الاستحالة: أداة لحلّ إشكالية المواد الاستهلاكية المستوردة

ملخص

من مزايا الفقه الشيعي شموليته وقدرته على الإجابة وتقديم الحلول لمشكلات ومعضلات المجتمعات البشرية. ومن بين المشكلات التي تواجهها المجتمعات الإسلامية في العصر الحاضر، استيراد المواد الاستهلاكية من الدول غير الإسلامية، والتي تُحكم عليها بالنجاسة والحرمة من منظور الفقه الإسلامي. يسعى هذا البحث إلى تقديم حل لمشكلة المنتجات الغذائية تحت عنوان الاستحالة. تتناول المقالة في البداية بعض المباحث التمهيدية كاستعراض الأقوال، والخلفية التاريخية، وتحرير محل النزاع، ودراسة المفهوم لغةً واصطلاحاً. ثم بعد تبيين أدلة مطهّرية الاستحالة، يتم متابعة البحث في محورين أساسيين. في المحور الأول، يُنقَد القول بالتفصيل بين الأعيان النجسة والمتنجسة، ويُثبَت القول بمطهّرية الاستحالة مطلقاً في كليهما. وفي المحور الثاني، يُبحَث حكم الموارد المشكوكة، وبعد نقد القول بالتفصيل بين الشبهات المصداقية والمفهومية القائل بعدم جريان أصالة الطهارة في الأولى وقبولها في الثانية، تُثبَت نظرية جريان أصالة الطهارة مطلقاً في الشبهات المصداقية والمفهومية، ويترتب على ذلك بالضرورة الحكم بالحلّية.

١. مقدمة

من المسائل التي أصبحت محل ابتلاء وتحتاج إلى إجابة فقهية في العصر الحاضر، المشكلات الناشئة عن السلع المستوردة من الدول غير الإسلامية. منشأ هذه المشكلات هو أن استخدام بعض هذه السلع، من وجهة نظر الفقهاء، مشروط بالطهارة والحلّية؛ مثل المواد الغذائية، والدوائية، والصحية، والملابس التي تُصنّع من أجزاء حيوانات محرّمة الأكل كالخنزير، أو من أجزاء حيوانات محلّلة الأكل لم تُذكَّ شرعاً، أو من مواد أخرى محكومة بالنجاسة والحرمة، كالمواد المتنجّسة.

وتزداد أهمية هذا البحث عندما نلقي نظرة على إحصائيات استيراد المواد الاستهلاكية من الدول غير الإسلامية، سواء كانت منتجات غذائية، أو دوائية، أو صحية، أو غيرها. يمكننا أن نجزم بأنه قلّما تجد أسرة لا تبتلى بمواد مستوردة هي في الأصل نجسة أو متنجّسة. وعلى سبيل المثال، نشير إجمالاً إلى ثلاثة أصناف من بين عشرات الموارد:

  1. الجيلاتين من النوع A و B، تُستخلص المادة الأولية للنوع الأول من أعضاء الحيوانات نجسة العين، مثل الخنزير، أو من حيوانات لم تُذكَّ شرعاً، مثل البقر، وموارد استهلاكه وفيرة جداً.
  2. الكارمين، يُستخدم كإضافة ملونة في أنواع المشروبات الغازية وغير الغازية، وأنواع الجيلي، والحلويات، والمقبّلات، ومستحضرات التجميل، وصبغ المنسوجات، ومادته الأولية هي الحشرات.
  3. أقراص الحديد، التي تُظهر الإحصاءات أن ستين بالمئة من النساء يعانين من نقص الحديد ويستخدمنها. المادة الأولية للنوع المستورد منها هي دم البقر.
  4. الجلوكوزامين، من بين موارد استخدامه علاج آلام المفاصل، ويُحضّر غالباً من غضروف الخنزير وسمك القرش.
  5. الكوندرويتين، من بين موارد استخدامه علاج التهاب المفاصل.

على الرغم من أن المواد المذكورة أعلاه تُنتَج أيضاً في الداخل من موارد حلال، إلا أن كمية كبيرة منها تُستورد من الخارج، وإحدى طرق إثبات طهارتها وحلّيتها هي تحقّق الاستحالة فيها.

فيما يتعلق بخلفية البحث، تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من وجود بعض المقالات في هذا المجال، فإن أهم مقالة هي “دراسة فقهية للاستحالة” التي كتبها حامد صادقي وزملاؤه. في تلك المقالة، تم التركيز بشكل أكبر على مفاهيم ومصاديق الاستحالة، وفي نهاية البحث، أُشير إلى ثلاث قواعد: الاستصحاب، والطهارة، والحلّية.

أما هذا البحث، فإنه ضمن استعراضه لأقوال الفقهاء وأدلتهم، يسعى إلى تقديم حل لهذه المشكلة تحت عنوان الاستحالة، وذلك بأن يوسّع أولاً دائرة عمل مطهّرية الاستحالة من الأعيان النجسة إلى المتنجّسة، وثانياً، يبحث في حكم موارد الشك في الاستحالة بمنهجية ترتكز على جريان أصالة الطهارة.

٢. دراسة مفهوم الاستحالة

١-٢. المعنى اللغوي

ذكر أهل اللغة لمعنى كلمة “استحالة” معانٍ مختلفة؛ منها ما ذكره الفيومي بمعنى التغير عن الطبع والوصف: “استحال الشيء: تغير عن طبعه ووصفه” (المقري الفيومي، ١٤٠٥هـ، ص ١٥٧). وكذلك ابن منظور، فقد اعتبرها بمعنى التغير كالفيومي، ولكن التغير عن الاستواء الذي هو الطبيعة الأولية: “وقيل: كل شيء تغيّر عن الاستواء إلى العوج فقد حال واستحال” (ابن منظور، ١٤٠٨هـ، ج١١، ص ١٥٨).

وقد استخدم بعض أصحاب المعاجم مادة “حول” بمعنى مرور الحول؛ ومنهم الجوهري الذي يكتب: “أحال الشيء واحتال أتى عليه حول كامل” (الجوهري، ١٤٠٧هـ، ص ١٦٧٩). ويبدو أن هذا المعنى هو مصداق من مصاديق معنى التغير ذاته؛ لأنه بمرور السنين تحدث تغيرات في الطبيعة وغير الطبيعة، كما يبدو أن المعنى الأصلي للاستحالة هو التغير نفسه، والموارد الأخرى في كلمات اللغويين هي مصاديق له.

٢-٢. المعنى الاصطلاحي

اختلف الفقهاء أيضاً في تعريف الاستحالة، وكل منهم نظر إلى جهة من جهاتها. كثير من فقهاء الصدر الأول لم يقدموا تعريفاً للاستحالة في بحثها، واكتفوا بذكر مصاديقها؛ منهم الشيخ الطوسي الذي يكتفي بضرب أمثلة: الدخان المتصاعد من العذرة النجسة وعظم الميتة (الشيخ الطوسي، ١٣٨٧هـ، ج٦، ص ٢٨٣). وابن إدريس أيضاً يكتفي بضرب أمثلة: دخان ورماد الأعيان النجسة (ابن إدريس، ١٤١٧هـ، ج٣، ص ١٢١).

