قرينة مناسبة الحكم والموضوع وفاعليتها في استنباط الأحكام

ملخص

تختلف تعابير الأصوليين حول ماهية قرينة المناسبة. فهم يعتبرونها في نهاية المطاف نوعًا من القرينة العرفية. ومع ذلك، لا يكون فهم العرف العام هو الملاك دائمًا؛ بل تعتمد قرينية القرينة في بعض الموارد على فهم عرف المتشرعة. وقد استفاد الأصوليون من قرينة المناسبة في إثبات المفهوم للوصف، وفي بحث المشتق، وكذلك في رفع إجمال الدليل وتعيين كفائية الواجب. كما استخدموها لإثبات تعدد المطلوب، وإثبات جريان الاستصحاب، وترجيح أحد المتزاحمين على الآخر، ورفع نوع من الإجمال عن حديث الرفع وحديث لاضرر، وبعض القواعد الفقهية المستنبطة. وفي جميع هذه الموارد، تستند حجية القرينة على تنقيح الظهور العرفي.

يمكن العثور على نماذج كثيرة يتوقف حل المسائل الشرعية فيها في نهاية المطاف على نوع من الاستظهار العرفي من النصوص. وتؤدي قرينة المناسبة، من حيث كسر الإطلاق ورفع إجمال الدليل، دورًا أساسيًا في هذه النماذج.

المقدمة

يحتاج استنباط الأحكام من النصوص الشرعية إلى مباحث حول كيفية دلالة الأدلة اللفظية. ويُعد الوضع والقرائن محورين أساسيين لتشخيص الدلالة. وقد أولى الأصوليون اهتمامًا لتعدد وتنوع القرائن، وحيثما لزم الأمر، تحدثوا عن نوع من القرينة. ومن هذه القرائن، قرينة مناسبة الحكم والموضوع. السؤال الأول يتعلق بماهيتها وحقيقتها، والسؤال الثاني يتعلق بمكانتها من حيث دورها في استنباط الحكم الشرعي.

١. ماهية قرينة المناسبة

على الرغم من اختلاف وتنوع تعابير الأصوليين حول ماهية قرينة المناسبة، إلا أنهم يشتركون في نقطة واحدة، وهي أنها تُعد في النهاية نوعًا من القرينة العرفية. وبناءً على ذلك، قد يُستخدم عنوان واحد في موضوعات أحكام متعددة، ولكن العرف في موارد مختلفة لا يفهم من ذلك العنوان شيئًا واحدًا؛ بحيث يعتبر أحيانًا قيدًا دخيلًا في الموضوع، وأحيانًا غير دخيل. مثلًا، في خيار العيب، ورد أن جواز رد المعيب مشروط بأن يكون المتاع قائمًا بعينه. وفي التفليس أيضًا، ورد أن للشخص الغريم أن يرجع بماله إذا كان قائمًا بعينه. وكذلك في الهبة، ورد أن للواهب أن يرجع بماله إذا كان قائمًا بعينه. مع ذلك، يرى الفقهاء أنه في الهبة، مجرد تغير العين بأدنى تغيير يمنع من الرد؛ خلافًا للتفليس حيث لا تمنع التغييرات الطفيفة من الرد. وهذا الاختلاف في الأبواب ناتج عن اختلاف مناسبات الأحكام مع الموضوعات، وله جذور في الفهم العرفي (الخوئي، دون تاريخ: ج٢، ص٤١٠).

أحيانًا، يُعتبر هذا النوع من القرينة من قبيل القرينة الخارجية. مثلًا، في قولهم «صلّ خلف العادل»، يقولون إن القرينة الخارجية، أي مناسبة الحكم والموضوع، تُفهم أن خصوص المتلبس بالمبدأ هو المراد في المشتق (الحلي، ١٤٣٢هـ: ج١، ص٣٠٩). ومن الواضح هنا أن اعتبارها خارجية يرجع إلى ضم دلالة من الخارج إلى معنى المشتق.

وأحيانًا، تُعتبر من قبيل القرينة العرفية الارتكازية. مثلًا، في الآية الشريفة ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ١٢٤)، يقولون إن هذا النوع من القرينة الارتكازية يقتضي أن حدوث الظلم آنًا ما، ظاهرًا وباطنًا، كافٍ لكي لا يتمكن الشخص من تولي منصب الإمامة (عدنان القطيفي، ١٤١٤هـ: ص٢٦٤). في الواقع، الارتكاز العقلائي هنا هو أساس الفهم العرفي في قرينية مناسبة الحكم والموضوع.

ولكن أحيانًا، يُرى عكس التعبير السابق تمامًا، ويُعتبر الارتكاز ناشئًا عن قرينة مناسبة الحكم والموضوع (الفياض، ١٤١٠هـ: ج١، ص٢٩٧).

وفي بعض الموارد، أدت شدة مناسبة الحكم والموضوع إلى انصراف اللفظ المطلق (الحائري، ١٤٠٨هـ: ج٤، ص٥١١).

كذلك، يُعتبر تنقيح المناط وتعميم الحكم بشكل مقبول ومعتبر، كما في حديث الأعرابي «هلكت يا رسول الله ﷺ!… وقعت على أهلي في نهار رمضان…»، أمرًا متوقفًا على مناسبة الحكم والموضوع (الحكيم، ١٩٧٩م: ص٣٠٢).

على أي حال، الأمر المهم هو شدة ارتباط قرينة المناسبة بالقرائن الأخرى مثل الانصراف والارتكاز، وكذلك شدة ارتباطها ببحث تنقيح المناط وإلغاء الخصوصية وتعميم الحكم؛ بحيث يُعتبر تنقيح المناط في بعض التعابير، على نحو من المسامحة، هو نفسه إلغاء الخصوصية ومناسبة الحكم والموضوع (السبحاني، ١٣٨٣ش: ص٣٠). وإلا فالحق أن نوعًا من الارتكاز العرفي هو أساس قرينية مناسبة المناسبة، وهذه القرينة هي سبب إلغاء الخصوصية والوصول إلى ملاك الحكم، وفي النهاية، تعميمه.

