).

وفي جواب الإمام، بالإضافة إلى البحث على أساس منهجهم ورد استدلالهم طبقاً لنفس القواعد الفلسفية، يورد عليهم إشكالاً منهجياً آخر، وهو نفس خلط القوانين الحاكمة في التكوين مع التشريع (الإمام الخميني، ١٤١٥: ج٢، ص ٢٠٣-٢٠٤). ويرى سماحته أن هذه المقارنة منشأ كثير من الأخطاء في علم الأصول، ثم يقدم بنفسه حلاً للمسألة بالرجوع إلى العرف (الإمام الخميني، ١٤١٥: ج٢، ٢٠٤).

١١. تحليل لاعتبار مفهوم الوصف

يبين المحقق الأصفهاني في تقريب مفهوم الوصف أن علية الوصف مقتضى الانحصار؛ لأنه لو كانت هناك علل متعددة، لما تعلقت العلية بالوصف، بل بالجامع. فخلفية استدلاله هي أنه لا يمكن أن يصدر معلول واحد من علل متعددة (الأصفهاني، ١٤٢٩: ج٢، ص ٤٣٥-٤٣٦).

وقد قال حضرة الإمام إن هذه الدقائق الفلسفية هنا مثيرة للدهشة (الإمام الخميني، ١٤٢٣: ج٢، ص ١٤١). ثم أورد إشكالاً على المحقق الأصفهاني في ثلاثة محاور: قياس التشريع بالتكوين وهو غير صحيح، تطبيق قاعدة “الواحد” التي هي في الفلسفة في علم اعتباري كالأصول، وقياس التأثير بالجامع والحال أن الجامع مفهوم لا تحقق خارجي له ليؤثر. ويؤكد سماحته في النهاية على أنه يجب في هذه الأمور استخدام أداة العرف، لا التدقيقات الفلسفية (الإمام الخميني، ١٤٢٣: ج٢، ص ١٤٢). وقد بحثنا في نفي تطبيق قاعدة الواحد في علم الأصول بشكل مفصل في هذا المقال.

١٢. تبيين مفهوم الغاية

يعتقد المرحوم العلامة الشيخ عبد الكريم الحائري، المؤسس العظيم للحوزة العلمية في قم، في بحث معروف في مفهوم الغاية، حول ما إذا كانت الغاية داخلة في المغيا أم لا، أن هناك احتمالين في هذه المسألة، أحدهما أن هذه المسألة مبنية على الجزء الذي لا يتجزأ في الفلسفة (الحائري اليزدي، ١٤١٨: ص ٢٠٥).

وقد قال حضرة الإمام في جوابه إن المقصود هو الغاية العرفية، لا الغاية بالدقة الفلسفية التي نريد أن نبني عليها البحث في هذه المسألة (الإمام الخميني، ١٤٢٣: ج٢، ص ١٤٦-١٤٧).

١٣. تبيين علة تفاوت اسم الجنس وعلم الجنس في المطلق

في بحث المطلق والمقيد، يوجد بحث في علم الجنس، حول ما إذا كان علم الجنس من ألفاظ المطلق أم لا. وقد قيل في هذا المبحث إن هناك “علم جنس” مثل أسامة، و”اسم جنس” مثل أسد، وكلاهما بمعنى الأسد، لكن الأول معرفة والثاني نكرة. وهناك أقوال في الفرق بينهما. وقد قال الإمام الخميني في هذا المجال إن اسم الجنس هو للماهية من حيث هي، التي لا تعين لها، أما علم الجنس فهو موضوع لمرتبة تعينها من بين المفاهيم التي تتميز عند نفسها (الإمام الخميني، ١٤٢٣: ج٢، ص ٢٦٩).

