ملخص
في العصر الحاضر، يُعدّ الاعتماد على الحجج الظنّية، كخبر الواحد، في إثبات القضايا الأصولية أمراً متسالماً عليه، وعادةً لا يُخاض في بحثه. ولكن بين الأصوليين المتقدمين، من زمن السيد المرتضى (رض) إلى عهد قريب من صاحب المعالم، يمكن اعتبار الشهرة أو حتى التسالم قائماً على عدم اعتبار الظنون في أصول الفقه. ومن خلال إعادة قراءة الأقوال والأدلة في هذا الموضوع، يتضح أنه للحكم في «إمكان اعتبار الأدلة الظنّية» في إثبات مسائل أصول الفقه أو ردّها، يجب الرجوع إلى أدلة إثبات كل دليل ظنّي على وجه الخصوص. فإثبات حجية دليل ظنّي لإثبات أو ردّ المسائل الفقهية لا يثبت حجيته بالنسبة للمسائل الأصولية.1 ويرتبط هذا المطلب بقسم الإدراكات الاعتبارية في أصول الفقه. أما في قسم الإدراكات الحقيقية منه، فلا مجال لتسرّب الأدلة الظنّية.
1- طرح الموضوع
على الرغم من اتفاق الفقهاء على قبول الأدلة الظنية المعتبرة في الفقه، إلا أن هذه المسألة في أصول الفقه كانت موضع خلاف منذ القِدم: هل يمكن أن يكون دليل مسائل أصول الفقه ظنياً أم لا؟ بعبارة أخرى، الخلاف هو فيما إذا كانت أدلة حجية الظنون تشمل حجيتها لإثبات مسائل أصول الفقه أيضاً أم لا؟ وهذا الخلاف ملحوظ بين غالبية الأصوليين المتقدمين حتى مرحلة تاريخية معينة، وغالبية الأصوليين المتأخرين.
إذا استبعدنا الأدلة الظنية في أصول الفقه، فإن النتيجة المنطقية لذلك هي عدم إمكانية الاستفادة من أي دلالة ظنية في القرآن والسنة، وكذلك أي سند ظني فيما يتعلق بالسنة. وهذا يعني استخداماً أقل للكتاب والسنة في أصول الفقه. بالطبع، سنرى أن المخالفين لحجية الأدلة الظنية في أصول الفقه لا يلتزمون بجميع هذه اللوازم ظاهراً.
هنا، سنستعرض أولاً رأي المخالفين والموافقين للاستناد إلى الأدلة الظنية في أصول الفقه، ثم ندرس المسألة من عدة جوانب.
2- رأي الأصوليين المخالفين
لقد أولى الأصوليون اهتماماً منذ القدم لأحكام الأدلة التي تُستخدم في أصول الفقه لإثبات مسائله. يطرح السيد المرتضى (رض) في مقارنته الفلسفية/العلمية بين الفقه وأصول الفقه هذا المطلب: هل الأدلة المفيدة للظن لإثبات القضايا الأصولية، مثلها مثل الأدلة المفيدة للظن لإثبات القضايا الفقهية، حجة ضمن إطار الأمارات الخاصة أم لا؟ جوابه هو أن إمكان حجية الظن في المسائل الأصولية، كما في المسائل الفقهية، موجود؛2 ولكن هذا الإمكان لم يتحقق ولم يقع في أي مسألة أصولية. والسبب في عدم الوقوع، من وجهة نظره، هو أن الأدلة في أصول الفقه، كأصول العقائد، يجب أن تكون موجبة للعلم. فالظن إنما يجد طريقه حيث لا سبيل إلى العلم. كذلك، في مسائل أصول الفقه، لا يوجد دليل قطعي تعبدي على العمل بالظن. وفي الفقه أيضاً، إذا اعتبر أحدهم الظن حجة، فعليه أن يقيم لذلك دليلاً قطعياً تعبدياً. وشاهد آخر هو أن القائلين بالتصويب في الاجتهاد قد قالوا به في المسائل الفقهية فقط؛ أما في مسائل أصول الفقه، فلم يقل أحد بالتصويب. (علم الهدى، 1346، ج 1، ص 25 و 26).
يُستفاد من الكلام أعلاه أن أدلة أصول الفقه يجب أن تكون موجبة للعلم، ولا ينبغي الاعتماد في أصول الفقه على الأدلة الظنية. ويمكن تتبع هذا المطلب نفسه بمثال محدد وهو خبر الواحد، في كلام للمحقق الحلي (رض). فهو في معرض رده على الاستدلال بحديث «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (البروجردي، 1399 هـ.ق، ج 1، ص 331)، لإثبات وجوب الاحتياط، يقول: «والجواب عن الحديث أن نقول: هو خبر واحد لا نعمل بمثله في مسائل الأصول.» (المحقق الحلي، 1403هـ.ق، ص 216).3 (الجواب أن هذا الحديث خبر واحد، وفي المسائل الأصولية لا نعمل بمثل خبر الواحد).
