التقليد من الفقهاء المتوفين وغير الأعلم

ملخص

يسعى الفقهاء لفهم الأحكام الشرعية عن طريق الأدلة ويضعون نتائج أبحاثهم في متناول المكلفين. كما يرجع المكلفون إلى آثار الفقهاء للعلم بتكاليفهم. أجاب كثير من الفقهاء على سؤال «هل يجوز لكل مكلف أن يرجع إلى فقيه واحد أو عدة فقهاء، أحياء كانوا أم أمواتًا، أعلم أم غير أعلم؟» قائلين: يجب على كل مقلد أن يكون له مرجع حي أعلم؛ ولكن بالنظر إلى المبنى الأصلي لحجية التقليد (الذي ليس سوى بناء العقلاء) ودراسة سائر الأدلة (بالمنهج الوصفي التحليلي)، يمكن التوصل إلى النتيجة التالية: يجوز لكل مكلف في كل مسألة شرعية أن يرجع إلى فتوى أحد الفقهاء الأحياء أو الأموات، الأعلم أو غير الأعلم، ويجعل إحدى الفتاوى (وإن كانت أيسرها) أساسًا لعمله. فالعلم الذي يحصل عليه من هذا الطريق معتبر عقلائيًا وهو حجة له، وليس عليه تكليف أكثر من ذلك. فالمرجعية الفقهية ليست حكرًا على الفقيه الحي الأعلم؛ كما أن القدرة على تشخيص الأعلم هي أيضًا محل شك.

المقدمة

يسعى الفقهاء جاهدين للوصول إلى أحكام الله عن طريق الأدلة، ولكنهم غالبًا لا يصلون إلى اليقين، بل يحصلون على الظن من خلال الطرق المعتبرة. وفي بعض المسائل لا يصلون إلى الظن أيضًا، فيكتفون بالفتوى الاحتياطية، وأحيانًا بالتمسك بالأصول العملية للوصول إلى الأحكام الظاهرية. أما غير الفقهاء، فكلما واجهوا مسألة شرعية لا يقين لهم بحكمها، يسألون الفقهاء ويقلدونهم. إن فقاهة الفقهاء وتقليد المقلدين معتبران، ولهما أثر المنجزية والمعذرية.

يرى كثير من الفقهاء أن على كل شخص أن يسأل جميع أسئلته الشرعية من فقيه حي أعلم واحد ويقلده؛ بينما يقبل آخرون منهم التبعيض في التقليد، وتقليد الفقيه المتوفى وغير الأعلم.

نظرًا لأن مسألة التقليد هي محل ابتلاء جميع المسلمين الذين يريدون العمل بجميع أو بعض الأحكام الشرعية (التي هي محل خلاف الفقهاء)، فإن التحقيق في هذه المسألة وتقييم أدلة المشهور وغير المشهور لا يزال ضروريًا. في هذه المقالة، سيتم محاولة تقييم اختلاف الفقهاء في التبعيض في التقليد وتقليد المتوفى وغير الأعلم، بالاعتماد على المبنى العقلائي للتقليد، والإجابة على هذا السؤال: «لأي دليل يجوز للمقلد في كل مسألة شرعية أن يرجع إلى فقيه حي، متوفى، أعلم (على فرض إمكان تشخيصه) أو غير أعلم؟»

كثير من الفقهاء في آخر فصل من كتبهم الأصولية تناولوا بحث الاجتهاد والتقليد وطرحوا المسائل المذكورة. كما كتبت مقالات متعددة في هذا الشأن.

تهدف مقالة «التقليد من الفقهاء المتوفين وغير الأعلم» إلى دراسة ثلاث مسائل هي: التبعيض في التقليد، وتقليد المتوفى، وتقليد غير الأعلم، وذلك بالاستفادة من كثير من المقالات والكتب الفقهية والأصولية، وطرح أهم المطالب والأدلة، وتجنب ذكر المباحث غير المرتبطة، وفي بعض الموارد الاستناد إلى أدلة ومصادر جديدة، وفي جميع هذه المسائل جعل بناء العقلاء الذي هو مبنى حجية التقليد محورًا؛ وإيصال القارئ إلى هذه الفرضية وهي أن كل مسلم يمكنه في كل مسألة الرجوع إلى آثار أي فقيه (حي أو متوفى، أعلم أو غير أعلم، واحد أو متعدد) ويعلم بالحكم الذي هو حجة له، ويعمل بأحدها (وإن كان أيسرها).

