دراسة رأي المحقق النائيني في لزوم جريان مقدمات الحكمة لدلالة العام على العموم

الخلاصة

يطرح المحقق النائيني في بحث أدوات العموم نظريته القائلة بأن الاستفادة من دلالة أداة مثل «كل» على استيعاب جميع الأفراد في مدخولها يتوقف على جريان مقدمات الحكمة. وبما أن هذه النظرية كانت منشأً لإشكالات متعددة على النائيني، تتناول هذه المقالة طرح ودراسة أهم الإشكالات الواردة على نظريته. حاصل الإشكال المقبول في هذه المقالة على المرحوم النائيني، فيما يتعلق بلزوم جريان مقدمات الحكمة في مدخول أداة مثل «كل»، هو أن المولى في مثل هذه الموارد قد صرّح بعدم دخل القيد الزائد بإتيانه بأدوات العموم. بناءً على هذا، لا مجال للدلالة السكوتية وجريان مقدمات الحكمة لإحراز عدم دخل القيد. تتجلى ثمرة هذا البحث في التعارض بين المطلق والعام، حيث قدم مشهور الأصوليين العام على المطلق، وإذا احتاج العام إلى جريان مقدمات الحكمة، فلن يكون هناك محل لتقديم العام على المطلق. هذا البحث تم تدوينه بالاعتماد على المصادر المكتبية.

مقدمة

من المباحث الهامة والتطبيقية في قسم الألفاظ من علم الأصول مبحث العام والخاص، الذي نوقشت فيه مسائل متنوعة مثل حجية العام المخصص في الباقي، وسراية إجمال المخصص إلى العام وغيرها من المسائل التي خضعت للبحث والتدقيق العلمي. ومن المسائل الهامة التي تمت دراستها في هذا المبحث، معنى أدوات العموم وأنواعها.

لقد اعتبر علماء الأصول أن المعنى الموضوع له لأدوات العموم الاسمية مثل «كل» هو الدلالة على استيعاب أفراد طبيعة مدخولها. ولكن السؤال الذي يطرح هنا هو: إذا كانت الطبيعة مدخولاً لأداة العموم بدون قيد، فهل يمكن الحكم باستيعاب جميع أفراد تلك الطبيعة دون جريان مقدمات الحكمة، أم أن استيعاب جميع أفراد الطبيعة يتطلب جريان مقدمات الحكمة؟

بعبارة أوضح، السؤال هو: إذا قال المولى: «أكرم كل عالم»، ولم تكن طبيعة العالم مقيدة بقيد في الظاهر، فهل نحتاج إلى جريان مقدمات الحكمة للدلالة على استيعاب جميع الأفراد؟ في هذه الحالة، يجب أولاً إثبات إطلاق «العالم» ليُحمل «كل عالم» على استيعاب جميع أفراد العالم بلا أي قيد أو شرط، ونتيجة لذلك، فإن «كل» التي هي على رأس ألفاظ العموم، ستكون في دلالتها على الاستيعاب تابعة لمدخولها. وإذا لم يتم إحراز إطلاق المدخول، فلن تدل على استيعاب جميع الأفراد. أم أن استيعاب الأفراد لا يحتاج إلى مقدمات الحكمة، وأن أداة العموم مثل «كل» بمجرد دخولها على المدخول يمكنها أن تدل على استيعاب جميع الأفراد الذين يمكن أن تنطبق عليهم؟

الرأي المشهور هو أنه لا حاجة لمقدمات الحكمة، ولفظ «كل» نفسه موضوع للدلالة على استيعاب المعنى الاستعمالي لمدخوله. فكلمة «كل» في مثال «أكرم كل عالم» تدل على استيعاب أفراد المعنى الاستعمالي للعالم الذي هو طبيعة العالم. (الخوئي، 1422، ج 2، ص 342؛ الأصفهاني، 1429، ج 2، ص 447، الحائري، 1424، ج 1، ص 552؛ الموسوي الخميني، 1423، ج 2، ص 160).

في المقابل، يرى بعض الأصوليين، مثل المحقق النائيني، أنه لاستيعاب جميع أفراد العام، يجب أولاً إجراء مقدمات الحكمة. نتيجة قول النائيني هي أن «كل» موضوعة للدلالة على استيعاب أفراد المراد الجدي من مدخولها، وفي الحالة التي يتضح فيها المراد الجدي من المدخول (طبيعة العالم) بواسطة أصالة الإطلاق، ستنتفي الدلالة على استيعاب جميع الأفراد. (النائيني، 1352، ج 1، ص 163)

تظهر ثمرة هذا البحث في التعارض بين العام والمطلق، حيث يرى مشهور المتأخرين، استناداً إلى أدلة مختلفة، تقديم الخطاب العام على المطلق. بينما إذا تم قبول نظرية النائيني في هذا البحث، فإن نظريته تقتضي أن يكون الخطاب العام أيضاً بحاجة إلى جريان مقدمات الحكمة. وعليه، لن يكون هناك وجه لتقديم العام على المطلق. (الروحاني، 1413، ج 3، ص 302)

أما بخصوص خلفية هذا البحث، فيجب القول إن معظم الأصوليين المتأخرين عن النائيني قد طرحوا هذا البحث في مبحث العام والخاص، وكل منهم سعى بطريقة ما إلى الإشكال على رأي النائيني؛ لكن لم يتم تسجيل بحث مستقل في هذا المجال يقوم بدراسة ونقد أقوال المشهور.

لذلك، تهدف هذه المقالة إلى دراسة ونقد مختلف وجوه النقد لهذه النظرية التي طرحها المتأخرون عن النائيني مثل المرحوم الخوئي، والشهيد الصدر، والمحقق الأصفهاني، ومن ثم بيان الوجه المختار في الإشكال على المرحوم النائيني، وفي الختام، الإشارة إلى بعض الثمرات العملية لهذا البحث في مسألة تعارض العام والمطلق. قبل الخوض في الإشكالات، يبدو من المناسب إلقاء نظرة مختصرة على مدعى المحقق النائيني في هذا البحث.

