المستخلص
يُعدّ «الاجتهاد» من أهم الشروط التي وضعها الفقهاء للقاضي. ويستند هذا الرأي إلى الأحكام الأولية. والمسألة المطروحة الآن هي: هل يمكن الحكم بجواز قضاء المقلِّد بناءً على العناوين الثانوية كالاضطرار، والحرج، والمصلحة، وغيرها؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة، ويبدو أن الحق مع غالبيتهم الذين يرون إجزاء قضاء المقلِّد. يهدف هذا البحث إلى تحديد نطاق هذا الإجزاء وشروطه، وبيان وظائف كل من الحاكم والقاضي المقلِّد، على فرض تحقق العناوين الثانوية للاضطرار والمصلحة، وذلك باستخدام المنهج الوصفي التحليلي في مجال الفكر الفقهي وعبر جمع المصادر المكتبية. وقد خلص البحث إلى النتائج التالية: يجب أن يكون «حكم الحاكم في دائرة الشريعة»، و«يُقدَّم الأهم على المهم»، و«يُستعان بالمشورة في تشخيص العناوين الثانوية». كما يجب على المقلِّد أن يحكم في مقام القضاء بناءً على فتوى المجتهد الذي نصّبه، وأن «يشاور» في الأمور القضائية. وعلاوة على ذلك، فإن على الحاكم واجبات تجاه القاضي غير المجتهد، منها: «تهيئة البيئة المناسبة لقضائه»، و«إضفاء الشرعية على قضاء غير المجتهدين»، و«تقديم الأصلح على الصالح».
مقدمة
كل نظام يهدف إلى إقامة العدل بحاجة إلى جهاز قضائي عادل وقاضٍ كفؤ. واستنادًا إلى الآيات والروايات، تُعدّ هذه المسؤولية من وظائف الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)، وقد أُنيطت هذه الوظيفة في زمن غيبة الإمام المعصوم (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، بمقتضى العقل والنقل، بنوابه العامين (المجتهدين جامعي الشرائط). ويُعدّ شرط الاجتهاد في القاضي حكمًا أوليًا معروفًا بين الفقهاء؛ ورغم أن فئة من الفقهاء، أمثال الميرزا القمي وصاحب الجواهر، قد استدلوا على جواز قضاء المقلِّد بالاستناد إلى الأدلة الشرعية، إلا أن غالبية فقهاء الشيعة يقبلون بشرط الاجتهاد في القاضي كحكم أولي.
تتضمن كتب الفقه الجامعة بابًا للقضاء، يُشار فيه إلى شروط القاضي، وعادة ما يُعرض هذا الموضوع على أساس الظروف العادية والأحكام الأولية، ونادرًا ما يُتطرق إلى الظروف الاضطرارية وفقدان المجتهد. على سبيل المثال، أورد العلامة الحلي في كتاب (إرشاد الأذهان) كتاب القضاء، وخصص المقصد الأول منه لصفات القاضي، ورأى نفوذ قضاء الفقيه الجامع للشرائط في زمن الغيبة (العلامة الحلي، 1410هـ، ج2، ص138).
من جهة أخرى، يحكم العقل بأنه في حال فقدان المجتهد، لا ينبغي أن تتعطل أمور المسلمين، ويجب نصب أشخاص لحل وفصل نزاعات الناس، وحفظ النظام الاجتماعي، والدفاع عن الحقوق العامة، وإحقاق الحق، وإقامة العدل، بوصفهم قضاة؛ ذلك أن الشارع المقدس لا يرضى باختلال النظام. وعليه، فإن القضاء أمر ضروري يجب أن يقوم على أسس شرعية وإسلامية. والسؤال المطروح الآن هو: في حال عدم وجود عدد كافٍ من المجتهدين المطلقين، فما هو تكليف المجتمع الإسلامي في أمر القضاء؟ وما هو القدر من العلم المشروط في القاضي وما هي شروطه؟ وإذا أردنا الاستعانة بقاضٍ غير مجتهد في أمر القضاء، فما هي أسسه الشرعية وشروطه وحدوده؟
في الدراسات السابقة العامة، تم تناول هذا الموضوع وهذه الأسئلة بشكل كلي ومجمل. فقد تحدث الفقهاء المتقدمون كالشيخ المفيد والشيخ الطوسي وابن زهرة بعبارات تشير إلى ضرورة وجود العلم لدى القاضي. لم يستخدموا مصطلح الاجتهاد، لكنهم ذكروا صفات تنطبق على مصطلح الاجتهاد عند المتأخرين، وفي الواقع كان مقصودهم فقهاء الشيعة.1 ومنذ القرن السابع الهجري، شاع مصطلح الاجتهاد، وذكر معظم الفقهاء شرط الاجتهاد للظروف العادية. وأشار عدد قليل منهم إليه كعنوان ثانوي، وسيتم الإشارة إلى آرائهم في ثنايا هذا البحث.2
قسم آخر من الدراسات السابقة حول الموضوع هو الأعمال المستقلة التي تناولت موضوع اجتهاد القاضي على وجه الخصوص؛ ومنها: كتاب (مباني فقهي نفوذ حكم قاضي مأذون) للسيد محمد يعقوب موسوي، وأثران لمجتبى سروش وسيد إبراهيم موسوي بعنوان (بررسى شرط اجتهاد در قاضى) و(شرطية الاجتهاد في القضاء)، وهي من بين الأعمال التي تناولت بإيجاز شرط الاجتهاد في القاضي كعنوان ثانوي مع ذكر الأقوال. ومن الأعمال الأخرى يمكن ذكر ثلاث مقالات: «أدلة اعتبار الاجتهاد في القاضي ونقدها» لعلي رضا عسكري ومصطفى عامري، و«اجتهاد القاضي در نظام قضايى ايران» لمهدي موحدي، و«قضاوت غيرمجتهد در فقه اماميه با رويكردى به نظريه امام خمينى» لمحمد بهرامي خوشكار. في المقالة الأولى، تم الاكتفاء بتناول الأدلة دون تفكيك بين العنوان الأولي والثانوي، وفي النهاية تم نقد الأدلة وتجميعها. وفي المقالة الثانية، تم تناول أدلة لزوم اجتهاد القاضي بناءً على العناوين الأولية ونقدها، ولم تتم الإشارة إلى العناوين الثانوية.