٢. مكانة قرينة المناسبة

يمكن فهم مكانة قرينة المناسبة جيدًا بالنظر إلى المباحث المطروحة في علم موضوعات الأحكام. لا شك أن تغييرات الموضوع يمكن أن تؤثر على تغيير الحكم، ولكن تشخيص موارد التأثير يعتمد على معرفة القيود الدخيلة في الموضوع لترتب الحكم وتفريقها عن القيود غير الدخيلة. وبالطبع، إذا ترتبت أحكام مختلفة على موضوعية شيء، فيجب معرفة القيود الدخيلة بالنظر إلى نوع الحكم المترتب.

في البداية، نستعرض ما قاله بعض الأصوليين حول تغييرات الموضوع، ثم نتناوله بالنقد والتحليل. ذكر بعض الأصوليين أن:

العناوين والحالات العارضة على الموضوع على عدة أنواع:

١. عناوين وحالات تُغير حقيقة الموضوع، مثل «صيرورة الكلب ملحًا».

٢. عناوين وحالات تؤدي إلى زوال التسمية العرفية من ناحية الموضوع، مثل «العنب صار زبيبًا» أو «الخشب صار فحمًا».

٣. عناوين وحالات تظهر في غير الصورتين السابقتين، مثل «الحنطة صارت دقيقًا».

في القسم الأول، بعد أن يصبح ملحًا، لا تعود أحكام الكلب جارية عليه. وفي القسم الثالث، حيث لا تتغير الحقيقة ولا تزول التسمية العرفية، لا شك أن حكم القمح يسري على جميع حالاته المتغيرة اللاحقة؛ أي أن الدقيق والعجين والخبز، وهي حالات وعناوين عارضة على القمح، لها جميعًا نفس أحكام القمح، مثل جواز الأكل وجواز أداء الكفارة منه باعتباره قوتًا غالبًا.

أما القسم الثاني، فهو الموضع الذي تتدخل فيه قرينة مناسبة الحكم والموضوع. فإذا فهمنا من لسان الدليل، بمساعدة قرينة خارجية مثل مناسبة الحكم والموضوع، أن الحكم معلق على نفس الحقيقة، فإن الحكم يسري على الزبيب أيضًا؛ ولكن إذا كان الحكم معلقًا على مجرد الاسم، فإنه لا يسري على الزبيب. وإذا شككنا، فالمرجع هو الاستصحاب، وفي الاستصحاب، يتوقف اتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة على الفهم العرفي في تحقيق النقض وعدم النقض (الحلي، ١٤٣٢هـ: ج١٠، ص٢؛ الكاظمي الخراساني، دون تاريخ: ج٤، ص٥٨٣).

بناءً على ما قيل، تقع قرينية مناسبة المناسبة في منزلة متوسطة بين أمرين: أحدهما حيث يستقر الحكم على موضوع، مثل «الكلب نجس»، ونحن نعلم أن هذا الحكم يترتب على حقيقة الموضوع ويتغير بتغير الحقيقة؛ والآخر حيث يستقر الحكم على موضوع ونحن نعلم أنه مع تغير الحقيقة، يتغير الحكم أيضًا، ولكن مع التغيرات التي تؤدي إلى تغيير الاسم، لا يتغير. الآن يجب أن نقول، في هذا السياق، يمكن تصور تغييرات لا تؤدي إلى تغيير الحقيقة والماهية؛ ولكنها تؤدي إلى تغيير الاسم. في مثل هذه الحالات، يكون بقاء الحكم محل تردد. ولكن العرف، من خلال قرينة المناسبة، يعتبر بعض التغييرات غير مضرة ببقاء الحكم. مثلًا، في حكم جواز أكل القمح، يفهم من مناسبة الحكم والموضوع أن هذا الجواز يشمل الدقيق والعجين والخبز أيضًا؛ ولكن إذا ترتبت أحكام على القمح بوصفه جامدًا وجافًا، وأحكام على الدقيق بوصفه قابلًا للتغبر، وأحكام على العجين بوصفه رطبًا، فمن الواضح أنها لا تُسرّى في نظر العرف.

لذلك، مع التوضيحات التي قدمناها، قد لا نحتاج إلى أمثلة متعددة؛ بل في مثال العنب، يمكن تصور تغيير يؤدي إلى تغيير الماهية، مثل احتراق العنب وتحوله إلى فحم، مما يؤدي إلى تبدل حكم جواز الأكل إلى حرمة الأكل، أو تغيير يؤدي إلى تغيير التسمية، مثل خلط حبات العنب أو انفجارها، وهذا لا يغير الحكم، أو تغيير متوسط؛ أي لا يغير الماهية ولكنه يغير الاسم، مثل التجفيف والتحول إلى زبيب.

ولكن في رأينا، حتى هنا، مجرد التغيير وعدم تغيير التسمية ليس هو الملاك. مثلًا، عصير العنب له أحكام تتعلق بكونه سائلًا، لا تملكها حبة العنب السليمة، وبمجرد ملاقاة النجس لا يعود قابلًا للتطهير؛ ولكن من حيث جواز الأكل، لا فرق بينه وبين حبة العنب في نظر العرف. إذن، في غير الموارد التي يتبدل فيها الموضوع بكامل حقيقته، يجب النظر إلى الفهم العرفي وقرينة المناسبة في ترتب الأحكام، وهذه القرينة ليست دائمًا منبثقة من فهم العرف العام والعرف العقلائي؛ بل أحيانًا تعتمد على عرف المتشرعة؛ كما تعلمنا من الشارع أن الرطوبة تسبب انتقال النجاسة، وهذا الفهم الارتكازي المتشرعي هو سبب جريان قرينة المناسبة.

٣. وظائف قرينة المناسبة في كلام الأصوليين

عندما يتحدث الأصوليون عن وظيفة قاعدة ما، فإنهم بالطبع ينظرون إلى تدخلها في الحكم الفقهي. فالفارق بين النظرة الأصولية والنظرة الفقهية هو دراسة عملية استنتاج الحكم وكيفية تطبيق القاعدة الأصولية. وبناءً على القاعدة الأصولية نفسها وشروط وقيود تنفيذها، يكون محل البحث؛ حتى لو كان الحديث عن تطبيق القاعدة في مجال الفقه.