رأي المرحوم النائيني في لزوم جريان مقدمات الحكمة

كما تم بيانه، يعتقد المحقق النائيني بلزوم جريان مقدمات الحكمة في مدخول «كل» لاستيعاب جميع الأفراد. والوجه الذي يُستفاد من كلامه في الاستدلال على هذه النظرية هو أن الواضع قد وضع كلمة «كل» للدلالة على استيعاب أفراد الطبيعة، ولما كان المضاف إليه لكلمة «كل» هو الطبيعة، فإن هذه الكلمة وُضعت للدلالة على استيعاب أفراد الطبيعة. ولكن السؤال هو: أي طبيعة هي المراد هنا؟ الطبيعة المطلقة أم الطبيعة المقيدة؟ لتوضيح المطلب، فإن ألفاظ الطبائع، كما ورد في كتب الأصول، موضوعة للطبيعة المهملة، والطبيعة المهملة كما يمكن أن تكون مطلقة، يمكن أيضاً أن تكون مقيدة بقيد. بناءً على ذلك، عندما يقول المولى: «أكرم كل عالم عادل»، فإن هذا التعبير لا يستلزم تحقق المجاز في كلمة «كل»؛ لأن «كل» موضوعة للدلالة على استيعاب أفراد مدخولها، ولكن ما هو مدخولها لا علاقة له بـ«كل». فإذا كان مدخولها هو العالم المقيد بقيد، فإن «كل» تدل على استيعاب جميع أفراد العالم العادل.

الآن يطرح هذا السؤال: إذا قال المولى: «أكرم كل عالم»، ولم يكن معلوماً لدينا هل أراد المولى العالم المطلق أم العالم العادل، فما الذي يمكن أن يرفع ترددنا؟ يرى المحقق النائيني أنه لا بد لنا هنا من اللجوء إلى مقدمات الحكمة وإثبات إطلاق العالم لنتمكن من حمل «أكرم كل عالم» على استيعاب أفراد طبيعة العالم، بدون أي قيد أو شرط. بناءً على هذا، فإن كلمة «كل» التي هي على رأس ألفاظ العموم، تكون في دلالتها على الاستيعاب تابعة لمدخولها. فإذا كان مدخولها واسعاً، ستكون دائرة العام واسعة أيضاً، وإذا كان مدخولها ضيقاً، ستكون دائرة العام ضيقة أيضاً. وإذا لم نعلم ما الذي أراده المولى من المدخول، فلا سبيل لنا إلا طرح مقدمات الحكمة. فبوجود مقدمات الحكمة، يتضح أن المولى أراد مطلق «العالم»، وفي هذه الحالة، يمكن لكلمة «كل» أن تدل على استيعاب أفراد العالم المطلق.

وهكذا الحال في سائر ما يدل على العموم. على سبيل المثال، إذا افترضنا أن النكرة في سياق النفي تدل على العموم، فإن «لا رجل في الدار» ستعني أنه لا يوجد أي فرد من أفراد طبيعة «الرجل» في الدار. وهنا أيضاً يجب أن نرى ما الذي وقع في سياق النفي؛ لأن من يقول: «لا رجل في الدار» يمكنه أن يقول: «لا رجل عالماً في الدار». فإذا قال: «لا رجل في الدار» وأردنا أن نستفيد نفي وجود أي فرد من أفراد الرجل، يجب أولاً أن نثبت إطلاقاً لـ«رجل» حتى يقتضي العموم عندما يقع في سياق النفي. فسعة وضيق النكرة في سياق النفي تابعة لما دخل عليه النفي. فإذا دخل النفي على طبيعة «الرجل» على نحو الإطلاق، فهذا يعني أنه «لا يوجد أي فرد من أفراد الطبيعة»، أما إذا كان مصحوباً بقيد، مثل أن يقول: «لا رجل عالماً في الدار»، فإنه يفيد العموم في نطاقه الخاص. هذا بينما في حالة الشك، يجب أولاً إثبات الإطلاق عن طريق مقدمات الحكمة، ثم الحكم بالعموم، وإذا لم تكتمل مقدمات الحكمة، لا يمكننا إثبات العموم. (النائيني، 1376ش، ج1، ص 163 و533؛ الفاضل الموحدي اللنكراني، 1381، ج 6، ص 170)

دراسة مطابقة رأي الآخوند مع النائيني

يذكر المرحوم الآخوند في الكفاية، بخصوص النكرة في سياق النفي والنهي، أنه في مثل «لا تكرم فاسقاً»، لا يمكن إنكار دلالة النكرة في سياق النفي أو النهي على العموم؛ ولكنه يذكّر بأنه يجب أولاً إثبات أن لفظ «فاسقاً» مطلق وليس مبهماً. لذا، يجب أولاً إجراء مقدمات الحكمة في «فاسقاً» ليتضح أن المراد هو مطلق «الفاسق» وليس «الفاسق المتجاهر»، ومن ثم فإن وقوع هذه النكرة في سياق النفي أو النهي يمكن أن يفيد العموم.