أول فقيه عرّف الاستحالة هو الشهيد الأول في حواشي القواعد نقلاً عن صاحب الجواهر. يقول: “الاستحالة عبارة عن تغيير الأجزاء وانقلابها من حال إلى حال أيضاً من المطهِّرات” (النجفي، د.ت، ج٦، ص ٢٧٨). وتعريف المحقق اليزدي هو: “الرابع الاستحالة وهي تبدّل حقيقة الشيء وصورته النوعية إلى صورة أخرى” (الطباطبائي اليزدي، ١٤٣٠هـ، ج٢، ص ٤٢٣). معظم الفقهاء أصحاب الحواشي، الذين يبلغ عددهم نحو أربعين فقيهاً، لم يعلّقوا على هذا التعريف.

وقدّم آية الله الحكيم تعريفين للاستحالة؛ الأول: في حاشيته على كلام السيد اليزدي كتب: “الأولى أن يقال إنها تبديل الشيء إلى شيء آخر يعد في نظر العرف متولداً منه فيكون الأول منعدماً والثاني حادثاً” (الطباطبائي اليزدي، ١٤٣٠هـ، ج٢، ص ٤٢٣). الثاني: يقول في المستمسك: “إنها تبدل الحقيقة النجسة إلى حقيقة أخرى ليست من النجاسات” (الطباطبائي الحكيم، ١٣٩١هـ، ج٢، ص ٨٨).

التعريف الثاني لآية الله الحكيم أضيق من التعريف الأول وتعريف السيد اليزدي من بعض الجهات؛ أولاً لأن قيد “حقيقة نجس” يوجب خروج المتنجّس، وثانياً لأن الملاك في التشخيص في التعريف الأول هو العرف لا العقل، وهذا الأمر يوجب التوسعة في المصاديق.

وتعريف المحقق الخوئي للاستحالة هو: “إنها تبديل جسم بجسم آخر مبائن للأول في صورتهما النوعية عرفاً وإن لم تكن بينهما مغايرة عقلاً” (الموسوي الخوئي، ١٤٢٧هـ، ج٣، ص ١٦٧). وقد قبل الإمام الخميني تعريف السيد كاظم اليزدي مع إضافة قيد “عرفاً” في آخر الجملة (الطباطبائي اليزدي، ١٤٣٠هـ، ج٢، ص ٤٢٣).

واعتبر بعض المحشّين تعريف السيد مصداقاً لتعريف العلماء وقالوا إن التعريف العرفي هو “تبديل موضوع الحكم بالنجاسة ويؤيده حكم العقل أيضاً فعلى هذا لا يكون المراد منه تبديل أصل الموضوع بل زوال وصفه كالنجاسة” (الطباطبائي اليزدي، ١٤٣٠هـ، ج٢، ص ٤٢٣). هذا التعريف أوسع من التعريفات الأخرى ويشمل مصاديق أكثر.

من الواضح أن كل تعريف من هذه التعريفات يختلف في شمول المصاديق وسعتها، ولهذا يجب بحث أي تعريف هو الصحيح. وفي هذا الصدد، من الضروري معرفة أقسام التبدلات المختلفة، ثم يجب التدقيق في أي قسم منها هو مصداق للاستحالة.

التبدلات في العالم الخارجي والواقع (الموسوي الخوئي، ١٤٢٧هـ، ج٣، ص ١٦٧) ثلاثة أقسام:

أ. التبدل في الأوصاف الشخصية أو النوعية: في هذا القسم من التبدل، تبقى حقيقة الأشياء، مثل تبدل القمح إلى دقيق، والدقيق إلى عجين، والعجين إلى خبز، ومثل تبدل القطن إلى ثوب. كما يلاحظ، وظيفة هذا النوع من التبدلات هي تغيير الاسم، لا تغيير الحقيقة الذاتية للأشياء؛ لأن حقيقة القمح والدقيق والعجين والخبز شيء واحد. إذن، هذا النوع من التبدلات لا يوجب تغيير الحكم الشرعي، لأن الحكم الشرعي بالنجاسة لم يوضع على الاسم حتى يزول بتغيره. وبناءً على ذلك، هذا القسم من التبدل ليس مصداقاً للاستحالة.

ب. التبدل في الماهية النوعية حقيقة وعقلاً، وبعبارة أخرى تبدل الصورة النوعية إلى صورة نوعية أخرى حقيقةً: في هذا القسم، بالإضافة إلى تغيير الاسم، تتغير الماهية أيضاً؛ مثل استحالة الكلب إلى ملح، والمني إلى إنسان أو حيوان آخر. هذا القسم من التبدل هو مصداق الاستحالة الفقهية وهو من المطهّرات. وعليه، فإن الكلب والمني نجسي العين يطهران بهذا التبدل، من باب السالبة بانتفاء الموضوع.

توضيح ذلك أن “المستحال إليه” في هذا القسم موضوع جديد، وفي هذا الموضوع الجديد، إما أن توجد أدلة اجتهادية دالة على الطهارة أو تكون مفقودة؛ في الحالة الأولى، تثبت الطهارة بالدليل الاجتهادي، وفي الحالة الثانية، تجري أصالة الطهارة، ولا يجري استصحاب بقاء النجاسة لأن الموضوع قد انتفى.

ج. التبدل في الحقيقة العرفية لا الذاتية والواقعية: مثل تبدل الخمر إلى خل، وتبدل دم الإنسان إلى دم البعوضة. هذا القسم من التبدل هو أيضاً مصداق للاستحالة، لأن الأحكام الشرعية موضوعة على الموضوعات العرفية، ومن منظور العرف، عنوان “المستحال إليه” غير عنوان “المستحال منه”، وبالتالي فإن حكمه أيضاً اثنان. فإما أن يكون “المستحال إليه” من الموضوعات التي دلت الأدلة الاجتهادية على طهارته، فيحصل المطلوب، أو لا يوجد دليل اجتهادي دال على طهارته، وفي هذه الحالة تجري أصالة الطهارة.

بعد توضيح أقسام التبدل وأن القسم الأول ليس مصداقاً للاستحالة، يبدو أن تعريف السيد اليزدي بإضافة قيد “عرفاً” هو التعريف الصحيح من بين التعريفات المختلفة، وهو يطابق القسمين الثاني والثالث من التبدلات؛ وبالتالي يكون تعريف الإمام الخميني، والمحقق الخوئي، والتعريف الأول لآية الله الحكيم جامعاً وكاملاً.

وتجدر الإشارة إلى أن سبب ذكر الفقهاء للانقلاب كمطهّر مستقل، مع أنه مصداق من مصاديق الاستحالة، هو أنه في الانقلاب، تبعاً لطهارة الشيء المنقلب، مثل الخمر الذي يتحول إلى خل، يطهر أيضاً وعاء الخمر وأدواته، بخلاف الاستحالة.