وتتضمن هذه المقالة ملاحظة أنه بالنظر إلى النظام القضائي الإيراني، وما يتوفر فيه من قوانين ومستلزمات، فإن اختيار قضاة مجتهدين في جميع المحاكم غير ممكن، ولا مفر من الاستعانة بقضاة غير مجتهدين. لذا، يجب القول بعدم شرطية الاجتهاد. أما المقالة الثالثة، فقد عرضت الأدلة على فرض العنوان الأولي، وطرحت ثلاثة أقوال في فرض الاضطرار بشكل موجز.
النقاط والميزات التالية تميز المقالة الحالية عن الأعمال السابقة:
1. التركيز على العناوين الثانوية وتفكيك مصاديقها كالاضطرار والمصلحة.
2. بيان دور الحاكم ووظيفته في نصب القاضي المقلِّد.
3. تقديم ضوابط لتجويز قضاء المقلِّد.
4. بيان المفهوم الجديد لـ«الاجتهاد القضائي».
منهج البحث في هذا العمل هو وصفي-تحليلي؛ حيث يتم بحث أقوال وأدلة كل طرف في مسألة اجتهاد القاضي بناءً على العناوين الثانوية، ثم يتم نقدها ودراستها وتقديم استنتاج نهائي.
1. العناوين الثانوية في مسألة اجتهاد القاضي
أحيانًا، يصبح أداء التكاليف الشرعية الأصلية والأولية صعبًا جدًا أو مستحيلًا بسبب ظروف خاصة، بحيث لا يكون المكلفون قادرين على أدائها. وقد وضع الشارع المقدس لهذه الظروف أحكامًا ثانوية كي لا يقع الناس في المشقة. هذه الحالات الاستثنائية أو الخاصة، التي تتسم بدوام واستمرارية أقل وغالبًا ما تكون قصيرة الأمد ومؤقتة، تُسمى بالعناوين الثانوية؛ بحيث إذا طرأ أحد هذه الحالات الثانوية أو الاستثنائية، يتغير الحكم الأولي ويجري حكم آخر على ذلك الموضوع، وهو ما يسمى بالحكم الجديد أو الحكم الثانوي (مكارم، 1427هـ ب، ص 480). العناوين الثانوية متعددة، والملاك الكلي لها هو عدم إمكانية أداء التكليف في الظروف العادية عرفًا. وتشمل هذه الظروف الاضطرار، والضرر، والإضرار بالغير، والعسر والحرج، والتقية، ومقدمة الواجب أو الحرام، وقاعدة الأهم والمهم في موارد التزاحم، والنذر، والعهد، والقسم، والمصلحة، وغيرها. في هذه المقالة، يتم الاستناد إلى عنواني الاضطرار والمصلحة في انتصاب القاضي غير المجتهد، ويتم الحديث ضمنًا عن عناوين ثانوية أخرى كالأهم والمهم، والهرج والمرج، واختلال النظام، ومقدمة الواجب.
1-1. الاضطرار
الاضطرار في اللغة مصدر من باب الافتعال من جذر «ضرر» بمعنى الإجبار على قبول الضرر، أي الأذى والشدة، والضرورة اسم مصدر له (راغب، د.ت، ج1، ص 302، 303). والاضطرار في الفقه حالة تبيح بعض المحرمات بشروط، وتجيز بعض الممنوعات بشروط. معنى الاضطرار في الفقه هو نفسه المعنى اللغوي (مشكيني، د.ت، ص 74). يتحقق الاضطرار عندما يطرأ خطر جسيم، ويفقد الحرام حرمته لرفع ذلك الخطر، وأحيانًا يصل إلى حد الوجوب (الطوسي، 1387هـ، ج7، ص 280). الفرق بين الاضطرار والإكراه هو أن الاضطرار يرفع الحكم التكليفي فقط، بينما الإكراه يرفع الحكم التكليفي والوضعي معًا (مشكيني، د.ت، ص 74). اختلف الفقهاء في كون الاجتهاد شرطًا للقاضي في حال الاختيار فقط أم شرطًا مطلقًا، بحيث يكون المشروط في حال الاضطرار ساقطًا مع شرطه (الآشتياني، 1425هـ، ج1، ص 78)، وانقسموا إلى ثلاث فئات:
1-1-1. الفئة الأولى: عدم جواز قضاء غير المجتهد مطلقًا
ظاهر كلمات البعض أن شرط الاجتهاد مطلق، ومع فرض الاضطرار لا يُرفع حكم عدم جواز قضاء المقلِّد (العاملي، 1413هـ، ج13، ص 328؛ الفيض، د.ت، ج3، ص 246؛ الأنصاري، 1415هـ، ص 40)، وقد ادُّعي الإجماع على هذه المسألة (الفيض، د.ت، ج3، ص 247).
1-1-2. الفئة الثانية: التفصيل بين الشبهات الموضوعية والحكمية
فصّل بعض الفقهاء (الرشتي، 1401هـ، ج1، ص 55-60؛ الآشتياني، 1425هـ، ج1، ص 79-82) بين الشبهات الموضوعية والحكمية؛ بأن قضاء غير المجتهد جائز في الشبهات الموضوعية، وغير جائز في الشبهات الحكمية. وتوضيح ذلك أن النزاع بين الطرفين إما أن يكون في شبهة موضوعية أو في شبهة حكمية، وفي كلتا الحالتين إما أن يكون للمجتهد إمكانية نصب المقلِّد كقاضٍ أو لا تكون له إمكانية؛ بأن يكون الوصول إلى المجتهد ليس سهلًا أو لا يوجد مجتهد أصلًا. في الشبهات الموضوعية حالتان؛ إما أن يكون المجتهدون باسطي اليد ويمكنهم نصب المقلِّدين أو لا يمكنهم؛ فإن لم يتمكنوا فلا تكليف عليهم. وفي حال إمكانية النصب، يطرح سؤال: هل نصب المقلِّد للقضاء جائز شرعًا أم لا؟ الحق أنه جائز، لأنه في حال منعه من القضاء تنشأ أربع حالات كلها باطلة: إما أن يُمنع الطرفان من التخاصم، وفي هذه الحالة يلزم إبطال الحق، أو أن يبقيا على التخاصم، وفي هذه الحالة يحدث اختلال في النظام. الحالة الثالثة هي أن يراجعا حاكم الجور، وهذا أيضًا باطل. وأخيرًا، الحالة الرابعة هي أن يراجعا الحاكم الشرعي الذي يصعب الوصول إليه، وفي هذه الحالة يلزم العسر والحرج الشديد. وعليه، عندما تكون الحالات الأربع باطلة، يجب الحكم بجواز قضاء المقلِّد في الشبهات الموضوعية. أما في الشبهات الحكمية، فقضاء غير المجتهد غير جائز؛ بمعنى أنه لا يمكن في الموضع الذي لا يكون فيه الحكم الشرعي الكلي واضحًا، إصدار حكم بناءً على الظن والتخمين بشأن الحكم الشرعي ثم القضاء به؛ لأنه في حال وجود المجتهد، يجب على الناس أن يسألوا المجتهد عن حكم المسألة، وفي مثل هذا السؤال لا يلزم أي عسر وحرج.