3- رأي الأصوليين الموافقين
أما الأصوليون المتأخرون، فلا يرون فرقاً بين المباحث الأصولية والفقهية في نوع الأدلة من حيث كونها ظنية أو قطعية. الميرزا القمي (رض) هو أحد الذين صرحوا بعدم وجود هذا الفرق: «لا فرق بين مسائل أصول الفقه وفروعه في جواز البناء على الظن وأنه لا دليل على اشتراط القطع في الأصول.» (القمي، بلا تاريخ، ص 228، سطر 25)، (لا فرق بين مسائل أصول الفقه وفروع الفقه في جواز الاعتماد على الظن، ولا يوجد أي دليل على لزوم القطع في أصول الفقه). وقد أوضح صاحب كتاب «هداية المسترشدين» الدقيق النظر هذا المطلب بتفصيل أكبر: «منع اشتراط القطع في مسائل أصول الفقه… كيف ومبنى أدلتهم في مسائل الأصول على الظن كمسائل الفقه. غاية الأمر اعتبار انتهاء الظن فيها إلى اليقين وهو معتبر في الفقه أيضاً. نعم انتهاء المسائل الفقهية إلى القطع إنما يكون في علم الأصول وأما المسائل الأصولية فهي تنتهي إلى القطع في ذلك الفن دون غيره فلابد أن يكون في جملة مسائلها مسألة قطعية يكون الاتكال في الظنون المتعلقة بسائر المسائل عليها» (رازي نجفي أصفهاني، 1421هـ.ق، ج3، ص467). ووفقاً له، فإن شرط القطع في مسائل أصول الفقه غير مقبول…، في حين أن غالب أدلة الأصوليين في مسائل أصول الفقه، كما في المسائل الفقهية، ظنية. ما هو مقبول هو أن الظنون الأصولية يجب أن تنتهي وتستند إلى اليقين؛ وهو أمر جارٍ في المسائل الفقهية أيضاً. نعم، إن استناد المسائل الفقهية إلى القطع يتم في علم أصول الفقه. أما المسائل الأصولية، فتستند إلى القطع في علم أصول الفقه نفسه، لا في علم آخر. من هنا، من الضروري أن توجد في مباحث أصول الفقه مسألة قطعية لتستند إليها الظنون المتعلقة ببقية مسائل أصول الفقه.» والشيخ الأنصاري (رض) أيضاً، ضمن إشارته إلى كلام المحقق الحلي المتقدم، لا يقبل عدم الاكتفاء بخبر الواحد في أصول الفقه. (الأنصاري، 1377، ج2، ص82).
يبدو أنه، على الأقل منذ عهد الميرزا القمي (رض) حتى الآن، قد استقر الأمر بين الأصوليين على أن الظن في مسائل أصول الفقه، كما في المسائل الفقهية، معتبر؛ سواء كان من قبيل الظنون الخاصة كخبر الواحد، أو الظن المطلق الحاصل من تمامية دليل الانسداد. يكتب المحقق العراقي (رض) في هذا الصدد: «لم يفرق أحد ممن يقول بحجية خبر الواحد والظهورات اللفظية بين المسائل الفرعية والأصولية كالاستصحاب ونحوه…» (العراقي، 1405هـ.ق، ج3، ص126). (لم يفرق أحد من القائلين بحجية خبر الواحد والظهورات اللفظية بين المسائل الفقهية والأصولية، مثل الاستصحاب وغيره).
ويتجلى التسالم الأخير على اعتبار الأدلة الظنية أيضاً من خلال طرح مسألة أخرى. وردت هذه المسألة في ذيل مبحث الانسداد. حيث طُرح هناك هذا السؤال: هل نتيجة دليل الانسداد، بناءً على تمامية مقدماته، هي حجية الظن بالحكم الشرعي، أم حجية الظن بالطريق إلى الحكم الشرعي، أم كلاهما؟ «هل قضية المقدمات على تقدير سلامتها هي حجية الظن بالواقع أو بالطريق أو بهما؟» (الخراساني، 1417هـ.ق، ص315). إن حجية الظن بالطريق إلى الحكم الشرعي هي نفسها حجية الظن في المسألة الأصولية. (النائيني، 1406هـ.ق، ج3، ص280) لأن حجية الطرق أو عدمها مسألة أصولية. ورغم المباحث الدقيقة والعميقة التي خاضها الأصوليون في هذه المسألة، لم يقل أحد، على حد علم الكاتب، بضرورة استبعاد احتمال حجية الظن بالطريق في المسألة لكونها أصولية.