١. التقليد ومبنى حجيته

ليس للتقليد حقيقة شرعية؛ ولكن الفقهاء استخدموه في خمسة معانٍ. يبدو أنه بما أن أهم مبنى للفقهاء في وجوب التقليد هو بناء العقلاء في لزوم رجوع الجاهل إلى العالم، فلا يمكن تفسير التقليد بما هو أبعد من مبناه ومأخذه. لذلك، لا يمكن في دائرة الفقه تفسير التقليد بأنه شيء أبعد من رجوع الجاهل إلى العالم. عادةً، المسلم الذي لا يملك القدرة على استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة يرجع إلى من يملك هذه القدرة ويسأله ليعلم بفهمه للأدلة، وبعد ذلك يقرر أن يعمل به أو لا يعمل. إذن، التقليد ليس هو العمل ولا الأخذ للعمل. بالإضافة إلى ذلك، لزوم التقليد أمر عقلائي، وفي مسألة لزوم أو عدم لزوم التقليد لا يمكن تقليد أحد، وإلا لزم الدور أو التسلسل (الآخوند، ١٤٠٩: ٤٧٢). وتبعًا لذلك يمكن القول: إن الالتزام بنحو خاص من التقليد (مثل العمل أو الأخذ للعمل) ليس أيضًا من الأمور التقليدية.

اعتبر الآخوند الخراساني جواز التقليد ورجوع الجاهل إلى العالم أمرًا بديهيًا إجمالًا، ذاتيًا، فطريًا ولا يحتاج إلى دليل (الآخوند، ١٤٠٩: ٤٧٢). يرى أن أهم دليل للتقليد هو كونه فطريًا وبناء العقلاء؛ والآيات التي استُدل بها على لزوم التقليد دلالتها غير تامة؛ أما روايات هذا الباب، مع اختلاف مضامينها وتعدد أسانيدها، فيمكنها أن تخصص عموم أدلة ذم التقليد (الآخوند، ١٤٠٩: ٤٧٣-٤٧٤). يبدو أنه في الأحكام الإمضائية (مثل وجوب التقليد)، تكون الأدلة النقلية إرشادًا إلى حكم العقل أو إمضاءً لبناء العقلاء؛ والاعتبار الذي يقرّه العقلاء لإجابات العلماء، يقرّه الشارع لفتاوى الفقهاء. يرجع العقلاء في المسائل التي يجهلونها إلى العلماء لرفع جهلهم ويستندون إلى إجاباتهم أو يعملون بها. الحجية الشرعية، بمعنى المنجزية والمعذرية لفتاوى الفقهاء، هي نفس الاعتبار العقلائي لإجابات العلماء للجهال.

يرجع الفقهاء للوصول إلى مراد الشارع إلى الأدلة المعتبرة، وباجتهادهم يختارون فتوى تكون حجة لهم. والمقلدون أيضًا، بالعمل بوظيفتهم، وهي الرجوع إلى الفقهاء، يصلون إلى إجابة المسألة الشرعية؛ وتلك الإجابة حجة لهم، حتى لو وصلوا إلى إجابات مختلفة بمراجعة فقهاء متعددين أو بمراجعة فقيه واحد في زمنين مختلفين؛ لأن كل تلك الفتاوى استُنبطت من طرق معتبرة، والمقلد أيضًا قد أقدم على وظيفته من خلال طريق معتبر. ليس على المقلد أن يحصل على الظن الأقوى بمراد الشارع، ويكفيه أنه بمراجعة أي فقيه (حي أو متوفى، متقدم أو متأخر، أعلم أو غير أعلم) وجد نفسه عالمًا بوظيفته. بالطبع، إذا وصل الفقيه في مراحل الاستنباط إلى رأيين، أحدهما يورث له ظنًا أكبر بالواقع، فعليه أن يفتي به؛ لكن المقلد ليس في مقام الاستنباط، وليس عليه أن يقوم بوظيفة الفقيه ويبحث عن الظن الأقوى؛ لأن مطلق الظن الذي يحصل عليه المقلد من طريق معتبر، أي الرجوع إلى الفقيه، هو حجة له. بالطبع، إذا كان يرغب بالإضافة إلى وظيفته في العمل بفتوى توجد لديه اطمئنانًا أكبر، فيمكنه أن يسعى لتحصيله.