ويضيف في تتمة كلامه أن الوضع في «كل» كذلك أيضاً، بحيث أن لفظ «كل»، وإن كان دالاً على العموم وضعاً، إلا أن العموم في جملة مثل «أكرم كل عالم» التي هي من أدوات العموم، يكون «بحسب ما يراد من مدخوله»، ويجب أن نرى هل المراد الجدي من مدخوله وهو «العالم»، هو مطلق «العالم» أم «العالم العادل». المدلول الاستعمالي ليس هو المهم، بل يجب أن يتحدد المدلول الجدي والمراد الجدي من «العالم». فإذا لم يكن المولى في مقام البيان من حيث مدخول «كل» أو كان مراده الجدي هو «العالم العادل»، فإن المقصود بـ«أكرم كل عالم» سيكون «أكرم كل عالم عادل»، وبناءً على هذا، توجد حاجة لمقدمات الحكمة. (الآخوند الخراساني، 1409، ص 217)

دراسة كلام الآخوند

عبارة صاحب الكفاية مجملة؛ لأنه أورد بعد المطلب المذكور عبارة «نعم، لا يبعد أن يكون ظاهراً عند إطلاقها في استيعاب جميع أفرادها». اختلف الأصوليون في أن هذه العبارة هي استدراك من مدخول «كل» أم أنها تأكيد للمطلب السابق بخصوص النكرة في سياق النفي والنهي. توضيح المطلب هو أنه يحتمل أن تكون هذه الجملة استدراكاً من مدخول «كل»، وإذا عادت «نعم…» إلى مدخول «كل»، فظاهرها أن صاحب الكفاية قد عدل عن قوله السابق بخصوص «كل». كان قول الآخوند السابق هو أنه إذا قيل من جهة إن لفظ «كل» يفيد العموم، وقيل في نفس الوقت إنه في مدخول «كل» نحتاج إلى جريان مقدمات الحكمة، فلا منافاة بين الأمرين؛ ولكنه بـ«نعم…» يعدل ويقول إن الإنصاف هو أنه إذا لم يكن في خطاب مدخول لفظ «كل» قيد، مثلاً إذا قال المولى «أكرم كل عالم»، فالظهور في استيعاب جميع الأفراد بالنسبة لهذا المدخول نفسه. والاحتمال الآخر هو أنه بهذه العبارة «نعم» يريد أن يبين أنه ربما أداة حرفية في النكرة في سياق النفي، إذا جرت فيها مقدمات الحكمة، فإن استيعاب جميع الأفراد ليس ببعيد. وعليه، بالنظر إلى النقطة المذكورة، لا يمكن أن يُنسب بشكل قطعي إلى صاحب الكفاية أنه قبل بلزوم الإطلاق وجريان مقدمات الحكمة لاستفادة استيعاب جميع الأفراد في مورد «كل»، ولكن على أي حال، لقد طرح هذا البحث في كلماته، وعلى الأقل يمكن القول إنه في النكرة في سياق النفي والنهي التي تُعد من أدوات العموم الحرفية، قد قبل بهذا المطلب. (الروحاني، 1413، ج 3، ص 304)

دراسة إشكالات المرحوم الخوئي على المرحوم النائيني

الإشكال الأول

الإشكال الأول للمحقق الخوئي هو أنه مع ادعاء النائيني، لا يمكن للمولى أصلاً أن يصرح بالعموم بخطابه وبدون جريان مقدمات الحكمة، لأنه وفقًا لادعائه، كلما لم يتم التصريح بتقييد الطبيعة، يجب إجراء مقدمات الحكمة لفهم عدم دخل القيد الزائد، وهذا المطلب غير مقبول على الإطلاق، بأنه لا يمكن للمولى أن يصرح ببيانه بأن هذا الحكم عام، وأنه دائمًا هناك حاجة لمقدمات الحكمة، وهذا غير قابل للالتزام به. (الخوئي، 1422، ج 2، ص 342)

الجواب على الإشكال الأول للسيد الخوئي

النقطة هي أن المحقق النائيني لا يدعي أنه لا يمكن التصريح بالعموم في أي مكان؛ بل إنه طرح هذا المطلب في «أكرم كل عالم» و «أكرم عالمًا أي عالم شئت». وفي غير هذه الحالة، إذا صرح المولى وقال «يجب إكرام العالم مطلقًا»، فقد بيّن في غرضه عدم دخل القيد الزائد. بعبارة أخرى، مع أن «يجب إكرام العالم مطلقًا» ليست من أدوات العموم، إلا أن المولى صرح بعدم دخل القيد الزائد في غرضه. المحقق النائيني لا ينكر هذا المطلب. ببيان آخر، يدعي المحقق النائيني في «أكرم كل عالم» أنه يجب أولاً تحديد المراد الجدي من مدخول «كل»، وبعد ذلك، يتمسك بأداة العموم لإثبات الاستيعاب بالنسبة لأفراد هذا المدخول. وهو يطرح هذا الادعاء أيضًا في «أكرم عالمًا أي عالم شئت». بناءً على هذا، المحقق النائيني لا يدعي ذلك في جميع الموارد. وعليه، فإن إمكانية التصريح بالعموم لا تنتفي بشكل كلي.

الإشكال الثاني للمحقق الخوئي

الإشكال الثاني الذي بيّنه المرحوم الخوئي هو أنه إذا كان مدخول «كل» بحاجة إلى إجراء مقدمات الحكمة، فإن استخدام أداة العموم يصبح لغوًا، لأنه مثلاً في «أكرم كل عالم» إذا جرت مقدمات الحكمة في «عالم»، فإنه يكفي لإثبات شمول الحكم لجميع أفراد العالم، حتى لو لم يكن لفظ «كل» في الجملة، يمكن استفادة الشمول لجميع الأفراد، إذن إيراد «كل» يصبح بلا أثر ولغوًا، واللغوية غير قابلة للالتزام بها. (الخوئي، 1422، ج 2، ص 342)

الجواب على الإشكال الثاني للمحقق الخوئي

الجواب الذي يمكن تقديمه على الإشكال الثاني للمرحوم الخوئي هو أنه في مثال «أكرم كل عالم» جاء لفظ «كل» ليفهم الشموليات، لو لم تكن «كل» موجودة لما فُهمت الشموليات، لأنه في هذه الحالة توجد فقط عبارة «أكرم عالمًا» وبالنظر إلى أن «عالم» نكرة، فإن غاية دلالتها ستكون الشمول البدلي. بعبارة أخرى، جريان مقدمات الحكمة غاية دلالته هي أن إكرام العالم لا بشرط واجب، ولا فرق أن يكون العالم فقيهًا أم نحويًا… ولكن عندما تأتي أداة «كل»، يتحول هذا العام البدلي إلى عام شمولي، و«أكرم كل عالم» يدل على إكرام جميع الأفراد. وعليه، فإن ذكر «كل» في كثير من الموارد لن يكون لغوًا؛ بالطبع الجواب المذكور في أمثلة مثل «أكرم أي عالم شئت» لا يجدي نفعًا؛ لأن أداة العموم «أي» أيضًا تفيد الشمول البدلي. بناءً على هذا، بالجواب المذكور، لا يمكن رفع الإشكال الثاني للمرحوم الخوئي في مثل هذه الأمثلة. (الروحاني، 1413، ج 3، ص 303؛ الصدر، 1417، ج 2، ص 228)