١. في بحث مفهوم الوصف، يمكن استخدام قرينة المناسبة لتحديد حدود ومقومات مفهوم الموضوع. مثلًا، إذا قال الشارع «صلّ خلف العادل»، نفهم بقرينة المناسبة أن الحكم يدور مدار عنوان العدالة، ولا فرق حتى لو كان عنوان العدالة في قالب وصف أو لقب أو شرط؛ مثلًا، لو قال «صل خلف الإنسان العادل» أو «صل خلف الإنسان إذا كان عادلًا»؛ لأنه في جميع الحالات، في نظر العرف، يكون قيد «العدالة» مقومًا للموضوع، وقرينة مناسبة الحكم مع الموضوع موجودة (الحلي، ١٤٣٢هـ: ج١١، ص٨٦).

وعلى نفس المنوال، في «مطل الغني ظلم»، يفهم العرف أن سبب الحكم بالظلم هو غنى المدين وقدرته على السداد؛ بخلاف العاجز الذي لا يكون مطله وتأخيره ظلمًا. إذن، بالنظر إلى أن الوصف يمكن أن يقيد الحكم أو الموضوع أو المتعلق، يجب البحث عن قرينة لكل من هذه الاحتمالات، وقرينة المناسبة نفسها يمكن أن تعين الاحتمال الأول وتثبت المفهوم (المظفر، دون تاريخ: ج١، ص١٣٤).

٢. في بحث المشتق، أحيانًا يُعتبر مجرد التلبس بالمبدأ كافيًا لترتب الحكم، وأحيانًا يُعتبر البقاء بعد الحدوث معتبرًا. هذا التفاوت ناشئ أيضًا عن قرينية مناسبة المناسبة. مثلًا، في الآية الشريفة ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، يُعتبر مجرد حدوث الظلم علة لحدوث وبقاء الحكم، أي نفي الولاية؛ ولكن في مثال حيث تُرضع الزوجة الكبيرة الأولى والثانية، الزوجة الصغيرة الثالثة، يقولون إن مجرد حدوث الزوجية ليس دليلًا على تحريم أم الزوجة، لأن أمومتها كانت بعد انقضاء الزوجية. لذلك، فإن تعبير ﴿أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ الوارد في الآية ٢٣ من سورة النساء، هو لفظ مشتق يكفي مجرد حدوث الأمومة فيه لترتب حكم التحريم (الحلي، ١٤٣٢هـ: ج١، ص٢٢٨).

٣. يُلاحظ كثيرًا رفع الإجمال عن الدليل المجمل بقرينة مناسبة الحكم والموضوع؛ مثلًا، «لا علم إلا بعمل» يعني «لا علم نافع»، و«لا غيبة لفاسق» يعني «لا غيبة محرمة»، و«لا رضاع بعد الفطام» يعني «لا رضاع سائغ»، و«لا جماعة في نافلة» يعني «لا جماعة مشروعة»، و«لا إقرار لمن أقر بنفسه على الزنا» يعني «لا إقرار نافذ ومعتبر»، و«لا صلاة إلا بطهور» يعني «لا صلاة صحيحة»، و«لا صلاة لحاقن» يعني «لا صلاة كاملة»، و«لا رهبانية في الإسلام» يعني «لا رهبانية مشروعة».

في جميع هذه الموارد، تُعرف الكلمة المقدرة بنظر العرف وبقرينة المناسبة، ولا تندرج تحت ضابطة معينة (المظفر، نفس المصدر: ص١٩٩)؛ كما في مثل ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (النساء: ٢٣) و﴿النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ (الأنعام: ١٥١) و﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ (المائدة: ١)، نرى أيضًا أن الأعيان الخارجية قد وُضعت موضوعًا لأحكام شرعية؛ في حين أن الأحكام يجب أن تتعلق بأفعال المكلفين، ويجب تقدير فعل مثل النكاح أو القتل أو الركوب. إذن، على الرغم من أن الدليل مجمل، وهذا الإجمال بسبب إطلاقه، إلا أن القرينة الخاصة، أي قرينة مناسبة الحكم والموضوع، تمنع من جريان الإطلاق وفي تقدير أي شيء (المظفر، نفس المصدر: ص٢٠١).

٤. يمكن معرفة كفائية الواجب بقرينة المناسبة؛ مثلًا، في آيات ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (المائدة: ٣٨) و﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (النور: ٢)، الفهم العرفي هو أن متعلق التكليف ليس عموم المكلفين؛ بل شخص واحد أو عدة أشخاص من المكلفين هم المأمورون (القدسي، ١٤٢٨هـ: ج١، ص٤٨٥).

٥. في معرفة وحدة أو تعدد المطلوب في الأوامر الشرعية، يُستفاد أيضًا من قرينة المناسبة. مثلًا، إذا قال الشارع «اقرأ القرآن يوم الجمعة» أو «اقرأ القرآن بالصوت الحسن»، يُفهم بقرينة المناسبة أن ذلك الوقت الخاص أو تلك الحالة الخاصة لا تُنشئ تقييدًا في مطلوبية القراءة؛ أي أن تدخل يوم معين وصوت حسن ليس من باب تعدد المطلوب؛ بل أحيانًا يُقال إن الأصل في جميع المستحبات الواردة في الشرع هو تعدد المطلوب (نفس المصدر، ص٤٩٢).

٦. في بحث الاستصحاب، يُقال في موضع إن استصحاب نجاسة الماء المتغير بسبب النجاسة، بعد زوال التغير، جارٍ؛ لأن علية التغير لنجاسة الماء من قبيل الواسطة في الثبوت. وفي موضع آخر، يقولون إن استصحاب حجية الفتوى بعد زوال عدالة المفتي ليس جاريًا؛ لأن علية العدالة لحجية الفتوى من قبيل الواسطة في العروض. هذا النوع من الفرق بين الموردين المذكورين في مقام الاستظهار، هو من باب الرجوع إلى الفهم العرفي ومن باب مناسبة الحكم والموضوع (الحلي، ١٤٣٢هـ: ج٥، ص٢٩٨).

