المستخلص
يُعدُّ دوس البطن الذي يؤدي إلى خروج البول أو الغائط إحدى الجنايات التي يبحثها الفقه الإمامي، ويُشار إليها بعنوان «دوس البطن». وقد اختلف الفقهاء في مقدار وكيفية العقوبة على هذه الجناية. ذهب مشهورهم إلى أن عقوبة الجاني في هذه الحالة هي القصاص أو دفع ثلث الدية الكاملة، مستندين في ذلك إلى رواية السكوني وإجماع الفقهاء. وفي المقابل، يرى بعض الفقهاء عدم جريان القصاص وثبوت الأرش. وبعد تحليل كلا الرأيين وأدلتهما، خلصت هذه المقالة إلى أن القول بثبوت الأرش هو ما يتوافق مع الموازين الفقهية، وأن رأي القائلين بجواز القصاص أو ثلث الدية هو رأي غير تام. وقد تم التوصل إلى هذه النتيجة لكون الرواية التي يستند إليها المشهور لا تقوى على معارضة حكم ثبوت الأرش لأسباب كنُدرة الحكم واستلزامه للتغرير.
المقدمة
تنقسم الجرائم الواقعة على السلامة الجسدية للأشخاص إلى قسمين: عمدية وغير عمدية. من وجوه الافتراق بين الجريمة العمدية والجريمة غير العمدية أن عقوبة من يرتكب جريمة بصورة عمدية هي القصاص، بينما إذا ارتكب شخص جريمة بصورة غير عمدية، سواء كانت شبه عمد أم خطأ محضاً، فإن عقوبتها هي دفع الدية.
القصاص، الذي هو عقوبة القتل والجرح العمدي، ينقسم إلى نوعين: قصاص الطرف وقصاص النفس. يترتب قصاص الطرف على إيقاع جرح عمدي على أعضاء وأجزاء بدن المجني عليه، وموجبه هو الجناية على الأعضاء بصورة عمدية. أحياناً تقع الجناية بصورة يترتب عليها، بالإضافة إلى تضرر العضو، تضرر منافع البدن المهمة أيضاً؛ وقد يكون هذا الضرر في المنافع دائماً ومستمراً، أو قد يكون عارضاً ولمرة واحدة.
وقد تناول الفقهاء كلاً من الفرضين المذكورين بالتفصيل وقدموا آراء مختلفة. من بين الجنايات التي قد تسبب ضرراً عارضاً لمنافع البدن، دوس بطن شخص ما بالقدم، مما يؤدي إلى خروج البول والغائط من المجني عليه لا إرادياً.
هذه الجناية، التي تُعرف في لغة الفقهاء بـ«دوس البطن»، تُعد من جنايات الأطراف. ومن هذه الزاوية، يمكن اعتبار دوس البطن نوعاً من سلس البول أو الغائط العارض، أي الذي يحدث للشخص مرة واحدة فقط.
بناءً على ذلك، فإن السؤال الذي يتناوله هذا البحث هو: ما هي عقوبة دوس البطن وما يترتب عليه من عروض «سلس البول»[1] و«سلس الغائط»[2] إذا كانا عارضين؟ في الإجابة على هذا السؤال، انعكس في كتب الفقه رأيان مهمان. تبنى مشهور الفقهاء القول بجواز القصاص أو ثلث الدية، وفي المقابل، أفتى غير المشهور بثبوت الأرش. بالإضافة إلى هذين الرأيين، تعرض البعض لهذه المسألة إما بالإعراض عنها، أو اكتفوا بنقل أقوال الفقهاء الآخرين وتوقفوا أو ترددوا فيها. وبناءً على ذلك، تبنى فقهاء الإمامية ثلاثة اتجاهات في عقوبة دوس البطن، وهي:
أ) ثبوت القصاص أو ثلث الدية الكاملة؛
ب) مخالفة القصاص والدية، وبالتالي ثبوت الأرش؛
ج) التوقف أو الاحتياط.
في هذا البحث، سيتم أولاً تبيين جناية دوس البطن، ثم في الخطوة التالية، من خلال بيان الأقوال المختلفة في المسألة، سيتم تحديد الآراء وعرضها بالتفصيل، ثم سيتم تفكيك ونقد ودراسة أدلة الأقوال المختلفة، وفي الختام، سيتم السعي لتقديم النظرية المختارة بصورة استدلالية.