في الجواب على شبهة اللغوية في أمثلة مثل «أكرم أي عالم شئت» يمكن القول أيضًا: إن الإتيان بأدوات العموم في هذه الأمثلة ليس لغوًا أيضًا؛ لأن للسكوت مراتب، ومن الممكن أن تكون مرتبة من الظهور السكوتي أقوى من مرتبة أخرى. مثلاً أنتم تسكتون مرة ولا تمدحون ولا تثنون على أي من زيد وعمر. هذا الظهور الناشئ من السكوت، يحدد أنكم لستم من أنصار زيد؛ وإلا لكنتم قلتم شيئًا في مدحه مثل سائر أنصار زيد؛ ولكن هناك حالة أسوأ من هذه أيضًا، وهي أنكم تدعمون عمرًا وتسكتون عن ذكر اسم زيد والثناء عليه. يعني يوجد ظهور سكوتي آخر أيضًا، وذلك عندما تذكرون فضائل عمرو فقط وتسكتون عن زيد في نفس الوقت، هذا الظهور السكوتي هنا أيضًا، الذي هو عن زيد، يدل على أنكم لستم من محبيه؛ ولكن هذا الظهور السكوتي الثاني أقوى بكثير من الظهور السكوتي الأول. الآن في مثال البحث أيضًا إذا قال المولى «أكرم عالمًا»، فإن ظهور جملة المولى هو أنه لا يوجد قيد زائد. ولكن عندما يقول بدلًا من «أكرم عالمًا»، «أكرم أي عالم شئت»، يوجد ظهور ينشأ من السكوت عن بيان القيد الزائد. كان بإمكان المولى أن يقول: «أي عالم عادل شئت»؛ ولكن لأنه استخدم أداة العموم، بجانب مقدمات الحكمة، تنشأ تلك المرتبة الأقوى من الظهور السكوتي، بناءً على هذا فإن ذكر أداة العموم في مثل هذا المورد لن يكون لغوًا أيضًا. (الشهيدي، 88-89، تقريرات درس خارج، مبحث عام وخاص)

الجواب الثاني على الإشكال الثاني للمحقق الخوئي

فائدة واحدة لـ«أكرم كل عالم» أو «أكرم عالمًا أي عالم شئت» هي أنها تخطر أفراد طبيعة العالم في ذهن المخاطب. بالطبع إذا سئل ما هو الأثر العملي لخطورها في الذهن، يُجاب بأنه لا حاجة لأثر عملي، بل هو تفنن في التعبير، والتفنن في التعبير ليس لغوًا. «أكرم كل عالم» تنبه المخاطب إلى أن أفراد العالم هم موضوع الحكم؛ ولكن في «أكرم عالمًا» لا تنبه إلى هذا المطلب؛ بل تنبه إلى أن «طبيعة العالم هي موضوع الحكم». هذا التفنن في التعبير يخرج استخدام أدوات العموم من اللغوية، حتى لو كانت بحاجة إلى مقدمات الحكمة.

الجواب الثالث على الإشكال الثاني للمحقق الخوئي

من الممكن أن يجيب شخص على إشكال المرحوم الخوئي بأن «كل» جاءت للتأكيد، والتأكيد لا إشكال فيه، بحيث أنه تجري مقدمات الحكمة في «أكرم كل عالم» ويكون لفظ «كل» موجودًا أيضًا، وهنا كما في الآية الشريفة «فسجد الملائكة كلهم أجمعون» (الحجر/30)، فإن «كل» و«أجمعون» أداتا تأكيد ولا لغوية في الأمر، في محل البحث أيضًا بواسطة أداة «كل» تم تأكيد العموم، ولا يطرأ لغو. هذا الإشكال لا يرد على المحقق الخوئي؛ لأنه يمكنه أن يجيب: في هذه الأمثلة، الأدوات في عرض بعضها البعض، في الآية الشريفة «فسجد الملائكة كلهم أجمعون»، لا تحتاج «كلهم» إلى «أجمعون» ولا تحتاج «أجمعون» إلى «كلهم» وهي للتأكيد. إشكال السيد الخوئي في «أكرم كل عالم» هو أنه إذا كانت «كل» موجودة ولم تجر مقدمات الحكمة، فلن يُستفاد العموم، وإذا كانت مقدمات الحكمة جارية، حتى لو لم تكن «كل» موجودة، يُستفاد العموم، في هذه الحالة، ما هو أثر «كل»؟ إذن في «أكرم كل عالم» إذا لم تكن مقدمات الحكمة موجودة، فبنظر المرحوم النائيني «كل» لا فائدة لها، ولكن في «فسجد الملائكة كلهم أجمعون»، إذا لم تكن «أجمعون» موجودة، فإن «كلهم» لها فائدة، وإذا لم تكن «كلهم» موجودة، فإن «أجمعون» لها فائدة. وعليه، فإن ما نحن فيه يختلف عن موارد مثل الآية الشريفة ولا يمكن قياسه على التأكيد في الآية الشريفة.