1-1-3. الفئة الثالثة: جواز قضاء غير المجتهد في ظروف الاضطرار
اشترط فريق من الفقهاء اجتهاد القاضي على نحو مطلق (في الشبهات الحكمية والموضوعية) في حال الاختيار فقط، وجوّزوا قضاء غير المجتهد في ظروف الاضطرار (الأردبيلي، 1403هـ، ج12، ص 24؛ السبحاني، 1418هـ، ج1، ص 101-102).
1-2. المصلحة
المصلحة على وزن (مَفْعَلَة) مشتقة من مادة (صَلَحَ)، وتعني المنفعة، وضدها الفساد (ابن منظور، 1414هـ، مادة صَلَحَ). وقد استخدم صاحب الجواهر، كغيره من الفقهاء، هذا المعنى بتوسيع معنى المنفعة ليشمل المنفعة الدنيوية والأخروية (النجفي، 1404هـ، ج22، ص 344). مصالح الإنسان من حيث القيمة ليست كلها على درجة واحدة، وبعضها يرجح على بعض؛ لأن متعلق المصالح ليس واحدًا. ومن هنا، قُسِّمت المصالح المعتبرة إلى خمس فئات، ترتيبها من حيث الأهمية هو: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. وبالطبع، ليس كل ما يصدق عليه أحد هذه الخمسة يكون معتبرًا؛ فمصلحة المال (الربح) التي يدعيها المرابون ليست من هذا القسم. القسم الآخر هو المصالح المرسلة، والتي تُسمى أيضًا بالمصالح المسكوت عنها. المصالح المرسلة هي المنافع التي لم يرد من الشارع قول في ردها أو إمضائها، إما لعدم وجود الموضوع أو لسبب آخر. ويقبلها أهل السنة (على الأقل قسم منهم)، لكن فقهاء الشيعة يخالفونهم ولا يعتبرونها حجة.
المصلحة، كما يمكن أن تكون أساسًا للأحكام الأولية والثانوية، عُدّت في كلمات بعض الفقهاء من العناوين الثانوية (مكارم، 1422هـ، ص 498). في الواقع، يجب أن نعلم أن المصلحة المعتبرة تستخدم بمعنيين؛ في المعنى الأول، ليست من العناوين الثانوية، لأن الأوامر الشرعية لا تدور حول عنوان المصلحة، بل هي مرتبطة بالمصلحة نفسها، بخلاف العناوين الأخرى مثل الاضطرار. بالإضافة إلى أن العناوين الأخرى مثل الاضطرار والحرج وردت في لسان الأدلة، ولكن عنوان المصلحة لم يرد. أما في المعنى الثاني للمصلحة، ففي هذه المقالة، وبناءً على رأي هؤلاء الفقهاء الكرام، ذكرنا المصلحة ضمن العناوين الثانوية. يجب الانتباه إلى أن شرط اعتبار هذا النوع من المصلحة هو أن تندرج تحت العناوين الخمسة المهمة المذكورة، وإذا لم تندرج تحت أي من تلك العناوين المهمة، فإنها تفقد اعتبارها وتتحول إلى مصلحة مرسلة.
الأصل الأولي في باب شروط القاضي هو أن يكون القاضي مجتهدًا؛ فإذا اقتضت المصلحة أن يتولى غير المجتهد القضاء، فهل تنعقد ولايته أم لا؟ في هذه المسألة قولان: أحدهما الجواز والآخر المنع. منشأ اختلاف الأصحاب في هذا هو أن أمير المؤمنين (عليه السلام) نصّب شريحًا في منصب القضاء، مع أنه كان فاقدًا لبعض شروط القاضي كالعلم والعدالة. الذين قالوا بالجواز، استدلوا بعمل الإمام، والذين قالوا بالمنع، وجّهوا هذا العمل؛ بأنه قد يكون هذا التنصيب من باب التقية (العاملي، 1413هـ، ج13، ص 362-363؛ الكلبايكاني، 1413هـ، ج1، ص 135). وبالطبع، يمكن القول إن هذه التقية نفسها دليل على وجود المصلحة. وعليه، يجب القبول بأنه بناءً على وجود المصلحة يمكن قبول ولاية القاضي غير المجتهد. وقد منع البعض قضاء من لم يستكمل جميع الشروط حتى في حالة المصلحة (الإصفهاني، 1416هـ، ج10، ص 23). ونتيجة لذلك، وبناءً على رأيهم، لا يمكن لغير المجتهد أن يكون قاضيًا في أي ظرف من الظروف.
لا يرى العلامة الحلي هذا التنصيب دليلًا كافيًا على جواز قضاء غير المجتهد؛ لأن نفوذ حكم شريح كان منوطًا بتأييد الإمام (عليه السلام)، ولم يكن هو يحكم بنفسه (الحلي، 1420هـ، ج5، ص 117). ولكن لو كان من المقرر أن يؤيد الإمام شخصيًا جميع أحكام شريح القضائية، لكان نصبه لاغيًا؛ إذ كان يتوجب على الإمام (عليه السلام) لتأييد أو رد نظر شريح أن يمر بجميع مراحل التقاضي ويعيد النظر في أدلة الطرفين. وهذا الأمر لم يكن ممكنًا، كما أنه كان يؤدي إلى إطالة أمد التقاضي. إضافة إلى ذلك، لم يكن ممكنًا تطبيقه في سائر مناطق الدولة الإسلامية الواسعة بشأن بقية القضاة. وعليه، يجب القول إن شرط الإمام (عليه السلام) لشريح كان متعلقًا فقط بالأمور الهامة والحيوية، لا بجميع القضايا. أي أن الإمام (عليه السلام) أذن لشريح بالقضاء، لكنه قيّده في الأمور الهامة كدماء الناس، وجعل تنفيذ الحكم منوطًا بتأييده هو. وهذا يشبه ما يجري الآن في الأمور الهامة كالقصاص، حيث بعد اجتياز جميع مراحل التحقيق وإصدار الحكم في المحكمة الجزائية وتأييد الحكم في المحكمة العليا، يجب في النهاية أخذ الاستئذان، ويقوم رئيس السلطة القضائية بتأييد الحكم بالإذن الذي لديه من القائد.
