تحليلٌ للحكومة في باب التعارض

ملخص

يكشف الشيخ الأنصاري في تحليله للعلاقة بين بعض الأدلة النقلية، مثل تقديم قاعدة لا ضرر على أدلة الأحكام الواقعية، أو تقديم أدلة الأمارات الظنية على أدلة الأصول العملية، عن علاقة جديدة باسم «الحكومة» لم تكن مطروحة قبله. يتضح من عبارات الشيخ أنه يعتبر الحكومة من أقسام الجمع العرفي، والتي مع استقلالها عن سائر الأقسام، تُقدَّم عليها عرفًا. وقد رحب معظم الفقهاء والأصوليين المتأخرين بهذا المصطلح واستخدموه؛ ولكنهم لم يبحثوا في الحكومة بشكل مستقل، ولا حتى الشيخ الأنصاري نفسه؛ بل ناقشوا مباحثها وضوابطها بشكل متفرق، لدرجة أن هذا التشتت يمكن رؤيته حتى في كلمات الشهيد الصدر، على الرغم من اهتمامه باستقلال هذا البحث. تهدف هذه المقالة، بالإضافة إلى تنظيم بحث الحكومة، إلى إثبات إمكانية توسيع نطاق الحكومة إلى ما هو أبعد من ادعاء الشيخ الأنصاري، كما فعل المحقق النائيني، وذلك من خلال دراسة المعايير والمزايا المذكورة للحكومة.

مقدمة

۱ – ضرورة المسألة

لمصطلح «الحكومة» في علم الأصول استخدامان: الحكومة في باب الانسداد، والحكومة في باب التعارض. في باب الانسداد، يرى منكرو حجية الظن الخاص، والمشتهرون بأصحاب الانسداد، أن مطلق الظنون حجة مع انسداد باب العلم والعلمي؛ ولكنهم يختلفون في أن نتيجة دليل الانسداد هي الكشف أم الحكومة. معنى «الانسداد الكشفي» هو أن العقل يكتشف بمقتضى دليل الانسداد، المتشكل من مقدمات متعددة، أن الشارع المقدس نفسه قد حكم بحجية مطلق الظن في فرض الانسداد؛ خلافًا للانسداد الحكومي الذي يرى العقل بمقتضى مقدماته، أن العمل بمقتضى كل ظن منجز ومعذر.

في باب التعارض، يعد مصطلح الحكومة بيانًا لحل تعارض الأدلة المتنافية ظاهرًا. حكومة باب التعارض ليست مفيدة فقط في تعديل وترجيح الأحاديث المتعارضة ظاهرًا، بل لها تطبيقات في بعض مباحث علم الأصول أيضًا. ومع ذلك، على الرغم من اهتمام الأصوليين المتأخرين بالحكومة اهتمامًا جادًا، فإن التحقيق في هذه المسألة لم ينل تنظيمًا جيدًا، ومباحثها متفرقة وتُطرح في كل بحث بما يناسبه. حتى الشهيد الصدر الذي اهتم بتنظيم وتبويب هذه المسألة، طرح بعض مسائل وفروع الحكومة في أبواب أخرى من علم الأصول.

الإشكال الآخر في الحكومة هو عدم وجود تعريف جامع ومانع لها؛ حيث إن الشيخ الأنصاري الذي ابتدع هذا المصطلح، لم يوضح ضابط الحكومة بشكل جيد، بل يوجد في بعض كلماته تناقض بين تعريف الحكومة والعناوين التي يضيفها لأقسامها.

۲ – سابقة البحث

مع أن حكومة باب التعارض اشتهرت منذ زمن الشيخ الأنصاري وعلى يده، إلا أنه ليس من المستبعد أن يكون الفقهاء قبل الشيخ قد استفادوا من حقيقة الحكومة. في هذا الصدد، يمكن الاستشهاد بما يلي: كان الميرزا الرشتي والشيخ الأنصاري يحضران درس صاحب الجواهر؛ وكان المرحوم الشيخ يجلس في صدر الدرس احترامًا له. في إحدى الجلسات، وفي مسألة فقهية، قام صاحب الجواهر بتقديم بعض الأدلة المتعارضة على بعضها الآخر وحل التعارض دون استخدام التخصيص والتقييد وما شابه ذلك. بعد انتهاء الدرس، سأل الميرزا المرحوم الشيخ عن وجه هذا الجمع، فأجاب: «كانت نكتة التقديم هي الحكومة، ولكن صاحب الجواهر نفسه لم يلتفت إليها وعمل بمقتضاها بذهنه العرفي».

لم يكن فقهاء عصر الشيخ الأنصاري وحدهم، بل إن الفقهاء المتقدمين أيضًا كانوا يحكّمون دليلاً على دليل آخر لحل التعارض. وفقًا لما نقله كتاب مطارح الأنظار (الكلانتري، ١٣٨٣، ج٤، ص٤٢٣)، ينسب الشيخ الأنصاري حقيقة الحكومة بل ومصطلحها إلى الشيخ الصدوق، ويعتبر التأمل في كلماته سببًا لإدراك هذه الحقيقة. نص عبارة الشيخ الصدوق في كتاب الاعتقادات (ابن بابويه، ١٤١٤، ص١١٤) هو: «اعتقادنا في الحديث المفسِّر أنه يحكم على المجمل، كما قال الصادق (ع)». وكذلك، حسب تقرير آية الله الشبيري الزنجاني، أورد المرحوم الصدوق هذه العبارة في أربعة مواضع من كتاب من لا يحضره الفقيه؛ ولكن يبدو، كما احتمل الفاضل التوني (التوني، ١٤١٥، ص٣٣٢) وآية الله الزنجاني (دروس خارج فقه، ١٣٩١/١١/١٨)، أن مقصود الشيخ الصدوق بـ«الحكومة» لم يكن المصطلح المعروف، بل كان مدعاه تقديم الحديث المفسِّر على الحديث المجمل، بغض النظر عن كون وجه التقديم تخصيصًا أم حكومة. بعبارة أخرى، كان مقصود الشيخ الصدوق عدم جواز الاستناد والاستدلال بالحديث المجمل، إلا إذا فسره حديث آخر؛ ولكنه لم يذكر شيئًا عن كيفية التفسير ووجه التقديم.

على كل حال، باستثناء عدد قليل من الأصوليين مثل المحقق الإيرواني، فقد قبل المتأخرون هذا المصطلح الذي وضعه المرحوم الشيخ واستخدموه؛ وإن اختلفوا في تحديد التعريفات وتشخيص الأقسام. ومن بينهم، وسّع المحقق النائيني نطاق الحكومة أكثر من غيره في المصاديق، واعتبر تقديمات من أقسام الحكومة قد لا يكون لها جامع مشترك مع سائر أقسامها.

كما مر، لم يتم التحقيق في حكومة باب التعارض بشكل موسع ومركّز في معظم آثار المتأخرين. بالطبع، وفقًا لتقرير آقا بزرك الطهراني (طهراني، ١٤٠٨، ج١١، ص١٤٩؛ نفسه، ج١٦، ص٣٢٩)، تم تدوين أثرين مستقلين بعنوان «فصل الخصومة في الورود والحكومة» تأليف الميرزا محمد باقر الخميني العراقي و«رسالة في تعارض الأدلة وبيان الفرق بين الورود والحكومة» للشيخ محمد هادي الطهراني، ولكن للأسف لم يصل أي منهما إلينا.

في دراسات المعاصرين أيضًا، يفتقر بحث الحكومة إلى الاستقلال والانسجام اللازمين، وبين الأصوليين باستثناء الشهيد الصدر (الهاشمي، ١٤١٧، ج٧، ص١٦٥) والسيد سعيد الحكيم (حكيم، ١٤٢٨، ج٢، ص٥٣٤)، لم يخصص أحد فصلاً مستقلاً لدراسة الحكومة. ومن بين المقالات الأصولية، لا يُرى بحث مستقل وجامع، ومقالات مثل «ابتكارات الشيخ الأنصاري» (مخلصي، ١٣٧٣، ص٧٥) و«أساليب رفع التعارض من أدلة الاستنباط» (راغبي، ١٣٨٢، ص٧٥) تناولت مسألة الحكومة بشكل محدود جدًا وضمن مباحث أخرى.

الميزة الأساسية للمقالة الحالية هي الدراسة المستقلة والكاملة لبحث الحكومة، وقد حاولت من خلال جمع التوضيحات المتفرقة، تنظيم المسائل والخلافات الموجودة في البحث بشكل مستقل ومنطقي.