دراسة إشكال المحقق الأصفهاني على المرحوم النائيني

يقول المحقق الأصفهاني: إذا كان من المقرر في مثل «أكرم كل عالم» أن يكون جريان مقدمات الحكمة في مدخول «كل» ضروريًا، لكي يتعين مدخول «كل» بمقدمات الحكمة ويخرج عن الإهمال، فهذا يعني أن «أكرم العالم» الذي هو الطبيعة المهملة، بجريان مقدمات الحكمة يخرج عن الإهمال ويصبح الطبيعة المطلقة ويتعين في الإطلاق. في هذه الحالة، إذا جاءت «كل» أيضًا في الجملة، فإن «كل» تريد أيضًا إفادة التعيين. ولا معنى لأن يعرض التعيين على شيء قد تعين من قبل، من وجهة نظره، الوجود لا يعرض على الوجود؛ بل الوجود يعرض على الماهية. التعيين لا يعرض على المتعين، والمتشخص لا يكتسب تشخصًا جديدًا. إذا تعين «العالم» في «أكرم كل عالم» بمقدمات الحكمة، أي أن هذا «العالم» تعين وخرج عن الإهمال، فلا معنى لأن يخرج مرة أخرى بـ«كل» عن الإهمال ويتعين. (الأصفهاني، 1429، ج 2، ص 447؛ الشهيد الصدر، 1417، ج 3، ص 229)

الجواب على إشكال المحقق الأصفهاني

يمكن طرح إشكال نقضي على المحقق الأصفهاني مفاده أن إشكالكم يرد أيضًا في «أكرم كل العلماء» وأمثالها؛ بينما بنظر المشهور، «العلماء» وهو جمع محلى بالألف واللام ومفيد للعموم، قد جاءت «كل» فوقه أيضًا. أساسًا في الأمور الاعتبارية، لا إشكال في أن يتضح مطلب واضح بمثل التأكيد بشكل أوضح؛ وإلا فإن هذا الإشكال للمحقق الأصفهاني في آية القرآن «فسجد الملائكة كلهم» يمكن طرحه أيضًا بهذا الشكل، أن «الملائكة» تعينت بـ«كلهم»، ومع القاعدة الفلسفية التي طرحها، لا وجه لذكر «أجمعون» في شيء قد تعين. بالإضافة إلى أنه كما قيل سابقًا، في مثل «أكرم كل عالم»، تأتي «كل» لتفهم الشمولات، فلو لم يكن لفظ «كل» موجودًا، لما فُهمت الشموليات. «أكرم عالمًا» وحتى «أكرم العالم» ينسجم مع البدلية. إذن لفظ «كل» جاء ليأتي بشيء جديد وليس مجرد تعيين أمر متعين من كل جهة. (الصدر، 1417، ج 3، ص 229)

دراسة إشكالات الشهيد الصدر على كلام المحقق النائيني

يرى الشهيد الصدر أن مدعى المرحوم النائيني فيه إشكالات وتبعات فاسدة متعددة:

الإشكال الأول للشهيد الصدر على النائيني

وفقًا لادعاء النائيني، جاء لفظ «كل» لبيان استيعاب أفراد المراد الجدي من مدخوله. إذن، يجب على مقدمات الحكمة أولاً أن تثبت المراد الجدي من مدخوله وهو «العالم»، ثم يُستفاد استيعاب جميع الأفراد. في هذه الحالة، بالنسبة للموارد التي لا يكون للمتكلم فيها مراد جدي وهو في مقام الهزل، يجب القول إن أدوات العموم لا مدلول لها. أو مثلاً إذا قال الببغاء «أكرم كل عالم»، فالببغاء ليس له مراد جدي. إذن «أكرم كل عالم» بلا معنى. لأن مدخول «كل» ليس له مراد جدي. بناءً على هذا، يجب على المرحوم النائيني في مثل هذه الموارد أن يلتزم بأن هذه الأدوات لا معنى لها. وهذا المطلب غير قابل للالتزام به؛ لأنه بلا إشكال «يجب إكرام كل عالم» الصادر من شخص هازل، حتى لو صدر من متكلم غير ملتفت، له مدلول ومعنى. (الصدر، 1417، ج 3، ص 230)

الإشكال الثاني للشهيد الصدر على النائيني

الإشكال الثاني من الشهيد الصدر هو أنه يجب أن يكون هناك ارتباط بين مفردات الكلام من حيث المدلول التصوري والاستعمالي، والتفكيك بينها غير صحيح. فلا يمكن اعتبار أن جزءًا من الكلام له معنى من حيث المدلول الاستعمالي وجزءًا آخر منه يتعلق بالمراد الجدي. ادعاء المحقق النائيني يستلزم مثل هذا التفكيك. وعليه، فإن قوله غير صحيح. لأنه في مرحلة الدلالة التصورية والاستعمالية، يتم التفكيك بين مفردات «يجب إكرام كل عالم»، وبطلان ذلك واضح.

الإشكال الثالث للشهيد الصدر على النائيني

الإشكال الثالث في كلام الشهيد الصدر هو أن ادعاء المحقق النائيني يستلزم التهافت في اللحاظ. لأن المراد الجدي في كل كلام ليس أكثر من شيء واحد. مثلاً في «يجب إكرام كل عالم»، المراد الجدي هو وجوب إكرام كل عالم، وإذا قيل إن مدخول «كل» قد لوحظ فيه المراد الجدي، و«كل» تدل على استيعاب جميع أفراد المراد الجدي من العالم، في هذه الحالة، فإن المراد الجدي الذي هو من كل الكلام ويقع في مرتبة الحكم، قد لوحظ في مرتبة الموضوع، لأن المراد الجدي في مرحلة الحكم يعرض على الموضوع، فإذا كان من المقرر أن يؤخذ المراد الجدي في مدخول «كل» أي في الموضوع، يلزم التهافت في لحاظ المتكلم.