١. دراسة مفهوم دوس البطن في الطب
يُعد سلس البول والغائط من الاضطرابات المرتبطة بمجموعة قاع الحوض والمجاري البولية السفلية. يحدث سلس الغائط في حالات يخرج فيها الغائط بشكل لا إرادي، أو يوجد عجز في التحكم في إفراغ مواد الغائط عن طريق الشرج. يشمل نطاق سلس الغائط أيضاً خروج الغازات لا إرادياً وتسرب الغائط السائل بعد الإفراغ الكامل لمحتويات الأمعاء (بدخش وآخرون، ١٣٩٣، ص١١٨). وقد عرّفت الجمعية الدولية للتحكم في البول (ICS) في عام ٢٠٠٥ سلس البول على النحو التالي:
«سلس البول هو مجموعة من الأعراض الذاتية والعلامات الموضوعية (السريرية وفوق السريرية) التي تنتج عن نشاط أقل من المعتاد لعضلات قاع الحوض. من الناحية العلمية، يُعرف العجز عن حبس البول، أو خروج البول في وقت غير مرغوب فيه، بسلس البول». (دهقان منشادي وآخرون، ١٣٩٢، ص ٥٣)
«خلع» أو انزياح المثانة، بمعنى خروج المثانة من موضعها الطبيعي، هو من الأسباب الجسدية التي تؤدي إلى سلس البول. ومن الأسباب التي يمكن ذكرها لخلع المثانة «الضربة أو السقطة التي تصيب العمود الفقري القطني وتمزق بعض أربطة المثانة وتجعلها تميل إلى جانب واحد». (نوجوان وآخرون، ١٣٩٤، ص ١٠٨). سبب آخر هو أن «سلس البول يحدث عادة بسبب ضعف عضلات قاع الحوض وفقدان الدعم من الوحدة العضدية العاصرة. في مثل هذه الحالة، تحدث حركة مفرطة للقطعة العضدية العاصرة وهبوطها». (مخلصي وآخرون، ١٣٩٥، ص ٩٥٦)
كل الأسباب والعوامل المذكورة تؤدي إلى إصابة الشخص بعارض سلس البول أو الغائط، والذي يترتب عليه فقدان القدرة على حبس البول أو الغائط بشكل مستمر أو لفترة من الزمن. إلى جانب هذا العارض، يمكن ذكر نوع آخر من خروج البول أو الغائط اللاإرادي؛ في هذا النوع من السلس، لا يكون الشخص في الحقيقة مصاباً بعارض أو مرض يمكن إطلاق اسم مرض سلس البول عليه، ولكنه في نفس الوقت، بسبب ضغط أو ضربة وُجِّهت إلى مناطق مؤثرة من جسمه كالبطن، تخرج منه إفرازات بولية أو غائطية لا إرادياً. من البديهي أن مثل هذه الحالة هي في الواقع «حدوث» سلس البول والغائط، وليست «عروض» له. بناءً على ذلك، فإن الشخص المصاب، في الفرض الأخير، يرى إفرازات بولية أو غائطية مرة واحدة فقط وفي أعقاب هذه الضربة، ولا تواجهه مثل هذه المشكلة في المرات التالية. في اللغة العربية، وكذلك في الفقه الإمامي، يُشار إلى هذه الجناية بعنوان «دوس البطن».
٢. دراسة مفهوم دوس البطن لغةً واصطلاحاً
كلمة «دوس» مصدر من الفعل «داس يدوس» بمعنى الدوس الشديد لشيء ما. وقد عرّف صاحب بن عباد في المحيط في اللغة هذه الكلمة بمعنى «شِدَّةُ وَطْءِ الشَّيْءِ بِالأَقْدَامِ». وهذا التعريف قابل للنقد؛ لأن جنس التعريف هنا هو «شدة»، بينما الشدة في الأصل هي قيد لهذا التعريف، وكان يجب أن يكون التعريف على هذا النحو: «وطء شديد للشيء بالأقدام». وفي تاج العروس أيضاً، ورد «الوَطْءُ بِالرِّجْلِ: لگدمال کردن (الدوس)» كترجمة لهذه الكلمة (الواسطي الزبيدي، ١٤١٤، ج٨، ص٢٩٤). عدم التأكيد على شدة الفعل قد يُعد من نقاط ضعف تعريف تاج العروس. ولعل ما أورده الفيومي في المصباح المنير تحت كلمة «داس» أدق من جميع التعاريف المقدمة، حيث يقول: «دَاسَ الأَرْضَ دَوْساً إِذَا شَدَّدَ وَطْأَهُ عَلَيْهَا بِقَدَمِهِ».
المعنى الذي تستعمل به هذه الكلمة في الاصطلاح الفقهي مأخوذ أيضاً من هذا المعنى اللغوي؛ وعليه، فإن «داس بطنه» يعني أن شخصاً داس بطن شخص آخر. ولكن إذا أردنا بيان معنى هذا الاصطلاح بدقة أكبر في نطاق الفقه، يجب أن نقول: المراد من «دوس البطن» هو أن يقوم شخص بضرب بطن شخص آخر، مما يسبب خروج بوله أو غائطه لا إرادياً. ولكن كما قيل، فإن هذا السيلان والرشح يحدث مرة واحدة فقط، وأثناء دوس بطن المجني عليه، ولا يُعتبر بأي حال من الأحوال عارضاً أو مرضاً. لذلك، فإن هذه الجريمة لها مقومان أساسيان، وهما: أ) دوس البطن، ب) خروج إفرازات البول أو الغائط.
٣. دوس البطن والسَّلَس
إن التأكيد على عدم كون إفرازات البول والغائط عارضة في تعريف دوس البطن، هو لأنه إذا تسبب شخص، إثر ضربة على بطن شخص آخر، في عروض مرض «سلس البول أو الغائط» لدى المصاب، فإن هذا الفرض سيكون خارجاً عن موضوع هذا البحث؛ لأنه في هذه الفروض، يصدق عنوان «سلس البول» أو «عدم ضبط الغائط»، وهذان العنوانان يشيران إلى عارض خاص يواجه المصابون به أكثر من مرة. في الأصل، هذا النوع من الإصابات له عنوان منفصل ومختلف عن «دوس البطن»، وبالإضافة إلى الاختلاف الماهوي معه، فإنه يقتضي قدراً مختلفاً من الغرامة المالية.