4- المواجهة الأولى بين الرأيين
يبدو أنه قبل استقرار المسألة في عهد صاحب القوانين، كان صاحب المعالم أول شخصية مؤثرة تحدت الرأي المخالف في المسألة قيد البحث. فهو، بنقله لرأي المحقق الحلي (رض) المتقدم في باب التعادل والتراجيح، يقول: «إن رد الاستدلال بالخبر بأنه إثبات لمسألة علمية بخبر الواحد ليس بجيد إذ لا مانع من إثبات مثله بالخبر المعتبر من الآحاد ونحن نطالبه بدليل منعه.» (العاملي، 1365، ص 255). (إن رد الاستدلال بالخبر [الواحد]، بعذر أنه استدلال بخبر [الواحد] لإثبات مسألة علمية، ليس عملاً جيداً؛ إذ لا مانع من إثبات مثل هذه المسائل بخبر الواحد المعتبر. ونحن نطالبه بدليل المنع). المسألة العلمية المشار إليها في هذا الكلام هي ترجيح إحدى الروايتين المتعارضتين بمخالفتها للعامة، وهي مسألة من أصول الفقه. ودليل هذا الترجيح هو روايات شاع نقلها وبحثها بين المتأخرين، خاصة المعاصرين من الأصوليين، في باب التعارض. ومدلول هذه الروايات هو ترجيح إحدى الروايتين المتعارضتين لمخالفة مضمونها لقول العامة. وقد استخدم المحقق الحلي (رض) تعبير خبر الواحد لهذه الروايات، وبناءً على رأيه، لم يعتبرها صالحة للاستدلال في مسألة أصولية.4 (البروجردي، 1399 هـ.ق، ج1، ص254؛ الحلي، 1403هـ.ق، ص156).
أما الذين ساروا على نهج صاحب المعالم من بعده، ورأوا أن الاستدلال الأصولي بالاعتماد على الظنون المعتبرة لا إشكال فيه، فقد اكتفوا، مثله، ببيان عدم وجود دليل على الفرق بين المسألة الأصولية والفقهية في هذا الصدد. هذا في حين رأينا سابقاً أن السيد المرتضى (رض) أقام ثلاثة أدلة على دعواه بوجود فرق بين المسألة الأصولية والفقهية في الاعتماد على الظنون المعتبرة. والعجيب كيف تم تجاهل قوله دون طرح ومناقشة أدلته. والأكثر عجباً أنهم لم يقيموا أي دليل على قولهم هم أيضاً. بالطبع، صاحب كتاب «هداية المسترشدين»، في حاشيته على المعالم، يعترف في كلامه المتقدم بأن الاعتماد على الظن في المسائل الأصولية يحتاج إلى أدلة خاصة به، غير أدلة الاعتماد على الظن في المسائل الفقهية. وقد أقام هذه الأدلة في دائرة حجية الظن المطلق الأصولي، لإثبات حجية الأدلة والطرق في الفقه، بناءً على فهمه من دليل الانسداد. (رازي نجفي أصفهاني، 1421هـ.ق، ج3، ص251؛ والخراساني، 1417هـ.ق، ص316). أما في الظنون الخاصة، مثل خبر الواحد أو الشهرة، التي تُبحث أدلة حجيتها لإثبات المسائل الفقهية، فلم نجد له بحثاً حول إمكان حجيتها لإثبات المسألة الأصولية. إن أدلة السيد المرتضى (رض) تتعلق بالظن المطلق في مسألة أصول الفقه؛ سواء الظن المطلق أو الظن الخاص. بالإضافة إلى أن المشهور، بل القريب من جميع المعاصرين، يعتقدون أن مقدمات دليل الانسداد غير تامة مطلقاً، سواء في المسألة الأصولية أو في المسألة الفقهية؛ على الرغم من أن الكاتب يرى أن هناك مجالاً لإعادة قراءة وبحث دليل الانسداد، على الأقل في بعض مجالات الفقه الحقوقي. (صرامي، منابع قانونگذاری در حکومت اسلامی، 1382، ص 369).
5- التأثير العيني لثمرة الرأيين
سبق أن أشرنا إلى الثمرة المنطقية للقولين، في الاستخدام الأكثر أو الأقل للكتاب والسنة في أصول الفقه. وهذه الثمرة قد تجسدت بشكل عيني أيضاً في آثار الأصوليين المتقدمين والمتأخرين، في بعض الموارد. أحد هذه الموارد هو مسألة حجية الترجيح بمخالفة قول العامة، في الروايات المتعارضة، والتي مرت سابقاً ضمن نقل كلام من صاحب المعالم.