المناقشة في الإشكالين الأول والثاني للشهيد الصدر

طرح الشهيد الصدر في بيان الإشكال الأول أنه إذا قال شخص هازل «يجب إكرام كل عالم»، فلأنه ليس له مراد جدي، فيجب اعتبار هذا الكلام بلا مدلول، ومثل هذا القول غير قابل للالتزام. في الجواب على الشهيد الصدر، يمكن الاستفادة من نكتة ذكرها هو في بحث الوضع في الجزء الأول من البحوث (ص 279). توضيح مطلبه هو أنه إذا استعمل شخص هازل أو حتى مثل الببغاء جملة خبرية وإنشائية، مثلاً قال الببغاء مرة «هل تريد خبزًا؟ بعتُ»، ومرة أخرى قال «ليس لدي خبز. بعته لآخر»، الجملة الأولى ظاهرها أنها في مقام الإنشاء؛ أي كل من يسمع هذه الجملة من الببغاء، ينشأ في ذهنه إنشاء البيع؛ ولكن عندما يقول الببغاء «ليس لدي خبز، بعته» أو «بعته لك»، يُفهم أنه إخبار، والتصور هو أنه ليس لدينا خبز وأنا قد بعت لك الخبز من قبل، هذا هو ما يخبر به. الآن السؤال هو، هنا أيضًا حيث لا يوجد للببغاء استعمال ومراد استعمالي أصلاً، كيف ينشأ هذان النوعان من المعنى (الإنشاء والإخبار) وما الفرق بين هاتين الجملتين؟ جوابه على هذه النقطة مبني على مقدمة مفادها أن اللحاظ يمكن أن يتم بنوعين. «بعتُ» مرة يُلحظ فانيًا في بيعٍ يوجد في طول هذا الاستعمال، وفي هذه الحالة يتحقق الإنشاء. وأحيانًا «بعتُ» يُلحظ فانيًا في بيعٍ موجود بقطع النظر عن هذا الاستعمال، وبهذا الترتيب يتحقق الإخبار. إذن توجد كيفيتان للحاظ؛ في لحاظ واحد «بعتُ» فانٍ في معنى وجوده مفروغ عنه، حيث يكون «بعتُ» في مقام الخبر. واللحاظ الآخر لـ«بعتُ» فانٍ في بيعٍ يوجد في طول هذا الكلام، وهو مقام الإنشاء.

ينبّه الشهيد الصدر بالتوجه إلى هذه النكتة إلى أن كيفية اللحاظ في الموضوع له بالذات؛ أي في تصور المعنى قد أُشرِبت. بعبارة أخرى، الهيئة الموجودة في «بعتُ» لها موضوعان له، و«بعتُ» في حالة الإخبار تحكي عن نسبة متحققة، وفي حالة الإنشاء تُوجِد النسبة في الزمن الحالي. وعليه، عندما يقول الببغاء «هل تريد خبزًا، بعته لك»، فإن هذا الكلام فناء تصوري وليس فناءً تصديقيًا؛ لأن الببغاء لم يرد إرادة استعمالية ولا إرادة جدية. وكذلك عندما يقول الببغاء «ليس لدي خبز، بعته لك» الذي يتناسب مع الإخبار، فإن هذا القول فناء تصوري في معنى مفروغ عنه من وجود اللفظ يُلحظ.

الآن في مثل «يجب إكرام كل عالم» أيضًا، لا يوجد محذور عقلي في أن تكون «كل» موضوعة للدلالة على استيعاب جميع أفراد المراد الجدي من مدخولها، والشخص الهازل الذي ليس له مراد جدي، عندما يستعمل «كل» – وإن لم يكن له مراد جدي بالفعل – يخطر في ذهن المخاطب معنى استيعاب جميع الأفراد وهذا المعنى يعني يجب تصور المراد الجدي من «العالم».

بعبارة أفضل، بالنسبة لشخص مثل الشهيد الصدر القائل بمسلك القرن الأكيد في الوضع، بالنظر إلى أن دلالة اللفظ على المعنى الذي نشأ معه بالقرن الأكيد هي دلالة تصورية، وأينما وكيفما وجد اللفظ، فإن هذه الدلالة قائمة أيضًا؛ حتى لو قال الببغاء «يجب إكرام كل عالم»، يمكن تصوره. توضيح ذلك أنه مع أن الببغاء ليس له مراد جدي، يمكن تصور «كل» هذا الكلام، وعندما يوجد تصور لكل الكلام مع جميع مفرداته، فلا محذور عقلي في أن يتحقق المدلول التصديقي عندما يكون للمتكلم مراد جدي.

ومن هنا يتضح الجواب على الإشكال الثاني للشهيد الصدر أيضًا؛ لأن الإشكال الثاني كان مفاده أنه لا ينبغي التفكيك بين مفردات الكلام من حيث المدلول التصوري والاستعمالي. بالنظر إلى المطالب المبيّنة، من حيث المدلول التصوري؛ أي ذلك الذي ينشأ من سماع اللفظ بناءً على مبنى القرن الأكيد، لا حاجة إلى المراد الجدي الفعلي، وحتى لو سُمعت هذه الجملة من ببغاء، فإن مدلولها التصوري حاصل، ولا يطرأ تفكيك.

المناقشة في الإشكال الثالث للشهيد الصدر

طرح الشهيد الصدر في الإشكال الثالث استلزام التهافت في اللحاظ. هذا اللازم صحيح إذا كان المراد من الإرادة الجدية هو الإرادة الجدية في الحكم؛ أي إذا جرت مقدمات الحكمة في مدخول «أكرم كل عالم» بلحاظ أن حكمه مطلق، يلزم التهافت؛ أما إذا جرت مقدمات الحكمة لهذا السبب، أنه قيل إن المولى في الموضوع لم يلحظ المقيد و«العالم العادل» لم يلحظه في رتبة الموضوع، فلا يقع تهافت في اللحاظ. بعبارة أخرى، إذا قال المولى «يجب إكرام كل عالم»؛ ولكنه لحظ العالم العادل، فهذا إخلال بالغرض، ومن مقدمات الحكمة يُستفاد عدم تقييد الموضوع. وعليه، فإن مقدمات الحكمة تستنتج سعة الموضوع. بناءً على هذا، إذا قالت مقدمات الحكمة إن مدخول «كل» في الإرادة الجدية هو طبيعة العالم، لا العالم العادل، في هذه الحالة لا يطرأ تهافت. سبب ذلك أن التهافت يقع عندما يُراد المراد الجدي أي حكم وجوب إكرام طبيعة العالم ويُؤخذ في رتبة الموضوع. في هذه الحالة، من المعلوم أن التهافت يتحقق؛ لكن المحقق النائيني ليس لديه مثل هذا الادعاء. هو قائل بأن مقدمات الحكمة يمكنها أن تثبت إطلاق الموضوع وتقول إن هذا العالم مطلق وغير مشروط، ومقدمات الحكمة التي تقول إن الموضوع مطلق وغير مشروط هي في رتبة الموضوع وليست في رتبة الحكم. وبهذا الترتيب، لا يرد هذا الإشكال. (الشهيدي، 89-90، تقريرات درس خارج، مبحث عام وخاص)