اعتبر الآخوند الخراساني اعتبار فتوى الفقيه أمرًا تعبديًا، وشكك في أن يكون ملاك اعتبار فتوى الفقيه للمقلد هو أقربيتها إلى الواقع (الآخوند، ١٤٠٩: ٤٧٦). المقصود من التعبدية هو أنه كما أن علم العلماء للجهال له اعتبار عقلائي، فإن فتاوى الفقهاء للمقلدين لها أيضًا حجية شرعية، وليس على المقلد أن يبحث عن الفتوى الأقرب إلى الواقع؛ لأن اعتبار فتوى الفقيه للمقلد يرجع إلى فقاهته (لا إلى أقربية فتواه إلى الواقع). وقد اعتبر هو أيضًا وظيفة المجتهد تحصيل الحجة، لا تحصيل الظن بالحكم الواقعي (الآخوند، ١٤٠٩: ٤٦٤). والمراجع أيضًا، عادةً، يكتبون في بداية رسائلهم: «العمل بهذه الرسالة مجزئ». إجزاء واعتبار فتاوى فقيه ما هو بسبب الاجتهاد الذي قام به لتحصيل الحجة الشرعية؛ وهذا الاعتبار يغني المقلد عن الرجوع إلى فتاوى أخرى؛ إلا إذا اطمأن إلى عدم حجية فتوى ما، ففي هذه الحالة لا تكون تلك الفتوى معتبرة عقلائيًا بالنسبة له. بناءً على ذلك، فإن حجية فتوى ما للفقيه ومقلديه هي نفس الاعتبار العقلائي لرأي ما للعالم والجهال الذين يرجعون إليه.

يشمل رجوع الجاهل إلى العالم الأمور التكوينية والاعتبارية؛ ولكن في العلوم التكوينية يرجع الجاهل إلى العالم ليفهم الرأي المطابق للواقع أو الأقرب إلى الواقع؛ وفي العلوم الاعتبارية يرجع الجاهل إلى العالم ليعرف الرأي المعتبر له والذي يمكنه أن يستند إليه ويعمل به. هذا هو نفس الشيء الذي عبر عنه الفقهاء بالتعبد. «التقليد أمر تعبدي»، أي أن رجوع المقلد إلى الفقيه ليس لفهم الحكم الواقعي، بل للوصول إلى حكم يكون حجة له، ويمكنه أن يحتج به أمام الله؛ أي حتى لو وصل إلى حكم وعمل به ولم يكن مطابقًا للواقع، فقد اعتبره الله كافيًا له.

٢. التقليد من عدة فقهاء

بناءً على مبنى الاعتبار العقلائي للتقليد، فإن الحجية الشرعية للتقليد ليست منحصرة في التقليد من فقيه واحد؛ ويمكن للمقلد للوصول إلى أيسر الفتاوى أن يقلد عدة فقهاء بشكل ابتدائي أو استمراري؛ لأن العقلاء لا يسألون في مسائل العلوم المختلفة من عالم واحد فقط.

آيات السؤال والنفر (النحل: ٤٣؛ التوبة: ١٢٢) والرواية التي أحالت الناس إلى رواة الأحاديث (الحر العاملي، ١٤٠٩: ٢٧/ ١٤٠)، إذا دلت على لزوم التقليد، فهي مطلقة من حيث الرجوع إلى عالم واحد أو عدة علماء. وقد استند الموسوي القزويني إلى عموم وإطلاق الأدلة، فاعتبر حجية أقوال الفقهاء مقتضية لجواز تخيير التقليد من أي من الفقهاء، ولم يعتبر الجمع بين التقليد من فقيهين مانعًا في طريق التقليد. يرى أنه كما أن المكلف في أول مسألة يريد أن يقلد فيها لا يلزمه التقليد من فقيه معين، فله نفس الخيار في المسائل التالية. بالإضافة إلى ذلك، لم يقل الفقهاء لمن كان يسألهم مسألة واحدة: يجب عليك أن تسألنا بقية المسائل أيضًا (الموسوي القزويني، ١٤٢٧، ٥٠٥/٧-٥٠٦). إن وجوب رجوع الجاهل إلى العالم في مسألة واحدة ليس مشروطًا برجوعه لاحقًا إلى نفس العالم في مسألة أخرى. حتى من وجهة نظر الشيخ الأنصاري، فإن المسألة التي لم تقع بعد وليست محل ابتلاء، فإن الفرد ليس مكلفًا بها حتى يكون تقليده من ذلك العالم واجبًا (الأنصاري، ١٤٠٤: ٨٩). وقد أفتى عدد من الفقهاء أيضًا بجواز التبعيض في التقليد (الموسوي القزويني، ١٤٢٧: ٥٠٥/٧).