لتوضيح أكثر، بناءً على رأي كثير من الفقهاء، إذا كان سلس البول دائماً ومستمراً، ففيه الدية الكاملة، أما إذا كان متقطعاً وغير مستمر، ففيه الأرش. (الحلي، ١٤٢٠، ج٥، ص٦١٣؛ العاملي «أ»، ١٤١٠، ص٢٨٣؛ الأردبيلي، ١٤٠٣، ج١٤، ص٤٢٠). وفي المقابل، يعتقد البعض أنه إذا استمر السلس دائماً حتى الليل، ففيه الدية الكاملة، وإذا استمر حتى الظهر، ففيه ثلثا الدية، وإذا استمر حتى طلوع النهار، ففيه ثلث الدية، وفي باقي الحالات تُحسب الدية بنفس الطريقة. (الصدوق، ١٤١٥، ص٥٢٧؛ الطوسي، ١٤٠٠، ص٧٦٩؛ ابن حمزة، ١٤٠٨، ص٤٤٢).
في حين لا يوجد مثل هذا الموقف بشأن جناية دوس البطن، بل إن ما طُرح في هذا الصدد هو رأيان مهمان سنتناولهما في السطور التالية.
٤. عقوبة دوس البطن من منظور الفقهاء
في مجموعة آراء الفقهاء على مر التاريخ، توجد ثلاث نظريات مختلفة في مجال عقوبة دوس البطن، وسنتناول هنا كل نظرية وأصحابها.
١-٤. نظرية ثبوت القصاص أو ثلث الدية
أثبت كثير من الفقهاء، ومنهم الفقهاء المتقدمون، القصاص أو ثلث الدية الكاملة في مقابل دوس البطن. في كتاب «العويص» سُئل الشيخ المفيد سؤالاً، وكانت إجابته مبينة لرأيه في مسألة دوس البطن:
«السؤال: أي جانٍ يلزمه ثلث الدية من غير أن يقطع عضواً من المجني عليه؟ الجواب: هو الذي يدوس بطن رجل حتى يحدث منه بول أو غائط. فالقصاص في مثل هذا الفعل، على ما ورد من الروايات عن الأئمة (عليهم السلام)، أن يداس بطنه حتى يحدث كما أحدث، أو يغرم ثلث الدية». (المفيد، ١٤١٣، ص٤٤).
وقد ادعى الشيخ الطوسي الإجماع على هذا الرأي (الطوسي، ١٤٠٧، ج٥، ص٢٩٩)، ونسبه الشهيد الثاني إلى أكثر الفقهاء (العاملي «ب»، ١٤١٠، ج١٠، ص٢٥٣). كما تبنى كثير من الفقهاء الآخرين هذا الرأي (المفيد، ١٤١٣، ص٧٦١؛ الطوسي، ١٤٠٧، ج٥، ص٢٩٩؛ الطوسي، ١٤٠٠، ص٧٧١؛ الطبرسي، ١٤١٠، ج٢، ص٣٦٥؛ سلار الديلمي، ١٤٠٤، ص٢٤٦؛ ابن حمزة، ١٤٠٨، ص٤٥٠؛ الكيدري، ١٤١٦، ص٥٠٨؛ ابن حلي، ١٤٢٢، ج٢، ص٥٩٠؛ الحلي «ب»، ١٤١٠، ج٢، ص٢٤١؛ النجفي، ١٤٠٤، ج٤٣، ص٢٨٨؛ الخوئي، ١٤٢٢، ج٤٢، ص٤٥٦؛ السبزواري، ١٤١٣، ج٢٩، ص٢٤٥؛ كاشف الغطاء، ١٤٢٣، ج٣، ص٩٣).
٢-٤. نظرية ثبوت الأرش
في مقابل الرأي المذكور، يرى ابن إدريس أن ثبوت القصاص في جناية دوس البطن محفوف بالخطر، ونتيجة لذلك امتنع عن قبول هذا الرأي (الحلي «أ»، ١٤١٠، ج٣، ص٣٩٥). ولكنه لم يشر إلى تحديد عقوبة هذه الجناية، واكتفى برفض العقوبة المحددة التي قال بها فقهاء الطائفة الأولى.
نتيجة موقف ابن إدريس، بالمآل، هي ثبوت الأرش لدوس البطن، ولكن أول فقيه صرح بتعيين الأرش لمن دُعس بطنه هو «العلامة الحلي». فقد وصف قول ابن إدريس بخطورة القصاص في جناية دوس البطن بأنه «جيّد»، وكتب في عبارة موجزة: «في طريقها ضعف، فالأولى الحكومة؛ أي أن في سند الرواية ضعفاً، فالمتعين هو ثبوت الحكومة والأرش». (الحلي، ١٤١٣، ج٩، ص٤٠١). وبالطبع، فإنه في كتاب قواعد الأحكام، ورغم إشارته إلى نظرية الفقهاء الأولى، فقد وصف ثبوت الأرش بأنه «وجيه»: «ولو داس بطنه حتى أحدث، فُعل به ذلك، أو يفتدي نفسه بثلث الدية. ولو قيل بالحكومة كان وجهاً».[3] (الحلي، ١٤١٣، ج٣، ص٦٨١).