موضوع المسألة

قوبل ابتكار الشيخ الأنصاري في وضع مصطلح «الحكومة» بردود فعل متباينة؛ من أولئك الذين أنكروا أصل فصل الحكومة عن سائر أقسام الجمع العرفي، إلى أولئك الذين قبلوها ولكن عرفوها بشكل أضيق من ادعاء الشيخ الأنصاري، أو وسعوها إلى أبعد من ادعائه. يمكن حصر مجمل وجهات النظر الموجودة في تعريف الحكومة في خمسة آراء:

۱. لا ينبغي تمييز الحكومة عن الأقسام الأخرى؛ بل يجب اعتبارها من تطبيقات «الأظهر والظاهر» (الإيرواني، ۱۳۷۰، ج۲، ٢٤٣)؛

۲. قوام الحكومة بوجود مطلق النظارة التفسيرية، وإن لم تكن شخصية. وقد أكد صاحب العروة على هذا الرأي بتقسيم الحكومة إلى قسمين: قصدي وقهري (اليزدي، ١٤٢٦، ص٥٤)؛

۳. ميزة الحكومة هي وجود مطلق النظارة الشخصية، وإن لم تكن تفسيرية. وقد اختار المحقق النائيني هذا الرأي بتعميم الحكومة إلى الحكومة الواقعية والظاهرية (النائيني، ١٣٧٦، ج٣، ص١٩)؛

٤. يرى الشيخ الأنصاري والشهيد الصدر أن ميزة الحكومة تكمن في وجود النظارة التفسيرية الشخصية، وإن كانت صريحة (الكلانتري، ۱۳۸۳، ج٤، ص٤١٢؛ الهاشمي الشاهرودي، ١٤٢٦، ج٧، ص١٦٥)؛

٥. في بعض كلماته، خصص صاحب العروة ميزة الحكومة بالنظارة الشخصية والتفسيرية غير الصريحة (اليزدي، ١٤٢٦، ص٥٩).

العلاقة القائمة بين الخطابات التي يختلف مدلول كل منها عن الآخر لا تخرج عن ثلاث حالات: إما أن تكون علاقة تخصص مثل «صلِّ وصُمْ»، أو «صلِّ في المسجد ولا تصلِّ في الحمام»؛ أو علاقة جمع عرفي حاكم، مثل «صلِّ ولا تصلِّ في الحمام»؛ أو علاقة تكاذب وتعارض مستقر، مثل «صلِّ ولا تصلِّ».

يضيف الشيخ الأنصاري في تحليل وحل التنافي الظاهري بين بعض الخطابات قسمين آخرين، ويعتبرهما مانعين من وقوع التعارض:

۱. الورود: مجرد تعبد واعتبار من المولى أو المشرع له أثر تكويني وعقلي؛ أي أنه يسبب حقيقةً وعقلاً تغيير عدد مصاديق موضوع الدليل المورود، فينقص منه مصداق أو يضاف إليه.

۲. الحكومة: يعدها الشيخ الأنصاري من أقسام الجمع العرفي ويعتقد أن ميزة الحكومة وتفوقها على سائر أقسام الجمع العرفي هي «النظارة الشخصية التفسيرية». وبالطبع لا يتفق المتأخرون على هذا الضابط الذي وضعه المرحوم الشيخ.

يمكن تلخيص الخلافات الموجودة في ضابط الحكومة في ثلاثة معايير:

المعيار الأول: النظارة الشخصية التفسيرية

يمكن الاستظهار من كلمات الشيخ الأنصاري – مع وجود اختلافات فيها – أنه يرى المعيار الأول بشكل مطلق هو ضابط الحكومة (الأنصاري، ١٤٢٨، ج٢، ص٤٦٢؛ نفسه، ج٣، ص٣١٤؛ نفسه، ج٤، ص١٣؛ الكلانتري، ۱۳۸۳، ج٤، ص٤١٢). المقصود بالنظارة الشخصية لخطاب على خطاب آخر هو الظهور اللفظي للخطاب الناظر في التفسير، ومن وجهة نظر العرف، يدل إما نفس الخطاب بحسب ظهوره الأولي ومدلوله المطابقي (حيث استخدمت أدوات التفسير) أو بمقتضى ظهوره الثانوي (الذي يتشكل لتجنب محذور اللغوية أو لمناسبة الحكم والموضوع) على أن غرض المتكلم من هذا الخطاب هو مجرد تفسير خطاب أو حكم آخر؛ خلافًا لأقسام الجمع العرفي الأخرى مثل التخصيص، حيث يكون للخطاب الخاص ظهور حالي في النظارة؛ أي أن نفس الخطاب الخاص ليس له أي ظهور أو دلالة (حتى على نحو الظهور الثانوي) على قصد تفسير الخطاب العام، بل ظاهره هو بيان مستقل وقصد جعل حكم جديد. لكن مراعاة النقطتين التاليتين تؤدي إلى أن يرفع العرف يده عن الظهور الأولي للخطاب الخاص ويحمله على قصد تفسير الخطاب العام:

۱. يجعل العرف العقلائي الكلام الخاص مفسِّرًا للكلام العام؛

۲. الظاهر من حال كل متكلم في المحاورات العرفية هو اتباعه للعرف، وأنه لم يضع طريقة جديدة في بيان مقاصده. لذلك، نعتبر خطاب كل متكلم الخاص مفسِّرًا لخطابه العام.

وقد وضع الشهيد الصدر، بقبوله هذا المعيار، مصطلحًا جديدًا، وسمى القرينية والنظارة في الحكومة «النظارة الشخصية»، والقرينية والنظارة في سائر أقسام الجمع العرفي «النظارة النوعية» (الهاشمي الشاهرودي، ١٤٢٦، ج٧، ص١٦٥). بهذه التوضيحات، يتضح أن القرينة الشخصية والنوعية مشتركتان من حيثيتين:

۱. من حيث الكبرى: جعل كلا القسمين مفسِّرًا هو المتعارف عند العرف؛ أي أن كلا القسمين يُعتبران قرينة عرفية، ويستخدم العرف العقلائي كلا الأسلوبين كقرينة وتفسير؛

۲. من حيث الصغرى: يحمل العرف استعمالهما على قصد التفسير؛ أي عندما يرى أن المتكلم قد استخدم أحد هذين الأسلوبين، يستظهر أن غرضه من هذا الاستعمال هو جعل أحدهما مفسِّرًا للآخر.

الفرق الوحيد بين القرينية الشخصية والنوعية يكمن في مستند الاستظهار، وهو قصد التفسير؛ لأن العرف المخاطب في القرينة الشخصية يستظهر غرض المتكلم من نفس كلامه وعلى أساس أصالة الظهور؛ ولكن في القرينة النوعية، ليس من نفس الكلام، بل من ظاهر حال المتكلم وعلى أساس أصالة تبعية المتكلم للمحاورات العرفية، يكتشف قصده؛ لأنه يعلم أن المتكلم يستخدم مثل هذه الأساليب كقرينة كما يفعل العرف. بعبارة أخرى، يمكن تلخيص الفارق بين القرينة الشخصية والنوعية في الحمل والتحميل: في القرينة الشخصية، مستند الاستظهار هو حمل العرف؛ لأن نفس مدلول الكلام لا يمنع من حمله على قصد التفسير؛ ولكن في القرينة النوعية، مستند الاستظهار هو تحميل العرف؛ لأنه على الرغم من أن نفس مدلول الكلام لا يتوافق مع قصد التفسير، فإن العرف يحمِّل عليه كونه مفسِّرًا على الرغم من ظهوره الأولي (الكلام).

في توضيح المعيار الأول للحكومة، يجب أن نضيف أن عمل النظارة التفسيرية يكون على نحوين: إذا كان الخطاب الحاكم ناظرًا إلى التوسعة في عنوان أُخذ في موضوع حكم آخر، تسمى الحكومة إيجابية أو تعميمية؛ وفي حال كان الخطاب الحاكم ناظرًا إلى تضييق موضوع حكم آخر، تسمى حكومة سلبية أو تضييقية، وهي تشبه التخصيص لبًّا.

«والمراد بالحكومة: أن يكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي متعرضًا لحال دليل آخر من حيث إثبات حكم لشيء أو نفيه عنه» (الأنصاري، ١٤٢٨، ج٢، ص٤٦٢)… «ومعنى الحكومة أن يحكم الشارع في ضمن دليل بوجوب رفع اليد عما يقتضيه الدليل الآخر لولا هذا الدليل الحاكم، أو بوجوب العمل في مورد بحكم لا يقتضيه دليله لولا الدليل الحاكم» [وحاصله: «تنزيل شيء خارج عن موضوع دليل منزلة ذلك الموضوع في ترتيب أحكامه عليه، أو داخل في موضوعه، منزلة الخارج منه في عدم ترتيب أحكامه عليه»] (الأنصاري، ١٤٢٦، ج٣، ص٣١٤).

الحكومة السلبية هي الأكثر شهرة في المحاورات العلمية والمدونات الأصولية، حتى إنهم عندما يريدون توضيح الفرق بين الورود والحكومة بشكل إجمالي، يضعون الحكومة السلبية في مقابل الورود ويقولون: «على الرغم من أن الخروج في كليهما موضوعي، وبهذا القدر يختلفان عن التخصيص الذي هو خروج حكمي، فإن الخروج في الورود هو خروج فرد من الموضوع حقيقي وتكويني؛ ولكن في الحكومة، خروج فرد من الموضوع ادعائي وتعبدي» (هيثم، ١٤٢٤، ص٣٥٥).