٣. أقوال الفقهاء وأدلتهم حول مطهّرية الاستحالة

١-٣. أقوال الفقهاء

لا شك أن الإلمام بالسير التاريخي للمباحث العلمية له تأثير كبير في توضيح المطلب. لذلك، من الضروري الإشارة بإيجاز إلى سابقة هذا البحث. يعود تاريخ هذا البحث إلى تاريخ الفقه، حيث بحثه فقهاء الصدر الأول؛ منهم الشيخ الطوسي في كتاب الخلاف (الشيخ الطوسي، ١٤١١هـ، ج١، ص ٤٩٩) والمبسوط (الشيخ الطوسي، ١٣٨٧هـ، ج٦، ص ٢٨٣)، حيث اعتبر بعض أقسام الاستحالة موجبة للطهارة والحلّية. وكذلك ابن إدريس، مثل الشيخ الطوسي، يرى أن بعض أقسام الاستحالة في الأشياء النجسة موجبة للطهارة (ابن إدريس، ١٤١٧هـ، ج٣، ص ١٢١).

المحقق الحلي في كتاب “شرائع الإسلام” يرى أن الاستحالة في الأعيان النجسة مطهّرة (المحقق الحلي، ١٣٨٩هـ، ج١، ص ٤٧). وهو في كتاب “المعتبر” يفصّل بين الشيء النجس والمتنجّس، فلا يرى الاستحالة مطهّرة في الأول، ويراها مطهّرة في الثاني؛ وهذا عكس تفصيل بعض الفقهاء المعاصرين (المحقق الحلي، ١٣٦٤، ج١، ص ٤٥١).

العلامة الحلي أيضاً، مثل الشيخ الطوسي والمحقق الحلي، يرى أن الاستحالة في الشيء النجس موجبة للطهارة، مع فارق أنه أضاف إلى دخان احتراق الأعيان النجسة، بخار الماء النجس كمثال (العلامة الحلي، ١٤١٤هـ، ج٣، ص ٢٩٢)، وقد تردد في طهارة الكلب والخنزير إذا تحولا إلى ملح في المملحة (العلامة الحلي، ١٤١٣هـ، ج١، ص ١٩٥).

الشيخ جعفر كاشف الغطاء هو أول فقيه وسّع مصاديق الاستحالة لتشمل الأعيان النجسة والمتنجّسة والمائعات والجامدات، كما اعتبر الاستحالة موجبة للنجاسة في بعض الموارد كما هي موجبة للطهارة (كاشف الغطاء، ١٤٢٢هـ، ج٢، ص ٣٨٢). وعليه، يجب الانتباه إلى عدة نقاط:

  1. فقهاء الصدر الأول لم يعتبروا الاستحالة مطهّرة بشكل مطلق، بل اعتبروا فقط استحالة الأعيان النجسة إذا تحولت بالنار إلى دخان أو رماد موجبة للطهارة (الشيخ الطوسي، ١٤١١هـ، ج١، ص ٤٩٩؛ الشيخ الطوسي، ١٣٨٧هـ، ج٦، ص ٢٨٣).
  2. أول فقيه اعتبر الاستحالة ضابطة كلية وشاملة من المطهّرات هو الشهيد الأول (الشهيد الأول، ١٤٠٨هـ، ج١، ص ١٢٥).
  3. بعض الفقهاء حتى استحالة الكلب والخنزير إلى ملح، وهي من المصاديق الواضحة للاستحالة، لا يعتبرونها موجبة للطهارة (العلامة الحلي، ١٤١٣هـ، ج١، ص ١٩٥).
  4. العلامة الحلي بحث في ثمانية موارد من الأعيان النجسة، هل تطهر بالاستحالة أم لا، وبعده وسّع الفقهاء الآخرون نطاق الاستحالة (العلامة الحلي، ١٤١٤هـ، ج٣، ص ٢٨٦).
  5. أول فقيه طرح مطهّرية الاستحالة في الأعيان المتنجّسة هو كاشف الغطاء (كاشف الغطاء، ١٤٢٢هـ، ج٢، ص ٣٨٤). وبعده، وسّع الفقهاء المعاصرون نطاق الاستحالة ليشمل المتنجّسات بالإضافة إلى الأعيان النجسة، وفي المصاديق أيضاً، وطرحوها كأحد المطهّرات (الطباطبائي اليزدي، ١٤٣٠هـ، ج٢، ص ٤٢٣).
  6. اعتبر الفقهاء الوظيفة الأساسية للاستحالة هي الطهارة، ولكنها تستتبع الحلّية قهراً في نطاق آثار ونتائج الاستحالة. ومن ثم، يمكن أن يكون لها تطبيق في حل المشكلات الغذائية والدوائية (الطباطبائي اليزدي، ١٤٣٠هـ، ج٢، ص ٤٢٣).
  7. أول فقيه فصّل بين الأعيان النجسة والمتنجّسة هو المحقق الحلي في المعتبر (المحقق الحلي، ١٣٦٤، ج١، ص ٤٥١).

٢-٣. جمع آراء الفقهاء

كما مر، طرح الفقهاء أقوالاً حول مطهّرية الاستحالة، أهمها:

  1. الاستحالة ليست موجبة للطهارة مطلقاً، سواء في الأعيان نجسة العين أو المتنجّسة: من بين أصحاب هذه النظرية يمكن ذكر المحقق الحلي (المحقق الحلي، ١٣٦٤، ج١، ص ٤٥١) والعلامة الحلي (العلامة الحلي، ١٤١٤هـ، ج٣، ص ٢٨٧). لقد ترددا في تطهير الأعيان النجسة بالاستحالة؛ مثل تحول العذرة أو الميتة إلى تراب. والمحقق الحلي في “الشرائع” (المحقق الحلي، ١٣٨٩هـ، ج١، ص ٤٧) مثل فقهاء الصدر الأول قبل بمطهّرية الاستحالة في الأعيان النجسة بواسطة النار (الآشتياني، ١٤٠٣هـ، ص ١٧٦).
  2. الاستحالة موجبة للطهارة مطلقاً، سواء في الأعيان نجسة العين أو المتنجّسة. مشهور الفقهاء المعاصرين، ومنهم المحقق اليزدي في “العروة”، على هذا الرأي. وكذلك كثير من الفقهاء الأربعين الذين حشّوا على “العروة الوثقى” قبلوه (الطباطبائي اليزدي، ١٤٣٠هـ، ج٢، ص ٤٢٤؛ كاشف الغطاء، ١٤٢٢هـ، ج٢، ص ٣٨٢).
  3. التفصيل بين الأعيان النجسة والمتنجّسة: الاستحالة في القسم الأول مطهّرة وفي القسم الثاني ليست مطهّرة. فقهاء الصدر الأول وبعض الفقهاء المعاصرين منهم الشيخ الطوسي (الشيخ الطوسي، ١٣٨٧هـ، ج٦، ص ٢٨٣)، وابن إدريس الحلي (ابن إدريس، ١٤١٧هـ، ج٣، ص ١٢١)، والسبزواري (السبزواري، ١٢٩٧هـ، ج١، ص ١٧٢)، والنراقي (النراقي، ١٤١٥هـ، ج١، ص ٣٢٦)، والخوانساري (الخوانساري، ١٤٣٠هـ، ج١، ص ٣٢٦)، والمحقق القمي (القمي، ١٢٣١هـ، ج٢، ص ٧٤) قبلوا هذا القول.