وقد أورد حضرة آية الله السبحاني، من تلامذة الإمام، إشكالاً عليه بأن هذه الدقائق والتحليلات العقلية التي قالها الإمام هي للفيلسوف، والواضع لم يتصور هذه الدقائق وهو بعيد جداً عن هذه المباحث. ويخمن سماحته أن حضرة الإمام قد أخذ هذا البحث من المباحث العرفانية في تفاوت مقام الأحدية والواحدية (السبحاني، ١٣٩١: ج٢، ص ٤٧٦). لكن إشكال الأستاذ السبحاني غير وارد؛ لأن حضرة الإمام قبل هذا المبحث بقليل، رد استخدام المنهج العقلي في دلالة اسم الجنس وعلم الجنس بتحليل اعتبارات الماهية، وصرح بأن هذه المباحث لا علاقة لها بمباحث الإطلاق والتقييد، وأنه طرح هذا البحث لمماشاة القوم والرد عليهم حسب اصطلاحهم (الإمام الخميني، ١٤٢٣: ج٢، ص ٢٦١).

بناءً على ذلك، إذا دخل الإمام في بحث فلسفي، فذلك لأن سماحته، بالإضافة إلى الإشكال المنهجي في خلط الحقيقة والاعتبار، يجيب القائل أيضاً بالمنهج الفلسفي؛ لأنه في الفلسفة أيضاً له تخصص عالٍ.

الخلط المنهجي في مباحث الأمارات والأصول

في هذا المبحث، نتناول تبيين موارد انتقاد حضرة الإمام لخلط المنهجية في علم الأصول بالمنهج الفلسفي في مباحث القسم الثاني والثالث من هذا العلم، أي الأمارات والأصول. وتُطرح المباحث في هذا القسم أيضاً حسب عناوين مباحث علم الأصول.

١. إمكان التعبد بالأمارات

يعتقد مشهور الأصوليين في هذا البحث أن التعبد بالأمارات “أمر ممكن”. وقد ذكر المرحوم الشيخ الأنصاري أن دليلهم هو فقدان أي محال في حالة التعبد بالأمارات (الشيخ الأنصاري، ١٤١٦: ج١، ص ٤٠).

وقد أورد المرحوم الآخوند في هذا البحث إشكالاً على تقرير الشيخ لدليل المشهور، وبين ثلاثة معانٍ للإمكان: الإمكان الذاتي (الماهوي)، والوقوعي، والاحتمالي؛ ثم اعتقد أن المقصود بالإمكان هو الإمكان الاحتمالي (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩: ص ٢٧٦).

يعتقد حضرة الإمام أن هذا الإمكان ليس إمكاناً ذاتياً؛ لأن الإمكان الذاتي يحتاج إلى برهان، وفي هذا المبحث لا يمكن تقديم برهان (الإمام الخميني، ١٤٢٣: ج٢، ص ٣٦٥). وقد قُدم توضيح عدم إمكان تقديم البرهان في المباحث الأصولية في مبحث “الأسس المفهومية” في بداية المقال.

٢. محل النزاع في الأقل والأكثر الارتباطي

يعتقد المرحوم المحقق العراقي أن محل هذا البحث هو الصورة التي يكون فيها الأقل، بغض النظر عن كونه أقلاً، موجوداً في الأكثر، وزياداته تكون بصورة “لا بشرط”، لا “بشرط لا”. ولذلك، إذا دار الأمر بين الإنسان كأقل وزيد كأكثر الذي له قيود أكثر من الإنسان، فليس هذا من باب الأقل والأكثر؛ لأن الإنسان بوصف الإطلاق غير موجود في زيد (العراقي، ١٤١٧: ج٣، ص ٣٧٣).

وقد أورد حضرة الإمام في نقد هذا الكلام ثلاثة إشكالات أولاً بناءً على المنهج الفلسفي؛ مثل أن الحصة في الاصطلاح الفلسفي تتولد بتقييد الكلي بكلي آخر مثل الإنسان بالأبيض، ويُسمى الفرد المعين والمتشخص فرداً خارجياً، لا حصة. ثم أورد إشكالاً منهجياً عليه، وهو نفس خلط القضايا الحقيقية والاعتبارية (الإمام الخميني، ١٤٢٣: ج٣، ص ٢٨٢).