ويبدو أن أكبر ثمرة وتأثير لهذه المسألة قد وقع في مجال الأصول العملية، وخاصة أصل الاستصحاب. فالاستصحاب في عصور المتأخرين والمعاصرين من أصول الفقه، كان محل بحث ودراسة أوسع وأضخم بكثير من العصور السابقة. كما أن هذه المباحث، خلافاً لبعض المباحث الضخمة الأخرى في أصول الفقه، قد تركت أكبر الآثار في الفقه. إن جُلّ مباحث المتأخرين في الاستصحاب، في الحقيقة وفي النهاية، تعود إلى تفسيرات مختلفة لروايات الاستصحاب. ومن هنا يمكن الاستنتاج أن السبب الرئيسي لعدم طرح هذه المباحث عند المتقدمين هو عدم تناولهم لروايات الاستصحاب.
لقد تنبه الشيخ الأنصاري (رض) إلى الفرق بين ماهية الاستصحاب، في حال استخدامه من الروايات، وماهية الاستصحاب، في حال استخدامه من العقل أو بناء العقلاء. في الحالة الأولى، يكون الاستصحاب من الأحكام الظاهرية التي تثبت لموضوعاتها بوصف كونها مشكوكة الحكم. أما في الحالة الثانية، فيكون دليلاً ظنياً اجتهادياً يحكم به بناء العقلاء أو العقل، وينظر إلى الحكم الواقعي. (الأنصاري، 1377، ج3، ص14). بعبارة أخرى، في الحالة الأولى، يكون الاستصحاب من الأصول العملية، وفي الحالة الثانية من الأمارات.
وتوجيه الشيخ الأنصاري لعدم تمسك القدماء بروايات الاستصحاب هو أنهم كانوا يعتبرون الاستصحاب حكماً عقلائياً أو عقلياً. (نفس المصدر، ص13). ولكن يبدو أن هذا التوجيه غير صائب، أو على الأقل ناقص. إذ يظل السؤال مطروحاً: لماذا اعتبر القدماء الاستصحاب مبنياً على حكم العقل أو العقلاء، أو بحثوه بهذه الصورة، وليس كأمر مستفاد من الروايات؟ إن كل عالم في أي علم، له عين على مصادر العلم وعين أخرى على مسائله. وما يجده في المصادر، يصوغه في لباس الأدلة، داعماً ومكوناً للمسائل. بعبارة أخرى، كانت الروايات في مرأى الفقهاء والأصوليين ولم يلتفتوا إليها؛ في حين أن دلالتها على حد أدنى من الاستصحاب لا يمكن إنكارها. فلا بد أنهم رأوا إشكالاً في سندها. والإشكال السندي أيضاً، بالقدر اللازم لحجية السند الظني والدلالة الدنيا المذكورة، لا وجود له بناءً على مختلف المباني الرجالية. وبيان إثبات هذا المطلب يستلزم الدخول في مباحث سندية ورجالية تخرج عن نطاق هذا المقال؛ ولكنها ليست خافية على أهل النظر. إذن، المطلب عكس ما يُستفاد من ظاهر كلام الشيخ (رض) هنا. فالقدماء لم يعتبروا الاستصحاب أصلاً عملياً لأنهم لم يروا الاستدلال عليه من الروايات ممكناً؛ بل رأوه قابلاً للبحث والاستدلال من منبع العقل أو بناء العقلاء وكأحد الأمارات. ذلك لأنهم لم يكونوا يرون المباحث الأصولية قابلة للاستدلال بالظنون المستفادة من منبع الروايات.
بناءً على عدم حجية الظنون في أصول الفقه، يمكن أيضاً توجيه عدم التفات القدماء إلى الروايات في سائر المسائل الأصولية المشار إليها. بالطبع، صحة هذا التوجيه لا تعني بالضرورة أن كل أصولي، بمجرد إيمانه بوحدة المسائل الفقهية والمسائل الأصولية في التمسك بالظنون المعتبرة، يتمسك بالروايات بشكل واسع في جميع المباحث الأصولية ومنها الاستصحاب. فعادةً ما تحتاج المباني الهامة والأساسية في أي علم إلى فرص وسياقات تاريخية لتترك أثرها الواسع والمنتظر في ذلك العلم.