٣-٣. أدلة الفقهاء

من الواضح أن بعض الأقوال لا تستحق البحث، مثل القول الأول، لأن المحقق الحلي الذي طرحه في كتاب “المعتبر” قد عدل عنه في كتب أخرى مثل “شرائع الإسلام” التي تعد من آرائه النهائية. إذن يجب بحث القولين الآخرين. وبما أن مدعى هذا البحث هو القول الثاني، ففي البداية يُنقَد القول بالتفصيل.

١-٣-٣. أدلة القول بالتفصيل

يقول أصحاب نظرية التفصيل في مقام الاستدلال إن حكم النجاسة والحرمة في الأعيان النجسة قد وُضع على العنوان، وفي الأعيان المتنجّسة قد وُضع على الجسم، والاستحالة توجب انتفاء العنوان لا الجسم (القمي، ١٢٣١هـ، ج٢، ص ٧٤). الشاهد على هذا الادعاء هو عبارة فتوى الفقهاء التي تقول: “كل جسم لاقى نجساً مع وجود الرطوبة المسرية في أحدهما فهو نجس” (الآشتياني، ١٤٠٣هـ، ص ١٧٦). من الواضح أن شيئية الأشياء لا تزول بالاستحالة، إذن موضوع النجاسة يبقى بعد الاستحالة أيضاً.

بناءً على ذلك، إطلاق أدلة وجوب الاجتناب عن الجسم المتنجّس قبل الاستحالة يشمل ما بعد الاستحالة أيضاً، وفي صورة الشك في أن الجسم المتنجّس قد طهر بعد الاستحالة أم لا، أو ما زال باقياً على نجاسته، يجري استصحاب النجاسة.

٢-٣-٣. نقد ومناقشة رأي القائلين بالتفصيل

قُدّمت إجابات في مقابل أدلة التفصيل بين الأعيان النجسة والمتنجّسة، منها:

  1. جواب الشيخ الأنصاري: حكم النجاسة في الروايات قد وضع على عنوان خارجي خاص مثل “الثوب”، ومع عملية التحولات تنتفي هذه العناوين، فيزول حكم النجاسة أيضاً ولا يجري استصحاب بقاء النجاسة. وأما فتوى الفقهاء التي تقول إن الحكم في المتنجّسات موضوع على الجسم فليست صحيحة، لأن عنوان “كل جسم” هو عنوان انتزاعي من الموارد الخاصة وهو ليس موضوع الحكم (الشيخ الأنصاري، ١٤٢٨هـ، ج١، ص ٢٩٩؛ الخوئي، ١٤٢٧هـ، ج٤، ص ١٥٠).
  2. جواب آية الله الحكيم: استصحاب النجاسة السابقة لا يجري، لأن المرجع في بقاء الموضوع هو العرف لا العقل، وفي مورد البحث، التغيرات سبب لتعدد الموضوع عرفاً؛ بحيث إن رفع اليد عن النجاسة السابقة ليس نقضاً لليقين بالشك، أو على الأقل بعد التغيرات، لدينا شك في بقاء موضوع النجاسة، فلا يجري الاستصحاب، لأن الموضوع غير محرز (الطباطبائي الحكيم، ١٣٩١هـ، ج٢، ص ٩٢).
  3. جواب المحقق الخوئي: التبدل قسمان: أ. تبدل في الخصوصيات الشخصية أو الصنفية، مثل تبدل القطن إلى ثوب والعكس، وتبدل القمح إلى دقيق والدقيق إلى خبز، ففي هذه الموارد لا توجب التبدلات تطهير القطن المتنجّس والقمح المتنجّس، لأن الثوب بنظر العرف هو نفس القطن والدقيق هو نفس القمح، والاختلاف في أن الأجزاء في الثوب والقمح مجتمعة، وفي القطن والدقيق متفرقة. بعبارة أخرى، الجسم هو نفس الجسم، والاستحالة في الأوصاف والأحوال. هذا النوع من التبدل ليس استحالة فقهية، وإطلاق أدلة الاجتناب عن المتنجّس يشمل “المستحال إليه”، وفي فرض الشك، يجري استصحاب النجاسة أيضاً (الموسوي الخوئي، ١٤٢٧هـ، ج٣، ص ١٧٣). ب. القسم الثاني من التبدل هو تبدل في الصورة والأوصاف النوعية مثل تبدل القطن المتنجّس إلى تراب، وتبدل الخشب المتنجّس إلى رماد. هذا القسم من التبدل هو مصداق الاستحالة وهو مطهّر للشيء المتنجّس. كما هو مطهّر للشيء النجس، لأن بالاستحالة ينتفي موضوع المتنجّس ولا يبقى مجال للتمسك بإطلاق الأدلة اللفظية أو الاستصحاب، لأن الموضوع قد اختلف (الموسوي الخوئي، ١٤٢٧هـ، ج٣، ص ١٧٣).

بناءً على ذلك، لا فرق بين الأعيان النجسة والمتنجّسة، والاستحالة مطهّرة في كليهما، من باب السالبة بانتفاء الموضوع، لا السالبة بانتفاء المحمول (الموسوي الخوئي، ١٤٢٧هـ، ج٣، ص ١٧٣). يمكن إقامة أدلة أخرى لإثبات توسعة الاستحالة لتشمل المتنجّسات، ولكن نظراً لمحدودية الصفحات نكتفي بهذا القدر.

يبدو أن جواب المحقق الخوئي وادعاء توسعة مطهّرية الاستحالة لتشمل المتنجّس صحيح، ولكن الإشكال الذي يبدو ويستحق النقد هو أن رد تأثير الاستحالة في القسم الأول بشكل مطلق ليس صحيحاً، بل يجب التفصيل؛ بين ما إذا لم يكن للاستحالة في الأوصاف الشخصية والصنفية تأثير في انتفاء العنوان وبقي بعد الاستحالة نفس العنوان الأول صادقاً، فإن الاستحالة لا توجب الطهارة، ولكن إذا انتفى العنوان الأول بالاستحالة في الأوصاف الشخصية أو الصنفية فإنها توجب الطهارة؛ لأن الدليل الأصلي على مطهّرية الاستحالة هو انتفاء عنوان الموضوع؛ مثل أن يتبخر الماء المتنجّس. هنا على الرغم من تفرق الأجزاء، إلا أن عنوان “الماء” لم يعد صادقاً، وإطلاق أدلة وجوب الاجتناب عن الماء النجس لا يشمله، وكذلك استصحاب بقاء النجاسة لا يجري، لأن وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة قد اختلت. وبالتالي، تجري أصالة الطهارة. وهذا المطلب سيكون مفيداً في مبحث الشك في الاستحالة.