٣. استصحاب الأحكام الوضعية

يقسم الآخوند الخراساني في بحث جريان الاستصحاب في الأحكام الوضعية، الحكم الوضعي إلى ثلاثة أقسام، ويعتبر القسم الأول أحكاماً لا يمكن جعلها؛ مثل السببية والشرطية والمانعية والرافعية؛ لأن انتزاع هذه العناوين من التكاليف التي هي متأخرة عنها ذاتاً وحدوثاً وارتفاعاً غير معقول؛ لأنه في السبب والشرط والمانع، سيتقدم المعلول على العلة، وفي الرافع أيضاً، بما أن الرافع علة لعدم وجوب التكليف، فهو في رتبة متقدمة عليه، ومن جهة أخرى، الوجوب أيضاً متقدم على التكليف، فعدم الوجوب والوجوب كلاهما في رتبة واحدة، ولهذا السبب يكون جمع النقيضين، ولذا يجب تقديم الرافع على وجوب الصلاة ليكون بازاء تقدم المعلول على العلة (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩: ص ٤٠٠). والمحقق النائيني أيضاً قال بالاستحالة في هذه المسألة ببيان آخر (النائيني، ١٣٧٦: ج٤، ص ٣٩٤-٣٩٥). كما اعتبر المرحوم المحقق النائيني الأحكام الوضعية كالملكية من سنخ الوضع بتحليل فلسفي (النائيني، ١٣٧٦: ج٤، ص ٣٨٤).

يعتقد حضرة الإمام الخميني في رسالة مستقلة كتبها باسم “الاستصحاب” أن جذور هذه الأفكار في علم الأصول هي خلط التكوين والتشريع. هؤلاء توهموا أنه كما لا يمكن في التكوين رفع الأمور الانتزاعية كالفوقية والتحتية إلا برفع منشأ انتزاعها، ففي الأمور الشرعية أيضاً يمتنع رفع الجزئية والشرطية ونحوهما استقلالاً، إلا بأمر استقلالي لرفع الجزء والشرط، والحال أن هذه المقارنة غير صحيحة. ويذكر سماحته في وجه عدم صحة هذه المقارنة أن الخطابات القانونية الشرعية (الخطابات العامة والكلية) هي من سنخ الاعتباريات التابعة لأمر وإرادة الجاعل والمُعتبر (الإمام الخميني، ١٣٨١: ص ٧٠).

وقد يُشكل بأنه إذا كان المراد هو التغيير، فكيف تبقى الإرادة، وبالتالي كيف يُتصور أن يُنقص الشرط أو الجزء أو يُزاد، ومع ذلك تبقى تلك الإرادة قائمة؟! يجيب الإمام بأن بحثنا ليس في الإرادة التي هي أمر تكويني، بل الكلام في الخطاب، وفي الخطاب القانوني يمكن للجاعل أن يجعل الخطاب كلياً ثم يضيف إليه شرطاً أو جزءاً أو ينقص منه، دون أن يزول ذلك الخطاب الكلي الأول المتعلق بالطبيعة؛ لأن هذه التغييرات هي في مصاديق ذلك الكلي، لا في مفهوم كليته (الإمام الخميني، ١٣٨١: ص ٦٩-٧٠).

والمرحوم المحقق النائيني، بالإضافة إلى الشرطية والجزئية والمانعية، لا يعتبر السببية أيضاً قابلة للجعل. ويعتقد أن السببية من لوازم الذات، والذاتي لا يُعلل، وبالتالي لا يقبل أي جعل تشريعي وتكويني حتى بشكل تبعي (النائيني، ١٣٧٦: ج٤، ص ٣٩٤-٣٩٥).

ويرى المرحوم الإمام أن كلام النائيني هذا فيه إشكال فلسفي وإشكال منهجي؛ أي خلط الأمور التكوينية والتشريعية (الإمام الخميني، ١٣٨١: ص ٧١-٧٢).

ويعتبر المحقق النائيني الملكية أيضاً من سنخ الجدة التي هي إحدى المقولات العشر، ونعلم أن المقولات العشر من سنخ المباحث الفلسفية في وجود الممكنات؛ لأن الفلاسفة يقسمون كل الموجودات الممكنة إلى جوهر وعرض، ويقسمون الجواهر إلى خمسة أقسام والأعراض إلى تسعة أقسام (النائيني، ١٣٧٦: ج٤، ص ٣٨٣).