٧. ذُكرت ملاكات لترجيح أحد المتزاحمين على الآخر. أحد هذه الملاكات هو أن يكون أحد الواجبين، في نظر الشارع، أولى وأهم من الآخر. هذه الأولوية تُفهم أحيانًا من ملاكات الأحكام والأدلة السمعية، وأحيانًا عن طريق مناسبة الحكم والموضوع؛ مثل ترجيح مصلحة «حفظ بيضة الإسلام» على مصلحة الأحكام الجزئية، وترجيح حق الناس على حق الله، وترجيح الدماء والفروج على غيرها، وترجيح نفس المؤمن على مال المؤمن، وترجيح الواجب الركني في الصلاة على الواجب غير الركني، وترجيح الركوع على القراءة، وترجيح الصلح ودفع الفتنة على الصدق وإيجاد الفتنة (المظفر، دون تاريخ: ج٢، ص٢١٩).

٨. في تبيين دلالة حديث الرفع، يُقال إن رفع القلم ناظر إلى رفع القلم الإلزامي، لا مطلق رفع القلم؛ لأن في مطلق رفع القلم لا توجد منة؛ بل المنة على خلافه. هذا الأمر يُفهم بقرينة مناسبة الحكم والموضوع (الخميني، ١٤١٨هـ: ج٢، ص٢٤٨).

كذلك، في هذا الحديث بحث آخر: هل يختص الحديث بالشبهات الموضوعية أم يشمل الشبهات الحكمية أيضًا؟ هنا أيضًا قيل إن وحدة السياق قرينة على اختصاص الحديث بالشبهات الموضوعية، ولكن مناسبة الحكم والموضوع قرينة أقوى من قرينة السياق، وبعض الفقرات تخرج عن السياق (نفس المصدر: ج٧، ص٤٤).

٩. في تبيين نطاق القواعد وإمكان أو عدم إمكان تخصيص أدلتها وتنقيح دلالتها، يُستفاد أيضًا من قرينة المناسبة. مثلًا، في حديث «لا ضرر»، قيل إن إطلاق الدليل بحيث يأبى عن التخصيص. هذا الأمر يُعلم بملاحظة قرينة مناسبة الحكم والموضوع، وبالالتفات إلى هذه النقطة، وهي أن الحديث في مقام الامتنان (القدسي، ١٤٢٨هـ: ج٣، ص٢٥٧).

١٠. أصل تشكل بعض القواعد يقوم على أساس الفهم العرفي من مناسبة الحكم والموضوع. مثلًا، قاعدة «الضرورات تقدر بقدرها»، وهي قاعدة عقلية، وقد تأسست على أساس مناسبة الحكم والموضوع، وقواعد أخرى ترجع إليها، كلها مبنية على القرينة المذكورة، مثل «ما جاز لعذر بطل بزواله» و«إذا زال المانع بطل الممنوع» (الحكيم، ١٤٢٩هـ: ص١٢٥).

وعن قاعدة نفي السبيل، قيل إن أحد أدلتها هو مناسبة الحكم والموضوع؛ لأن آية ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ تقتضي أنه لم يُجعل أي حكم يخالف العزة. وبهذا، يكون الاستناد إلى دليل مناسبة الحكم والموضوع أفضل وأوثق دليل على قاعدة نفي السبيل (البجنوردي، ١٣٧٧ش: ج١، ص١٩٢).

كلمات الفقهاء والأصوليين حول قبول المسامحات العرفية أو لزوم الدقة العقلية في الاستفادة من الأدلة مختلفة. محل البحث موضعان: أحدهما تشخيص المفهوم اللفظي من النصوص، والآخر تشخيص مصاديق ذلك المفهوم.

وقد حاول بعض الأساتذة إيجاد طريق للجمع بين كلمات الأعلام، وبالاعتماد على كلمات المحقق العراقي (البروجردي النجفي، ١٣٩٣ش: ج٤، القسم الثاني، ص٩-١١) أفادوا بأن ما يرتكز في أذهان العامة ويُدرك عن طريق مناسبة الحكم والموضوع، هو حد وسط بين الدقة العقلية والنظر العرفي المسامحي. مثلًا، في باب الاستصحاب، يُحرز اتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة عن طريق المناسبة، وهو حد وسط بين الدقة والتسامح العرفي (ساعدي، دون تاريخ: مجلدات مجلة فقه أهل البيت، ج٣٧، ص٩٦).

٤. حجية مناسبة الحكم والموضوع

إذا كانت المناسبة بين الحكم والموضوع واضحة إلى درجة تدفع العرف العام أو عرف المتشرعة، كمخاطب، إلى العدول عن إطلاق أو عمومية الموضوع وفهم أفراد خاصين، فإنها تخلق للفظ ظهورًا مختلفًا عن الظهور اللغوي. وبالطبع، هذا النوع من المناسبة هو قرينة متصلة. مثالها المعروف عند الأصوليين هو الآية الشريفة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (النساء: ٢٣). في نظرهم، بقرينة مناسبة الحكم والموضوع، المراد هو تزويجهن لا النظر إليهن أو لمسهن أو أكلهن أو ضربهن. كذلك في الآية الشريفة ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ (المائدة: ٣)، المراد هو أكلها لا بيعها أو دفنها أو إنتاج السماد الطبيعي منها. إذن، على الرغم من أن الحكم يترتب على الذات، إلا أن الفعل المعين المرتبط بها هو المقصود. والتصرفات التي كانت شائعة ورائجة وقت صدور النص والتخاطب، هي المرادة يقينًا، واللفظ له ظهور فيها وهو حجة. والأفعال التي نشك في إرادتها، ينشأ للفظ إجمال من جهة إرادتها. على أي حال، نحن على يقين بأن مطلق التصرفات ليس مرادًا. لذلك، ظهور الكلام في وجود مناسبة بين الحكم والموضوع يعني نفي الإطلاق في ناحية الموضوع.

وإذا كان العكس، فالملاك هو الظهور العرفي أيضًا. لذلك، أحيانًا بقرينة المناسبة، يُفهم تعميم الحكم في ناحية الموضوع، ويثبت الإطلاق؛ حتى لو كان موضوع الخطاب اللفظي، بدون لحاظ هذه القرينة، مقيدًا وخاصًا.