٣-٣-٣. أدلة القول بمطهّرية الاستحالة مطلقاً

أكثر الفقهاء المعاصرين، باستثناء الآيات الخوانساري، وبهجت، والزنجاني، قائلون (الطباطبائي اليزدي، ١٤٣٠هـ، ج٢، ص ٤٢٤؛ الإمام الخميني، ١٣٨٥، ج١، ص ١٢٠) بأن الاستحالة مطهّرة في الأعيان النجسة والمتنجّسة، وقد تمسكوا بأدلة في هذا الصدد:

الدليل الأول: أهم دليل، وهو الذي حظي بقبول أكثر الفقهاء، يتكون من مقدمتين:

  1. من الواضح أن العلاقة بين الموضوع والحكم هي علاقة العلة والمعلول، وبالتالي مع انتفاء الموضوع، ينتفي الحكم أيضاً؛ كما أنه مع عدم وجود العلة، ينتفي المعلول أيضاً.
  2. وظيفة الاستحالة هي تغيير الموضوع، بحيث إن ما يتحقق هو موضوع جديد؛ إذن يزول قهراً حكم الموضوع الأول الذي هو النجاسة أو الحرمة، ويتحقق حكم جديد مناسب للموضوع الجديد. يقول كاشف الغطاء في هذا الصدد: “الاستحالة ليست مطهّرة، بل تغيّر الموضوع” (كاشف الغطاء، ١٤٢٢هـ، ج٢، ص ٣٨٤). وهذا الحكم الجديد قد يكون مدلول دليل اجتهادي، أو قد يكون دليلًا فقاهتيًا، أي أصلاً من الأصول العملية مثل أصالة الطهارة.

٤-٣. خلاصة البحث

مما سبق يتضح أولاً أن عدّ الاستحالة كأحد المطهّرات هو من باب المسامحة، لأن الحكم لا يزول بالاستحالة، بل ينتفي الموضوع. بعبارة علمية، بالاستحالة تكون القضية سالبة بانتفاء الموضوع، لا سالبة بانتفاء المحمول. ثانياً، كما أن الاستحالة توجب الطهارة والحلّية، فإنها أحياناً توجب النجاسة والحرمة؛ مثل أن يتحول الخل بالاستحالة إلى خمر.

توجد أدلة أخرى على مطهّرية الاستحالة في الأعيان النجسة والمتنجّسة في كلمات الفقهاء يمكن نقدها؛ لذلك لا نبحث فيها تفصيلاً؛ منها الروايات (الكليني، ١٤٢٩هـ، ج٣، ص ٣٣٠؛ الشيخ الصدوق، ١٤٠٤هـ، ج١، ص ٢٧٠؛ الحر العاملي، ١٤١٠هـ، ج٢، ص ١١٠٠)، والإجماع، والسيرة العملية للمتشرعة، وأصالة الطهارة.

٤. مقتضى الأصل العملي في حال الشك

يؤسس الفقهاء في مباحثهم العلمية المختلف فيها أصلاً عملياً ليرجعوا إلى مقتضاه إذا قصرت أيديهم عن الأدلة الاجتهادية واللفظية، وينجوا من الشك والحيرة. من هنا، فإن بحث مقتضى الأصل في هذه المسألة ضروري، خاصة وأن موارد الشك في الاستحالة كثيرة جداً، وهو ما يركز عليه هذا المقال أيضاً.

الشك يكون أحياناً في الشبهات المصداقية وأحياناً في الشبهات المفهومية؛ الشبهة المصداقية هي الشبهة التي يكون منشأ الشك فيها الأمور الخارجية؛ مثل أن يقع كلب في مملحة ولا ندري هل تحول إلى ملح أم لا، ومنشأ الشك هو هل أن مدة وقوع الكلب في المملحة كانت بالقدر الذي يتحول فيه إلى ملح أم لا (البحراني، ١٤٢٨هـ، ج٢، ص ٢٠١). الشبهة المفهومية، في المقابل، هي الشبهة التي يكون منشأ الشك فيها سعة وضيق المفهوم ووضع الواضع. على سبيل المثال في المثال السابق نفسه، يمكن القول إن الشبهة المفهومية قد وقعت عندما يكون الشك في الاستحالة من جهة أننا لا نعلم هل مفهوم الكلب ما زال صادقاً بعد الاستحالة أم ليس صادقاً؛ بعبارة أخرى، هل وضع الواضع لفظ “الكلب” للمعنى الواسع أم للمعنى الضيق (البحراني، ١٤٢٨هـ، ج٢، ص ٢٠١).

وقد اختلف أصحاب الرأي في مقتضى الأصل في ثلاثة أقوال أساسية على الأقل:

  1. القول بالنجاسة مطلقاً.
  2. القول بالطهارة مطلقاً.
  3. القول بالتفصيل، بحيث إذا كان مورد الشك شبهة مصداقية، فمقتضى الأصل هو النجاسة، وإذا كان شبهة مفهومية، فمقتضى الأصل هو الطهارة. وفيما يلي نتناولها بالتفصيل.

١-٤. تحليل ومناقشة الرأي الأول

١-١-٤. القائلون بهذا الرأي

القول الأول: مقتضى الأصل في موارد الشك هو النجاسة مطلقاً؛ أي في الشبهات الموضوعية والمفهومية. من بين أصحاب هذه النظرية صاحب “العروة” الذي يقول: “ومع الشك في الاستحالة لا يحكم بالطهارة” (الطباطبائي اليزدي، ١٤٣٠هـ، ج١، ص ٢٥٨). وكما قيل سابقاً، فإن معظم أصحاب الحواشي على “العروة” قبلوا هذا المطلب.

٢-١-٤. الأدلة

الدليل الأول: الاستصحاب الحكمي أي بقاء النجاسة. يقول آية الله الحكيم في مقام الاستدلال على القول الأول: “للشك في حصول المطهر الموجب للرجوع إلى أصالة عدمه الموافق لإصالة بقاء النجاسة” (الطباطبائي الحكيم، ١٣٩١هـ، ج٢، ص ٩٥)؛ بتوضيح أن الشيء المشكوك الاستحالة كان قبل عملية التغيرات نجساً أو متنجّساً، والآن نشك في زوال ذلك، إذن يجري استصحاب ذلك الحكم (الطباطبائي الحكيم، ١٣٩١هـ، ج٢، ص ٩٥).