في خلاصة هذا القسم، يجب القول أولًا إن عمل أمير المؤمنين (عليه السلام) في نصب شريح قاضيًا حجة، وبناءً عليه يمكن الحكم بجواز قضاء غير المجتهد في فرض وجود المصلحة. وفي هذه الحالة، تُعتبر التقية أيضًا نوعًا من المصلحة. ثانيًا، إن المصلحة الأهم تكمن في حفظ النظام الاجتماعي، ومع فرض عدم وجود المجتهد أو صعوبة الوصول إليه، يقع المجتمع في الهرج والمرج والاختلال، والشارع المقدس لا يرضى بهذا الأمر. وعليه، تقتضي المصلحة أن يتولى شخص عالم بمسائل القضاء هذا الأمر ويحل مسائل الناس ويفصل فيها بناءً على فتاوى الفقهاء، حتى لو لم يصل الأمر إلى حد الضرورة والاضطرار.
2. شروط وضوابط تطبيق العناوين الثانوية
من البديهي أنه لا يمكن الاستناد إلى العناوين الثانوية في كل مكان، فهناك شروط وضوابط لتطبيقها. ما هي تلك الشروط والضوابط؟ وما هي واجبات غير المجتهد في مقام القضاء؟ وما هو دور الحاكم الشرعي الذي يعينه في هذا المنصب؟ من الضروري توضيح دور الحاكم وواجبات القاضي غير المجتهد في الظروف التي تصدق عليها العناوين الثانوية.
2-1. المبحث الأول: دور الحاكم الإسلامي
يمكن ملاحظة وظيفة ودور الحاكم في موضعين:
أ. دور الحاكم في تطبيق العناوين الثانوية.
ب. دور الحاكم في علاقته بالقاضي غير المجتهد.
من الضروري دراسة وظيفة الحاكم في كلا الموردين حتى يتم قضاء غير المجتهد وفقًا للضوابط.
2-1-1. دور الحاكم في تطبيق العناوين الثانوية
في حال عدم وجود عدد كافٍ من المجتهدين، يقوم الحاكم الإسلامي بعدة إجراءات في نصب القضاة. وتشمل هذه الإجراءات تحديد وتطبيق الموضوعات، وتقديم الأهم على المهم، والمشورة.
2-1-1-1. تحديد وتطبيق الموضوعات
تُقسم الموضوعات في تقسيم ما إلى فئتين: الموضوعات الصرفة والموضوعات المستنبطة. الموضوعات الصرفة هي تلك التي يكون معناها واضحًا ويوكل تشخيصها إلى العرف (العراقي، 1380، ص 15). والموضوعات المستنبطة قد تكون شرعية وقد تكون عرفية. في الموضوعات المستنبطة الشرعية مثل الصلاة والصوم وغيرها، يبيّن الشارع حدودها وشروطها، ووظيفة الفقيه هي تحديد تلك الحدود. والموضوعات المستنبطة العرفية هي تلك التي لا يكون معناها واضحًا ويحتاج فهمها إلى تخصص، مثل الغناء. وبحسب بعض الأقوال، يحتاج هذا القسم أيضًا إلى الاجتهاد (الخامنئي، 1420هـ، ج1، ص 1). والقضاء من الموضوعات المستنبطة العرفية التي، بحسب رأي بعض الفقهاء، وبسبب الحاجة إلى التخصص، يجب على المجتهد تحديد حدودها. أما بشأن تطبيق الموضوعات، فيُستفاد من كلمات بعض الفقهاء أن تحديد الموضوع وتطبيقه في الأمور الفردية هو على عاتق الأفراد أنفسهم، ولكن في تلك الأمور المتعلقة بالمجتمع والأمة، وبسبب أهميتها، يكون تطبيق الموضوعات على عاتق الولي الفقيه (الخميني، 1421هـ، ج2، ص 665-666؛ المؤمن، 1415هـ، ص 69). والفقيه في هذه الموارد، من حيث ولايته، يجب أن يطبق العناوين الثانوية على موضوعاتها، لا من حيث أنه يفتي؛ مثل الفتوى التي أصدرها الميرزا الشيرازي في حرمة التنباك. فقد أصدر حكمًا إلهيًا كليًا بعدم جواز إضعاف المسلمين وتقوية الكفار، وطبّقه على التنباك (مكارم، 1422هـ، ص 265). وعليه، يجب على الحاكم أن يحدد الموضوعات والأمور الهامة كالقضاء، التي ترتبط بالمجتمع، بشكل مباشر أو بواسطة، وأن يطبق الحكم الإلهي الكلي عليها.
2-1-1-2. تقديم الأهم على المهم
من مسلّمات الفقه التي استُدل عليها بالأدلة الأربعة، تقديم الأهم على المهم عند التزاحم. والفقيه في مقام الفتوى والحاكم الإسلامي في مقام التنفيذ مكلفان عند تزاحم حكمين أوليين باختيار الأهم. على سبيل المثال، في مقام التزاحم بين مصلحة المجتمع والفرد، يُحكم بتقديم مصلحة المجتمع على الفرد؛ لأن حفظ أساس الإسلام من أهم الأولويات التي لا يتقدم عليها أي حكم، ولهذا السبب تكون مراعاة حال الأكثرية أهم من مراعاة حال الأقلية (الخلخالي، 1422هـ، ص 51؛ الهاشمي، 1426هـ، ج3، ص 363). وفي موضوع القضاء، الوضع كذلك. يوجد حكمان أوليان: شرط اجتهاد القاضي، وضرورة حفظ النظام من الاختلال. فإذا واجه المجتمع في فرض نقص المجتهدين هرجًا ومرجًا في أمر القضاء، فإن الحاكم يقدم مصلحة حفظ النظام الأهم على مصلحة شرط اجتهاد القاضي المهمة، ويحكم بجواز قضاء المقلِّد.