من التوضيحات التي قُدمت حول النظارة الشخصية، يتضح أن ثلاث مجموعات من العلاقات الإثباتية التي تُتصور في باب التعارض بين الخطابات المتعددة والمختلفة، تخرج عن تعريف النظارة الشخصية التفسيرية:

۱. الموارد التي لا يكون فيها لأي من الدليلين أي نوع من النظارة، ولو نوعية، على الآخر. أحيانًا بالمقارنة بين دليلين يتبين أنه لا توجد بينهما أي نوع من النظارة؛ أي أن العرف لا يستظهر من نفس الخطابين أنهما صدرا متفرعين على لحاظ الخطاب الآخر، ولا يستنتج من ظاهر حال المتكلم أن قصده تفسير الدليل المقابل. ٢. التخصص والورود والتعارض المستقر هي الحالات الثلاث التي تندرج ضمن هذه الفئة الثانية.

۲. الموارد التي يكون فيها لأحد الخطابين نظارة تفسيرية غير شخصية على الآخر؛ أي أن جميع أقسام الجمع العرفي التي لا تكون قرينيتها شخصية، تخرج عن الحكومة؛ مثل العام والخاص، والمطلق والمقيد، والنص والظاهر، والأظهر والظاهر، والتوفيق العرفي.

۳. الموارد التي يكون فيها لخطاب نظارة شخصية غير تفسيرية على حكم آخر؛ مثل موارد جعل الحكم الظاهري وجعل الحكم المماثل، والتي سيتم توضيحها في المستقبل.

أولئك الذين يعتبرون المعيار الأول فقط ضابطًا للحكومة، يختلفون في سعته وضيقه: «هل جميع أقسام النظارة الشخصية التفسيرية من موارد الحكومة، أم يجب استثناء بعض الأقسام؟» من بين أقسام النظارة الشخصية التفسيرية، هناك ثلاثة أقسام محل نقاش:

۱-۱ – الحكومة التفسيرية

الدليل الناظر الذي يظهر بنفسه وبلفظه في التفسير، إما أن يكون ناظرًا إلى تفسير «خطاب» آخر أو ناظرًا إلى تفسير «مدلول خطاب» آخر. القسم الأول هو حيث يكون أحد الخطابين ناظرًا إلى الدلالة الاستعمالية للدليل الدال على حكم آخر؛ أي أن له ظهورًا عرفيًا في أن المولى قد لاحظ في رتبة سابقة خطابًا من خطاباته، وبيّن هذا الخطاب الثاني بهدف تفسير مراده الاستعمالي من الخطاب السابق. هذا يحدث في الموارد التي يستخدم فيها المولى صراحة ولفظًا أدوات تفسير مثل «أي وأعني» أو تعابير مثل «وليكن ذلك عالمًا عادلاً» أو «وأريد من ذلك كذا». هذا القسم، الذي هو تفسير لبًّا ولسانًا، كما أوضحه المرحوم الخوئي (الخوئي، ١٤٢٢، ج١، ص٦٢٨)، ينقسم إلى قسمين؛ لأن الجهة من جهات الخطاب الأول، التي يكون الخطاب الناظر في مقام تفسيرها، لها صورتان: إما أن يكون ناظرًا إلى الدلالة الاستعمالية للخطاب المحكوم، وبيان سعة وضيق مراد المتكلم الاستعمالي في الخطاب الأول؛ أو أن يكون ناظرًا إلى تعيين جهة صدور الخطاب الأول، هل صدر بقصد التقية أم في مقام بيان الحكم الواقعي.

القسم الثاني هو في الموارد التي يكون فيها الخطاب الناظر ناظرًا إلى تفسير كبرى الحكم المستفاد من خطاب آخر، بغض النظر عن الدليل الدال على الحكم المذكور وكيفية انكشافه؛ أي أن الخطاب الثاني يظهر في العرف في تبيين الحد الواقعي للحكم الآخر، ولا فرق في أن يكون ذلك الحكم من سنخ الأحكام الواقعية أو من نوع الأحكام الظاهرية. على هذا الأساس، لا يعتبر العرف الخطاب الناظر من قبيل الجمل الإنشائية الطلبية التي هي في مقام بيان جعل حكم جديد؛ بل يعتبره من سنخ الجمل الخبرية التي يقصد بها المولى فقط بيان سعة أو ضيق عنوان أُخذ في موضوع حكم آخر.

أما بالنسبة للقسم الثاني، فإنه لا شك في كونه من مصاديق الحكومة، بغض النظر عن الاختلاف في بعض جزئياته وأقسامه. ويصطلح المتأخرون على هذا القسم «الحكومة الواقعية»؛ لأن غرض المولى من الدليل الحاكم هو مجرد تفسير الحد الواقعي للأحكام الأخرى (سواء كانت أحكامًا واقعية أم ظاهرية)؛ أي تعريف سعة أو ضيق العنوان المأخوذ في موضوع تلك الأحكام في عالم الجعل.

أما عن القسم الأول، فيقال إن المرحوم الشيخ قد عدّه صراحةً في مطارح الأنظار من أقسام الحكومة (الكلانتري، ١٣٨٣، ج٤، ص٤١٢ و٤١٤)، وسماه المعاصرون الحكومة الشارحة (النائيني، ١٣٧٦، ج٤، ص٥٩٣)، أو التفسيرية (الهاشمي الشاهرودي، ١٤٢٦، ج٤، ص٣٢٧)، أو البيانية (الحكيم، ١٤١٤، ج٦، ص٦٤). في المقابل، يمتنع صاحب العروة عن تسمية الحكومة التفسيرية حكومة، ويسميها وفق مصطلحات علم النحو «جملة مفسِّرة» (اليزدي، ١٤٢٦، ص٥٩؛ ابن هشام، ١٤٠٤، ج٢، ص٣٣٩). يبدو أن مخالفة صاحب العروة في هذا النزاع اللفظي لا مبرر لها؛ لأنه بعد أن اعتبرنا معيار الحكومة هو الدلالة اللفظية للخطاب على التفسير، لا وجه للقول بالتفكيك والتضييق وإخراج الخطابات التي هي نص في التفسير بلا كناية.

۱-۲ – الحكومة التنزيلية السلبية

الخطاب الناظر الذي ظاهره في التفسير، من حيث الصياغة الظاهرية، يستخدم أحيانًا صياغة التنزيل والتعبد بدلاً من أدوات التفسير. على سبيل المثال، يستخدم المولى لبيان ضيق موضوع وجوب إكرام العلماء، كنايةً بلسان «العالم الفاسق ليس بعالم». يطلق معظم المعاصرين (اقتداءً بالمحقق النائيني والمرحوم الخوئي) على هذا القسم اسم «التصرف في عقد الوضع» (النائيني، ١٣٧٦، ج٣، ص٢٦٢؛ الخوئي، ١٤٢٢، ج٢، ص٤٢٠؛ الروحاني، ١٤١٣، ج٢، ص٤٨). ويصف الشهيد الصدر، بتسميته «الحكومة التنزيلية»، الدليل الحاكم بأنه «لبًّا تفسير ولسانًا حكومة» (الهاشمي الشاهرودي، ١٤٢٦، ج٤، ص٣٧٢)؛ لأن المتكلم في تفسير حكم آخر يستعين بأسلوب الحقيقة الادعائية (التي يسميها المحقق الخراساني «المجاز السكاكي»)، ويجعل صياغة التنزيل كناية عن تفسير المنزل عليه.

في الحكومة الواقعية التنزيلية، تتحقق عملية تشكل الحكومة في ثلاث مراحل: في المرحلة الأولى، يكون الخطاب الحاكم بحسب ظهوره الأولي ومدلوله المطابقي، ناظرًا إلى مرحلة تطبيق الكبرى، ونافيًا أو مثبتًا للوجود الخارجي لموضوع حكم آخر في عالم الخارج؛ أي يخبر بأن موضوع حكم الدليل الآخر ينطبق على أي عناوين أو لا ينطبق. في المرحلة الثانية، لدينا علم خارجي بأن هذا الانطباق أو عدم الانطباق بالمعنى الحقيقي كاذب ومخالف للواقع. على سبيل المثال، في الإخبار عن انطباق «ولد العالم عالم»، قطعًا ليس «ولد العالم» مصداقًا حقيقيًا لعنوان «عالم»، أو في الإخبار عن عدم انطباق «الفاسق ليس بعالم»، لا شك أن الفرد العالم الفاسق من المصاديق الحقيقية لعنوان «عالم». لذلك، فإن الخطاب الحاكم بسبب دلالة الاقتضاء وللحفاظ على الكلام من الكذب، يكتسب ظهورًا ثانويًا في التنزيل والاعتبار الادعائي. نتيجة لذلك، يظهر الخطاب الحاكم عند العرف في أن المولى بهذا الخطاب، بصدد بيان جعل مصداق تعبدي لعنوان ليس هو مصداقًا حقيقيًا للموضوع، أو سلب مصداق تعبدي عن عنوان هو عقلاً وعرفًا مصداق للموضوع.