لقي اتجاه العلامة قبولاً من الفقهاء الذين أتوا بعده. أول مدافع عن نظرية العلامة هو فخر المحققين الحلي الذي وجد رأي والده بثبوت الأرش رأياً متيناً (الحلي، ١٣٨٧، ج٤، ص٧٠٠). كذلك، فإن الحلي الأسدي، ضمن بيانه لرأي المشهور ورد ابن إدريس عليه، قد وثق باتجاه العلامة وهو قائل بأن الجاني يُحكم عليه بالأرش (الحلي، ١٤٠٧، ص٤٥٨؛ ج٥، ص٣٥٣ و٣٥٤). الفقعاني فقيه آخر اختار ثبوت الأرش، ولكنه أشار فقط إلى دوس البطن في الحالة التي تؤدي إلى خروج الغائط، ولم يذكر حكماً بشأن خروج إفرازات البول (الفقعاني، ١٤١٨، ص٣٢٦). الصيمري أيضاً يعتمد وجوب الأرش (الصيمري، ١٤٠٨، ج٣، ص١٩٧؛ همو، ١٤٢٠، ج٤، ص١٤٦٠). الشهيد الثاني فقيه آخر سلك طريق ثبوت الأرش، ويرى أن رأي ثبوت الأرش قوي (العاملي، ١٤١٣، ج١٥، ص٤٤٣؛ همو، ١٤١٠، ج١٠، ص٢٥٣).
صاحب الرياض أيضاً انضم إلى هذه الفئة من الفقهاء، مع فارق أنه، من باب رعاية جانب الاحتياط، اقترح المصالحة أولاً، وفي حال عدم إمكانية المصالحة، أقر بثبوت الأرش (الطباطبائي، ١٤١٨، ج١٦، ص٤٩٦؛ همو، ١٤٠٩، ج٣، ص٤٩٩). ومن المعاصرين، فإن آية الله الفياض، ضمن اعتباره رأي الفقهاء الأول قابلاً للتأمل، وافق على الرأي الثاني. (الفياض، بي تا، ج٣، ص٤٣١).
بالنظر إلى أن المشرع في الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم يقرر أي عقوبة محددة لدوس البطن في قانون العقوبات الإسلامي، يمكن القول إنه اتفق مع فقهاء الطائفة الثانية، وهو معتقد بثبوت الأرش. ومع ذلك، يمكن الاستفادة من الفقرة الأخيرة من المادة ٧٠٤ التي ينص فيها المشرع بوضوح على اعتقاده بالأرش في هذا المجال: «الجناية التي توجب سلس البول غير الدائم، توجب الأرش». إذا اعتبرنا هذه المادة ناظرة فقط إلى سلس البول غير الدائم، فيمكن اعتبار جناية دوس البطن مثالاً للمادة ٧٠٦ التي تنص على:
«إزالة أو النقص الدائم أو المؤقت للحواس أو المنافع الأخرى كحاسة اللمس والنوم والعادة الشهرية، وكذلك إحداث أمراض مثل الرعشة والعطش والجوع والخوف والصرع، يوجب الأرش».
وبما أن المنافع المذكورة في هذه المادة على سبيل المثال لا الحصر، يمكن اعتبار جناية دوس البطن، سواء أدت إلى خروج البول أم الغائط، مشمولة بهذه المادة.
٣-٤. نظرية التوقف
إلى جانب النظريتين اللتين طُرحتا حتى الآن، يمكن الحديث عن رأي ثالث نتيجته التوقف في المسألة. هذا الرأي، الذي هو في الحقيقة عدم قبول أي من الرأيين السابقين، يُعتبر بالتسامح نظرية مستقلة، ونحن هنا أوردناه كنظرية منفصلة فقط من أجل تفكيك الآراء بشكل أفضل.
كتب الشهيد الأول في اللمعة:
«مَنْ دَاسَ بَطْنَ إِنْسَانٍ حَتَّى أَحْدَثَ، دِيسَ بَطْنُهُ أَوْ يَفْتَدِي بِثُلُثِ الدِّيَةِ، عَلَى رِوَايَةٍ». (العاملي «أ»، ١٤١٠، ص٢٨٢).
عبارة «على رواية» تشير بنوع من التوقف. وهو في شرح إرشاد الأذهان أيضاً نقل فقط نص العلامة الحلي ولم يذكر شيئاً يؤيد أو يرد هذا الرأي (العاملي، ١٤١٤، ج٤، ص٥٤٥).
بشكل عام، فإن هذه الفئة من الفقهاء، بتضعيفهم للرواية التي استند إليها الفقهاء الموافقون للقصاص أو ثلث الدية في المسألة، ترددوا وتوقفوا، وفي الوقت نفسه لم يصرحوا بثبوت الأرش. على سبيل المثال، يذكر المحقق الحلي: «من داس بطن إنسان حتى أحدث، ديس بطنه أو يفتدى ذلك بثلث الدية، وهي رواية السكوني وفيها ضعف». (الحلي، ١٤٠٨، ج٤، ص٢٥٤).
على هذا الأساس، يعتقد صاحب مفتاح الكرامة وصاحب الرياض أن ظاهر عبارات المحقق الحلي في كتب شرائع الإسلام ومختصر النافع، والعلامة الحلي في كتاب تحرير الأحكام، والشهيد الأول في كتاب اللمعة الدمشقية، والمحقق الأردبيلي في كتاب مجمع الفائدة والبرهان، يدل على التوقف (العاملي، بي تا، ج١٠، ص٤٤٠؛ الطباطبائي، ١٤١٨، ج١٦، ص٤٩٥-٤٩٦).