في الموارد التي يترتب فيها حكم شرعي على عين خارجية، نقول بقرينة المناسبة إن المراد هو الاستعمال الخاص. ظهور الخطاب هو أن الاستعمال المناسب في زمان صدور الخطاب هو الذي يُعين؛ بل يثبت الاستعمال المناسب في كل عصر، لأن نظر الشارع هو إلى الاستعمال المناسب ولا يقصد مصداقًا خاصًا، ولكن الاستعمالات غير المتعارفة قطعًا ليست مرادة (القائيني، ١٤٢٧هـ: ج١، ص١٠٩). وبالتالي، حجية مناسبة الحكم والموضوع تدور مدار الفهم العرفي في تضييق أو توسيع دائرة الموضوع، وما هو ملاك ترتب الحكم هو الموضوع الواقعي لا الموضوع المصرح به. النقطة المهمة هنا هي أنه إذا تغير العرف بتغير الزمان أو المكان أو الظروف، فبطبيعة الحال يتغير الفهم العرفي أيضًا، ومقتضى قرينة المناسبة هو أن موضوع الحكم قد تغير أيضًا؛ ولكن في رأينا، الفهم العرفي في زمان أو مكان خاص لا يضر بالإطلاق. في المثال أعلاه، يمكن القول إنه لو كان مراد الشارع مطلق الاستعمالات، فإن الفهم العصري لا يوجد قيدًا في الموضوع. مثلًا، لو قال «الدم حرام»، في زمن ما يكون الاستعمال المناسب هو الأكل والشرب، وفي زمن آخر يكون الاستعمال المناسب صناعة الأصباغ، وفي زمان أو مكان آخر يكون الاستعمال المناسب تقوية التربة الزراعية، وفي مكان آخر يكون الاستعمال المناسب صنع المنتجات الطبية أو الحقن في إنسان مريض. هنا، بالطبع، لا يمكننا القول إن قرينة المناسبة في كل عصر تشمل الاستعمال المناسب في التحريم، لأنه منذ البداية، تحدد قرينة المناسبة مناط الحكم؛ أي في نفس المثال أعلاه، تجعل الاستعمالات الناشئة عن قذارة ونجاسة الدم موضوع الحكم، وإذا لم يُذكر مصداق خاص، فإن مقتضى قرينة المناسبة هو أن أي استعمال ناشئ عن قذارة ونجاسة الدم، في كل زمان ومكان، يُحرم بقرينة المناسبة؛ من هذا المنطلق، للدليل إطلاق من جهة وإطلاق من جهة أخرى. لهذا السبب، طرح بعض الأساتذة المعاصرين سؤالًا في هذا الشأن ثم درسوا مقتضى الأدلة المانعة، وذكروا أنه إذا سُئل: هل نقل الدم من شخص لآخر أو تخزين الدم لإجراء فحوصات وإنتاج منتجات دموية مشمول لإطلاقات مثل «حرمت عليكم الدم»؟ أو هل تنصرف الإطلاقات عن مثل هذه التصرفات؟ أو بقرينة مناسبة الحكم والموضوع، هل حُرمت خصوص التصرفات التي كانت معتادة ومتعارفة في زمن صدور النص (مثل الأكل والشرب) وبقية التصرفات، إذا لم تكن مشمولة بأدلة مانعة أخرى، جائزة؟ الأدلة المانعة الأخرى يمكن أن تكون روايات تمنع التصرف في الأعيان النجسة. وهذه الأدلة أيضًا ينصرف إطلاقها إلى التصرفات التي تسبب تعدي النجاسة وتنجيس البدن أو اللباس أو تسبب تنجيس طعام المسلم؛ ولكن إذا لم تسرِ إلى طعامه ولباسه ولم تكن مانعًا لصحة الصلاة وحلية الطعام، فإنها تخرج من شمول هذه الإطلاقات. إذن، تحريم الدم في الآية الشريفة لا يتعلق بذات الدم؛ بل بسبب كونه نجس العين، وتحريم التصرف في العين النجسة يتعلق بوصف النجاسة، وينظر إلى منع التصرفات التي تكون النجاسة فيها مانعًا من صحتها أو جوازها. ونتيجة لذلك، التصرفات التي لا يُشترط فيها عدم نجاسة العين الخارجية، لا مانع منها، مثل حقن الدم في بدن إنسان حي، بحيث يصبح جزءًا من بدنه (الهاشمي الشاهرودي، ١٣٨٧ش: ج٣، ص١٨٤).

٥. نماذج من تطبيقات قرينة مناسبة الحكم والموضوع

«انفرادية أو مجموعية حق القصاص» هي إحدى المسائل الخلافية بين الفقهاء. وفي حل هذه المسألة، استُند إلى الظهور الأولي والثانوي للأدلة اللفظية، وفي جمع الأدلة، إلى قاعدة حجية مناسبات الحكم والموضوع.

توضيح ذلك: إذا طلب بعض أولياء الدم العفو أو الدية، فهل يجوز للبعض الآخر منهم أن يطلبوا القصاص بشكل مستقل، أم لا يجوز، وبطلب العفو أو الدية من قبل المجموعة الأولى، يسقط حق القصاص، والمجموعة الثانية لن يكون لها حق القصاص؟ بتعبير المحقق الحلي في شرائع الإسلام، المشهور بين فقهاء الشيعة هو أن القصاص لا يسقط. وقد استدلوا لإثبات رأيهم بأدلة متعددة، منها روايات. مثل صحيحة أبي ولاد الحناط:

قال سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل قُتل وله أم وأب وابن، فقال الابن أنا أريد أن أقتل قاتل أبي، وقال الأب أنا أريد أن أعفو، وقالت الأم أنا أريد أن آخذ الدية. قال: فقال: فليعط الابن أم المقتول السدس من الدية، ويعطي ورثة القاتل السدس من الدية حق الأب الذي عفا، وليقتله (الحر العاملي، ١٤٠٩هـ: ج٢٩، ص١١٣).

يقول أبو ولاد: سألت الإمام الصادق (ع): رجل قُتل وله أب وأم وابن. الابن يقول: أريد أن أقتل قاتل أبي. الأب يقول: أنا أعفو عنه. الأم تقول: أريد أن آخذ الدية. فقال الإمام (ع) في جوابه: «يجب على الابن أن يدفع سدس الدية لأم المقتول، ويدفع سدسًا آخر لورثة القاتل من باب حق الأب الذي عفا. ثم يمكنه أن يقتل القاتل».