في النهاية وفي المرحلة الثالثة، يكتسب التنزيل المذكور عرفًا ظهورًا ثالثًا في النظارة التفسيرية لحكم آخر؛ أي يستظهر العرف أن هذا اللسان وهذه الصياغة التنزيلية وقعت فقط في عالم الاستعمال، وليس لنفس التنزيل موضوعية وليس هو مقصود المولى؛ بل الغرض النهائي للمولى من هذه الصياغة والتنزيل هو كناية عن تفسير وبيان الحد الواقعي للعنوان المأخوذ في موضوع حكم أو أحكام شرعية أخرى، وفي هذا الخطاب الحاكم، يُعتبر المنزل عليه وطرف الاعتبار.

من بين أقسام الحكومة التنزيلية، ما وقع محل بحث هو خصوص الحكومة التنزيلية السلبية التي تضيق موضوع حكم آخر بلسان التنزيل.

مرَّ سابقًا أن هذا القسم من الحكومة أكثر شهرة من سائر الأقسام، وهو لبًّا وروحًا متماثل مع التخصيص، وفارقهما الوحيد هو صياغتهما الظاهرية؛ لأن المولى لتخصيص وتضييق قوانينه، إما أن ينقض قانونه العام بصراحة ودون مواربة ويضع له تبصرة، أو يستثني منه بكناية وبلسان ناعم ومسالم.

«لسان الحاكم لسان الصلح لا الخصومة ولذا لا يحتاج في تقديمه إلى واسطة من عقل أو غيره بخلاف التخصيص، فإنّ الخاص لا يبين العام بلفظه بل العقل يجعله مبينا له ويرفع الخصومة بينهما» (اليزدي، ١٤٢٦، ص٦٧؛ السيستاني، بي تا، ص۳۷).

يرد الشهيد الصدر، بتسميته الحكومة السلبية التنزيلية بـ«حكومة ميرزائية»، على الميرزا النائيني بإشكال انعكس في تقريراته ببيانين مختلفين:

البيان الأول: إشكال كبروي على أصل اعتبار الحكومة التنزيلية التضييقية حكومة

يدعي الشهيد الصدر أن «نفي الحكم بلسان نفي الموضوع» يجب أن يُعد من أقسام الورود، ولكنه من قبيل الورود الادعائي؛ لأن «الورود» هو إنشاء تعبدي رافع حقيقي لموضوع أحكام أخرى، ويوجب خروج بعض العناوين التي كانت سابقًا وقبل صدور التعبد داخلة في الموضوع، خروجًا حقيقيًا. لا فرق في أن يحدث هذا الخروج الحقيقي من الموضوع بصورة واقعية وجدانية أو على نحو الحقيقة الادعائية، كما يعد السكاكي «زيدٌ أسدٌ» من قسم الحقيقة الادعائية. لذا، فإن تسميتها حكومة من المصطلحات غير الصحيحة للميرزا النائيني، وبهذا الاعتبار يمكن تسميتها «حكومة ميرزائية» أيضًا (الهاشمي الشاهرودي، ١٤٢٦، ج٦، ص٣٤١).

البيان الثاني: إشكال صغروي على بعض تطبيقات الحكومة التنزيلية التضييقية

هذه المناقشة الصغروية التي وردت بشكل متفرق في كلمات الشهيد الصدر، تتضح بمقدمة: يذكر هو لمصطلح «الورود» معنيين (الهاشمي الشاهرودي، ١٤٢٦، ج٧، ص٤٩):

۱. الورود بالمعنى الخاص، هو التعبد النافي أو المثبت الحقيقي لموضوع أحكام أخرى؛ أي أن المولى أو العقلاء يقومون بجعل أو اعتبار يوجب أن عنوانًا لم يكن يُحسب قبل هذا التشريع والتعبد من مصاديق موضوع الحكم، يدخل حقيقةً (عرفًا وعقلاً) في الموضوع؛ أو أن فردًا كان يُعد قبل هذا التعبد من الأفراد الحقيقيين للموضوع، يُسلب المصداقية وجدانًا ويخرج من الموضوع. الدليل المتكفل ببيان هذا التعبد يسمى «الدليل الوارد»، والدليل المتضمن لحكم تتغير أفراد موضوعه يسمى «الدليل المورود».

التخصيص والورود التضييقي (التعبد الرافع الحقيقي للموضوع) على الرغم من تشابههما الكبير، يختلفان. في التخصيص، خروج العنوان من الموضوع حقيقي ولا يحتاج إلى تعبد، بل بتعبير الشهيد الصدر غير قابل للتعبد؛ ولكن في الورود التضييقي، يقع الخروج الحقيقي من الموضوع بواسطة التعبد.

۲. الورود بالمعنى العام، هو مطلق الدخول الحقيقي للعنوان في الموضوع، أو الخروج منه، سواء كان منشأ هذا الانطباق أو الارتفاع الحقيقي تعبدًا وتنزيلاً، وهو نفس الورود بالمعنى الخاص (ويمكن تسميته ورودًا ادعائيًا)؛ أو كان هذا الانطباق أو الارتفاع الحقيقي صادقًا دون الحاجة إلى تعبد من المولى والعقلاء، وهو ما يطلق عليه «التخصص».

ينسب الشهيد الصدر إلى الميرزا النائيني أنه عرف الحكومة التنزيلية بالمعنى الأعم (أي التعبد الرافع الحقيقي لموضوع حكم آخر، سواء كان رافعًا حقيقيًا واقعيًا أم رافعًا حقيقيًا ادعائيًا)، ونتيجة لذلك، اعتبر الورود بالمعنى الخاص من أقسام الحكومة التنزيلية السلبية. ثم يورد الشهيد الصدر بهذا الانتساب إشكالاً على النائيني بأن الحكومة التنزيلية منحصرة في الفرض الذي يكون فيه التعبد رافعًا ادعائيًا وتعبديًا للموضوع، ولا ينبغي إدخال التعبد الرافع الحقيقي والوجداني للموضوع في الحكومة (عبد الساتر، ١٤١٧، ج٤، ص٤٦٥).

يبدو أن البيان الأول من الأساس هو تقرير خاطئ؛ لأن القدر المتيقن من الحكومة هو هذا القسم من «نفي الحكم بلسان نفي الموضوع»، واعتباره حكومة ليس فقط لا يخالف الاصطلاح، بل إن تسميته ورودًا ادعائيًا هو الغريب، ومجرد تشابه الحكومة التنزيلية السلبية بالورود السلبي لا يمكن أن يكون دليلاً على تسميتها ورودًا. إذا كان علينا أن نسمي الحكومة التنزيلية السلبية ورودًا، فيجب أن نسمي الحكومة التنزيلية الإيجابية أيضًا ورودًا ادعائيًا، لأنها تشبه الورود الإيجابي. البيان الثاني وإن كان صحيحًا ودقيقًا، إلا أن ما يُستفاد من مراجعة كلمات المحقق النائيني هو أنه هو أيضًا لا يشمل الحكومة التنزيلية بالورود بمعناه الخاص، وليس واضحًا على أي أساس نسب الشهيد الصدر هذه النسبة إلى المحقق النائيني.

۱-۳ – الحكومة المضمونية

النظارة الشخصية والتفسيرية لخطاب على خطاب آخر، من حيث الصياغة الظاهرية، ممكنة بثلاثة أشكال: إما أن يكون منشأ ونكتة تشكل هذا الظهور لخطاب يظهر عرفًا في تفسير حكم آخر، بسبب استخدام أدوات التفسير (الحكومة التفسيرية)، أو بسبب استخدام صياغة التنزيل والتعبد (الحكومة التنزيلية)، أو بدون استخدام أدوات التفسير وصياغة التنزيل، يظل له ظهور عرفي في تفسير حكم أو أحكام أخرى، حيث إن مضمونه ومدلوله يشير إلى أن هذا الخطاب صدر متفرعًا على لحاظ حكم آخر، وبنية تفسير كبرى الحكم الملحوظ. يسمي الشهيد الصدر هذا القسم «الحكومة المضمونية» (الهاشمي الشاهرودي، ١٤٢٦، ج٧، ص١٦٩)، ويصفه المحقق النائيني بـ«التصرف في عقد الحمل» (النائيني، ١٣٥٢، ج٢، ص١٦٣)، وفي كلمات آخرين أيضًا، وإن كان بدون اسم، تم تصويره (اليزدي، ١٤٢٦، ص٥٣؛ الآشتياني، ۱۳۸۸، ج٨، ص٣٢؛ الموسوي القزويني، ١٤٢٧، ج٦، ص٤٥٥؛ الأراكي، ١٣٧٥، ج٢، ص٤١٢).

يمكن أن يختلف تشكل الظهور المذكور في موارد مختلفة من الحكومة المضمونية. قد ينشأ في مرحلة واحدة، ومن نفس مضمون ومدلول الخطاب الحاكم المطابقي، تُفهم النظارة التفسيرية؛ مثل خطاب «إنّ الوجوب لم يجعل على الفاسق من العلماء» (الخميني، ١٤٢٣، ج٢، ص۱۷۸)، أو «لم يجعل الوجوب في مورد زيد» (المحقق الداماد، ۱۳۸۲، ج٢، ص٥٤٥)، أو «وجوب الإكرام ليس في مورد زيد بعد قوله أكرم العلماء» (الخوانساري، ۱۳۷۳، ج٢، ص٢١٥)؛ وفي بعض الموارد، قد يتحقق في مرحلتين: في المرحلة الأولى، يُفهم أصل النظارة من الظهور الأولي والمطابقي للخطاب الحاكم؛ أي أن مدلوله المطابقي يدل على أن هذا الخطاب صدر متفرعًا على لحاظ حكم آخر.