2-1-1-3. المشورة
أمر الله تعالى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (آل عمران، الآية 159). الأمر ظاهر في الوجوب؛ فإحدى المهام اللازمة على الحاكم هي المشورة. ويُستفاد من هذه الآية أمران: أحدهما أن مرجع الضمير هو نوع الأمة، ولكن بمناسبات الحكم، يخص العقلاء وأهل الحل والعقد. والثاني أن كلمة «الأمر» مفرد محلى بـ«الـ» يفيد العموم الإطلاقي، ومن هنا فإن متعلق المشورة هو جميع الأمور بما فيها الأمور السياسية (النائيني، 1424هـ، ص 84). كان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة (عليهم السلام)، مع أنهم كانوا يتمتعون بمقام العصمة، يشاورون في كثير من المسائل. حتى أنهم كانوا أحيانًا، لموافقة الأكثرية، يتحركون خلافًا لرأيهم. حرب أُحد مثال بارز للمشورة في صدر الإسلام، حيث قبل النبي الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) كلام المشاورين، مع وجود رأي آخر لديه، وخرجوا لمحاربة المشركين خارج المدينة وهُزموا. وبما أن الحاكم الإسلامي في زمن الغيبة لا يمتلك جميع التخصصات، فإنه يحتاج إلى مشاورة المتخصصين ليقترب أكثر من الحق (الخميني، 1421هـ، ج2، ص 665-666). وقد أولى الإمام الخميني اهتمامًا خاصًا بهذا الأمر. على سبيل المثال، كان في البداية يرى كفاية مجلس الشورى الإسلامي لتطبيق العناوين الثانوية؛ لأنه كان يرى التطبيق من عمل العرف، وهم ممثلو الشعب والعرف، وينهون الأمور بالمشورة. ومع ذلك، ومن أجل مراعاة جانب الاحتياط ورفع الخلافات بين المجلس ومجلس صيانة الدستور، شكّل مجمع تشخيص مصلحة النظام ليتم التطبيق على المصاديق بدقة أكبر (الخميني، د.ت، ج17، ص 321؛ الخميني، د.ت، ج20، ص 464). وبناءً على ذلك، يمكن اعتبار المشورة في الموضوعات المتعلقة بالقضاء وتحديد حدوده وضوابطه من وظائف الحاكم. بالإضافة إلى ما ذُكر، في مقام تحديد الحدود وتطبيق المصاديق، يجب الانتباه إلى هذه الأمور أيضًا: أهداف الشريعة، ودور الزمان والمكان، وحفظ ماهية العناوين الثانوية بالابتعاد عن الاستخدام المفرط للأحكام الثانوية والاكتفاء بالحد الأدنى (مكارم، 1422هـ، ص 265-266).
2-1-2. دور الحاكم في علاقته بالقاضي غير المجتهد
2-1-2-1. تهيئة البيئة المناسبة لقضاء غير المجتهد
من مسائل علم أصول الفقه موضوع مقدمة الواجب. مقدمة الواجب يمكن بحثها من ناحيتين: عقلية وشرعية. الوجوب العقلي للمقدمة بحث واضح يقبله الأصوليون (القمي، 1303، ص 91؛ المظفر، 1387، ص 265؛ العبدي، 1397، ص 185). وما وقع فيه البحث والاختلاف هو الوجوب الشرعي للمقدمة، وقد ذكر البعض ما يصل إلى عشرة أقوال في ذلك (المظفر، 1387، ص 297). على أي حال، يُعتبر عنوان «المقدمية» في كلمات الفقهاء عنوانًا ثانويًا (الرشتي، 1401هـ، ج1، ص 277؛ المشكيني، 1374، ص 124؛ مكارم، 1422هـ، ص 260؛ مكارم، 1427هـ ب، ص 481)، بمعنى أن أي عمل مباح إذا وقع مقدمة لأمر واجب أو حرام، يصبح هو نفسه واجبًا أو حرامًا. على سبيل المثال، حفظ النظام جزء من الواجبات، وأي عمل يكون مقدمة له، وإن كان أوليًا مباحًا، يصبح ثانويًا واجبًا. وتسمى هذه الواجبات والمحرمات بـ«الواجب الغيري» و«الحرام الغيري»، في مقابل الواجب والحرام النفسي. بناءً على هذه المقدمة، يجب القول إنه إذا كان قضاء غير المجتهد خلاف الأصل وجائزًا بناءً على الحكم الثانوي، فيجب على الحاكم، من أجل حفظ النظام الاجتماعي ومنع اختلاله، أن يهيئ من باب مقدمة الواجب بيئة مناسبة لقضائه ليكون حكمه أقرب إلى الحق؛ لذا، من الضروري وجود قوانين يعمل القاضي وفقًا لها. لقد أولى الإمام الخميني في أمره المكون من ثماني مواد الذي أصدره للسلطة القضائية اهتمامًا خاصًا بهذا الأمر. فقد كلف في المادة الأولى السلطة القضائية بإعداد القوانين الشرعية وتصويبها وإبلاغها بدقة وسرعة، حتى لا تتأخر أعمالها أو تتعطل، ولا يحدث خلل في حياة الناس (الخميني، د.ت، ج17، ص 139). وعليه، يجب على الحاكم توفير الأسس القانونية والتنفيذية اللازمة لقضاء غير المجتهدين، لتجري في المجتمع الإسلامي عملية قضائية أقرب إلى الحق.
2-1-2-2. إضفاء الشرعية على قضاء القضاة غير المجتهدين
رغم أنه للأسباب التي ذُكرت، يُرفع شرط الاجتهاد في القاضي في ظروف نقص المجتهدين، إلا أن مفهوم ذلك ليس أن يتمكن الناس من تعيين أي شخص في منصب القضاء؛ إذ يوجد احتمال أن يكون لتعيينه من قبل الحاكم الشرعي مدخلية في هذا الوضع، لدفع الهرج والمرج وحفظ النظام. ولهذا السبب، يجب العمل بالقدر المتيقن في مخالفة الأصل الأولي، وأن يتم التعيين على يد المجتهد (الرشتي، 1401هـ، ج1، ص 60؛ البهجت، 1428هـ، ج4، ص 443؛ السبحاني، 1418هـ، ج1، ص 102). وقد أولى الإمام الخميني اهتمامًا لهذه النقطة، وجعل وظيفة تعيين القضاة غير المجتهدين على عاتق المجتهدين (الخميني، د.ت، ج12، ص 213). وقد جعل في المادة الثانية من الأمر المكون من ثماني مواد، إحدى وظائف السلطة القضائية النظر السريع في صلاحية القضاة والمدعين العامين والمحاكم، لتجري الأمور بشكل شرعي وإلهي، ولا تضيع حقوق الناس (الخميني، د.ت، ج17، ص 139). وعليه، يمكن اعتبار إضفاء الشرعية على قضاء القضاة غير المجتهدين إحدى وظائف الحاكم.