يعتقد حضرة الإمام أن الملكية والحرية والزوجية وأمثالها من الأمور الموجودة في الشرع والقوانين العرفية والعقلائية، ليست أبداً من سنخ الحقائق الكونية، بل هي أمور اعتبارية، ولهذا السبب لا تدخل في المقولات المذكورة؛ لأن هذه المقولات تحلل الموجودات الممكنة والحقائق الكونية التي لها وجود مادي أو مجرد (ما سوى الله تعالى وتقدس) (الإمام الخميني، ١٣٨١: ص ٧٢-٧٣).

٤. شرط بقاء الموضوع في جريان الاستصحاب

قال المرحوم الشيخ الأنصاري في بحث شروط الاستصحاب إنه يجب أن يبقى الموضوع حتى يكون الاستصحاب جائزاً. ودليل سماحته هو أن نسبة المستصحب إلى الموضوع هي نسبة العرض والمعروض، وإذا افترضنا أن المستصحب يبقى بدون بقاء الموضوع، فهنا حالتان: إما أن يبقى العرض بدون موضوع، أو يبقى مع موضوع آخر. الصورة الأولى محالة؛ لأن تقرر العرض بالعقل يكون مع الموضوع؛ وكما في الصورة الثانية التي هي بقاء العرض مع موضوع آخر، فهناك أيضاً حالتان: إما أن ينتقل العرض من ذلك الموضوع إلى هذا الموضوع، وهذا يستلزم أن يكون العرض في هذه الفترة الانتقالية بدون موضوع، وهذا أيضاً محال، أو أن يوجد عرض مثله في المعروض، وفي هذه الحالة، فإن الحكم بعدم الثبوت للموضوع الجديد ليس نقضاً للمتيقن السابق؛ فلا يجري الاستصحاب (الشيخ الأنصاري، ١٤١٦: ج٢، ص ٢٩٢-٢٩٣).

ويرى حضرة الإمام في إشارة موجزة أن كلام الشيخ هذا فيه إشكال منهجي؛ لأنه في هذه المسألة يجب استخدام التحليل العرفي، لا المنهج الفلسفي (الإمام الخميني، ١٣٨١: ص ٢٧٠).

خلاصة النتائج

تناولت هذه المقالة أحد أهم الالتزامات المنهجية لعلم الأصول من وجهة نظر حضرة الإمام، والتي تُعد أيضاً من أهم نقاط الضعف فيه من وجهة نظره. وقد أكد هذا البحث على تفكيك المنهج الفلسفي عن منهج العلوم الاعتبارية، والذي بدأ بتبيين الأسس النظرية للبحث بمساعدة نظرية “الإدراكات الاعتبارية” الثمينة للمرحوم العلامة. واستفدنا من خلفية خلط المنهج الحقيقي والاعتباري في علم الأصول ونقد هذا المنهج، وفي النهاية تناولنا بشكل تفصيلي عرض موارد خلط القضايا الحقيقية والاعتبارية في علم الأصول من وجهة نظر حضرة الإمام الخميني.

وقد حدد هذا البحث، من خلال فحص آثار الإمام الأصولية، ٢٢ مورداً من تحذيرات سماحته المنهجية للأصوليين في خلط القضايا الحقيقية والاعتبارية، وقدمها، وهي معروضة في الجدول أدناه الذي نُظم على أساس أبواب علم الأصول.

الاستنتاج

أظهر هذا البحث أنه من وجهة نظر الإمام الخميني (قدس سره)، في كثير من مباحث علم الأصول، سواء في مقدمات الألفاظ، أو في مباحث الألفاظ، أو في مباحث الأمارات والأصول، قد خُلط المنهج الفلسفي بالمنهج الأصولي. والمقصود بهذا الخلط هو أنه في علم الأصول، وهو علم اعتباري ويجب بحثه بالمنهج العرفي-العقلائي، استُخدم المنهج الفلسفي، أي المنهج البرهاني والتحليلات العقلية الدقيقة الفلسفية. والمقصود بالمنهج البرهاني هو المنهج الذي يستخدم المواد اليقينية كالأوليات والتجريبيات وغيرها، والتي تُعرف بالضروريات الست. والمنهج العرفي-العقلائي هو المنهج الذي يوجد فيه تسامح، ويستفيد من تحليل الأوامر الشرعية المبنية على المحاورات العرفية. وبالطبع، هذا التسامح لا يعني فقدان الدقة، بل يعني نفي الدقة الفلسفية. وفي هذا السياق، كان معظم انتقاد حضرة الإمام موجهاً إلى المرحوم الآخوند الخراساني. كما درس هذا البحث بعض الإشكالات الواردة على الفكر المنهجي لحضرة الإمام وأجاب عنها.