6- إعادة قراءة رأي المخالفين
إن كلام السيد المرتضى (رض) المتقدم حول عدم اعتبار الظنون في أصول الفقه مطلق. ومن جهة أخرى، فإن أحد الظنون المعتبرة في الفقه هو ظواهر الألفاظ، والتي تُثبت حجيتها في أصول الفقه. والقرآن من المصادر الهامة والأساسية في الفقه والأصول، وهو قطعي السند، لكن دلالته غالباً ما تكون ظواهر ألفاظه ظنية. ومع ذلك، فإن السيد المرتضى (رض) وسائر المخالفين، مثلهم مثل الموافقين، يستدلون في المسائل الأصولية كما في المسائل الفقهية بظواهر ألفاظ القرآن. ولا نجد موضعاً جديراً بالذكر أُشكل فيه على إثبات مسألة أصولية بظواهر القرآن الكريم، بأن الظواهر ظنية ولا حجة لأي ظن في أصول الفقه.5 إن المقتضى الأولي لرأي السيد المرتضى (رض) وأمثاله، في عدم اعتبار الظنون في أصول الفقه، هو أن يطرحوا مثل هذا الإشكال في مقابل التمسك بظواهر القرآن الكريم؛ لكنهم لم يفعلوا ذلك. على سبيل المثال، في بحث حجية خبر الواحد، نقل السيد المرتضى (رض) وسائر الأصوليين المتقدمين الآيات المشهورة في إثبات حجية خبر الواحد وبحثوها (علم الهدى، 1346، ج2، ص531؛ الحلي، 1403هـ.ق، ص143؛ الحلي، جمال الدين، 1404هـ.ق، ص204)، ولكنهم لم يطرحوا مثل هذا الإشكال.
النقطة المذكورة في التمسك بظواهر ألفاظ القرآن في المسائل الأصولية، تنطبق أيضاً على التمسك بالبناءات العقلائية. فالأصوليون المتقدمون والمتأخرون، يتمسكون كثيراً بالعرف العقلائي في الألفاظ وكذلك العرف العقلائي في علاقات العبد والمولى. مع أن التمسك بالعرف وبناء العقلاء، على الأقل بناءً على جميع الأنظار في حجيته، ليس قطعياً بل هو ظن معتبر بشروط معينة ومقررة؛6 وإن كان، كسائر الظنون المعتبرة، قد يكون قطعياً أحياناً.
وبهذا الترتيب، وبحسب تتبع الكاتب، لم يُعثر على مصداق للرأي الكلي للسيد المرتضى وأتباعه في عدم اعتبار الظنون في أصول الفقه، سوى الأخبار – التي يُشار إليها بعنوان خبر الواحد لكون سندها ظنياً. بعبارة أخرى، إن السيد المرتضى وأتباعه قد طبقوا رأيهم عملياً في أصول الفقه على الأخبار غير الموجبة للعلم فقط، وأثمرت عن تلك الثمرة. ولعل السبب في أن أصحاب هذا الرأي، باستثناء السيد المرتضى (رض) بشكل عام، لم يتناولوه أو على الأقل لم يصرحوا به، بل طبقوه فقط في بعض الموارد على خبر الواحد، هو أن الأخبار ظنية السند هي الوحيدة من بين الظنون المعتبرة في الفقه التي لا تصلح للاستدلال بها في أصول الفقه. وإذا أضفنا إلى هذا الوضع أن السيد المرتضى في الفقه أيضاً لا يقبل حجية خبر الواحد، فإن النتيجة ستكون أن عدم حجية خبر الواحد في الأصول، يتولد بناءً على أدلته المتقدمة. وسيأتي بحث أدلته.
إذا قبلنا بأن عدم اعتبار الظنون المعتبرة في أصول الفقه، يصدق فقط على الأخبار ظنية السند، فإن هذا الاحتمال يتقوى بأن مشكلة أصحاب هذا الرأي ليست كونها ظنية؛ بل المشكلة في النقل غير القطعي لقول المعصوم (ع). ولرفع هذه المشكلة، أو لإثبات حجية خبر الواحد في الاستدلالات الفقهية، فقد سلك الأصوليون منذ القدم طرقاً مختلفة، وبُحثت تحت عنوان أدلة حجية خبر الواحد.