2-1-2-3. تقديم الأصلح على الصالح
حكم الفقهاء في كثير من المسائل الفقهية بتقديم الشخص الأصلح والأعلم والأفضل على غيره في إنجاز الأمور (العاملي، 1414هـ، ج2، ص 179؛ العاملي، 1413هـ، ج1، ص 192؛ اليزدي، 1409هـ، ج1، ص 866). وقد بيّن الفقهاء في تقديم مجتهد على آخر صفات مثل كونه الأعلم والأتقى. فإذا كان القاضي المجتهد عالمًا ووجد من هو أعلم منه، فهل يمكنه القضاء أم لا؟ هناك أقوال مختلفة لا يتسع المجال لذكرها، ولكن إذا نُصِّب المقلِّد بحكم ثانوي، فهل يجب أن يتمتع المقلِّد أيضًا بتلك الصفات أم لا؟ من جهة، يمكن القول إن هذه شروط للمجتهد، وليس لدينا دليل على تعديتها إلى المقلِّد. ومن جهة أخرى، الأصل الأولي هو قضاء المجتهد، وفي حال مخالفة الأصل الأولي، فالقدر المتيقن هو أن يُنصَّب شخص يتمتع بهذه الصفات؛ لأن «الضرورات تقدر بقدرها». ولهذا السبب، يعتقد الفقهاء أن على الحاكم، من أجل العمل بالقدر المتيقن، أن يضع في منصب القضاء بين الناس من هو أعلم في العلم (ولو تقليدًا)، وأورع في العمل، وأفضل من البقية من حيث سائر الصفات الموجودة في مرجحات المجتهدين (الرشتي، 1401هـ، ج1، ص 63؛ الآشتياني، 1425هـ، ج1، ص 83؛ السبحاني، 1418هـ، ج1، ص 103). بالإضافة إلى ذلك، وبمقتضى القاعدة العقلية للأهم والمهم، في حال وجود شخصين أحدهما أفضل من الآخر، يحكم العقل بتقديم الأفضل على الفاضل (مكارم، 1370، ص 142). ويرى البعض أنه في فرض وجود قاضٍ أصلح، يجوز عزل القاضي السابق الذي هو صالح؛ لأن المصلحة تقتضي أن يتولى الأمر من هو أكمل (العاملي، د.ت، ج1، ص 405)، ولكن هذا القول محل تأمل. إذن، يمكن القول إن الوظيفة الثالثة للحاكم في علاقته بالقاضي غير المجتهد هي اختيار الأشخاص الأصلح من غيرهم وتعيينهم في هذا المنصب، ليعمل بالقدر المتيقن عند الضرورة.
2-2. المبحث الثاني: وظيفة القاضي المنصوب
المقلِّد الذي يُعيَّن في منصب القضاء، بالنظر إلى أنه فاقد لشرط الاجتهاد، يحتاج إلى ضوابط حتى يكون قضاؤه، بمراعاتها، أقرب إلى الواقع.
2-2-1. القضاء على أساس فتوى الولي الفقيه
هل القاضي غير المجتهد الذي يُنصَّب من قبل الحاكم الشرعي في منصب القضاء ملزم باتباع رأي الحاكم الشرعي أو المجتهد الذي نصّبه، أم يمكنه العمل بناءً على ما يشخصه هو؟ القدر المتيقن عند الخروج من الأصل الأولي لحرمة قضاء غير المجتهد هو أن يقضي هذا الشخص وفقًا لآراء المجتهد؛ لأن رأيه ليس له اعتبار عند الشارع، والمرجحات المذكورة في علم الأصول في موضوع التزاحم وُضعت للمجتهد (الرشتي، 1401هـ، ج1، ص 62؛ الآشتياني، 1425هـ، ج1، ص 85؛ مكارم، 1427هـ ألف، ج1، ص 143). فماذا يجب أن يفعل؟ الحل لهذه المسألة هو أن يقضي القضاة المنصوبون من قبل المجتهدين وفقًا للقوانين المصوّبة – التي وُضعت على أسس فقهية – لا بناءً على رأيهم الشخصي (الخميني، 1422هـ، ج3، ص 68). والقوانين أيضًا أُقرّت من قبل المجتهدين جامعي الشرائط، بشكل مباشر أو بواسطة؛ فلا يجوز لغير المجتهد أن يقضي بناءً على رأيه الشخصي. والآن، يجب أن يُسأل: بناءً على رأي أي مجتهد يجب أن يعمل القاضي؟ بناءً على رأي المجتهد (مثل رئيس السلطة القضائية) الذي نصّبه، أم الحاكم الإسلامي، أم مرجع تقليده هو، أم مرجع تقليد المحكوم عليه؟
في المادة 167 من الدستور، جاء أن القاضي ملزم بأن يسعى لإيجاد حكم كل دعوى في القوانين المدونة، فإن لم يجد، يستند إلى المصادر الإسلامية المعتبرة أو الفتاوى المعتبرة ويصدر حكم القضية، ولا يمكنه الامتناع عن النظر في الدعوى وإصدار الحكم بحجة سكوت القوانين المدونة أو نقصها أو إجمالها أو تعارضها. وفقًا لهذا الأصل، يجب على القاضي في البداية الرجوع إلى القوانين، والقوانين تستند إلى رأي المشهور أو رأي الحاكم الإسلامي، وفي حال لم يجد حكم المسألة في القوانين، يرجع إلى المصادر الإسلامية المعتبرة (للمجتهدين) أو الفتاوى المعتبرة (للمقلِّدين). ولكن في هذا المجال، تختلف الأقوال والآراء، ويجب بيان كل منها على حدة.
في الظروف الحالية وبناءً على قوانين الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإن جميع القضاة، سواء كانوا مجتهدين أم مقلِّدين، منصوبون بشكل مباشر أو بواسطة من الحاكم الإسلامي، ومع ذلك، فإنهم ملزمون بالحكم وفقًا للقوانين. والآن يجب أن يُسأل: على أي أساس وُضع مثل هذا القانون؟ وما هو أساسه الشرعي والفقهي؟
بعض الفقهاء الذين لا يجيزون قضاء غير المجتهد يعتقدون أن مثل هذا الشخص إذا جلس على كرسي القضاء، يجب عليه فقط أن يبيّن فتوى مرجع تقليد المتهم، لا أن يحكم (الصافي، 1417هـ، ج2، ص 328). أما أقوال الفقهاء الذين يجيزون قضاء غير المجتهد، فيمكن تلخيصها في ثلاث نظريات:
القول الأول: القضاء على أساس فتوى المجتهد الناصب
يعتقد فريق من الفقهاء أن القاضي المنصوب يجب أن يعمل بناءً على آراء نفس المجتهد الناصب، سواء من باب الجواز الابتدائي لنصب غير المجتهد (النجفي، 1404هـ، ج40، ص 19) أو بالعنوان الثانوي (الرشتي، 1401هـ، ج1، ص 63؛ الآشتياني، 1425هـ، ج1، ص 84؛ الفاضل، د.ت، ج1، ص 484)؛ لأنه وسيلة لتنفيذ آراء المجتهد الناصب، وفي الحقيقة منصب القضاء يعود لذلك المجتهد، والقاضي غير المجتهد له جانب أداتي.