بالإضافة إلى ذلك، فإن قبول التجزئة في الاجتهاد من قبل معظم العلماء (الحكيم، ١٤١٨: ٥٦٢-٥٦٣) يعتبر أيضًا دليلًا على جواز التبعيض في التقليد؛ لأنه عندما يتمكن كل من المجتهدين من الوصول إلى الفقاهة في بعض المسائل، فإن المقلدين أيضًا (الذين يريدون الرجوع إلى العلماء) يمكنهم الرجوع في كل مسألة إلى الفقيه المختص بتلك المسألة. بالطبع، اعتبر بعض الفقهاء الاجتهاد ملكة استنباط (الحسيني، ١٤١٥: ١٠؛ مركز المعلومات والوثائق الإسلامية، ١٣٨٩: ٦٩، كلاهما نقلاً عن الشيخ البهائي) ولم يعتبروه قابلاً للتجزئة؛ ولكن على فرض أن الاجتهاد ملكة، فهو قوة تحصل وتزداد دائمًا بمعرفة مباني الاستنباط (الأصفهاني، ١٣٧٤: ٣/ ٤٢٥). إنها صفة نفسانية مشككة، لها مراتب، وكل فقيه، بما في ذلك الفقيه المتجزئ، يقع في إحدى مراتبها ويمتلك ملكة الاجتهاد. والمجتهد المطلق أيضًا كان في البداية مجتهدًا متجزئًا. بالإضافة إلى ذلك، استخدم كثير من الأصوليين الاجتهاد بمعناه اللغوي «بذل الجهد» وهدفهم منه هو تحصيل الظن بالحكم الشرعي (الحلّي، ١٤٢٥: ٥/ ١٦٧؛ النراقي، ١٣٨٤: ٢٣٠-٢٣١؛ الحكيم، ١٤١٨، ٥٤٣؛ الصنقور، ١٤٢٨: ١/ ٣٢) أو تحصيل الحجة الشرعية (العراقي، ١٣٨٨: ٢٠؛ الآخوند، ١٤٠٩: ٤٦٤؛ مكارم، ١٤٢٨: ٣/ ٥٣٤).

بالطبع، الفقهاء الذين يشترطون أعلمية المرجع، في مسألة التبعيض في التقليد والعدول من واحد إلى آخر، يشترطون تساوي الفقهاء في الفقاهة (الطباطبائي اليزدي، ١٤٠٩: ١/ ٦؛ الخميني، ١٤٣٤: ١/ ٤؛ بني هاشمي، ١٣٨٠: ١/ ٢٠ «بهجت»). وفي حالة كون أحد الفقهاء أعلم في باب والآخر في باب آخر، يرون الاحتياط في التقليد منهما كليهما (الطباطبائي اليزدي، ١٤٠٩: ١/ ١٦). يبدو أن المقلد بأداء وظيفته العقلائية والشرعية، وهي الرجوع إلى الفقهاء، يمكنه أن يرجع ابتداءً إلى عدة فقهاء، وبعمله بفتوى كل منهم يسقط تكليفه. بالطبع، إذا كان بالإضافة إلى الوصول إلى الحجة الشرعية، يبحث عن الوصول إلى أكبر ظن بالحكم الواقعي، وفتوى الفقيه الأعلم توجد لديه ظنًا أكبر بالحكم الواقعي، فإن تقليده الابتدائي من عدة فقهاء مشروط بتساويهم في الفقاهة.

يرى بعض الفقهاء أنه إذا عمل شخص في بعض المسائل بفتوى فقيه، فلا يمكنه في نفس المسائل تقليد فقيه آخر مساوٍ له بناءً على الاحتياط. (الموسوي الأردبيلي، ١٣٩١: ٢٤)؛ والعدول احتياطًا غير جائز، إلا إذا كان المجتهد الثاني أعلم. (بني هاشمي، ١٣٨٠: ١/ ٢٩ «مكارم»). أما من وجهة نظر المظاهري، فإن العدول والرجوع من مجتهد حي إلى مجتهد حي آخر مساوٍ جائز. (المظاهري، ١٣٩١: ٣٦؛ بني هاشمي، ١٣٨٠: ١/ ٢٠ «بهجت»). حتى لو كان المجتهد الأول محتمل الأعلمية، فإن العدول عنه أو التبعيض في التقليد جائز. (المظاهري، ١٣٩١: ٣٧). وهذا الرجوع يمكن أن يكون بسبب سهولة فتوى المجتهد الآخر. (المظاهري ١٣٩١: ٣٦). وفي نفس المسألة يمكنه الرجوع مرة أخرى إلى المرجع السابق (المظاهري، ١٣٩١: ٣٧). يرى أن المكلف يمكنه بتقليد فقيه يجيز التخيير الاستمراري، أن يعمل في مسألة واحدة تارة بفتوى فقيه وتارة بفتوى فقيه آخر، حتى لو كان أحد هؤلاء الفقهاء لا يجيز التخيير الاستمراري.