بالطبع، كما ذُكر تحت كلام ابن إدريس، من عدم قبول نظرية ثبوت القصاص أو الدية من قبل فقيه ما، يمكن استنتاج أنه بالمآل قائل بثبوت الأرش.[4] لأنه عندما يُنكر ثبوت الدية، فلا يثبت تقدير شرعي للجناية المعهودة، وبما أن كل جناية يجب أن تُعاقب، فلا يبقى طريق سوى الإقرار بالأرش.
٥. أدلة نظرية المشهور
على أي حال؛ إن ما له أهمية حيوية ويمكن أن يحدد مقدار عقوبة دوس البطن، هو دراسة المستندات الفقهية لرأي المشهور، والتي بقبولها أو إنكارها، تتضح نظرية الحق.
بشكل عام، يمكن دراسة أدلة قول المشهور في محورين رئيسيين؛ الدليل الأصلي، وهو رواية السكوني، والدليل الثاني، وهو الإجماع.
١-٥. رواية السكوني
استند مشهور الفقهاء في عقوبة دوس البطن المؤدي إلى خروج البول والغائط إلى رواية «السكوني» عن قول «الإمام الصادق (عليه السلام)». ونظراً لأهمية هذه الرواية، سنتناول نصها الكامل وكيفية الاستدلال بها، وكذلك بعض المسائل المتعلقة بمفادها.
١-١-٥. متن رواية السكوني
نقل الشيخ الصدوق في الفقيه رواية السكوني على النحو التالي:
«أَنَّ رَجُلًا رُفِعَ إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام) وَقَدْ دَاسَ بَطْنَ رَجُلٍ حَتَّى أَحْدَثَ فِي ثِيَابِهِ فَقَضَى (عليه السلام) عَلَيْهِ أَنْ يُدَاسَ بَطْنُهُ حَتَّى يُحْدِثَ كَمَا أَحْدَثَ أَوْ يَغْرَمَ ثُلُثَ الدِّيَةِ» (الصدوق، ١٤١٣، ج٤، ص١٤٧).
كما يتضح من النص أعلاه، ففي حالة دوس بطن المجني عليه وخروج البول أو الغائط منه، يجب على الجاني إما أن يُقتص منه أو أن يدفع ثلث الدية. وقد أفتى فقهاء الطائفة الأولى جميعهم استناداً إلى هذه الرواية.
٢-١-٥. سند رواية السكوني
«إسماعيل بن أبي زياد» المعروف بـ «السكوني الشعيري»، من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) الذين نقلوا عنه أحاديث كثيرة. معظم روايات السكوني نُقلت عن طريق حسين بن يزيد النوفلي. (السبحاني، بي تا، ج٢، ص٧١). يعتقد مشهور العلماء أن السكوني كان على مذهب أهل السنة، ومن هذا المنطلق، لم يعتمد البعض على رواياته. يكتب ابن إدريس عن مذهب السكوني:
«السكوني وهو عامي المذهب بغير خلاف، وشيخنا أبو جعفر موافق على ذلك». (الحلي «أ»، ١٤١٠، ج٣، ص٢٨٩).
وكتب المحقق الحلي أيضاً في نكت النهاية في هذا الصدد:
«السكوني عامي لا أعمل بما ينفرد به». (الحلي، ١٤١٢، ج٢، ص٤٢٨).
على الرغم من عبارة «ابن إدريس» التي اعتبرت كون السكوني سنياً أمراً لا نقص فيه، إلا أن بعض العلماء بعده شككوا في هذه المسألة ومالوا إلى كونه إمامياً. على سبيل المثال، ذكر «المجلسي الأول» بوضوح في كتاب روضة المتقين:
«الذي يغلب على الظن أنه كان إمامياً». (المجلسي، ١٤٠٦، ج١٤، ص٥٩).
إن عدم تحرز الإمام (عليه السلام) من السكوني – بسبب وصول روايات كثيرة مخالفة للعامة عن طريقه – وتقية السكوني نفسه من أهل السنة، من بين أدلة «المرحوم المجلسي»[5] لإثبات مدعاه. (المصدر نفسه، ج١٤، ص٥٩). الحقيقة هي أن إثبات كون السكوني إمامياً، بالنظر إلى اعتباره سنياً لدى المتقدمين، أمر صعب بعض الشيء. إن قول «الشيخ الطوسي» في العدة بأن روايات «السكوني» بشرط عدم تعارضها مع فتوى وروايات الإمامية، معمول بها[6] (الطوسي، ١٤١٧، ج١، ص١٤٩) يظهر بحد ذاته أن «الشيخ» يعتبره سني المذهب. ولكن مع ذلك، ربما لا يمكن التشكيك في ثقته أو اعتباره.
ولهذا السبب، فإن كثيراً من الفقهاء، وحتى أولئك الذين اعتبروا السكوني عامي المذهب، قد استفادوا من رواياته في مواضع مختلفة من كتبهم. على سبيل المثال، «العلامة الحلي» أو «الشهيد الثاني» اللذان مرت بنا عباراتهما الدالة على ضعف رواية السكوني، قد وصفا كلاهما في آثارهما مراراً روايات السكوني بأنها «موثقة».[7] (الحلي، ١٤١٣، ج٤، ص٤١٤؛ العاملي، ١٤١٣، ج١٢، ص٤١١). وكذلك عدَّ المحقق الخوئي في مباني تكملة المنهاج، روايات السكوني «معتبرة» في مواضع كثيرة.[8] (الخوئي، ١٤٢٢، ج٤١، ص٢٩ و٣١ و٦١).