بالطبع، تحقق الظهور الأولي لأصل النظارة إما على أساس قيد ورد في متن الخطاب، أو على أساس تناسب الحكم والموضوع. بالنسبة للقيد الوارد في متن الخطاب، يمكن مثال قاعدة «لا حرج». في خطاب «لا حرج في الدين»، قيد «في الدين» (لكون «الدين» متشكلًا من أحكام وقوانين شرعية مجعولة) يسبب ظهور النفي المذكور، طبقًا لمصطلحات المحقق النائيني، في نفي حقيقي وتركيبي للحكم الحرجي (وهو نفس مفاد ليس ناقصة) (النائيني، ١٣٧٦، ج٣، ص٢٦٤)؛ أي أن مفاد الخطاب المذكور يدل على أنه «بين الأحكام والقوانين المجعولة في الشريعة، لا يوجد حقيقةً، لا ادعاءً وتعبدًا، حكم حرجي»، وهذا بمعنى نفي وصف الوجود؛ أي يخبر عن عدم كون الأحكام المجعولة حرجية. من الواضح أن بيان النفي التركيبي مبني على أن المتكلم في رتبة سابقة قد لاحظ الأحكام الموجودة؛ لأنه ما لم يفترض وجود الأحكام الشرعية، لا يمكنه سلب وصف الحرجية عنها. ٣. بالنسبة لتناسب الحكم والموضوع، يمكن أيضًا، مثل الشهيد الصدر، مثال قاعدة «لا ضرر»؛ لأن مدلول خطابات «لا ضرر» (بالطبع الخطابات التي لم يرد فيها قيد «في الإسلام») وإن كان ظاهره في نفي حقيقي وتكويني للحكم الضرري، ٤. إلا أنه قد ينشأ شك في أن النفي المذكور مردد بين النفي البسيط (أي الإخبار عن عدم جعل حكم بطبعه وبذاته حرجي) والنفي التركيبي (أي الإخبار عن عدم كون الأحكام الموجودة في الشريعة ضررية)؛ ولكن في النهاية، بقرينة تناسب الحكم والموضوع، يستقر ظهور الخطاب في النفي التركيبي؛ لأنه أساسًا جعل أحكام بطبعها ضررية، في حق الشارع المقدس الذي بناؤه على الشريعة السهلة والسمحة، غير متوقع ولا محتمل، ولا يوجد موضع للتوهم حتى يريد دفعه بخطاب «لا ضرر».

على كل حال، بعد المرحلة الأولى، في المرحلة الثانية، يتشكل ظهور ثانوي في قصد التفسير، وسبب تشكل هذا الظهور وأن غرض المولى هو بيان الحد الواقعي لحكم أو أحكام أخرى، هو محذور اللغوية. في المثالين المذكورين لقاعدة «لا حرج» و«لا ضرر»، بعد أن كان ظهورهما في النفي التركيبي، إذا لم يكن قصد المولى من هذا الخبر تفسير وتقييد إطلاقات الأحكام الأولية، لكان لغوًا؛ لأنه لا تترتب عليه أي فائدة أخرى، حتى لو كانت في حد دفع التوهم المخالف. وربما يلزم التناقض أو الكذب مع التحفظ على إطلاقات الأحكام الأولية.

ينكر آية الله السيستاني تسمية هذا القسم حكومة، ويعتقد أن الحكومة المضمونية أو عقد الحملي يجب أن تُعد من أقسام التخصيص؛ لأنه بالإضافة إلى الحقيقة واللب، من حيث الصياغة واللسان أيضًا أشبه بالتخصيص؛ ففي التخصيص (الذي هو لسان الخصومة) مع التحفظ على الموضوع، يضيق موضوع الحكم مباشرة وصراحة؛ ولكن في الحكومة (التي هي لسان المسالمة) بكناية وبشكل غير مباشر، يتصدى لنفي الحكم وتضييق الموضوع. من الواضح أنه في أمثلة الحكومة عقد الحملي، لسان نفي الحكم ليس لسان تنزيل وكناية (أو نفس لسان المسالمة) (السيستاني، بي تا، ص٣٥).

لكن كما ورد في كلامه، وأشير إليه سابقًا، الحكومة المضمونية على قسمين: إما أن يُستظهر مباشرة من نفس المضمون ومدلول الخطاب، تفسير وتضييق موضوع حكم آخر؛ مثل «إنّ الوجوب لم يجعل على الفاسق من العلماء»؛ أو في طول مرحلتين، يكون تفسير وتضييق موضوع حكم آخر قابلاً للاستظهار، مثل «قاعدة لا حرج وقاعدة لا ضرر». إشكال آية الله السيستاني بالنسبة للقسم الأول صحيح تمامًا ومقبول، ولكن بالنسبة للقسم الثاني، يبدو أن لسان «لا حرج» و«لا ضرر» وما شابههما، ليس فيه صراحة في التقييد وتضييق الأحكام الأولية، بل هو غير مباشر وبلسان مسالمة ومصالحة، يوضح ضيق الأحكام ولا يحمل لسان الخصومة والمعارضة بأي وجه.

المعيار الثاني: مطلق النظارة الشخصية

تنقسم النظارة الشخصية إلى قسمين: تفسيري وتمهيدي؛ لأن هناك غرضين متصورين للخطاب الناظر الذي يصدره المولى بلحاظ حكم سابق، ويعتبره العرف متفرعًا على حكم آخر: إما أن يكون غرض المولى من بيان الخطاب هو تفسير كبرى الحكم المستفاد من خطابات أخرى، وهو ما يسمى «النظارة التفسيرية»؛ أو أن يكون غرض المولى من صدور الخطاب الناظر هو الإنشاء والجعل الجديد؛ أي أن الخطاب الثاني عرفًا ليس له ظهور في تفسير حكم آخر؛ بل ظاهره في الجعل الجديد، ولكن من مدلوله المطابقي أو من سياق ولسان تنزيل الخطاب، تُفهم أيضًا النظارة (كون هذا الخطاب متفرعًا على لحاظ حكم آخر) وكون هذه النظارة مقدمة للجعل الجديد للمولى.

النظارة التمهيدية أيضًا تنقسم إلى قسمين. أحيانًا يكون الغرض من النظارة التمهيدية هو «جعل حكم ظاهري»، وبتعبير آخر، تنجيز وتعذير الحكم الواقعي في فرض الشك. الخطاب الثاني عند العرف يوضح الوضع الظاهري للأحكام الواقعية المشكوكة، وظاهره أن المولى بهذا الخطاب متكفل ببيان مدى اهتمامه بحفظ الحكم الواقعي في فرض الشك. وبما أنه لا يمكنه جعل حكم ظاهري، الذي هو في طول الشك بالواقع، وبيان مدى اهتمامه بحفظ الواقع دون لحاظ الحكم الواقعي، فمن الضروري على هذا الأساس أن يلحظ الحكم الواقعي في رتبة سابقة.

وأحيانًا أخرى يكون الغرض من لحاظ حكم آخر هو «جعل حكم واقعي مماثل». أي أن المولى بهذا الخطاب متكفل ببيان تأسيس وجعل حكم واقعي لموضوع جديد، ولكن لأن الحكم الجديد شبيه ومماثل للحكم الآخر، فإن المولى بلحاظ ذلك الحكم وتوجيه المخاطبين إلى الحكم الأول، يريد أن يفهمهم أن هذا الحكم الجديد (الذي جُعل لعنوان جديد) هو تمامًا مثل ذلك الحكم السابق.

مدعى المعيار الثاني (الذي أشير إليه في كلمات الشيخ الأنصاري (الأنصاري، ١٤٢٨، ج٢، ص٤٦٢) وورد صراحة في كلمات المحقق النائيني والمتأخرين) هو أن من هذين القسمين، القسم الأول فقط من النظارة التمهيدية مشمول بالحكومة، وبتعميم الحكومة إلى قسمي الحكومة الواقعية والظاهرية، يعتبر معيار الخطاب الحاكم هو الخطاب الذي يكون مفسِّرًا ومبيِّنًا للحد الواقعي أو الحال الظاهري لحكم آخر في ظرف الشك (النائيني، ١٣٧٦، ج٣، ص١٩؛ الأصفهاني، ١٤٢٩، ج٣، ص٥٩؛ البروجردي النجفي، ١٤١٧، ج٣، ص٢٤؛ نفسه، ج٤، ص١٤٠؛ الهاشمي الشاهرودي، ١٤٢٦، ج٤، ص٥٩).