يبدو أن موضوع التخيير الابتدائي أو الاستمراري هو أيضًا من فروع موضوع التقليد، وكما أن حكم لزوم التقليد ليس تقليديًا، فإن التخيير الابتدائي والاستمراري أيضًا عرفي وعقلائي؛ والعرف لا يقيد سؤال الجاهل من العالم أبدًا (لا ابتداءً ولا استمرارًا) بسؤال من عالم معين. سيرة العقلاء هي أن الجاهل يسأل في كل مسألة، في أي زمان، من أي عالم أراد. في الأسئلة العرفية والشرعية، المهم هو أن يطمئن السائل إلى الإجابة. حتى لو قلّد شخص في مسألة ما فقيهًا يحكم بالحرمة، ثم في نفس المسألة قلّد فقيهًا آخر يحكم بالجواز بالمعنى الأعم، فإنه في كلتا المرتين قد أدى وظيفته وهي الرجوع إلى العالم. هذا المورد لا يختلف عن تغيير فتوى فقيه واحد من الحرمة إلى الجواز، وهو من لوازم حجية الأحكام الظاهرية الفقهية التي قد تكون متضادة مع بعضها. يرى الموسوي القزويني أن مقتضى الصحة الظاهرية لعمل ما هو أيضًا أن المقلد يمكنه أن يقلد في جزء منه فقيهًا وفي جزء آخر منه فقيهًا آخر؛ لأن الفرض هو أن الأحكام الظاهرية لا ترتبط ببعضها البعض حتى يكون شرطًا لإحراز الصحة الظاهرية في نظر فقيه واحد أن يكون كل ذلك العمل موافقًا لفتواه (الموسوي القزويني، ١٤٢٧: ٥٠٦/٧). وقد أجاز الطباطبائي اليزدي التبعيض في التقليد حتى في أحكام عمل واحد (الطباطبائي اليزدي، ١٤٠٩: ٢٣/١-٢٤). أحد لوازم التفكيك بين الحكم الواقعي والظاهري هو أنه لا يمكن مقارنة الأحكام الفقهية والاعتبارية بتعليمات الأطباء وعلماء العلوم التكوينية. صحيح أنه من غير المعقول أن يراجع مريض طبيبين ويعمل بجزء من وصفة كل منهما؛ ولكن المقلد يراجع الفقهاء لمعرفة التكاليف الظاهرية التي لها مصلحة محتملة؛ ولا يمكنه أن يقيد نفسه بالعمل بفتوى تكون مطابقة للواقع ولها مصلحة واقعية. لذلك، لا يفرق بالنسبة للمكلف أن يرجع في مسألة واحدة مرة أخرى إلى الفقيه السابق أو إلى فقيه آخر. بالطبع، إذا أراد المقلد أن يجد ظنًا أقوى بالأحكام الواقعية (وإن لم تكن وظيفته)، وجميع فتاوى فقيه واحد توجد له ظنًا أقوى (وإن كان بعيدًا)، فلا يمكنه العدول عنه إلى غيره.

٣. تقليد الفقيه المتوفى

من وجهة نظر الشبيري الزنجاني، لا يوجد أي دليل على عدم جواز التقليد الابتدائي من الميت؛ ولكن من وجهة نظر غالب الفقهاء المعاصرين، يجب أن يكون مرجع التقليد حيًا. (الشبيري، ١٤٢٠: ٩٣/٢). لجواز التقليد الابتدائي من المتوفى يمكن الاستناد إلى الأدلة التالية:

أ) إطلاق آيات السؤال والنفر (النحل: ٤٣؛ التوبة: ١٢٢) والروايات التي استُدل بها لمشروعية التقليد تشمل أيضًا تقليد الفقيه المتوفى.