بالنظر إلى مجموع ما قيل، يمكن الاقتراب من هذه النتيجة، وهي أن الطرق المذكورة لإثبات حجية خبر الواحد – والتي هي مصدر السنة غالباً – في نظر السيد المرتضى (رض) وأتباعه، قاصرة في مجال أصول الفقه. وطبعاً، يجب اتخاذ الموقف في هذا الشأن عند طرح الطرق المذكورة وبحثها، حيث لكل منها مكانته في البنية الفعلية لعلم أصول الفقه. وقد جرى هذا البحث عند طرح دليل الانسداد، كما سبقت الإشارة، من قبل البعض. أما عند طرح سائر الطرق في أصول الفقه الموجود، فلا نجد لها أثراً.7
7- دراسة أدلة السيد المرتضى (رض)
كما أشير، في المسألة قيد البحث، تفرد السيد المرتضى (رض) بإقامة الدليل. أما الآخرون، سواء الموافقون أو المخالفون، فربما لم يروا حاجة لإقامة الدليل لوضوح المطلب لديهم. وفي مقام دراسة أدلة السيد المرتضى، يبدو أن هذه الأدلة لا تستطيع إثبات مدعاه؛ وهو ما سنتناوله بالدراسة:
الدليل الأول له هو كون جميع الأدلة في أصول الفقه موجبة للعلم. إن أساس هذا الدليل ينهار بالنظر إلى متن المباحث الأصولية. على سبيل المثال، مباحث الألفاظ الواسعة في علم الأصول هي غالباً لتدوين وتنظيم صغريات حجية ظواهر الألفاظ. والمفاد الكلي لهذه الصغريات هو أن اللفظ الفلاني له ظهور في المعنى الفلاني؛ مثلاً صيغة الأمر لها ظهور في الوجوب. ومعنى الظهور في فرضيات علماء الأصول هو تعيين مراد المتكلم من اللفظ، بظن نوعي. واصطلاح «الظاهر» في مقابل «النص» هو هذا بعينه. ويوجد خلاف في بيان هذا الاصطلاح، ولكن لا خلاف في أن الظن بمراد المتكلم – وإن كان بشروط خاصة – هو أحد مصاديقه. (علم الهدى، 1346، ج1، ص329؛ الطوسي، 1417هـ.ق، ج1، ص407 و408؛ العلامة الحلي، 1404هـ.ق، ص65؛ البهائي، 1381، ص144). بناءً على هذا، فإن الدليل الذي يقام في الأصول في هذا القسم بأن «مراد اللفظ الفلاني هو المعنى الفلاني»، لا يوجب اليقين بهذه القضية، بل يورث الظن بها. وبالطبع، لم يشكك أحد من الأصوليين في حجية هذا الظن بناءً على بناء العقلاء. ولعل التسالم على اعتبار هذا الظن قد أدى إلى الغفلة عن كونه ظنياً.
الدليل الثاني للسيد المرتضى هو عدم وجود دليل قطعي تعبدي على العمل بالظن في أصول الفقه. كما سبقت الإشارة، لا يمكن الحكم في هذا الدليل بشكل كلي. بل يجب التدقيق في كل مورد في أدلة الحجية، هل تشمل المسائل الأصولية أيضاً أم لا؟ سابقاً، أشير إلى بحث الأصوليين حول دليل الانسداد، وهل نتيجته هي حجية الظن بالطريق أم حجية الظن بالحكم أم كلاهما. قلنا إن حجية الظن بالطريق هي نفسها حجية الظن في المسألة الأصولية. ولكن على سبيل المثال، في خبر الواحد، مع كل أهميته وتطبيقاته الواسعة في الفقه والأصول، لم نجد هذا البحث في محله، أي عند دراسة أدلة حجية خبر الواحد.
8- دراسة المسألة في ضوء ماهية المسائل الأصولية
الدليل الثالث، الذي ربما يكون مراد السيد المرتضى منه مؤيداً لا دليلاً، هو عدم ادعاء التصويب في الآراء الأصولية. ووجه إثبات المدعى بهذه النقطة هو أن منشأ القول بالتصويب هو ظن المجتهد بالحكم الشرعي. وبما أنه لا يوجد مثل هذا المنشأ في المباحث الأصولية، لم يجد القول بالتصويب طريقه إليها. ويُستنتج أنه لا طريق للظن في أصول الفقه. ويبدو أن هذه النقطة لا يمكنها بأي وجه إثبات مدعى السيد المرتضى (رض). لأنها، أولاً، جدلية ولا قيمة برهانية لها عند المؤمنين بالمبنى الصحيح للتخطئة. ثانياً، عدم طرح القول بالتصويب في المسائل الأصولية ليس دليلاً على عدم إمكان طرحه. ثالثاً، من الممكن أن تكون أدلة التصويب في نظر القائلين بها قادرة على الإثبات في حدود الأحكام الفقهية؛ لكنها قاصرة في أبعاد أوسع من ذلك. بعبارة أخرى، ملاك أدلة التصويب ليس فقط كون المسألة ظنية، بل كونها فقهية له دخل أيضاً. بناءً على هذا، فإن المسألة الأصولية وإن كانت مظنونة، في نظر أنصار التصويب، لا تشملها أدلة التصويب.