جدير بالذكر أن القسم الثاني من النظارة التمهيدية، وإن لم يسمَّ حكومة، إلا أنه يشبه الحكومة الواقعية الإيجابية كثيرًا. على سبيل المثال، في الخطابات الظاهرة التوسعية مثل «الفقاع خمر»، أو «ولد العالم عالم»، فإن المولى قطعًا في رتبة سابقة قد لاحظ حكمًا آخر، ولكن ليس واضحًا هل هو بصدد جعل حكم واقعي جديد في عرض الحكم السابق، أم يريد التوسعة في موضوع أُخذ في الحكم السابق، ويفهم أن العنوان المأخوذ في موضوع ذلك الحكم أعم مما كان يُخيل حتى الآن. في مثل هذه الموارد، البحث الإثباتي المطروح حول الخطاب الناظر هو معيار تمييز مصاديق جعل الحكم المماثل من الحكومة الواقعية الإيجابية. يبدو أنه لا يوجد ضابط لتمييز المصداق سوى أن الأصل الأولي في خطابات المولى هو اعتبارها تأسيسية. بناءً على هذا المبدأ، يجب حمل الخطاب الناظر على جعل الحكم المماثل. ولعل مقصود آية الله السيستاني الذي يحمل كل الخطابات التوسعية على بيان جعل جديد هو هذا (السيستاني، بي تا، ص٣٠).

المعيار الثالث: مطلق النظارة القصدية والقهرية

المعيار الثالث، بتقسيم الحكومة إلى قسمين قصدي وقهري، يحدد ضابطًا للحكومة قد يكون أعم من المعيارين السابقين (بناءً على قبوله الحكومة الظاهرية أيضًا) أو أعم فقط من المعيار الأول، ومساويًا للمعيار الثاني. من العلماء الكبار الذين قبلوا هذا التقسيم والتعميم ببيانات مختلفة يمكن ذكر صاحب العروة، والمحقق الخراساني، والمرحوم الخوئي، والمحقق النائيني (بناءً على نقل أجود التقريرات)، وآية الله السيستاني (اليزدي، ١٤٢٦، كتاب التعارض، ص٥٤؛ نفسه، ١٤٢٦، ج٢، ص٢٥، ج٣، ص٣٤٨ و٤٢٣؛ الخراساني، ١٤١٠، ص٤٢٨؛ الخوئي، ١٤٢٢، ج١، ص١٩٥، ج٢، ص٤٢١؛ السيستاني، بي تا، ص٣٠؛ النائيني، ١٣٥٢، ج٢، ص١٠٧).

لتوضيح أكثر، يقال إن الخطابات التي يستظهر العرف أنها مفسرة لأحكام أخرى نوعان: إما أن يستظهر العرف من نفس الخطاب أن المولى أصدر هذا الخطاب بلحاظ حكم آخر (بغرض بيان سعة وضيق الموضوع) ولتفسيره؛ أو لا يستظهر من نفس الخطاب لحاظ أو تفسير حكم آخر؛ لأن الخطاب الصادر من المولى لا يشتمل على خصوصية تدل على النظارة والتفسير، ولا صدق مضمون ومدلول الخطاب بحيث يحتاج تصحيحه (لدفع اللغوية) إلى تفسير حكم آخر؛ لأن نفس مدلول ومحكي الخطاب، بتعبير المرحوم الخوئي، قابل للتعبد ويمكن أن يكون موضوعًا لأثر عقلي من تنجيز وتعذير. لذلك، من وجهة نظر العرف، نفس الخطاب له ظهور فقط في الجعل الجديد وكون مدلوله المطابقي مقصودًا بالذات، والمولى أصدر الخطاب بقصد ترتيب الآثار التنجيزية أو الشرعية عليه، وليس له ظهور آخر في قصد تفسير موضوع حكم آخر؛ بل وفقًا لمسلك امتناع اجتماع الإنشاء والإخبار، يكون الجمع بين هذين القصدين محالاً.

مع ملاحظة أن المدلول الالتزامي العقلي والقهري لمفاد الخطاب هو تغيير موضوع بعض أحكام المولى الحكيم الأخرى (لكي لا تحدث محذورات مثل التناقض)، يحمِّل العرف استظهارًا ثانيًا على هذا الخطاب، مفاده أن مولى أصدر مثل هذا الخطاب وضمنه أنشأ أو أمضى تعبدًا، لا بد أن يلتزم بلوازمه، وتلك الأحكام التي ترتبط بهذا الجعل وتتناسب معه يجب أن تتغير، فهي قطعًا قد تغيرت. لذلك، فإن عمل هذا الخطاب والتنزيل الذي يسمى الحكومة القهرية، يشبه عند العرف عمل «الورود»؛ لأنه على الرغم من أن الخطاب الحاكم ليس ناظرًا إلى حكم، إلا أن العرف يعتبره رافعًا قهريًا لموضوع حكم آخر، كما في «الورود السلبي» يعتبر الدليل الوارد رافعًا قهريًا لموضوع الدليل المورود.

ذكر الأصوليون للحكومة القهرية ثلاثة أمثلة، في المثالين الأولين، يكون عمل الحكومة سلبيًا ورافعًا تعبديًا لفردية بعض أفراد موضوع الحكم؛ ولكن المثال الثالث إيجابي ومثبت تعبدي لفردية بعض أفراد موضوع الحكم (الأنصاري، ١٤٢٨، ج٣، ص١٨٤).

۱. المثال الأول (الذي يكون فيه استظهار النظارة الشخصية التفسيرية للخطاب الحاكم محذورًا إثباتيًا) هو حكومة الأمارات الظنية على الأصول العملية (بناءً على أن حجية الأمارات بمعنى جعل العلمية، وموضوع الأصول العلمية هو عدم العلم الوجداني). في هذه الحكومة، يكون التنزيل والتعبد بعلمية خبر الثقة، بقطع النظر عن جعل الأصول العملية، ذا أثر وموضوعًا للتنجز العقلي. لذلك، فإن الاستظهار الأولي للعرف هو أن العقلاء والشارع المقدس عند جعل أو إمضاء حجية خبر الثقة، لم يلحظوا الأصول العملية، بل كان نفس هذا التعبد والجعل هو مقصودهم؛ ولكن خلال جعل الحجية وبسبب دفع تناقض حجية الأمارات مع حجية الأصول العملية، يُكشف أن حجية الأصول كانت ضيقة من البداية، وأن المولى لم يعتبر موارد خبر الثقة ادعاءً من مصاديق موضوع الأصول العلمية.

۲. المثال الثاني (الذي يكون فيه استظهار النظارة الشخصية للخطاب الحاكم محذورًا ثبوتيًا) هو حكومة الأصل السببي على الأصل المسببي. في الموارد التي يكون فيها الأصل السببي والمسببي من سنخ واحد، ودليل حجيتهما واحدًا، مثل حكومة الاستصحاب السببي على الاستصحاب المسببي، من المحال أن يكون المولى قد اعتبر التنزيل والتعبد في الأصل السببي بقصد تفسير دليل حجية الأصل المسببي؛ لأن ذلك يستلزم اتحاد الشارح والمشروح أو المفسِّر والمفسَّر. لذلك، يكون الأصل السببي حجة دون لحاظ الأصل المسببي وبغرض ترتيب آثار الأصل السببي نفسه؛ ولكن العرف، بسبب التعارض الداخلي بين هذين الأصلين، يكشف أن حجية وجريان الأصل المسببي كانت ضيقة، وأن الشارع المقدس لم يعتبر موارد جريان الأصل السببي تعبدًا وادعاءً مصداقًا ومجرى للأصل المسببي.

۳. المثال الثالث (الذي يكون فيه أيضًا استظهار النظارة الشخصية للخطاب الحاكم محذورًا ثبوتيًا) هو حكومة الأخبار مع الواسطة (الأخبار التي تخبر عن خبر آخر) على الخبر السابق. هنا، حجية خبر الثقة بلا واسطة، بسبب أنها تعتبر تعبدًا واعتبارًا الخبر الثاني الذي يحكي عنه مصداقًا لخبر الثقة، توجب تعميم دليل الحجية إلى الخبر الثاني، مع أن دليل حجية الخبر الأخير (بسبب محذور اتحاد الشارح والمشروح) لا يمكن أن يكون ناظرًا إلى تعميم وتفسير دليل حجية الخبر الثاني، يرى العرف أن المقتضى القهري واللازم العقلي لذلك هو تعميم دليل الحجية.

من هذه التوضيحات يتضح أن الحكومة القهرية في الموارد التي يكون فيها الخطاب الحاكم والمحكوم مشتركين، لا تعبر عن أي نوع من القرينية والتفسيرية. في الموارد التي يكون فيها الدليل الحاكم والمحكوم متعددين، فإن قرينية الحكومة القهرية، حسب تسمية الشهيد الصدر، ستكون من نوع «القرينية النوعية»؛ لأن نفس الخطاب ليس له ظهور في التفسير؛ بل العرف، كأنه من باب دلالة الاقتضاء، يعتبر الخطاب الصادر من المولى مفسِّرًا لأحكام أخرى، مع فارق أنه في موارد دلالة الاقتضاء، يلتزم بدلالة جديدة لحفظ صدق وصحة نفس الخطاب؛ ولكن في الحكومة القهرية، يلتزم بظهور جديد لحفظ صدق الخطابات الأخرى.