بناءً على ذلك، كما يمكن للمكلف أن يسأل الفقيه الحي، يمكنه أيضًا مراجعة آثار الفقيه المتوفى والحصول على إجابته؛ وكما أن كلام العلماء الدينيين في حياتهم يمكن أن ينذر الناس، فإن آثارهم الدينية بعد وفاتهم يمكنها أيضًا أن تنذر الناس؛ ولا يوجد دليل على انصراف الأدلة إلى الفقيه الحي.

قبل الموسوي الخوئي إطلاق هذه الأدلة بالنسبة لحياة وممات المجتهد، ولكنه قيده بحالة يكون فيها المقلد قد اتخذ الفقيه الحي مرجعًا له ويريد بعد وفاته أن يستمر في العمل بفتاواه. (الخوئي، ١٤١٨: ١١٠). ولكن من وجهة نظر الطباطبائي القمي، فإن دلالة النصوص على جواز التقليد من الميت تامة. (الطباطبائي القمي، ١٤٢٦: ١/ ٣٧). ومن وجهة نظر الفياض، فإن التقليد الابتدائي من الميت الأعلم واجب. (الفياض، دون تاريخ: ١١/١). يبدو أنه مع قبول إطلاق الأدلة النقلية على جواز التقليد من الفقيه المتوفى، لا يمكننا التفريق بين الحالة التي «علم فيها المقلد بفتوى الفقيه في حياته وقصد العمل بها أو عمل بها» والحالة التي «علم بها بعد وفاته وقصد العمل بها». كما أن ادعاء انصراف الأدلة إلى «سؤال العالم الحي» لا دليل عليه؛ لأن رجوع الجاهل إلى «العالم» في «العالم الحي» ليس كثير الاستعمال ولم يحدث تغييرًا في معنى العالم.

ب) سيرة العقلاء في رجوع الجاهل إلى العالم هي لكسب العلم وليست مقيدة بكون العالم حيًا. العقلاء لا يفرقون في جواز الرجوع إلى العالم (الطباطبائي القمي، ١٤٢٦: ١/ ٣٨)، أو الرجوع إلى الخبير بين الحي والمتوفى. (المحقق الداماد، ١٣٨٢: ٣/ ٤١٧-٤١٨).

ج) من وجهة نظر بعض الفقهاء الانسداديين، فإن فتوى الفقيه المتوفى مثل فتوى الفقيه الحي تورث الظن للمقلد، وبالاستناد إلى حجية مطلق الظنون يمكن اعتبار تقليد الفقيه المتوفى معتبرًا (القمي، ١٤٣٠: ٤/ ٥٢٢). ولكن من وجهة نظر الفقهاء الانفتاحيين، لا يمكن لدليل الانسداد أن يجعل ظن المقلد معتبرًا. (الموسوي القزويني، ١٤٢٧: ٧/ ٥٢٨). يبدو أن الاعتبار العقلائي والحجية الشرعية لرجوع الجاهل إلى العالم ليسا مقيدين بالرجوع إلى العالم الانفتاحي. المقلد يرجع إلى الفقيه ويطمئن إلى وظيفته، سواء كان ذلك الفقيه انفتاحيًا أم انسداديًا. ليست وظيفة المقلد أن يقيم طرق استنباط الفقهاء.

د) في حال عدم قبول الأدلة الاجتهادية لمشروعية التقليد من الفقيه المتوفى، يمكن التمسك باستصحاب مشروعية مطلق التقليد من الفقيه الحي إلى ما بعد وفاته؛ لأن:

١. الاستصحاب يجري أيضًا في الحكم الوضعي (أهلية الفقيه). العرف في استصحاب فتوى الفقيه الحي، يعتبر أهلية الفقيه (بالنسبة للفتاوى التي أصدرها) باقية حتى بعد وفاته؛ لأن أهلية الفقيه الحي للتقليد هي بسبب فقاهته الباقية في آثاره الفقهية.

٢. كما أن اعتبار الشهادة لا يزول بوفاة الشاهد، فإن حجية فتوى الفقيه لا تزول بوفاته؛ لذا يمكن باستصحاب حجية الفتاوى إلى ما بعد وفاة الفقهاء، والمقلد لا يحتاج إلى أكثر من ذلك.