حتى الآن، وفي حدود نقد أدلة السيد المرتضى (رض)، النتيجة الحاصلة هي أنه يجب النظر إلى أدلة الحجية ليتضح هل الظن الأصولي مشمول بها، كما الظن الفقهي، أم لا؟ ولكن السؤال المطروح هو: هل يمكن البحث عن ملاك جامع لشمول أو عدم شمول أدلة حجية الظن للمسائل الأصولية أم لا؟ من المنطقي أن نبحث في ماهية مسائل أصول الفقه مقارنة بماهية مسائل الفقه. لا يمكن التردد في أن مسائل الفقه من الاعتباريات وأن أمرها بيد المعتبر كلياً – وهو الشارع المقدس هنا؛ أو على الأقل هذا مفروض ومسلم به عندنا هنا. أما في مسائل أصول الفقه، فيمكن العثور على أثر لإمكانية الوصول إلى إجابة من هذا الطريق، في كلام السيد المرتضى. فهو في دليله الأول، شبه مسائل أصول الفقه بالمسائل الكلامية – التي يعبر عنها بالاعتقادية. (علم الهدى، 1346، ج1، ص25). إن أدلة التعبد بالظنون لا تجد طريقاً إلى المسائل الكلامية من حيث إن هذه الأدلة مرتبطة بالواجبات والمحظورات الاعتبارية التي يكون أمر إثباتها ونفيها بيد مصدر اعتبارها. أما المسائل الكلامية التي قضاياها من قبيل «هو وليس هو» وناظرة إلى الواقع الخارجي، فلا تقع في دائرة أدلة التعبد. بناءً على هذا، تبرز هذه المسألة الهامة: هل قضايا أصول الفقه، مثل القضايا الفقهية، اعتبارية ومن قبيل الواجبات والمحظورات، أم هي قضايا حقيقية وناظرة إلى الظواهر التكوينية ومن قبيل «هو وليس هو»؟
يمكن تتبع بحث كون مباحث الأصول اعتبارية في كلام بعض الأصوليين المتأخرين الذين أولوا اهتماماً أكبر للفرق بين الإدراكات الاعتبارية والحقيقية. (صرامي، 1385، ص 243). ويُستفاد من بعض كلام العلامة الطباطبائي (رض)، مبتكر تنظيم وتعميق مبحث الاعتباريات في الفلسفة الإسلامية، أن جميع مباحث أصول الفقه اعتبارية. (نفس المصدر، ص 246). كما أن بعض المعاصرين من أهل النظر، بالإشارة إلى ماهية مباحث الأصول في أقسامها المختلفة، لم يروا مجالاً للتردد في كون علم الأصول اعتبارياً: «القسم الأكبر من مسائل الأصول المتعلقة بالدلالة هو اعتبارات صرفة. وقسم آخر من مباحث الأصول كوجوب المقدمة في دائرة العرف العام؛ وقسم آخر من مسائله، كمسألة الأمر بالشيء مقتض للنهي عن ضده، هو في دائرة العرف الشرعي؛ طبعاً إذا لم ننسب هذه المسألة الأخيرة إلى العرف العام. من هنا، لا مجال للتردد في كون علم الأصول اعتبارياً.» (مددي، 1385، ج2، ص 53).
وقد لخص هو أيضاً في تقسيم مبتكر، المحاور الأساسية لعلم الأصول في خمسة محاور: «1. الاعتبارات القانونية؛ 2. مصادر التشريع؛ 3. طرق الوصول إلى مصادر التشريع؛ 4. الظهورات اللفظية؛ و 5. الأصول العملية» (نفس المصدر، ص 74 و 75).
المشكلة هي أنه لا يمكن اعتبار جميع مباحث أصول الفقه اعتبارية. فبعض الأقسام، خاصة مع النطاق الواسع الذي ذكر في الكلام الثاني للمحاور، لا يمكن اعتبارها اعتبارية بأي معنى.8 على سبيل المثال، أهم مباحث المحور الأول عُدت كما يلي: «حقيقة الاعتبارات، ماهية الاعتبارات الشرعية، الآثار والأحكام المترتبة على هذه الاعتبارات، جمع المتماثلين… .» (مددي، 1385، ج2، ص 75). هذه المباحث حول الاعتباريات؛ لكنها نفسها ليست ذات ماهية اعتبارية. وأوضح من ذلك المحور الثاني الذي شُرح هكذا: «المحور الثاني مرتبط بالحجج ومصادر التشريع. بعض الأسئلة التي تُبحث في هذا المحور هي على هذا النحو: «ما هي مصادر التشريع في الإسلام؟ ما هي حقيقة الكتاب؟ ما هي حدود الكتاب؟ ما هي حقيقة وحدود السنة؟ و… .» (نفس المصدر، ص 75 و 76). هذه مباحث حقيقية حول حقائق مثل القرآن والسنة.9
يبدو أن أصول الفقه، كواقع وخارج عن حصر بعض التعريفات والتصنيفات التي تُقدم لمباحثه، يشمل كلاً من المباحث الحقيقية والمباحث الاعتبارية. والمراد بالاعتباري، في هذا الطرح، المباحث التابعة لجعل وقرار مصدر مفروض؛ كالأحكام الشرعية التي يكون تعيينها تابعاً لجعل الشارع. ومباحث الحجج والأصول العملية التي تحدد الحجة على الوظائف العملية، بناءً على هذا، ستكون مباحث اعتبارية. أما المباحث مثل أحكام العقل القطعية، والجمع بين الحكم الواقعي والظاهري، فليست اعتبارية. في هذه الحالة، يمكن استنتاج أنه في المباحث الاعتبارية، يوجد إمكانية لاعتبار الأدلة الظنية. أما في المباحث الحقيقية، كمباحث الكلام في أصول الدين، فإن الاعتبار والحجية لا معنى محصلاً لهما.