بيان المختار في الإشكال على المرحوم النائيني

أساس الحاجة إلى جريان مقدمات الحكمة هو هذه النقطة أنه عندما يقول المولى «أكرم العالم»، يُحتمل أن يكون «أكرم العالم» مقيدًا بالعالم العادل في مقام الثبوت. بجريان مقدمات الحكمة، يثبت أن ما سكت المولى عن قوله (العادل)، لم يرده أصلاً، وظهور «أكرم العالم» في أن العالم لا بشرط هو تمام الموضوع لوجوب الإكرام هو ظهور سكوتي. الآن في مثل «أكرم كل عالم»، لا توجد مثل هذه الحاجة إلى جريان مقدمات الحكمة والإطلاق، ولا يمكن القول إن المولى سكت عن بيان القيد الزائد وأن ما سكت عنه لم يكن مراده الجدي؛ لأن المولى لم يسكت عن القيد الزائد؛ بل بيّن عدم دخل القيد الزائد. وعليه، عندما يقول المولى «أكرم كل عالم»، إذا لم يكرم العبد العالم الفاسق، يقول المولى: «ألم أقل لك أكرم كل عالم؟» المولى يحتج ببيانه؛ ولكنه لا يحتج بسكوته. الآن في مثال «أكرم العالم»، إذا لم يكرم العبد العالم الفاسق، يقول المولى: «لو كنت أريد إكرام العالم العادل فقط لقلت أكرم العالم العادل». في «أكرم العالم»، يحتج المولى بسكوته ويقول أنا لم أضع قيدًا «أكرم العالم العادل»، لو كان الواجب إكرام العالم العادل فقط، لكنت قيدت وسكت؛ ولكن في «أكرم كل عالم»، يقول أنا قلت «أكرم كل عالم». وفي الواقع يحتج ببيانه وليس بسكوته. بناءً على هذا، في الموارد التي استُخدمت فيها أدوات العموم مثل «كل»، فإن العبارة نفسها هي بيان لعدم دخل القيد الزائد، ولن تكون هناك حاجة إلى جريان مقدمات الحكمة. (الشهيدي، 89-90، تقريرات درس خارج، مبحث عام وخاص)

الإشارة إلى ثمرة البحث في بعض التطبيقات الفقهية

كما أُشير في بداية البحث، فإن الثمرة الأساسية لبحث لزوم أو عدم لزوم جريان مقدمات الحكمة في مدخول أدوات العموم تظهر في التعارض بين العموم والمطلق. بيان المطلب هو أن مشهور الأصوليين في التعارض بين العام والمطلق، قدموا دليل العام على المطلق وتمسكوا لتقديم العام على المطلق بأدلة مختلفة مثل غلبة التخصيص على التقييد، وتقديم الدليل اللفظي على الدليل العقلي… وهذا في حين أنه وفقًا لمسلك لزوم جريان مقدمات الحكمة في مدخول أدوات العموم وحاجة العام إلى مقدمات الحكمة، كما أشار بعض المفكرين مثل الشهيد الصدر (الصدر، 1417، ج 7، ص 277)، لن يكون هناك وجه فني لتقديم الخطاب العام على الخطاب المطلق، وفي الواقع سيتشكل تعارض بين مطلقين.

في نهاية المقالة، بسبب أهمية موضوع البحث، تتم الإشارة إلى موردين من الثمرات الفقهية التي يؤثر فيها تبني المبدأ في البحث:

1. في رواية «أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنِ الْكَاهِلِيِّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: قُلْتُ أَمُرُّ فِي الطَّرِيقِ فَيَسِيلُ عَلَيَّ الْمِيزَابُ فِي أَوْقَاتِ أَعْلَمُ أَنَّ النَّاسِ يَتَوَضَّئُونَ. قَالَ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، لَا تَسْأَلْ عَنْهُ، قُلْتُ: وَ يَسِيلُ عَلَيَّ مِنْ مَاءِ الْمَطَرِ أَرَى فِيهِ التَّغَيُّرَ وَ أَرَى فِيهِ آثَارَ الْقَذَرِ فَتَقْطُرُ الْقَطَرَاتُ عَلَيَّ وَ يَنْتَضِحُ عَلَيَّ مِنْهُ وَالْبَيْتُ يُتَوَضَّأُ عَلَى سَطْحِهِ. فَيَكِفْ عَلَى ثِيَابِنَا؟ قَالَ: مَا بِذَا بَأْسٌ لَا تَغْسِلْهُ كل شَيْءٍ يَرَاهُ مَاءُ الْمَطَرِ فَقَدْ طَهُرَ.» قال الإمام الصادق (ع): كل شيء يصيبه ماء المطر فقد طهر. (الكليني، 1407، ج 3، ص 13) وفي رواية «أَخْبَرَنِي الشَّيْخُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبَانِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: سَأَلْتَهُ عَنِ الْكَلْبِ يَشْرَبُ مِنَ الْإِنَاءِ. قَالَ: اغْسِلِ الإِنَاءَ، وَ عَنِ السُّؤْرِ. قَالَ لَا بَأْسَ أَنْ يُتَوَضَّأُ مِنْ فَضْلِهَا إِنَّمَا هِيَ مِنَ السِّبَاعِ.» قال الإمام الصادق (ع) في مورد الكلب: «إنه رجس نجس، ولا تتوضأ ببقية ماء شرب منه، واغسل الإناء الذي شرب منه بالتراب ثم بالماء مرتين». (الطوسي، 1407، ج 1، ص 19).