٣. بناءً على أن ملاك حجية الفتوى هو طريقتها إلى الواقع، فإن هذا الملاك يبقى بعد وفاة الفقيه ولا يحدث خللاً في وحدة الموضوع. (الخميني، ١٤١٠، ٢، ١٥٢). والشك في بقاء هذا الملاك (بسبب احتمال اعتبار حياة الفقيه) لا يُعتنى به. (عنايتي راد، ١٣٩٥: ش١١٧/١٠٤). بالطبع، صحة استصحاب حجية فتوى المتوفى مبنية على أن نعتبر الحجية حكمًا وضعيًا ومجعولًا شرعيًا. (الفاضل اللنكراني، ١٤١٤: ١٥٨). أو أن نعتبر أن أثرًا شرعيًا يترتب عليه، أو أن نعتقد بعقلائية الاستصحاب ولا نخصه بالأحكام الشرعية.

٤. جواز ومشروعية التقليد من الفقيه يمكن أيضًا استصحابه لما بعد وفاته. من يشك في «شرطية حياة الفقيه في مشروعية التقليد» يمكنه استصحاب بقاء مشروعيته. (عنايتي راد، ١٣٩٥: ش١٢٣/١٠٤). حتى لو قبلنا أنه بوفاة الفقيه يزول ظنه بفتاواه، فإن ظنه السابق بفتاواه الذي كان مستندًا إلى الأدلة لا يزول. بالإضافة إلى ذلك، لا يوجد دليل على لزوم بقاء ظن المجتهد حتى حين عمل المقلد و«مشروطية جواز التقليد» بـ«بقاء ظنه»؛ إلا إذا علم المقلد بتغير ظن المجتهد. (الفاضل التوني، ١٤١٥: ٣٠٢-٣٠٣). نقطة أخرى هي أن ظن الإنسان من أوصافه النفسانية ولا يزول بزوال الجسد.

٥. مشروعية تقليد المكلف، مثل بقية الأحكام، هي قضية حقيقية، وبناءً على انحلالها إلى عدد المكلفين، تشمل جميع المكلفين (المحقق الوجود والمقدر الوجود)؛ وبناءً على عدم الانحلال، فإن عنوان «تقليد المكلف» هو موضوع المشروعية وينطبق على تقليد كل مكلف في كل زمان ومكان، مثل وجوب الحج على المستطيع (الخميني، ١٤١٠: ١٥١/٢)؛ وبالتالي، لا حاجة إلى الاستصحاب التعليقي (أي استصحاب مشروعية التقليد لمن كانوا لو وجدوا في حياة الفقيه لكان تقليدهم مشروعًا) ليس ضروريًا.

بالطبع، لعدم جواز التقليد من الفقيه المتوفى يمكن أيضًا التمسك بأدلة؛ ولكن هذه الأدلة لا تبدو تامة:

أ) توجد شهرة عظيمة تقترب من الإجماع على عدم جواز التقليد من الفقيه المتوفى، وفي بعض الكتب نُقل الإجماع أو عدم الخلاف. (الموسوي القزويني، ١٤٢٧ق: ٥١١/٧). ولكن مع وجود عدد من الأخباريين والميرزا القمي الذين يجيزون التقليد من المتوفى، يُنقض ادعاء الإجماع. (الطباطبائي القمي، ١٤٢٦: ١/ ٣٥). وبين القدماء لم يكن مثل هذا الإجماع مطروحًا. (الفياض، دون تاريخ: ١١/١). وبعضهم مثل السيد المرتضى وابن زهرة أوجبوا التفقه على الجميع ولم يجيزوا تقليد العوام. (المكي العاملي، ١٤١٩: ٤١/١). الشهرة الفتوائية (بشأن عدم جواز التقليد من المتوفى) ليست أيضًا جزءًا من أدلة الأحكام وليس لها اعتبار.

ب) الأصل هو عدم حجية الظن، ولكن بعض الظنون مثل التقليد المورث للظن من الفقيه الحي قد استُثنيت من هذا الأصل. (الآخوند، ١٤٠٩: ٤٧٧). يبدو أولًا أن عموم «النهي عن التقليد واتباع الظن» هو في أصول الدين (الفاضل التوني، ١٤١٥: ٣٠٤) ومشروعية التقليد ليست استثناءً منه حتى يُفسر بشكل مضيق ويُخص بتقليد الفقيه الحي. رجوع الجاهل إلى الفقيه لم يكن أصلًا موردًا للنهي. ثانيًا، على فرض أن ظن المقلد مشمول بذم اتباع الظن (يونس، ٣٦)، فبإثبات إطلاق أدلة لزوم رجوع الجاهل إلى الفقيه، يمكن القول: إن تقليد الفقيه المتوفى قد خرج أيضًا من أصل عدم حجية الظن، ولا يمكن تفسير هذا الاستثناء بشكل مضيق. ثالثًا، تقليد الفقيه مبني على بناء العقلاء في رجوع الجاهل إلى العالم؛ وهذا الرجوع العقلائي لا يختص بالرجوع إلى العالم الحي. لزوم رجوع العامي إلى المجتهد مسألة أصولية (لا فقهية وتقليدية)؛ وعندما يعلم الإنسان بجواز استفتاء المقلد من المجتهد، يتيقن أن حياة وممات المجتهد ليس لهما أي أثر في جواز هذا الاستفتاء (نفس المصدر: ٣٠٦).