٤ – دراسة المعايير الثلاثة للحكومة

للوصول إلى أي من المعايير الثلاثة المذكورة هو الضابط الواقعي للحكومة، يجب دراسة أي من هذه المعايير الثلاثة تجري فيه الآثار الاختصاصية للحكومة المصطلحة في تطبيقاتها. ذكر الأصوليون للحكومة أربع خصائص اختصاصية تميز بها عنوان الحكومة عن سائر أقسام الجمع العرفي الخالية من هذه الخصائص، كما يرتفع بها إشكال المحقق الإيرواني الذي أنكر استقلال الحكومة (واعتبر كل ما يسميه المرحوم الشيخ حكومة من تطبيقات «الأظهر والظاهر») (الإيرواني، ۱۳۷۰، ج٢، ص٢٤٣).

١. التقديم المطلق للدليل الحاكم: الذين يدافعون عن استقلال الحكومة عن سائر أقسام الجمع العرفي، يقبلون هذه الخاصية، وهي أن ضعف دلالة الخطاب الحاكم لا يخل بتقديمه على الخطاب المحكوم، والخطاب الحاكم يُقدَّم حتى في فرض كونه أضعف ظهورًا من ظهور الخطاب المحكوم، أو أعم من حيث شمول الأفراد من عنوان الخطاب المحكوم.

٢. التأخر الزماني للدليل الحاكم: استنبط المحقق الخراساني من عبارة الشيخ الأنصاري، التي أضاف فيها قيد «متفرعًا» في تعريف الحكومة (الأنصاري، ١٤٢٨، ج٤، ص١٣)، أنه اشترط التأخر الزماني للدليل الحاكم (الخراساني، ١٤١٠، ص٤٢٨ و١٤٠٩، ص٤٣٧).

٣. لفظية طرفي الحكومة: استدل الشهيد الصدر بأن النظارة الشخصية مأخوذة في حقيقة الحكومة، وكل أقسام النظارة الثلاثة من خصائص الدلالة اللفظية، فاعتبر من خصائص تمييز الحكومة عن سائر أقسام الجمع العرفي كون الدليل الحاكم والمحكوم لفظيين (الهاشمي الشاهرودي، ١٤٢٦، ج٧، ص١٧٢). من الواضح أنه في الحكومة التفسيرية، استخدام أدوات التفسير ناظر إلى لفظية الدليل المحكوم. وفي الحكومة التنزيلية، التنزيلات الادعائية والمجازية تتحقق فقط في عالم الاستعمالات وبواسطة الألفاظ. أما في الحكومة المضمونية التي تتشكل على أساس تناسب الحكم والموضوع، فإن دليل لزوم لفظية الدليل الحاكم والمحكوم هو أن تناسب الحكم والموضوع ما لم يكن لفظيًا ويؤدي إلى تشكل ظهور لفظي في الكلام، ليس له أي اعتبار وحجية مستقلة.

٤. سراية إجمال الحاكم المنفصل: في سائر أقسام الجمع العرفي مثل التخصيص، لا يسري إجمال القرينة إلى ذي القرينة والخاص المنفصل إلى الخطاب العام؛ ولكن في الحكومة، ينسب الميرزا أبو الحسن المشكيني إلى صاحب أوثق الوسائل أنه كان قائلاً بسراية الإجمال من الدليل الحاكم المنفصل إلى الدليل المحكوم (المشكيني، ١٤١٣، ج٥، ص١١٩).

من هذه الخصائص الأربع، يمكن اعتبار الخاصية الأولى فقط هي الخاصية الممتازة للحكومة؛ إذ توجد شكوك جدية في الخصائص الأخرى. بخصوص الخاصية الثانية (التأخر الزماني للحاكم)، يبدو كما أشار المرحوم المشكيني (المشكيني، ١٤١٣، ج٥، ص۱۱۸) أنها معتبرة فقط في تحقق الحكومة التفسيرية؛ لأنه ما لم يصدر خطاب من المتكلم في الماضي، ليس من المعقول أن يتصدى بأدوات تفسيرية مثل «أي» أو «وليكن ذلك» لتفسير خطابات سيقولها في المستقبل؛ ولكن في صدق أقسام الحكومة الأخرى، كما ناقشه المحقق الخراساني، ليس لازمًا أن يكون الدليل المحكوم مفروغ الوجود؛ بل يكفي أن يكون مفروض الوجود (الخراساني، ١٤١٠، ص٤٢٨ و١٤٠٩، ص٤٣٧)؛ بل لا يمكن حتى نسبة اشتراط الخاصية الثانية إلى الشيخ الأنصاري؛ لأن عبارة «متفرعًا»، كما فسرها السيد محسن الحكيم (الحكيم، ١٤٠٨ق، ج٢، ص٥٥٢)، تظهر فقط في التأخر الرتبي أو الطبعي.

بخصوص الخاصية الثالثة، يبدو كما صرح المحقق النائيني أن الحكومة لا تختص بالأدلة اللفظية وتجري في الأدلة اللبية أيضًا (النائيني، ١٣٧٦، ج٤، ص٥٩٣). لا نزاع في أن الدليل الحاكم في الأقسام الثلاثة المذكورة يجب أن يكون لفظيًا، وهذا بالطبع ليس من الخصائص الممتازة للحكومة وهو معتبر في أقسام الجمع العرفي الأخرى أيضًا. وكذلك في لزوم لفظية الدليل المحكوم في الحكومة التفسيرية لا شك؛ ولكن في مثل الحكومات التنزيلية والمضمونية التي تكون ناظرة مباشرة إلى تفسير نفس كبرى الحكم المستفاد من الدليل المحكوم، لا وجه للزوم لفظية الدليل المحكوم. استدلالات الشهيد الصدر لا تثبت أكثر من لزوم لفظية الدليل الحاكم. وفي الختام، بخصوص الخاصية الرابعة، كما نقل الميرزا أبو الحسن المشكيني (المشكيني، ١٤١٣، ج٥، ص١١٩) هناك رأيان آخران؛ الرأي الأول، وهو مختار الميرزا المشكيني نفسه والشهيد الصدر (الهاشمي الشاهرودي، ١٤٢٦، ج٧، ص١٧٢)، يقول بعدم سراية الإجمال المنفصل، وبهذا الحيث لا فرق بين الحكومة وسائر أقسام الجمع العرفي. لذلك، فإن إجمال الدليل الحاكم لا يسري إلى الخطاب المحكوم إلا في فرض الاتصال؛ ولكن في فرض الانفصال لا يوجب إجمال المحكوم. الرأي الآخر الذي ينسبه إلى بعض محشي الكفاية، هو التفصيل بين أقسام الحكومة. في الحكومة التفسيرية، يسري إجمال الحاكم المنفصل إلى المحكوم، ولكن في سائر أقسام الحكومة، لا يؤدي إجمال الحاكم إلى إجمال المحكوم. يبدو أن رأي عدم السراية مقبول؛ لأن العرف يرى الفاصل الزماني بين القرينة وذي القرينة مانعًا من سراية إجمال القرينة إلى ذي القرينة، ولا فرق في كون القرينة المنفصلة من قبيل القرائن النوعية أو من نوع القرينية الشخصية.

على هذا الأساس، يجب دراسة هل الخاصية الممتازة للحكومة (التقديم المطلق) ثابتة فقط في تطبيقات المعيار الأول، أم أنها تجري حتى في مثل الحكومة الظاهرية والحكومة القهرية اللتين تُعدان من تطبيقات المعيار الثاني والثالث؟ يبدو أن هذه الخاصية الممتازة للحكومة موجودة في جميع الموارد التي سُميت حكومة، مثل الحكومة التفسيرية، والحكومة الواقعية المضمونية، والحكومة الظاهرية، والحكومة القهرية، ويقدم العرف العقلائي في جميع هذه التطبيقات، على الرغم من ضعف الدلالة أو عموم الأفراد، الخطاب الذي سُمي حاكمًا على الخطاب المحكوم بشكل مطلق، مع فارق أن الحكومة القصدية والقهرية بملاكين مختلفين من القرينية الشخصية والنوعية تُحسبان من ملاكات الجمع العرفي؛ ولكن في الحكومة الظاهرية، لا يوجد أي نوع من القرينية والتفسيرية.

لهذه المعايير الثلاثة للحكومة، يمكن انتزاع عنوان جامع. على سبيل المثال، يعرف المحقق النائيني الحكومة بأنها مطلق تصرف دليل في مفاد دليل آخر، وإن لم تكن هذه النظارة والتصرف تفسيرية أو قصدية (النائيني، ١٣٧٦، ج٤، ص٥٩٣ و٧١٢). حتى لو لم يمكن إيجاد تعريف جامع ومشترك لهذه المعايير الثلاثة، لا تنشأ مشكلة، كما أن الشهيد الصدر، دون أن يورد إشكالاً على المرحوم الخوئي، ينسب إليه أنه اعتبر قسمي الحكومة القصدية والقهرية مشتركًا لفظيًا، ولم يذكر لهما تعريفًا جامعًا ومشتركًا.