المصادر والمراجع

١. الآخوند الخراساني، محمد كاظم (١٤٠٩هـ)، كفاية الأصول، مؤسسة آل البيت (ع)، قم، الطبعة الأولى.

٢. آقا بزرگ الطهراني، محمد محسن منزوي (١٤٠٨هـ)، الذريعة إلى تصانيف الشيعة، إسماعيليان ومكتبة إسلامية، قم وطهران.

٣. ابن فارس، أحمد بن فارس (١٤٠٤هـ)، معجم مقاييس اللغة، مكتب الإعلام الإسلامي، قم، الطبعة الأولى.

٤. ابن طاووس، علي بن موسى (١٣٧٦ش)، الإقبال بالأعمال الحسنة، مكتب الإعلام الإسلامي، قم، الطبعة الأولى.

٥. الاشتهاردي، علي بناه (١٤١٧هـ)، مدارك العروة، دار الأسوة، طهران، الأولى.

٦. الأصفهاني النجفي، محمد تقي (١٤٢٩هـ)، هداية المسترشدين، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة الثانية.

٧. الأصفهاني، محمد حسين (١٤٢٩هـ)، نهاية الدراية في شرح الكفاية، مؤسسة آل البيت (ع)، بيروت، الطبعة الثانية.

٨. الإمام الخميني، روح الله (١٤٢٦هـ)، الاجتهاد والتقليد، مؤسسة نشر آثار الإمام الخميني، طهران، الطبعة الأولى.

٩. __________________ (١٣٨١ش)، الاستصحاب، مؤسسة نشر آثار الإمام الخميني، طهران، الطبعة الأولى.

١٠. __________________ (١٣٧٨ش)، الرسائل العشرة، مؤسسة نشر آثار الإمام الخميني، طهران، الطبعة الأولى.

١١. __________________ (١٤١٥هـ)، أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية، مؤسسة نشر آثار الإمام الخميني، طهران، الطبعة الثانية.

١٢. __________________ (١٤٢٣هـ)، تهذيب الأصول، مؤسسة نشر آثار الإمام الخميني، طهران، الطبعة الأولى.

١٣. __________________ (١٣٧٦ش)، جواهر الأصول، مؤسسة نشر آثار الإمام الخميني، طهران، الطبعة الأولى.

١٤. __________________ (١٤١٥هـ)، مناهج الوصول إلى علم الأصول، مؤسسة نشر آثار الإمام الخميني، قم، الطبعة الأولى.

١٥. أنوري، حسن (١٣٨١ش)، فرهنگ سخن، انتشارات سخن، طهران، الطبعة الأولى.

١٦. البهبهاني، محمد باقر (١٤١٥هـ)، الاجتهاد والتقليد، مجمع الفكر الإسلامي، قم، الطبعة الأولى.

١٧. __________________ (١٤١٥هـ)، الفوائد الحائرية، مجمع الفكر الإسلامي، قم، الطبعة الأولى.

١٨. الحائري اليزدي، عبد الكريم (١٤١٨هـ)، درر الفوائد، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة السادسة.

١٩. __________________ (١٤٠٤هـ)، كتاب الصلاة، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة الأولى.

٢٠. الحائري الأصفهاني، محمد حسين بن عبد الرحيم (١٤٠٤هـ)، الفصول الغروية في الأصول الفقهية، دار إحياء العلوم الإسلامية، قم، الطبعة الأولى.

٢١. الحاج آقا رضا الهمداني (١٤١٦هـ)، مصباح الفقيه، المؤسسة الجعفرية لإحياء التراث ومؤسسة النشر الإسلامي، قم، الأولى.