القول الثاني: القضاء على أساس فتوى الأعلم
خلافًا للنظرية الأولى، قال بعض الفقهاء الآخرين بالقضاء على أساس فتوى الأعلم؛ لأن وظيفته هي تقليد الأعلم، فيجب أن يحكم بناءً على ذلك أيضًا (المؤمن، 1422هـ، ص 79؛ السبحاني، 1418هـ، ج1، ص 103).
القول الثالث: التفصيل
فصّل فريق آخر بأنه إذا لم يكن هناك تعارض بين القوانين وفتوى مرجع تقليد القاضي نفسه، فإنه يعمل بناءً على رأي مرجع تقليده، وإذا كان هناك تعارض بين القوانين وفتوى المرجع، فهناك حالتان: إذا كان الاحتياط ممكنًا، فليحتاط، وإذا لم يكن الاحتياط ممكنًا أو أدى إلى عسر وحرج وضرر، فهناك حالتان: في المسائل العامة والاجتماعية يتبع قوانين الجمهورية الإسلامية، وفي المسائل الخاصة يحكم بناءً على فتوى مرجع تقليده هو (مكارم، 1427هـ ألف، ج1، ص 21). وقد أدار بعض الفقهاء الأمر بين فتوى مرجع تقليد القاضي ومرجع تقليد المحكوم عليه، وقالوا بالعمل بالاحتياط بين القولين، ولم يذكروا شيئًا عن الحالة التي لا يكون فيها الاحتياط ممكنًا (الكلبايكاني، 1409هـ، ج3، ص 158-159).
إذًا، توجد ثلاثة أقوال في المسألة، ويبدو أن القول الأول هو الصحيح؛ إما من باب حكومة أدلة ولاية الفقيه (نقلاً عن الهاشمي، 1426هـ، ج42، ص 101-102) أو من باب العمل بالقدر المتيقن ومنع الهرج والمرج؛ لأنه في النظام القضائي، بالنظر إلى أن الولي الفقيه هو من ينصب القضاة، ولو بواسطة، فالقدر المتيقن هو أن يعملوا وفقًا لرأيه. بالإضافة إلى ما قيل من أن النظام القضائي بحاجة إلى إعداد قانون مدوّن يقضي جميع القضاة وفقه، فإذا عمل كل قاضٍ وفقًا لفتوى مجتهده، فإن النظام القضائي سيصاب بالاختلال ولا يمكن إدارته بشكل جيد؛ إلا في الأحوال الشخصية، حيث تم قبول هذا الأمر في القوانين المدنية بشأن أتباع الأديان والمذاهب الأخرى.
بناءً على ما ذُكر، فإن وظيفة القاضي المقلِّد هي أن يقضي بناءً على رأي المجتهد الحاكم؛ لأنه إذا قضى في غير الأحوال الشخصية بناءً على رأي مجتهدين آخرين، فسيؤدي ذلك إلى تشتت في الأحكام القضائية وفقدان وحدة الإجراءات، وسيلحق الضرر بنظام الحكم. الفقهاء الذين قالوا بضرورة اتباع رأي المجتهد الناصب، يبدو أنهم يميلون إلى هذا الرأي، ومقصودهم اتباع من له بسط اليد وينصب القاضي. هذا هو نفس مضمون الولاية الذي قيل عنه في الماضي القليل بسبب فقدان بسط اليد، وقد استطاع الإمام الخميني أن يبعث الروح في هذا المفهوم ويطبقه عمليًا. وعليه، ومن أجل حفظ وحدة الإجراءات وانسجام النظام القضائي، لا يمكن الرجوع إلى آراء مختلفة؛ فلا اتباع مرجع تقليد أصحاب الدعوى جائز، ولا اتباع مرجع تقليد القاضي، بل يجب فقط تأسيس النظام القضائي على أساس فتوى واحدة، وهي فتوى الولي الفقيه. وبالطبع، يمكن للولي الفقيه أن يفوض هذا الموضوع، كأي موضوع آخر يرى فيه المصلحة، إلى أشخاص خبراء آخرين، ولكن في هذه الحالة أيضًا، يجب أن يتم الأمر بإذنه وتأييده، وأن تُؤخذ وحدة نظام الحكم في الاعتبار.
2-2-2. المشورة في الأمور القضائية
يجب على القاضي المجتهد عند إصدار الحكم أن يحكم بمفرده؛ أي لا يمكنه إصدار الحكم بشكل شورى. ولكن في مقدمات الحكم لا مانع من المشورة؛ ولهذا السبب، يمكنه مشاورة أهل الخبرة في تلك المسألة والقضاة الآخرين، ولكن يجب عليه في النهاية أن يصدر الحكم بنفسه (الخميني، 1422هـ، ج3، ص 67؛ الكلبايكاني، 1409هـ، ج3، ص 162). والسؤال الآن هو: كيف هو الحال بشأن قضاء غير المجتهد؟ هل يجب أن يحكم بمفرده وليس له الحق في الحكم بشكل شورى؟ أم يمكنه أن يحكم بشكل شورى؟ يجوّز بعض الفقهاء هنا أيضًا إنشاء الحكم بشكل فردي فقط؛ أي يعتقدون أن القاضي يمكنه في مقدمات الحكم مشاورة أهل الخبرة والقضاة الآخرين، ولكن في الإنشاء والنهاية لا يمكنه الحكم بشكل شورى (الخميني، 1422هـ، ج3، ص 67؛ الكلبايكاني، 1409هـ، ج3، ص 162). وبالطبع، يوجب البعض المشورة في المقدمات، من باب أن يكون حكمه أقرب إلى الواقع والحق (السبحاني، 1418هـ، ج1، ص 102). وقد أجاب الإمام الخميني على سؤال حول المشورة في إصدار الرأي وتقديم النظر، فقال: «في مورد القضاة المأذونين لا مانع من أن يكونوا متعددين ويعملوا بالمشورة» (الخميني، 1422هـ، ج3، ص 67).