«والسيد الأستاذ لم يفسّر الحكومة بتفسير جامع؛ وإنّما قسمها رأساً إلى قسمين، وكأنه مشترك لفظي بينهما» (الهاشمي الشاهرودي، ١٤٢٦، ج٧، ص١٦٩).

النتيجة

لا شك في أن الحكومة وفق كل من المعايير الثلاثة يمكن أن تكون حلاً لتعارض الأدلة النقلية للشارع المقدس، مع فارق أنه وفقًا لبعض المعايير، سيكون مصحح الجمع العرفي بين أدلة الأحكام الواقعية مع بعضها البعض، ووفقًا لبعض المعايير الأخرى، يمكن أن يكون مصحح الجمع العقلي لأدلة الحكم الظاهري مع أدلة الأحكام الواقعية أو الأحكام الظاهرية الأخرى. من الواضح أنه في المعيار الثاني، الذي يسمى «الحكومة الظاهرية»، لا توجد قرينية، وهذا الحل للتعارض يتضمن التصرف والتغيير في دليل أو موضوع واقعي لحكم آخر.

بهذا التوضيح، إذا أصررنا مثل الشهيد الصدر على اعتبار الحكومة المصطلحة منحصرة في أقسام الجمع العرفي، فإما يجب أن نختار المعيار الأول مثلما فعل هو (حيث جعل قرينية الحكومة أخص وحصرها في القرينية الشخصية)، أو مثل صاحب العروة، مع قليل من التوسعة، نعمم المعيار إلى مطلق النظارة التفسيرية، سواء كانت قصدية أم قهرية (أو طبقًا لمصطلحات الشهيد الصدر، أعم من الشخصية والنوعية).

أما إذا اعتبرنا الحكومة، مثل المحقق النائيني، أوسع من الجمع العرفي، وحلاً عامًا للتعارضات الموجودة في مجموعة من أدلة الأحكام الواقعية والظاهرية، مع هذه الميزة وهي أن الخطاب الحاكم يُقدَّم بشكل مطلق على الخطابات الأخرى، على الرغم من أن الخطابات الأخرى قد تكون من حيث قوة الدلالة أظهر وأقوى أو من حيث شمول الأفراد أخص منه، فيجب أن نعتبر كل المعايير الثلاثة من ملاكات الحكومة.

الهوامش

١. نقل هذا المطلب آية الله السيد حسين شمس مباشرة عن المرحوم السيد أحمد الخوانساري. وبالطبع ينقل المرحوم المظفر هذه الإضافة أيضًا بأن الميرزا الرشتي سأل عن تعريف الحكومة وأن المرحوم الشيخ جعل فهمه مبنيًا على ستة أشهر من الحضور في مجلس الدرس (أصول الفقه للمظفر، ص٥٥٣).

٢. علة عدم ظهور الحال إما ناشئة عن عدم عرفية كيفية استخدمها المتكلم في الاستعمال، بينما يكون جعلها مفسِّرة متعارفًا، أو أنه على الرغم من أن نوع استعمال المتكلم يُعد من القرائن العرفية المتعارفة، فقد أُحرز أن المتكلم يستخدم في محاوراته أسلوبًا خاصًا.

٣. في النفي البسيط وغير التركيبي (نفي أصل الوجود)، يُعد بيان النفي البسيط بيانًا ابتدائيًا ومبنيًا على عدم لحاظ. لذلك، إذا كان مفاد خطاب «لا حرج» هو نفي بسيط للحكم الحرجي، أي الإخبار عن عدم جعل أحكام بطبعها وبذاتها حرجية، فإنه يُعد عرفًا إخبارًا ابتدائيًا ولا يظهر في النظارة ولحاظ أحكام أخرى.

٤. بالطبع، طُرحت احتمالات أخرى في قاعدة لا ضرر. على سبيل المثال، يعتبر المحقق الخراساني قاعدة لا ضرر من قبيل الحكومة الواقعية التنزيلية (الناظرة إلى التصرف في عقد الوضع)، ومفاد الخطاب هو نفي ادعائي للوجود الخارجي للأفعال الضررية (التي هي متعلق الأحكام). على هذا الأساس، يخبر خطاب لا ضرر بلسان نفي تعبدي وتنزيلي للموضوع عن نفي حقيقي لحكم الموضوعات الضررية (راجع: قاعدة لا ضرر ولا ضرار للسيستاني، ص١٩١).

قائمة المصادر

۱. الأراكي، محمد علي (١٣٧٥ش). أصول الفقه. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة در راه حق.

۲. الآشتياني، محمد حسن (۱۳۸۸ش). بحر الفوائد في شرح الفرائد. الطبعة الأولى. قم: ذوي القربى.

۳. الأصفهاني، محمد حسين (١٤٢٩ق). نهاية الدراية في شرح الكفاية. الطبعة الثانية. قم: مؤسسة آل البيت (ع).

٤. الإيرواني، علي (۱۳۷۰ش). نهاية النهاية في شرح الكفاية. الطبعة الأولى. قم: دفتر تبليغات إسلامي.

٥. الأنصاري، مرتضى (١٤٢٨ق). فرائد الأصول. الطبعة التاسعة. قم: مجمع الفكر الإسلامي.

٦. البروجردي النجفي، محمد تقي (١٤١٧ق). نهاية الأفكار. الطبعة الثالثة. قم: دفتر انتشارات إسلامي.

٧. الحكيم، سيد محسن (١٤٠٨ق). حقائق الأصول. الطبعة الخامسة. قم: كتابفروشي بصيرتي.

٨. الحكيم، محمد سعيد (١٤١٤ق). المحكم في أصول الفقه. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة المنار.

٩. الحكيم، محمد سعيد (١٤٢٨ق). الكافي في أصول الفقه. الطبعة الرابعة. بيروت: دار الهلال.

١٠. الخراساني، محمد كاظم (١٤٠٩). كفاية الأصول. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة آل البيت (ع).

١١. الخراساني، محمد كاظم (١٤١٠). درر الفوائد في الحاشية على الفرائد. الطبعة الأولى. طهران: وزارة الإرشاد.

١٢. الخميني، سيد روح الله (١٤٢٣ق). تهذيب الأصول. الطبعة الأولى. طهران: مؤسسة تنظيم و نشر آثار إمام خميني.

١٣. الخوئي، سيد أبو القاسم (١٤٢٢ق). مصباح الأصول. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة إحياء الآثار السيد الخوئي.

١٤. الخوانساري النجفي، موسى (۱۳۷۳ش). رسالة في قاعدة لا ضرر. الطبعة الأولى. طهران: المكتبة المحمدية.

١٥. الروحاني، سيد محمد (١٤١٣ق). منتقى الأصول. الطبعة الأولى. قم: دفتر آيت الله روحاني.

١٦. السيستاني، سيد علي (بي تا). تعارض الأدلة واختلاف الحديث. بي جا: مخطوط.

١٧. سينائي، محمد تقي (۱۳۵۳ش). فرق حكومت و وورد و تخصيص و تخصص. مجلة كانون، ١٧٠، ص٢٥-٣١.

١٨. عبد الساتر، حسن (١٤١٧ق). بحوث في علم الأصول. الطبعة الأولى. بيروت: الدار الإسلامية.

١٩. الكلانتري، أبو القاسم (۱۳۸۳ش). مطارح الأنظار. الطبعة الثانية. قم: مجمع الفكر الإسلامي.

٢٠. المحقق الداماد، سيد محمد (۱۳۸۲ش). المحاضرات (مباحث أصول الفقه). الطبعة الأولى. أصفهان: انتشارات مبارك.

٢١. المخلصي، عباس (۱۳۷۳ش). «نوآوری های شیخ انصاری در دانش اصول». مجلة كاوشى نو در فقه إسلامى، ١، ٧٥-١٠٨.

٢٢. المشكيني الأردبيلي، أبو الحسن (١٤١٣ق). كفاية الأصول (با حواشي مشكيني). الطبعة الأولى. قم: انتشارات لقمان.

٢٣. الموسوي القزويني، سيد علي (١٤٢٧ق). تعليقة على معالم الأصول. الطبعة الأولى. قم: دفتر انتشارات إسلامي.

٢٤. النائيني، محمد حسين (١٣٧٦ش). فوائد الأصول. الطبعة الأولى. قم: انتشارات جامعة مدرسين.

٢٥. النائيني، محمد حسين (۱۳٥٢ش). أجود التقريرات. الطبعة الأولى. قم: مطبعة العرفان.

٢٦. الهاشمي الشاهرودي، سيد محمود (١٤٢٦ق). بحوث في علم الأصول. الطبعة الثالثة. قم: مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي.

٢٧. هيثم، هلال (١٤٢٤ق). معجم مصطلح الأصول. الطبعة الأولى. بيروت: دار الجليل.

٢٨. اليزدي، سيد محمد كاظم (١٤٢٦ق). حاشية فرائد الأصول. الطبعة الأولى. قم: دار الهدى.

٢٩. اليزدي، سيد محمد كاظم (١٤٢٦ق). التعارض. الطبعة الأولى. قم: انتشارات مدين.

Scroll to Top