يقول المرحوم محمد تقي الآملي في بحث تطهير الظرف النجس: «إطلاق صحيحة بقباق، أي الرواية الثانية، يقتضي عدم الفرق بين القليل وغير القليل في لزوم تعدد الغسل؛ ولكن إطلاقها يتعارض مع عموم الاكتفاء بغسلة واحدة بماء المطر، وفي تعارض العام والمطلق، يُقدَّم العام. (الآملي، 1380، ج 2، ص 216) هذا في حين أنه إذا كان العموم بحاجة إلى جريان مقدمات الحكمة، فإن مثل هذا التقديم لا معنى له.

2. في رواية «مَا أَخْبَرَنِي بِهِ الشَّيْخُ أَيَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى وَ الْحُسَيْنِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَحْبُوبِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: فِي الدَّمِ يَكُونُ فِي الثَّوْبِ، إِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ قَدْرِ دِرْهَمٍ، فَلَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ وَ إِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَكَانَ رَآهُ فَلَمْ يَغْسِلْهُ حَتَّى صَلَّى فَلْيُعِدْ صَلَاتَهُ وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ رَآهُ حَتَّى صَلَّى، فَلَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ.» قال الإمام الباقر (ع): «الدم في الثوب، إن كان أقل من قدر درهم، فلا يعيد الصلاة، وإن كان أكثر من قدر درهم ورآه ولم يغسله حتى صلى، فليعد صلاته، وإن لم يكن رآه حتى صلى، فلا يعيد الصلاة». (الطوسي، 1407، ج 1، ص 255) قال الإمام الصادق (ع) في رواية «وَ فِي الْعِلَلِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بِإِسْنَادِهِ يَرْفَعُهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي شَعْرِ وَ وَبَرِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لِأَنَّ أَكْثَرَهَا مُسُوخٌ.»: «لا تجوز الصلاة في شعر ووبر وبول وروث وكل شيء من الحيوان الحرام اللحم، لأن أكثرها مسوخ». (الحر العاملي، 1104 ق، ج 4، ص 347) يقول المرحوم الخوئي في بحث مانعية الدم في الصلاة: «الأظهر عدم العفو عن دم الحيوان الحرام اللحم؛ لأنه إذا قبلنا المعارضة بين هاتين الروايتين، فإن الرواية الثانية بسبب عمومها (كل شيء منه) تُقدَّم على الرواية الأولى (صدور حكم صحة الصلاة) التي ظهورها إطلاقي. (الخوئي، 1422، ج 4، ص 315) النكتة هي أنه في حالة حاجة العام إلى مقدمات الحكمة، فإن تقديم الرواية الثانية لا معنى له.

نتيجة البحث

بالنظر إلى المطالب المبيّنة، يبدو أن الدلالة على استيعاب جميع الأفراد في مدخول أدوات العموم لا تحتاج إلى جريان مقدمات الحكمة؛ ولكن ليس من باب الوجوه التي بيّنها بعض الأصوليين مثل المحقق الخوئي والأصفهاني والشهيد الصدر؛ بل إن الوجه الأساسي لعدم الحاجة إلى جريان مقدمات الحكمة في مدخول أداة مثل «كل» هو أن المولى بإيراده لفظ «كل» قد بيّن عدم القيد الزائد. بناءً على هذا، فإن الوجه الأساسي الموجود في جريان مقدمات الحكمة، وهو عدم إرادة قيد سكت المولى عن قوله، لن يكون موجودًا في مدخول أدوات العموم؛ لأنه بالتصريح بعدم القيد الزائد، لا يبقى مجال للدلالة السكوتية.

المصادر

القرآن الكريم

1. الآملي، محمد تقي (1380 ق). مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى. الطبعة الأولى. طهران: المؤلف.

2. الأصفهاني، محمد حسين (1429 ق). نهاية الدراية. الطبعة الثانية. بيروت: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.

3. الحائري، مرتضى (1424 ق). مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.

4. الخراساني، محمد كاظم (1409 ق). كفاية الأصول. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة آل البيت.

5. الخوئي، أبو القاسم (1422 ق). مصباح الأصول. الطبعة الأولى. قم: مكتبة الداوري.

6. الصدر، محمد باقر (1417 ق). بحوث في علم الأصول. الطبعة الثالثة. قم: مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي بر مذهب أهل بيت.

7. الطوسي، محمد بن حسن (1407 ق). تهذيب الأحكام. الطبعة الرابعة. طهران: دار الكتب الإسلامية.

8. فاضل موحدي لنكراني، محمود (1381 ش). أصول فقه الشيعة. تقريرات محمد ملكي أصفهاني. الطبعة الأولى. قم: مركز فقهي أئمة أطهار.

9. الكليني، أبو جعفر، محمد بن يعقوب (1407 ق). الكافي. الطبعة الرابعة. طهران: دار الكتب الإسلامية.

10. الموسوي الخميني، سيد روح الله (1423 ق). تهذيب الأصول. الطبعة الأولى. طهران: دار الفكر.

11. النائيني، محمد حسين (1376 ش). فوائد الأصول. الطبعة الأولى. قم: جامعة مدرسين حوزه علميه قم.

12. النائيني، محمد حسين (1352 ش). أجود التقريرات. تقريرات أبو القاسم خوئي. الطبعة الأولى. قم: مطبعة العرفان.

13. تقريرات درس الأستاذ الشهيدي. www.shahidipoor.ir

Scroll to Top