الإشكال: أولاً، مع الشك في الاستحالة، يحصل شك في بقاء الموضوع، ومع الشك في بقاء الموضوع، لا يجري استصحاب النجاسة السابقة، لأن الموضوع غير محرز، فالمرجع هو أصالة الطهارة (الطباطبائي الحكيم، ١٣٩١هـ، ج٢، ص ٩٥). ثانياً، على فرض التنزّل عن الإشكال الأول، الشك في بقاء النجاسة السابقة ناشئ عن الشك في تحقق الاستحالة، إذن النسبة بين استصحاب بقاء النجاسة واستصحاب عدم الاستحالة هي نسبة السبب والمسبب، وقد ثبت في الأصول أنه مع إجراء الاستصحاب السببي، أي عدم الاستحالة، لا تصل النوبة إلى الاستصحاب المسببي، أي بقاء النجاسة (الطباطبائي الحكيم، ١٣٩١هـ، ج٢، ص ٩٥). إذن الدليل الأول مخدوش.

الدليل الثاني: استصحاب موضوعي لعدم الاستحالة يجري، لأنه قبل التغيرات قطعاً لم تكن الاستحالة متحققة، والآن نشك هل تحققت الاستحالة مع هذه التغيرات أم لا، فهنا يجري استصحاب عدم تحقق الاستحالة.

الإشكال: استصحاب عدم الاستحالة لا يجري، لأن هذا الاستصحاب إما أن يكون بصيغة “كان الناقصة” أو “كان التامة”، وكلاهما لا يجري. أما الأول: استصحاب بقاء الصورة النوعية لجسم كان سابقاً خنزيراً لا يجري، لأن شرطه وحدة الموضوع، ومع احتمال الاستحالة قطعاً اختلت وحدة الموضوع عرفاً أو على الأقل نشك في الموضوع، فلا يجري الاستصحاب بنحو “كان الناقصة”. أما الثاني: أي استصحاب أصل وجود الصورة النوعية للكلب والخنزير لا يجري، لأنه ليس له أثر شرعي، إلا بناءً على الأصل المثبت.

توضيح ذلك أن استصحاب بقاء أصل الصورة النوعية للكلب والخنزير بنحو “كان التامة” لا يثبت أن هذا الشيء المشكوك الاستحالة هو كلب وخنزير، إلا إذا قبلنا بالمثبتات العقلية للاستصحاب؛ لأن كون الشيء المشكوك الاستحالة خنزيراً هو أثر عقلي له، وقد ثبت في الأصول أن المثبتات العقلية للأصول، ومنها الاستصحاب، ليست حجة. بعبارة أخرى، استصحاب أصل وجود الصورة النوعية لا يثبت أن هذا الشيء المشكوك الاستحالة هو كلب، إلا بناءً على الأصل المثبت (الطباطبائي الحكيم، ١٣٩١هـ، ج٢، ص ٩٦).

النتيجة: بردّ استصحاب حكم وموضوع النجاسة وأصل عدم الاستحالة، تصل النوبة إلى أصالة الطهارة. وبناءً على ذلك، رُدَّ القول الأول الذي كان يقول بأن مقتضى الأصل العملي هو النجاسة مطلقاً في الشبهات المفهومية والموضوعية.

٢-٤. تحليل ومناقشة الرأي الثاني

١-٢-٤. القائلون بهذا الرأي

مقتضى الأصل في مورد الشك في الاستحالة هو الطهارة مطلقاً، سواء في الشبهات الموضوعية أو الشبهات المفهومية. كثير من كبار أصحاب الحواشي على “العروة” اختاروا هذا القول، منهم المحقق العراقي، والحكيم، والبجنوردي، والروحاني (الطباطبائي اليزدي، ١٤٣٠هـ، ص ٢٥٨).

٢-٢-٤. الأدلة

دليل هذا الرأي هو أصالة الطهارة؛ لأن الأدلة الاجتهادية لا تشمل المقام، حيث إن المفروض هو أننا نشك، واستصحاب بقاء حكم النجاسة أو استصحاب الموضوع، أي عدم الاستحالة، لا يجري أيضاً، فتصل النوبة إلى أصالة الطهارة. بعبارة أخرى، الشبهة إما موضوعية أو مفهومية؛ في الحالة الأولى ثبت في نقد القول الأول أن الاستصحاب لا يجري مطلقاً؛ لا في الحكم ولا في الموضوع، لا بنحو “كان التامة” ولا بنحو “كان الناقصة”، فلا حاجة للتكرار. إذن، مع منع استصحاب حكم النجاسة السابقة وموضوعها، أي عدم الاستحالة، تصل النوبة قهراً إلى أصالة الطهارة في الشبهة الموضوعية للاستحالة (الطباطبائي الحكيم، ١٣٩١هـ، ج٢، ص ٩٦). وفي الحالة الثانية أيضاً لا يجري استصحاب بقاء حكم النجاسة أو عدم الاستحالة.

الصور التي يمكن فيها الاستصحاب في الشبهة المفهومية هي:

  1. استصحاب ذات الموضوع لا يجري، لأنه مع زوال وصف من أوصافه نشك في أن مفهوم العذرة مثلاً صادق على العذرة المحترقة أم لا. هنا استصحاب عنوان العذرة بالنسبة للعذرة المحترقة لا يجري، لأن العذرة السابقة لم تكن محترقة والعذرة بالفعل محترقة، وبالتالي فإن شرط وركن الاستصحاب، وهو وحدة الموضوع في القضيتين محل البحث، مفقود. بعبارة أخرى، ما وقع في الخارج معلوم ولا شك فيه حتى يجري الاستصحاب. مورد الشك هو صدق وعدم صدق مفهوم العذرة، والاستصحاب في المفاهيم لا يجري، لأن الآثار الشرعية مترتبة على الأمور الخارجية.
  2. استصحاب الموضوع السابق بوصفه موضوعاً لا يجري؛ لأن استصحاب الموضوع بوصفه موضوعاً يرجع إلى استصحاب الحكم، واستصحاب الحكم في الشبهات المفهومية لا يجري.
  3. استصحاب الحكم، أي النجاسة، في الشبهات المفهومية لا يجري، لأن شرط وركن الاستصحاب، وهو وحدة القضيتين، مفقود؛ لأنه باحتراق العذرة نشك في بقاء الموضوع، حيث يحتمل أن تكون العذرة المحترقة موضوعاً جديداً، وعلى الأقل نشك في بقاء موضوع حكم النجاسة. مع هذا الاحتمال، دليل الاستصحاب هو في مورد الشبهة المصداقية؛ وبالتالي، موردنا الحاضر، وهو شبهة مصداقية لدليل الاستصحاب، والتمسك بالإطلاق فيه ليس صحيحاً.

إذن، الشك في الاستحالة بنحو الشبهة المفهومية مرجعه أصالة الطهارة، لأن الفرض هو أن أيدينا قصرت عن الأدلة الاجتهادية واللفظية ووصلت النوبة إلى الشك، والاستصحاب أيضاً بصوره المختلفة واجه إشكالاً، إذن تصل النوبة قهراً إلى أصل الطهارة (الموسوي الخوئي، ١٤٢٧هـ، ج٣، ص ١٧٦).