على أي حال، يبدو أن روايات السكوني قابلة للاستناد إليها، وقد استخدمها العلماء في كثير من الحالات كروايات معتبرة أو موثقة.
٢-٥. الإجماع
يذكر «الشيخ الطوسي» في الخلاف ضمن دراسة حكم دوس البطن، أن فقهاء أهل السنة في هذه المسألة جميعهم قائلون بعدم تقدير غرامة للجاني، باستثناء «أحمد بن حنبل» الذي وافقنا في هذا الحكم. ثم يعتبر دليل الشيعة على مدعاهم، غير الروايات، هو «إجماع الفرقة». (الطوسي، ١٤٠٧، ج٥، ص٢٩٩). هذا الدليل، بعد الشيخ، حظي باهتمام بعض الفقهاء الآخرين أيضاً. (الفاضل الهندي، ١٤١٦، ج١١، ص٣٨٧؛ الطباطبائي، ١٤١٨، ج١٦، ص٤٩٥).
دليل الإجماع، الذي ذكره في الغالب الفقهاء المتقدمون، له أهمية من حيث إنه يظهر عدم وجود خلاف بينهم في هذا المجال، وأنهم جميعاً قد عينوا حكم المسألة بناءً على رواية السكوني.
٦. تقييم أدلة نظرية المشهور
حتى الآن، تم بيان دليلين رئيسيين لقول المشهور. والآن يجب أن نرى أياً من هذين الدليلين يتمتع بالمتانة الكاملة والقدرة على إثبات مدعاه. ولهذا السبب، سنتناول في ما يلي تقييم هذين الدليلين.
١-٦. عدم حجية الإجماع وانحصار الأدلة في رواية السكوني
بما أن فقهاء الإمامية ليسوا على رأي واحد في مسألة دوس البطن، فإن تحقق الإجماع الذي ادعاه فقهاء مثل «شيخ الطائفة» لتقوية نظرية المشهور، هو موضع شك. بالطبع، يرى بعض العلماء أنه: «من المحتمل جداً أن يكون مقصود الشيخ الطوسي، الذي ادعى الإجماع في المبسوط والخلاف، هو الإجماع على المبنى والقاعدة، وليس اتفاق جميع الفقهاء». (حاجي ده آبادي، ١٣٩٥، ص٢٠٣). ولكن المهم هو أن مراد مدعي الإجماع، سواء كان الإجماع على المبنى أو الإجماع المصطلح، لا يمكن قبول الاستناد إليه وإثبات رأي المشهور بالتمسك به. لذلك، فإن الدليل الوحيد الذي يمكن بيانه في سبيل تقوية قول المشهور هو رواية السكوني. ولكن للأسف، يجب القول إن التمسك بهذه الرواية يواجه أيضاً تحديات لا يمكن الرجوع إليها بسهولة.
٢-٦. تحديات التمسك برواية السكوني
أهم الموانع في سبيل التمسك برواية السكوني هي: ضعف السند، إجمال المؤدى، عرضية القصاص والدية، واستلزام التغرير.
١-٢-٦. الضعف السندي
وفقاً للدراسة السندية التي قُدمت حول اعتبار روايات السكوني، فإن رواياته ليست حجة بشكل مطلق، بل يمكن الاستناد إليها فقط عندما لا تتعارض مع فتوى وروايات الإمامية. هذا في حين أنه إذا قبلنا رأي تلك الفئة من الفقهاء الذين لا يعتمدون على روايات السكوني، فإن التمسك بها في الأصل سيكون غير مشروع. لذلك، من أجل جواز الاستناد إلى روايات السكوني، يجب دراسة مضامينها والتأكد من عدم تعارضها مع فتاوى وروايات الإمامية.
٢-٢-٦. الإجمال في المؤدى
أحد التحديات الموجودة في رواية السكوني والتي تسبب الشك في الاستعانة بها، هو إيجاز محتواها. على سبيل المثال، ليس من الواضح تماماً ما إذا كان يمكن دائماً اعتبار حكم ثابت في الفروض المختلفة التي يُضرب فيها البطن بالقدم وتؤدي إلى خروج إفرازات البول والغائط أم لا؟ لأن الضرب على البطن أحياناً يسبب خللاً في المثانة، وتُدفع الإفرازات لا إرادياً، وفي بعض الحالات تتضرر الأمعاء وتؤثر على خروج البول والغائط، وبهذا السبب يحدث الحدث. ظاهراً، للرواية إطلاق في هذا الصدد، وتشمل أي نوع من الضرب الذي يتبعه تضرر عضو ما، ونتيجة لتلك الإصابة، يخرج حدث لا إرادي. ومع ذلك، فقد ميّز بعض الفقهاء هذا النوع من الضرب عن الضرب على المثانة، ولم يقبلوا بهذا الإطلاق (الخوانساري، ١٤٠٥، ج٦، ص٢٥٢).
كذلك، فيما يتعلق بما إذا كان المراد بالحدث هو البول أو الغائط أو كلاهما، يمكن طرح احتمالات مختلفة. بالإضافة إلى ذلك، يُطرح احتمال أن يشمل الحدث غازات المعدة أيضاً. خلافاً للمشهور الذين اعتبروا المراد بالحدث هو البول والغائط، فإن الشهيد الثاني وكاشف الغطاء يعتبران هذه الرواية شاملة لغازات المعدة أيضاً (العاملي «ب»، ١٤١٠، ج١٠، ص٢٥٣؛ كاشف الغطاء، ١٤٢٣، ج٣، ص٩٣). وفي الوقت نفسه، خصصها بعض الفقهاء بالغائط (الخوانساري، ١٤٠٥، ج٦، ص٢٥٢). هذا التشتت في الآراء ناتج عن الإيجاز الموجود في عبارة «أحدث في ثيابه».