بناءً على هذا، ستكون النتيجة النهائية أنه في قسم الاعتباريات من علم الأصول، يوجد إمكانية للتمسك بالأدلة الظنية. وفي هذا القسم، يجب الرجوع إلى أدلة حجية هذه الأدلة الظنية. فإذا كانت أدلة حجيتها تشمل المسائل الأصولية أيضاً، فسيكون التمسك بها في أصول الفقه ممكناً. مثلاً، يجب إعادة قراءة أدلة حجية خبر الواحد، هل يمكن لكلها أو لبعضها أن يُستخدم لإثبات المسائل الأصولية أم لا؟ هذا هو العمل الذي تم إنجازه في أصل البحث الذي استُل منه هذا المقال. أما في أقسام أصول الفقه التي نواجه فيها إدراكات حقيقية، مثل مسألة اجتماع الأمر والنهي، فلا مكان للتعبد بالأدلة الظنية.
الهوامش
- هذا المقال مستلّ من بحث يجري إعداده في معهد الفقه والحقوق، قسم العلوم ذات الصلة بالفقه، تحت عنوان «مصادر وأدلة أصول الفقه».
- «اللهم إلا أن يقولوا جوّزوا أن يكلّف الله تعالى من ظنّ بأمارة مخصوصة…». وانظر أيضاً: ص 156 و 157.
- أبواب المقدمات، 6 – باب ما يعالج به تعارض الروايات… .
- ينقل صاحب «أوثق الوسائل» عن البعض أنهم في التمسك بآية النبأ، لإثبات حجية خبر الواحد، أشاروا إلى كون دلالة الآية ظنية، واعتبروه إشكالاً على الاستدلال بالآية. ولكنه هو نفسه يرد هذا الكلام بوصفه «ضعيف جداً». راجع: موسوي تبريزي، موسى بن جعفر: أوثق الوسائل في شرح الرسائل، كتبي نجفي، قم، 1369، ص 78. ولعل مراده من صاحب هذا القول أو ناقله هو صاحب القوانين؛ لأنه يقول في هذا المقام: «ثم إن هذا الاستدلال إنما ينهض على من جوز العمل بالمفاهيم وبالظن الحاصل من الظواهر في مسائل الأصول…». (راجع: قمي، ميرزا أبو القاسم: قوانين الأصول، إسلامية، طهران، 1378 ق. ج 1، ص 434).
- الذين مثل الشيخ محمد حسين الأصفهاني (رض) يعتبرون سيرة العقلاء هي نفسها الحكم العقلي العملي في المشهورات بالاصطلاح المنطقي، يعدونها عقلية قطعية. أما الذين يعتبرون حجية سيرة العقلاء مبنية على معاصرة السلوك أو الارتكاز العقلائي لزمن الشارع ثم إثبات إمضاء الشارع له، فإنهم يفتحون الباب لدخول الظن إليه؛ سواء من جهة إثبات المعاصرة التي قد تكون بناءً على نكتة الاستصحاب القهقرائي، أو من حيث الدلالة السكوتية على موافقة الشارع. (راجع: بحوث في الأصول، ج 4، ص 234).
- لقد تناولنا هذا الأمر الهام في أصل البحث الذي استُل منه هذا المقال.
- انظر المعاني الاعتبارية في هذه المصادر: الطباطبائي: نهاية الحكمة، بلا تاريخ، ص 227 وما بعدها؛ ومصباح اليزدي: 1405، ص 388 وما بعدها.
- هذه المباحث والموضوعات حتى بالمعنى الذي ذكروه هم للاعتباري، لا يمكن أن تكون اعتبارية؛ وإلا لكانت جميع العلوم اعتبارية. (انظر: نفس المصدر، ص 52 وما بعدها).