بناءً على ما قيل، مع عدم وجود أدلة اجتهادية وعدم جريان الاستصحاب بأشكاله المختلفة الحكمية والموضوعية في الشبهات الموضوعية والمفهومية، تجري أصالة الطهارة، ونتيجتها طهارة جميع المواد المستوردة المشكوكة الاستحالة، سواء كانت من الشبهات الموضوعية أو المفهومية، وسواء كانت من الأعيان النجسة أو المتنجّسة. وهذه ثمرة مهمة جداً يمكن أن تحل مشكلة المواد الاستهلاكية المستوردة من بلاد الكفر.

٣-٤. تحليل ومناقشة أدلة الرأي الثالث

١-٣-٤. القائلون بهذا الرأي

التفصيل بين الأعيان النجسة: إذا كان الشك في الاستحالة في الشبهات المفهومية، ففي هذه الصورة مقتضى الأصل هو الطهارة، وإذا كان الشك في الشبهة الموضوعية، أو الشك في الاستحالة في الأعيان المتنجّسة، فمقتضى الأصل هو النجاسة والحرمة. من بين أصحاب هذا القول المحقق الخوئي (الموسوي الخوئي، ١٤٢٧هـ، ج٣، ص ١٧٥).

٢-٣-٤. الأدلة

نورد دليل القول الثالث عن المحقق الخوئي. لقد بيّن حكم موارد الشك في مقامين؛ المقام الأول الشك في الاستحالة في الأعيان النجسة، والمقام الثاني الشك في الاستحالة في الأعيان المتنجّسة. أما المقام الأول، فيمكن عرض هذا البحث في مرحلتين؛ أ. الشك بنحو الشبهة الموضوعية، و ب. الشك بنحو الشبهة المفهومية (الموسوي الخوئي، ١٤٢٧هـ، ج٣، ص ١٧٥).

أ. في الحالة الأولى، مثل أن يكون كلب قد سقط في مملحة وبعد مدة نشك هل تحول إلى ملح أم لا، منشأ الشبهة في هذا هو هل كانت المدة الزمنية كافية للاستحالة إلى ملح أم لا. في هذه الصورة يجري استصحاب موضوعي أي بقاء العنوان الأول (الكلبي)، ونتيجة لذلك تجري أحكامه ومنها النجاسة (الموسوي الخوئي، ١٤٢٧هـ، ج٣، ص ١٧٥). إذا أُشكل بأنه مع عملية التغيرات، تردد أمر الموضوع السابق بين الكلب والملح، إذن عنوان الكلب غير محرز حتى يجري الاستصحاب، وعلى هذا الأساس على الأقل نشك في بقاء الموضوع، فلا يجري استصحاب عنوان الكلبي (الموسوي الخوئي، ١٤٢٧هـ، ج٣، ص ١٧٥).

الجواب: الحكم يجري على الهيولى أي الجسم المشترك بين عنوان الكلب والملح، إذن تلك الهيولى نفسها التي كانت قبل عملية التحول تُستصحب.

الموضوع المذكور له أقسام (الموسوي الخوئي، ١٤٢٧هـ، ج٣، صص ١٧٥، ١٧٦):

القسم الأول: موضوع الماهية، أعم من الماهية الكلية أو الشخصية؛ على سبيل المثال إذا شُك في بقاء وعدم بقاء ماهية زيد، فالموضوع هو ماهية شخص زيد في الزمان السابق، واستصحاب بقاء الماهية السابقة يجري. بعبارة أخرى، ركن الاستصحاب هو وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة بحيث يتعلق بها اليقين والشك. وهذا الركن موجود في هذا القسم، لأن وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة محفوظة في قضية “زيد كان موجوداً”، ففي مرحلة البقاء أيضاً الموضوع هو نفس ماهية زيد والمحمول هو وجود زيد.

القسم الثاني: أحياناً يكون الموضوع هو الوجود، مثل أن نعلم بوجود القيام لزيد، ثم نشك في بقائه؛ في هذه الصورة أيضاً يجري الاستصحاب، لأن ركن وشرط الاستصحاب، أي وحدة القضيتين، موجود، أي أن العلم والشك قد تعلقا بوجود قيام زيد.

القسم الثالث: الموضوع هو الهيولى أي المادة المشتركة بين الصور النوعية؛ مثل جسم متصف بصورة نوعية كلبية وبعد مدة نشك هل هذا الجسم اتصف بصورة نوعية ملحية أم لا. في هذه الصورة أيضاً يجري استصحاب الجسم المتصف بالصورة النوعية السابقة، لأن ركن الاستصحاب، أي وحدة القضيتين، موجود.

يقول المحقق الخوئي إن مورد بحثنا هو مصداق هذا القسم، وبالتالي إذا كان الشك في الاستحالة بنحو الشبهة المصداقية، يجري استصحاب عدم الاستحالة (الموسوي الخوئي، ١٤٢٧هـ، ج٣، ص ١٧٦).

توضيح ذلك أنه يقول: ١. الموضوع مادة مشتركة تكون أحياناً كلباً وأحياناً ملحاً وأحياناً حجراً. ٢. بالشك في الاستحالة نقول إن هذا الجسم كان سابقاً كلباً والآن أيضاً هو كلب. ٣. مقصودنا من كونه كلباً ليس الكلب بالفعل، بل المقصود أنه كان كلباً سابقاً.

ب. إذا كان الشك في الاستحالة في الأعيان النجسة بنحو الشبهة المفهومية، فلا يجري استصحاب العنوان السابق بالإشكالات المختلفة. تفصيل ذلك مر في ضمن بحث القول الثاني.

المقام الثاني، الشك في استحالة الأعيان المتنجّسة يجب أيضاً بحثه في مرحلتين؛ أ. الشبهة الموضوعية، و ب. الشبهة المفهومية (الموسوي الخوئي، ١٤٢٧هـ، ج٣، ص ١٧٦).

أما المرحلة الأولى، فحكمها حكم الشبهة الموضوعية للاستحالة في الأعيان النجسة؛ مثل أن يتحول خشب نجس إلى فحم ويُشك في تلك الصورة هل تحققت الاستحالة أم لا. في هذا الصدد يجري استصحاب بقاء عنوان الخشب، لأن الموضوع هو هيولى الجسم المشترك بين عنوان الخشب وعنوان الفحم؛ فلا يرد إشكال التردد في الموضوع مع عملية التحول.

أما المرحلة الثانية، فلا سبيل لتصور الشك في الاستحالة بنحو الشبهة المفهومية؛ لأن الحكم على الجسم الملاقي لا على العنوان الخاص، والجسم الملاقي صادق على جسم الخشب والفحم، فلا شك في صدق المفهوم. ما لوحظ هو خلاصة مطالب المحقق الخوئي في إثبات القول بالتفصيل بين الشبهة الموضوعية والمفهومية في الأعيان النجسة والمتنجّسة (الموسوي الخوئي، ١٤٢٧هـ، ج٣، ص ١٧٦).