2-2-3. الاستفادة من المعارف المتعلقة بعلم الموضوعات القضائية
عادةً ما يحصر علم القانون دور استنباط القاضي في إثبات الدعوى وكشف الحقيقة، ويحصر عنصر الاستنباط كركن معنوي في الأمارات القضائية (زراعت وحاجي زاده، 1390، ص 454)؛ وبالطبع، لا يمكن إغفال دور استنباط القاضي في تفسير القوانين أيضًا. ورغم أن علماء القانون لم يصرحوا بهذه المسألة، إلا أنهم أشاروا إلى حرية القاضي في فهم القوانين، وهو ما يستلزم تأثير عنصر استنباط القاضي في عملية إصدار الحكم (بهرامي، 1390، ص 97-98). كذلك في الحالات التي يترك فيها القانون للقاضي حرية إصدار عقوبات تتناسب مع وضع المجرم، يمكن ملاحظة تدخل عنصر استنباط القاضي في عملية إصدار الحكم. أما الفقهاء، فقد تناولوا فقط بحث الاجتهاد الفقهي واشتراطه في القاضي، ولم يذكروا شيئًا عن الاجتهاد القضائي. وقد تحدث الأصوليون عن الموضوعات والأحكام وكيفية استنباطها، ولكن لأن بحث الموضوعات خارج عن غاية علم الأصول (الحكيم، 1408هـ، ج1، ص 17)، لم يتناول الأصوليون هذا البحث بشكل جدي، واكتفوا بكليات في باب الموضوعات، مثل التخطئة والتصويب في الموضوعات، وحجية الظنون التعبدية في الموضوعات، وغيرها (الموسوي القزويني، 1258هـ، ص 134؛ كاشف الغطاء، 1381هـ، ج1، ص 209، 210). يسعى القاضي في مسار استنباطه إما إلى كشف الحقيقة التي وقعت في الخارج (المرحلة الأولى)، أو إلى كشف وتفسير القانون وتشخيص القانون الصحيح المنطبق على الموضوع (المرحلة الثانية)، أو إلى كشف وتشخيص العلاج الصحيح للموضوع الحقوقي أو الجزائي (المرحلة الثالثة). يمكن تسمية هذه المراحل الثلاث بالاجتهاد القضائي. وبهذا الترتيب، فإن الاجتهاد القضائي هو: استخدام الشخص كامل طاقته في سبيل كشف الحقيقة، وتطبيقها على قانون الشريعة، وتشخيص الحكم المناسب. الاجتهاد القضائي له ماهية من سنخ الكشف والتشخيص. وبالطبع، فإن استنباط القاضي في كل مرحلة من هذه المراحل منوط بالإذن الشرعي والقانوني؛ بمعنى أنه إذا أعطى القانون والشريعة في أي مرحلة من مراحل التقاضي قانونًا وحكمًا معينًا، فإن ذلك المورد يخرج من نطاق الاجتهاد القضائي ويدخل في نطاق الاجتهاد الفقهي. وعليه، فإن الاجتهاد القضائي يكتسب معناه فقط في إطار القانون والشرع.
الخلاصة والاستنتاج
انقسم الفقهاء حول شرط اجتهاد القاضي في الحالة التي يكون فيها عنوان ثانوي إلى ثلاث فئات: بعضهم لا يجيز قضاء غير المجتهد مطلقًا، وبعضهم يفصّل بين الشبهات الموضوعية والحكمية، فيجيز قضاء غير المجتهد في الشبهات الموضوعية ويمنعه في الشبهات الحكمية، وبعضهم يقول بعدم اشتراط الاجتهاد. للحاكم وظائف في تطبيق العناوين الثانوية؛ مثل تحديد وتطبيق الموضوعات، وتقديم الأهم على المهم، والمشورة، وتهيئة البيئة المناسبة لقضاء غير المجتهد، وإضفاء الشرعية على قضاء غير المجتهد، وتقديم الأصلح على الصالح. يجب على القاضي المقلِّد في المراحل الثلاث: كشف الحقيقة، والاستنباط، وتطبيق القانون وإصدار الرأي المناسب، أن يحكم بناءً على فتوى المجتهد الحاكم، وأن يستفيد من المشورة في أموره القضائية. يُقترح أن يتم بحث هذا الموضوع بالتفصيل بناءً على عناوين ثانوية أخرى مثل العسر والحرج، وحفظ النظام، ومقدمة الواجب، وقاعدة الأهم والمهم، والضرر والإضرار؛ إذ لم يُنظر في الأبحاث السابقة إلى هذا الموضوع بدقة من هذه الزاوية. كذلك، فإن تبيين أصول وقواعد «الاجتهاد القضائي» يتطلب بحثًا أعمق.
شكر وتقدير
هذه المقالة مستلة من جزء من الأبحاث المنجزة لرسالة الدكتوراه للسيدة زهرا نجارزادگان سرابي، والتي أُنجزت في جامعة آزاد الإسلامية فرع محلات.
الهوامش
1. على سبيل المثال، يمكن ذكر عبارة الشيخ المفيد في (المقنعة) حيث يقول: «عالماً بالكتاب وناسخه ومنسوخه وعامه وخاصه وندبه وإيجابه ومحكمه ومتشابهه عارفاً بالسنة وناسخها ومنسوخها عالماً باللغة مضطلعاً بمعاني كلام العرب بصيراً بوجوه الإعراب». وقد أورد الشيخ الطوسي عبارة مشابهة في (النهاية)، وفي (الخلاف) ذكر عدم جواز التقليد في القضاء ببيان آخر دون استخدام لفظ الاجتهاد. كما استخدم ابن زهرة في (الغنية) عبارة «يجب في متولي القضاء أن يكون عالماً بالحق…» دون الإشارة إلى لفظ الاجتهاد أو حتى الفقاهة؛ بل قال إنه لا ينبغي أن يكون مقلِّداً ولا أن يقضي بناءً على الفتوى. والظاهر أن مراده بالفتوى هو النوع الشائع بين أهل السنة والذي يشمل القياس الباطل.1
2. من بين هؤلاء الفقهاء يمكن ذكر: الشهيد الثاني، والفيض الكاشاني، والمقدس الأردبيلي، والمحقق الحلي، والفاضل الهندي، والشيخ الأنصاري، والميرزا حبيب الله الرشتي، والميرزا الآشتياني، وآية الله الكلبايكاني، والإمام الخميني، وآية الله السبحاني.2