٢٢. الديلمي، حسن بن محمد (١٤٢٧هـ)، غرر الأخبار، دليل ما، قم، الطبعة الأولى.

٢٣. السبحاني التبريزي، جعفر (١٤٢٤هـ)، إرشاد العقول، مؤسسة الإمام الصادق (ع)، قم، الطبعة الأولى.

٢٤. __________________ (١٤١٥هـ)، الرسائل الأربع (قواعد أصولية وفقهية)، مؤسسة الإمام الصادق (ع)، قم، الطبعة الأولى.

٢٥. __________________ (١٣٩١ش)، المبسوط، مؤسسة الإمام الصادق (ع)، قم، الطبعة الأولى.

٢٦. السبزواري، الحاج ملا هادي (١٣٦٠ش)، التعليقات على الشواهد الربوبية، مركز نشر دانشگاهي، مشهد، الطبعة الثانية.

٢٧. __________________ (١٣٦٩-١٣٧٩ش)، شرح المنظومة، نشر ناب، طهران، الطبعة الأولى.

٢٨. الشيخ الأنصاري، مرتضى (١٣٨٣ش)، مطارح الأنظار، مجمع الفكر الإسلامي، قم، الطبعة الثانية.

٢٩. __________________ (١٤١٦هـ)، فرائد الأصول، قم.

٣٠. الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن (١٤١١هـ)، مصباح المتهجد، مؤسسة فقه الشيعة، بيروت، الطبعة الأولى.

٣١. الشهيد الأول، محمد بن مكي (١٤١٤هـ)، غاية المراد في شرح نكت الإرشاد، مكتب الإعلام الإسلامي، قم، الطبعة الأولى.

٣٢. الصدوق، محمد بن علي (١٣٧٨هـ)، عيون أخبار الرضا (ع)، نشر جهان، طهران، الطبعة الأولى.

٣٣. صدر المتألهين، محمد بن إبراهيم (١٣٥٤ش)، المبدأ والمعاد، انجمن حكمت وفلسفة إيران، طهران.

٣٤. __________________ (١٩٨١م)، الحكمة المتعالية، دار إحياء التراث، بيروت، الطبعة الثالثة.

٣٥. الطباطبائي، محمد حسين (١٣٨٧ش)، أصول فلسفة وروش رئاليسم، بوستان كتاب، قم، الطبعة الثانية.

٣٦. __________________ (١٣٧١ش)، الميزان، إسماعيليان، قم، الطبعة الثانية.

٣٧. __________________ (د.ت.)، حاشية الكفاية، بنياد علمي وفكري علامة طباطبائي، قم، الطبعة الأولى.

٣٨. __________________ (١٤٢٨هـ)، رسالة الاعتبار (ضمن مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي)، باقيات، قم، الطبعة الأولى.

٣٩. __________________ (١٤١٤هـ)، نهاية الحكمة، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة العاشرة.

٤٠. العراقي، ضياء الدين (١٤١٧هـ)، نهاية الأفكار، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة الثالثة.

٤١. المجلسي، محمد باقر (١٤٠٣هـ)، بحار الأنوار، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية.

٤٢. معين، محمد (١٣٨٣ش)، فرهنگ معين، انتشارات أمير كبير، طهران، الطبعة الحادية والعشرون.

٤٣. المطهري، الشهيد مرتضى (١٣٨٠ش)، مجموعة آثار، الطبعة العاشرة، انتشارات صدرا، قم.

٤٤. مكارم الشيرازي، ناصر (١٤٢٨هـ)، أنوار الأصول، انتشارات مدرسة إمام أمير المؤمنين (ع)، قم، الطبعة الثانية.

٤٥. النجفي، محمد حسن (١٤٠٤هـ)، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة السابعة.

٤٦. النراقي، الملا محمد مهدي (د.ت.)، د.م.، (حجرية)، د.ن.

٤٧. النائيني، محمد حسين (١٣٥٢ش)، أجود التقريرات، مطبعة العرفان، قم، الطبعة الأولى.

٤٨. __________________ (١٣٧٦ش)، فوائد الأصول، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة الأولى.

الهوامش

1. خريج وباحث في الحوزة العلمية بقم.

Scroll to Top