علاوة على ذلك، بما أنه وفقاً لرواية السكوني، يُقتص من الجاني أو يدفع الدية، يُطرح هذا السؤال: هل للجاني الحق في الاختيار بين القصاص أو ثلث الدية؟ أم بالعكس، للمجني عليه الحق في الاختيار بين القصاص أو الدية؟ لقد منح بعض الفقهاء هذا الخيار للجاني، ولم يعتبروا للمجني عليه مثل هذه القدرة على الاختيار (الحكيم، ١٤١٥، ج٣، ص٣٢١). ولكن مع ذلك، يبدو أن نص الرواية لا يدل على أي من هذين الاحتمالين، وهو ساكت عنهما. في النهاية، يجب القول إن رواية السكوني مجملة من جوانب مختلفة، وهذا الأمر نفسه يسبب صعوبة في الاستناد إليها.
٣-٢-٦. العرضية بين القصاص والدية
فيما يتعلق بالعقوبة المستحقة في الجناية العمدية، يوجد رأيان بين الفقهاء. المشهور من الفقهاء، استناداً إلى أدلة متعددة، قائلون بأن القصاص ثابت بالأصالة في الجناية العمدية، والدية تثبت فقط بالرضا والمصالحة (تعيينية القصاص). وفي مقابل هذا الرأي، يرى بعض الفقهاء أن ولي الدم أو المجني عليه في الجناية العمدية مخيرون بين القصاص من الجاني أو أخذ الدية، وكل منهما يمكن متابعته كعقوبة أصلية (تخييرية القصاص). بعبارة أخرى، القصاص والدية في عرض بعضهما البعض.
تتوافق رواية السكوني مع الرأي الثاني؛ لأنه بمجيء حرف «أو» بين القصاص والدية، حُكم بالتخيير. نتيجة ذلك أن حق المجني عليه ليس محصوراً بالقصاص، بل له الحق في أن يقتص أو يأخذ الدية حتى بدون رضا الجاني. وقد اعترض بعض الفقهاء، استناداً إلى أن النص والفتوى والإجماع المحكي لأصحاب الإمامية يدل على تعيينية القصاص، وفي الوقت نفسه، وضوح رواية السكوني في دلالتها على وجود التخيير بين القصاص والدية، على هذا الأساس، اعتبروا هذه الرواية غير متوافقة مع الأصول المقبولة لدى فقهاء الإمامية وانتقدوها. (العاملي، بي تا، ج١٠، ص٤٤١؛ الأردبيلي، ١٤٠٣، ج١٤، ص٤٢٥).
٤-٢-٦. استلزام التغرير
ابن إدريس الحلي، دون أن يتكلم عن السكوني أو سند الرواية، قام بتحليل دلالة رواية السكوني ونقدها. وهو يقول في هذا الصدد:
«والذي يقتضيه أصول مذهبنا، خلاف هذه الرواية، لأن هذا فيه التغرير بالنفس، فلا قصاص في ذلك بحال». (الحلي «أ»، ١٤١٠، ج٣، ص٣٩٥).
في بيان ابن إدريس، تتعارض رواية السكوني مع أصول المذهب، وبنوع ما يمكن القول إن التمسك بالأصل دليل على عدم جواز القصاص والدية. المقصود بالأصل هو أنه إذا قلنا بثبوت القصاص في مسألة دوس البطن، فبما أن إعمال القصاص في هذه المسألة مصحوب بالتغرير (الجهالة)، وبما أن إعمال القصاص في هذه المسألة ينطوي على احتمال تلف النفس، فإنه لا يثبت القصاص فيها بأي وجه.
ليس من الواضح عند إجراء القصاص ما هو مقدار الضرر الذي سيلحق بالجاني، وعلى هذا الأساس، فإن القصاص منتفٍ؛ لأن بعض الجنايات العمدية غير قابلة للقصاص؛ لأنه لا يمكن تطبيق نفس الجناية المرتكبة على الجاني بدقة. بعبارة أخرى، بما أنه في تنفيذ القصاص، يوجد احتمال الظلم والإيذاء الزائد للجاني، وبناءً على أصول المذهب الإمامي، يجب أن يكون تنفيذ القصاص دائماً خالياً من التغرير والجهالة، لذلك في هذا الفرض، يوجد مانع من إجراء القصاص.
سبب اعتبار «عدم التغرير» في قصاص الطرف هو أنه في قصاص العضو، يجب استيفاء حق المجني عليه بطريقة تبقى فيها حياة وروح المنفذ عليه، وأيضاً أن يتم الاستيفاء بمثل فعل المذنب (العاملي، ١٤١٣، ج١٥، ص٢٧٢-٢٧٣). في حين أنه مع وجود التغرير، لا يتحقق أي من هذين الهدفين.