في المقابل، توجد روايات أخرى هي مستند الرأي غير المشهور، منها صحيحة عبد الرحمن:

قال: قلت لأبي عبد الله (ع)، رجلان قتلا رجلًا عمدًا وله وليان فعفا أحد الوليين، قال: فقال إذا عفى بعض الأولياء درئ عنهما القتل وطرح عنهما من الدية بقدر حصة من عفى وأديا الباقي من أموالهما إلى الذين لم يعفوا (نفس المصدر: ج٢٩، ص١١٥).

يقول عبد الرحمن: قلت للإمام الصادق (ع): رجلان قتلا رجلًا عمدًا، وللمقتول وليان، وقد عفا أحدهما. فقال الإمام (ع): «إذا عفا بعض الأولياء، يُرفع حكم القتل عنهما، ويُخصم من الدية بمقدار حصة الذين عفوا، ويُدفع ما تبقى من الدية من أموالهما إلى الذين لم يعفوا».

وكذلك معتبرة إسحاق بن عمار:

عن جعفر عن أبيه (ع) أن عليًا (ع) كان يقول: من عفى عن الدم من ذي سهم له فيه، فعفوه جائز وسقط الدم وتصير دية ويرفع عنه حصة الذي عفى؛

يقول إسحاق بن عمار: نقل الإمام الصادق (ع) عن أبيه أن عليًا (ع) كان يقول: «كل من له سهم في الدم من أصحابه وعفا عن القاتل، فعفوه جائز، ويسقط القصاص ويتحول إلى دية، وتُرفع حصة من عفا من الدية عن القاتل» (نفس المصدر: ج٢٩، ص١١٦).

في الجمع بين الروايات الموافقة والمخالفة لرأي المشهور، ذُكرت وجوه مختلفة. الشهيد الصدر، بالنظر إلى هذه الوجوه، يعتقد في النهاية أن عموم الروايات التي تدل على سقوط حق القصاص غير قابل للتخصيص (الصدر، ١٤١٠هـ: ج٢، ص٣٨٨). ولعل نكتة عدم قابلية هذا العموم للتخصيص هي أن ما يُستفاد عرفًا وبمناسبة الحكم والموضوع من هذه الروايات هو أن النكتة العرفية لسبب سقوط حق القصاص هي عدم قابلية القصاص للتجزئة. بناءً على ذلك، إذا أصبح الجاني مالكًا لجزء من نفسه، يسقط حق القصاص بالتأكيد، ويُرفع حكم القتل عنه. هذه النكتة، سواء كانت قريبة أو بعيدة، لا علاقة لها بنسبة الولي إلى المقتول. إذا جزمنا بهذه النكتة من الناحية العرفية أو الفقهية، فإن التعارض بين طائفتي الأخبار سيستقر على أي حال (الهاشمي الشاهرودي، ١٣٨٧ش: ج٣، ص١٨٣).

النموذج الثاني يتعلق ببيع الدم. كمقدمة، نضيف أن العناوين المأخوذة في الخطابات الشرعية هي محل بحث بين الفقهاء والأصوليين من حيث هل أُخذت هذه العناوين على نحو الطريقية أم على نحو الموضوعية. في الحالة الأولى، سيكون العنوان مجرد مشير، ولن يكون للعنوان دور تدخلي في الحكم، بل قد يُدعى لغوية العنوان. بالطبع، الظهور اللفظي لأي عنوان هو أن نفس العنوان له دخل في الحكم. لذلك، اعتبار العنوان طريقيًا هو خلاف ظاهر اللفظ، ولكن هذا الاستظهار يتعلق بكلام الشارع، وإذا ورد عنوان في لسان السائل من الإمام، فإن حمله على عدم الموضوعية، بقول الشهيد الصدر، ليس خلاف الظهور. الآن في أدلة النهي عن بيع الدم، إذا كان عنوان «الدم» له موضوعية، فحتى في الوقت الحاضر الذي يُشترى ويُباع فيه الدم لحقن المرضى، لا يزال التعامل منهيًا عنه. وإذا كان العنوان طريقيًا ومشيرًا إلى شيء من حيث كونه مادة مأكولة، ففي هذه الحالة، الاستخدام غير الغذائي للدم لا تشمله أدلة الحرمة. بالطبع، هنا، تحديد الطريقية من الموضوعية له أهمية كبيرة. إحدى طرق تحديد الطريقية هي الاعتماد على قرينة مناسبة الحكم والموضوع. لأنه في نظر العرف، كلما تعلق حكم بموضوع، فلا بد أن يكون ذلك الموضوع نفسه هو الملاك (عباس موسوي، دون تاريخ: مجلدات مجلة فقه أهل البيت، ج٤٩، ص١٢٧).

النموذج الثالث هو كلام الشهيد الصدر في بحث مطهرية ماء المطر، المستفاد من الآية الشريفة ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (الأنفال: ١١).

يقول: إن تنزيل الماء من السماء يمكن أن يكون طريقيًا؛ أي بمعنى إنزال الماء من مبدأ السماء، وهو طريق لإيجاد مياه أخرى؛ إذن يشمل جميع أنواع المياه. كما يمكن أن يكون موضوعيًا، والمراد هو خصوص ماء المطر.

ما يعين الاحتمال الأول هنا هو وجود قرينة مناسبة الحكم والموضوع؛ لأن العرف يقول إن النزول من السماء ليس له أي دخل. إذن، من الآية الشريفة يمكن استنتاج مطهرية جنس الماء (الصدر، ١٤١٠هـ: ج١، ص٣٩).

٦. تعزيز الشواهد على حجية قرينة المناسبة

من الأمور الموكلة إلى الفقهاء في زمن الغيبة، أخذ الخمس وصرفه في جهات المصرف. لا يوجد نقاش حول سهم الإمام ومصاريفه؛ لأن هذا السهم ملك للإمام المعصوم، وفي زمن الغيبة، له حكم مال الشخص الغائب، الذي يجب حفظه قدر الإمكان وصرفه في الموارد التي نتيقن برضا المالك. ولازم جعل الولاية للفقهاء هو جعل الولاية على هذا الجزء من الخمس أيضًا.