٤-٤. خلاصة البحث

كلام المحقق الخوئي حول عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية المفهومية صحيح، ولكن حول جريان استصحاب بقاء الموضوع في الشبهات الموضوعية في الأعيان النجسة قابل للنقد؛ أولاً لا نقبل أن يكون مورد البحث مصداق القسم الثالث أي موضوع الهيولى والجسم المشترك وألا يكون للعناوين أي دخل فيه. وبالتالي يجب التفصيل بين الموارد التي يكون للموضوع من وجهة نظر العرف حيثية تقييدية، وبين غيرها، وفي الحالة الأولى، يجري استصحاب النجاسة. ثانياً، ملاك جريان وعدم جريان الاستصحاب في الشبهات المصداقية، هو شمول وعدم شمول الدليل الدال على مطهّرية الاستحالة، والملاك في الدليل هو هل أن الاستحالة سبب لانتفاء الموضوع أم لا. إذن، في كل مكان سببت فيه عملية التغيرات أن يكون “المستحال إليه” من وجهة نظر العرف غير “المستحال منه”، لا يجري الاستصحاب وتحصل الطهارة؛ أعم من الشبهات المصداقية أو المفهومية. في بحث عملية التغيرات يتسبب في أن يكون “المستحال إليه” من وجهة نظر العرف غير “المستحال منه”.

ثالثاً، يمكن إيراد إشكال نقضي؛ طبقاً لبيان سماحته، في كثير من الموارد التي يعتبر هو نفسه الاستحالة موجبة للطهارة، يجري استصحاب بقاء الموضوع النجس، لأن الموضوع جسم مشترك، مثل الخمر والبول الذي تبخر؛ بتوضيح أن البخار هو نفس جسم الخمر والبول، مع وصف التفرق.

بالنظر إلى هذه الإشكالات، إذا لم نقل إن أصالة الطهارة تجري في الشك مطلقاً في الشبهات المفهومية والموضوعية، فعلى الأقل يجب التفصيل، وفي الموارد التي يكون للعنوان من وجهة نظر العرف حيثية تقييدية، يُحكم بالطهارة والحلّية. أما رأي سماحته في جريان استصحاب بقاء العنوان في الأعيان المتنجّسة وإثبات حكم النجاسة فغير تام، ولأنه بُحث في استعراض الأقوال، لا نكرره.

الاستنتاج

  1. بحث الاستحالة من حيث كونها سبباً لطهارة وحلّية كثير من المواد الاستهلاكية التي تُستورد من بلاد غير إسلامية، يتمتع بأهمية كبيرة.
  2. مقتضى الأصل العملي في الأشياء هو الطهارة والحلّية.
  3. أقام الفقهاء أدلة على مطهّرية الاستحالة، أهمها أن الاستحالة سبب لرفع الموضوع.
  4. حكم موارد الشك في تحقق الاستحالة بُحث بالتفصيل وثبت أن أصالة الطهارة تجري في الشبهات الموضوعية والشبهات الحكمية.
  5. الاستحالة في الأعيان المتنجّسة موجبة للطهارة.
  6. الاستحالة كما تكون سبباً للطهارة، تكون أحياناً سبباً للنجاسة أيضاً؛ مثل تحول الخل إلى خمر.

قائمة المصادر

  1. الآشتياني، الميرزا محمد حسن. (١٤٠٣هـ). بحر الفوائد. قم: مكتبة المرعشي النجفي.
  2. ابن إدريس الحلي، محمد بن منصور بن أحمد. (١٤١٧هـ). السرائر. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
  3. ابن منظور الإفريقي، محمد بن مكرم. (١٤٠٨هـ). لسان العرب. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
  4. الأنصاري، مرتضى بن محمد أمين. (١٤٢٨هـ). فرائد الأصول. قم: مجمع الفكر الإسلامي.
  5. البحراني، محمد صنقور علي. (١٤٢٨هـ). المعجم الأصولي. قم: منشورات الطيار.
  6. الحر العاملي، محمد بن حسن. (١٤١٠هـ). وسائل الشيعة. قم: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.
  7. الخميني، السيد روح الله الموسوي. (١٣٨٥هـ ش). توضيح المسائل (محشى – إمام خميني). قم: دفتر انتشارات إسلامي وابسته به جامعة مدرسين حوزة علمية قم.
  8. الشهيد الأول، محمد بن مكي العاملي. (١٤٠٨هـ). الدروس الشرعية. قم: إسماعيليان.
  9. الشيخ الصدوق، محمد بن علي. (١٤٠٤هـ). من لا يحضره الفقيه. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
  10. الشيخ الطوسي، محمد بن حسن. (١٤١١هـ). الخلاف. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
  11. الشيخ الطوسي، محمد بن حسن. (١٣٨٧هـ). المبسوط. طهران: المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية.
  12. الطباطبائي الحكيم، السيد محسن. (١٣٩١هـ). مستمسك العروة الوثقى. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
  13. الطباطبائي اليزدي، السيد محمد كاظم. (١٤٣٠هـ). العروة الوثقى والتعليقات عليها. قم: مؤسسة السبطين العالمية.
  14. العلامة الحلي، حسن بن يوسف. (١٤١٤هـ). منتهى المطلب. مشهد: مجمع البحوث الإسلامية.
  15. العلامة الحلي، حسن بن يوسف. (١٤١٣هـ). قواعد الأحكام. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
  16. القمي، الميرزا أبو القاسم. (١١٥١-١٢٣١هـ). قوانين الأصول. شيراز: علمية الإسلامية.
  17. كاشف الغطاء، جعفر بن خضر الجناحي. (١٤٢٢هـ). كشف الغطاء. خراسان: مكتب الإعلام الإسلامي.
  18. الكليني، محمد بن يعقوب بن إسحاق. (١٤٢٩هـ). الكافي. قم: دار الحديث.
  19. المحقق الحلي، جعفر بن حسن. (١٣٦٤هـ ش). المعتبر. قم: مؤسسة سيد الشهداء.
  20. المحقق الحلي، جعفر بن حسن. (١٣٨٩هـ). شرائع الإسلام. النجف: الآداب.
  21. السبزواري، محمد باقر بن محمد مؤمن. (١٢٤٧هـ). ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد. قم: مؤسسة آل البيت.
  22. المقري الفيومي، أحمد بن محمد. (١٤٠٥هـ). المصباح المنير. قم: مؤسسة الهجرة.
  23. الموسوي الخوئي، السيد أبو القاسم. (١٤٢٧هـ). التنقيح في شرح العروة الوثقى (الطهارة، مقرر: ميرزا علي غروي تبريزي). قم: مؤسسة أنصاريان.
  24. النجفي، محمد حسن. (د.ت). جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام (٤٣ مجلداً). بيروت وطهران: دار إحياء التراث العربي و دار الكتب الإسلامية.
  25. النراقي، أحمد بن محمد مهدي. (١٤١٥هـ). مستند الشيعة. مشهد: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.

الهوامش

١. أستاذ مشارك، جامعة المصطفى العالمية، قم، إيران.

Scroll to Top