الجدير بالذكر أن بعض الأكابر، لتقوية نظرية المشهور، استندوا إلى الشهرة الفتوائية وجبر ضعف الرواية بعمل المشهور (النجفي، ١٤٠٤، ج٤٣، ص٢٨٩)، وهو ما واجه بحق رد فعل من بعض الفقهاء (الخوانساري، ١٤٠٥، ج٦، ص٢٥٢) مبنی على عدم دفع شبهة التغرير بواسطة هذه الأدلة.
٧. الرأي المختار: ثبوت الأرش
مع وجود الإشكالات والتحديات في مجال التمسك برواية السكوني، من البديهي أنه لا يمكن اعتبارها حجة لإثبات الحكم الشرعي، وبالتالي ثبوت القصاص أو الدية؛ لأن كل هذه الشواهد تظهر عدم أهلية الرواية المذكورة لاستنباط الأحكام الشرعية. ولعل بسبب هذه التحديات نفسها أورد «الكليني» في الكافي رواية السكوني في باب «النوادر» في آخر الديات (الكليني، ١٤٢٩، ج١٤، ص٥٥٥). وهذا يعني أنه من وجهة نظر المرحوم الكليني، لا تتوافق رواية السكوني مع كليات رواياتنا، وهي بنوع ما تعبر عن حكم نادر وخاص.
بالإعراض عن رواية السكوني، وعدم تحقق الإجماع في هذه المسألة، يتبقى أمامنا طريقان: الأول، المصالحة، والآخر ثبوت الأرش. من البديهي أن الطريق الأول له جانب اختياري، وهو غير تام للتنفيذ على مستويات المجتمع الكلية، والأهم من ذلك أنه لا يمكن في الأصل أن يكون حكماً معيناً للمسألة. لذلك، فإن ما يمكن اعتباره عقوبة لدوس البطن هو فقط تعيين الأرش. «صاحب الرياض» يوضح هذا الأمر على النحو التالي:
«الخروج عن مقتضى أصول المذهب (المثبتة للأرش) بواسطة رواية السكوني، فيه إشكال؛ وبالإضافة إلى ذلك، فإن الأصل يقتضي أن نلجأ إلى ثبوت الحكومة والأرش». (الطباطبائي، ١٤١٨، ج١٦، ص٤٩٦).
المراد من «الأصل» في عبارة صاحب الرياض، الذي هو إلى جانب أصول المذهب الأخرى، مؤيد للقول بثبوت الحكومة، هو بقوة الظن قاعدة «الأرش». وفقاً لهذه القاعدة، فإن كل جناية لم يُعين لها في الشريعة عقوبة، تسبب ثبوت الأرش. هذا الأصل، الذي اشتهر في لغة الفقهاء بعناوين مثل «كل جناية لا مقدر لها، ففيها الأرش» (العاملي، بي تا، ج٢، ص١٩) أو «كل ما لم يرد فيه دية في الشرع من الجنايات، ففيه الحكومة» (الحسيني المراغي، ١٤١٧، ج٢، ص٦٢٧-٦٢٨)، يعتبر في مسألة دوس البطن المرجع الحقيقي لتعيين العقوبة، وبالتالي يوجب ثبوت الأرش لها.
الخاتمة
فيما يتعلق بعقوبة دوس البطن بشكل عارض يؤدي إلى خروج لا إرادي لإفرازات البول والغائط من المجني عليه، طرح الفقهاء ثلاثة آراء. مشهور الفقهاء، بل أكثرهم، قبلوا بقصاص المرتكب أو ثلث الدية، وفي المقابل، حكم عدد آخر من الفقهاء بعدم قبول رأي المشهور وثبوت الأرش. كما توقف البعض في هذه المسألة. اختار كاتبو هذا المقال من بين هذه النظريات، رأي تلك الفئة من الفقهاء القائلين بالأرش، ووجدوه متيناً. وذلك لأن رأي المشهور كان يعتمد على دليلين مختلفين، وكلاهما معيب وغير قابل للاعتماد. فالإجماع الذي ادعوه لم يتحقق في الأصل، ورواية السكوني التي هي مستندهم الأصلي، واجهت تحديات مختلفة مثل استلزام التغرير، ومخالفة الأصول المبدئية للإمامية، وغيرها. برد رواية السكوني، وبالنظر إلى قاعدة الأرش، وبدون أي مانع، تُعين عقوبة دوس البطن بالأرش.
الهوامش
1. سلس البول.
2. سلس الغائط.
3. أشار بعض شُرّاح كتاب قواعد الأحكام في بيان علة عبارة «ولو قيل بالحكومة كان وجهاً» إلى عدم تحقق المماثلة في القصاص (العميدي، ١٤١٦، ج٣، ص٧٨٦).
4. يرى بعض شُرّاح شرائع الإسلام في بيان عبارة المحقق أنه قائل بثبوت الأرش (الحسيني الشيرازي، ١٤٢٥، ج٢، ص٥١٣).
5. الجدير بالذكر أن نجل المجلسي الأول قد أشار إلى ضعف رواية السكوني في المسألة محل البحث (المجلسي الثاني، ١٤٠٤، ج٢٤، ص٢١٦؛ المصدر نفسه، ١٤٠٦، ج١٦، ص٥٣٦ و٥٩٥).
6. «… عملت الطائفة بما رواه حفص بن غياث… والسكوني، وغيرهم من العامة عن أئمتنا (عليهم السلام)، فيما لم ينكروه ولم يكن عندهم خلافه».
7. «ما رواه السكوني في الموثق، عن جعفر…».
8. «مثله رواية السكوني في الموثق عن الصادق (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)».