أما بالنسبة لمصرف سهم السادات، فيمكن القول: بقرينة مناسبة الحكم والموضوع، المستفادة من بعض الروايات، فإن الإمام المعصوم وخليفته له ولاية على هذا السهم، مثل رواية الإمام الكاظم (ع) التي فيها تعبير كهذا عن سهم السادات:

«ونصف الخمس الباقي بين أهل بيته، فسهم لأيتامهم وسهم لمساكينهم وسهم لأبناء سبيلهم، يقسم بينهم على الكتاب والسنة ما يستغنون به في سنتهم، فإن فضل عنهم شيء فهو للوالي، وإن عجز أو نقص عن استغنائهم كان على الوالي أن ينفق من عنده بقدر ما يستغنون به» (صافي الكلبايكاني، ١٤١٥هـ: ص٢٧).

في خبر أبي بصير عن الإمام الصادق (ع) ورد: «قال سألته عن الذي بيده عقدة النكاح، قال هو الأب والأخ والرجل يوصي إليه» (الحر العاملي، ١٤٠٩هـ: ج٢٠، ص٢٨٣).

الشاهد على وجود قرينة مناسبة الحكم والموضوع في النص أعلاه هو رأي الفقهاء القائلين بأن المراد من الشخص الوصي الذي له اختيار زواج الصغير والطفل هو الوصي في خصوص أمر الزواج، لا الوصي في الأمور المالية، وحتى لا الوصي في الأمور العامة. لا يمكنه التدخل في زواج الصغير؛ لأن إطلاق الوصية في الأمور المتعارفة لا يشمل مثل هذه الحالات الخاصة (سيفي المازندراني، ١٤٢٨هـ: ج١، ص٢٢١).

فيما يتعلق بالقاعدة الفقهية لنفي السبيل، المستندة إلى الآية الشريفة ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: ١٤١)، هناك عدة أبحاث وإشكالات: أحدها هو هل المراد نفي السبيل من جماعة الكفار على جماعة المؤمنين؛ بحيث لا يشمل إثبات السبيل لآحاد من الكفار على آحاد من المؤمنين دلالة الآية؟ في الإجابة على هذا السؤال، بصرف النظر عن إمكانية الاستفادة من القواعد الأدبية والشواهد العرفية حول استعمال صيغة الجمع المحلى باللام، تمسك بعض الفقهاء بوجود قرينة السياق وقرينة مناسبة الحكم والموضوع. لقد أفادوا بأن قرينة المناسبة شاهدة على إرادة جنس الكفار وجنس المؤمنين في هذا المقام (سيفي المازندراني، ١٤٢٥هـ: ج١، ص٢٣٣).

مما أوردناه حتى الآن حول قاعدة حجية مناسبة الحكم والموضوع والأمثلة التي طرحناها، يتضح أن مناسبة الحكم والموضوع هي نوع من القرينة العرفية على كشف الموضوع وملاك الحكم، والتي يمكن أن تكون أعم أو أخص بالنسبة للموضوع المطروح في الخطاب. توضيح ذلك: أحيانًا يكون موضوع الخطاب في الظاهر خاصًا، ولكن العرف يلغي خصوصيته ويفهم الحكم في نطاق أوسع منه. وأحيانًا يكون موضوع الخطاب عامًا وشاملًا، ولكن العرف يرى شموليته غير مقصودة ويضيق الحكم. على أي حال، يعتمد الشارع على الفهم العرفي في كشف مناسبة الحكم والموضوع، وقد اعتبره بمنزلة القرينة المتصلة في انعقاد الظهور الأولي.

النموذج الثاني يتعلق بشخص الزاني الذي يفرض عليه الحاكم الإسلامي عقوبة التبعيد. أحد المباحث في هذا الشأن هو هل يمكن للشخص المبعد أن يصطحب زوجته معه أم يجب أن ينفصل عنها؟ مقتضى إطلاقات أدلة التغريب هو أن مصاحبة الزوجة لا مانع منها؛ ولكن من بين الفقهاء المعاصرين، يصرح المرحوم آية الله الكلبايكاني بأنه بسبب وجود قرينة مناسبة الحكم والموضوع، يجب العدول عن الإطلاق، لأن عقوبة التغريب لها جانب عقابي على ارتكاب الزنا، وهذا يقتضي أن يُحرم المجرم من الملذات المباحة المتعلقة بزوجته.

من الواضح أنه بافتراض قبول قرينة المناسبة، لا يمكن طرحها في سائر الموارد، مثل تبعيد المحارب أو القواد أو قاتل الولد أو واطئ البهيمة (الطبسي، دون تاريخ: ص٢٨٠).

النموذج الثالث يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إحدى وظائف الحاكم الإسلامي هي إقامة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ولكن الفقهاء قد وضعوا لها مراتب: القلب واللسان واليد. ثم ذكروا مراتب لـ«اليد» أيضًا، مثل الضرب ثم الجرح ثم القتل؛ ولكن من عجائب كلام بعض الأكابر مثل آية الله السيد أحمد الخوانساري في جامع المدارك (١٣٦٤ش: ج٥، ص٤٠٩) أن الترتيب غير معتبر؛ لأن في الروايات جاءت «الواو» العاطفة التي لا تفيد الترتيب. في المقابل، قال فقهاء آخرون إنه أولًا يجب لحاظ التزاحم بين هذه الأدلة وأدلة حرمة الإيذاء، ومن باب الأهم والمهم يُلجأ إلى أقوى الملاكين؛ ثانيًا، «الواو» العاطفة في الأدلة المذكورة لا تدل على التساوي، بل قرينة مناسبة الحكم والموضوع تُظهر أن هناك مراتب ومراحل، ومع تأثير المرحلة الأدنى لا تصل النوبة إلى المرحلة الأعلى. مثلًا، في حالة يمكن فيها جعل المجرم يندم بنصيحة مختصرة، لا يجيز أي فقيه إصدار أمر بالقتل لمجرد شرب الخمر مرة واحدة (مكارم الشيرازي، ١٤٢٢هـ: ص٤٣٨).

٧. نتائج البحث

١. قرينة المناسبة من أقسام القرائن العرفية التي تستند إلى الفهم الارتكازي.

٢. العناوين والحالات العارضة على الموضوع إذا لم تؤد إلى تغيير ماهية الموضوع، ولكنها تؤدي إلى تغيير الاسم، يصبح بقاء الحكم محل تردد. في هذه الموارد، يرى العرف عن طريق قرينة المناسبة أن التغييرات أحيانًا تضر ببقاء الحكم وأحيانًا لا. حتى في الموارد التي يتغير فيها الاسم أيضًا، لا يزال بقاء الحكم أو عدمه يدور مدار نظر العرف بناءً على قرينة المناسبة.

٣. في قرينة المناسبة، أحيانًا يكون العرف العقلائي هو الحاكم، وأحيانًا عرف المتشرعة، وهذا يعتمد على نوع الموضوعات.

٤. استفاد الأصوليون من قرينة المناسبة في موارد، منها: إثبات مفهوم الوصف، ومعنى المشتق، ورفع إجمال الدليل، وتعيين كفائية الوجوب، ومعرفة وحدة أو تعدد المطلوب، وجريان أو عدم جريان الاستصحاب، وترجيح أحد المتزاحمين على الآخر، وتبيين دلالة حديث الرفع، وتقعيد القواعد وتعيين نطاقها.

٥. استخدم الفقهاء قرينة المناسبة في موارد متعددة. النقطة المهمة في استنباط الحكم الشرعي من قرينة المناسبة هي أنه يمكن كشف ملاك الأحكام، الذي هو سبب توسعة أو تضييق الحكم، عن طريق قرينة المناسبة.

٦. أهم وظيفة لقرينة المناسبة هي رفع الإجمال عن الدليل اللفظي وكسر ظهوره الإطلاقي.

الهوامش

١. البجنوردي، السيد حسن (١٣٧٧ش)، القواعد الفقهية، قم، الهادي، الطبعة الأولى.

٢. الحائري، السيد كاظم (١٤٠٨هـ)، مباحث الأصول (تقريرات درس الشهيد الصدر)، قم، نشر مقرر، الطبعة الأولى.

٣. الحر العاملي، محمد بن حسن (١٤٠٩هـ)، وسائل الشيعة، قم، آل البيت، الطبعة الأولى.

٤. الحكيم، محمد تقي بن محمد سعيد (١٩٧٩م)، الأصول العامة للفقه المقارن، قم، آل البيت، الطبعة الثانية.

٥. __________ (١٤٢٩هـ)، القواعد العامة في الفقه المقارن، طهران، نشر مجمع التقريب، الطبعة الأولى.

٦. الحلي، حسين (١٤٣٢هـ)، أصول الفقه، قم، نشر مكتبة الفقه والأصول المختصة، الطبعة الأولى.

٧. البروجردي النجفي، محمد تقي (١٣٩٣ش)، نهاية الأفكار، تقريرات ضياء الدين العراقي، قم، نشر جامعة المدرسين، الطبعة السادسة.

٨. الخميني، السيد مصطفى (١٤١٨هـ)، تحريرات في الأصول، قم، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، الطبعة الأولى.

٩. الخوئي، السيد أبو القاسم (دون تاريخ)، أجود التقريرات (تقريرات درس الميرزا النائيني)، قم، مطبعة الفرمان.

١٠. ساعدي، جعفر (دون تاريخ)، «دور العرف والسيرة في استنباط الأحكام»، مجلدات مجلة فقه أهل البيت (ع)، ج٣٧، قم، مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي، الطبعة الأولى.

١١. السبحاني، جعفر (١٣٨٣ش)، رسائل أصولية، قم، مؤسسة الإمام الصادق (ع).

١٢. سيفي المازندراني، علي أكبر (١٤٢٨هـ)، دليل تحرير الوسيلة (ولاية الفقيه)، ج١، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، الطبعة الثانية.

١٣. الخوانساري، السيد أحمد (١٣٦٤ش)، جامع المدارك، بتصحيح علي أكبر غفاري، قم، إسماعيليان، الطبعة الثانية.

١٤. __________ (١٤٢٥هـ)، مباني الفقه الفعال في القواعد الفقهية الأساسية، قم، نشر جامعة المدرسين، الطبعة الأولى.

١٥. صافي الكلبايكاني، لطف الله (١٤١٥هـ)، ضرورة وجود الحكومة أو الولاية للفقهاء، قم، دار القرآن الكريم.

١٦. الصدر، السيد محمد باقر (١٤١٠هـ)، بحوث في شرح العروة الوثقى، النجف، مطبعة الآداب.

١٧. __________ (١٤١٠هـ)، منهاج الصالحين (المحشى)، با تعليقات شهيد صدر، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، الطبعة الأولى.

١٨. الطبسي، نجم الدين (دون تاريخ)، النفي والتغريب في مصادر التشريع الإسلامي، قم، مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة الأولى.

١٩. عباس موسوي، علي (دون تاريخ)، «الموضوعية والمعرفية في أدلة الأحكام الشرعية»، مجلدات مجلة فقه أهل البيت (ع)، ج٤٩، قم، مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي، الطبعة الأولى.

٢٠. عدنان القطيفي، السيد منير (١٤١٤هـ)، الرافد في علم الأصول (تقريرات درس السيد علي السيستاني)، قم، مهر، الطبعة الأولى.

٢١. الفياض، محمد إسحاق (١٤١٠هـ)، محاضرات في أصول الفقه (تقريرات درس السيد أبو القاسم الخوئي)، قم، أنصاريان، الطبعة الرابعة.

٢٢. القائيني، محمد (١٤٢٧هـ)، المبسوط في فقه المسائل المعاصرة، ج١-٤، قم، نشر مركز فقه الأئمة الأطهار (ع)، الطبعة الأولى.

٢٣. القدسي، أحمد (١٤٢٨هـ)، أنوار الأصول (تقريرات درس ناصر مكارم الشيرازي)، قم، نشر مدرسة الإمام علي بن أبي طالب (ع)، الطبعة الثانية.

٢٤. الكاظمي الخراساني، محمد علي (دون تاريخ)، فوائد الأصول (تقريرات درس الميرزا النائيني)، قم، نشر جامعة المدرسين، قم.

٢٥. المظفر، محمد رضا (دون تاريخ)، أصول الفقه، قم، إسماعيليان، الطبعة الخامسة.

٢٦. مكارم الشيرازي، ناصر (١٤٢٢هـ)، بحوث فقهية هامة، قم، نشر مدرسة الإمام علي (ع)، الطبعة الأولى.

٢٧. الهاشمي الشاهرودي، السيد محمود (١٣٨٧ش)، پژوهش هاي نو در فقه معاصر، قم، نشر دادگستري كل استان قم، الطبعة الأولى.

Scroll to Top