ج) يرى بعض الفقهاء أن سيرة المتشرعة هي عدم جواز التقليد من المتوفى؛ ولكن يرى آخرون أنه لا توجد مثل هذه السيرة. يرى هؤلاء أنه إذا كان الفقيه الميت أعلم، وشخص في زمنه كان يقلد فقيهًا آخر، فيمكنه بعد وفاته أن يقلد ذلك الفقيه الميت تقليدًا ابتدائيًا؛ كما يمكن للمقلد أن يقلد تقليدًا ابتدائيًا فقيهًا توفي بعد بلوغه (الشبيري، ٩٣/٢/٢٠)، وبين الفقهاء المعاصرين، لا يجوز ترجيح الحي المفضول على الميت الأعلم (الشبيري، ٩٣/٢/٢٣). بناءً على قاعدة المقتضي والمانع، يُقدَّم الفقيه الأعلم المتوفى؛ ولكن الحياة أيضًا معتبرة في الجملة، وتقليد أمثال الشيخ الطوسي غير جائز. (الشبيري، ٩٣/٢/٢١). يبدو أنه عندما لا يوجد دليل معتبر على شرط حياة مرجع التقليد، لا يمكن اعتبار حياته في الجملة، والتفريق في التقليد الابتدائي من المتوفى بين الفقهاء المتقدمين والمتأخرين، وتقييده بمقلد كان بالغًا في حياة الفقيه.

د) قد يقال: «إن علم الفقه يتطور بمرور الزمن، والفقهاء المتأخرون والأحياء أعلم من الفقهاء المتقدمين، وتقليدهم مقدم على تقليد الفقهاء المتقدمين والمتوفين».

هـ) قد يقال: «إن جواز التقليد الابتدائي من الفقيه المتوفى يؤدي إلى توقف تقدم الفقه، ولا توجد دافعية لإعادة النظر في الآيات والروايات، وهذا من أعظم المفاسد». (جعفريان، ١٣٨٣: ش٢٧: ١٧٨). يبدو أن لزوم الاجتهاد والفقاهة مبني على لزوم تقدم علم الفقه، والحفاظ على حيويته، والوصول إلى فتاوى جديدة تتناسب مع تغير مقتضيات الزمان والمكان، خاصة في المسائل المستحدثة؛ وطالب علم الفقه لا ينبغي أن يدرس ويصل إلى الفقاهة بدافع تقليد الناس. إن نمو وتطور علم الفقه مثل بقية العلوم أمر مطلوب، وإذا كان متناغمًا مع تغير المقتضيات الزمنية، فسيحظى بالقبول.

٤. تقليد الفقيه غير الأعلم

هذه المسألة أيضًا، مثل أصل التقليد، عقلائية وليست تقليدية. القول بـ«تعين التقليد من الأعلم» مستند أيضًا إلى بناء العقلاء، وقد أفتى به معظم الفقهاء، وبعضهم أفتى بـ«التخيير». قول التخيير نُقل في بعض الكتب (علم الهدى، ١٣٧٦: ٢/ ٣٢٥) ويمكن الاستناد فيه إلى الأدلة التالية:

أ) الأدلة القرآنية للتقليد (النحل: ٤٣؛ التوبة: ١٢٢) هي إمضاء لبناء العقلاء، ولفهم نطاقها يجب الرجوع إلى بناء العقلاء؛ وبناء العقلاء هو «رجوع الجاهل إلى العالم». فإجابة أي عالم وصل إلى النصاب الفقهي ويمكنه استنباط وظيفة المكلفين من الأدلة هي معتبرة للمقلد. القدر المتيقن من سيرة العقلاء في رجوع الجاهل إلى العالم هو اطمئنان الجاهل إلى العلم الذي يبديه العالم، لا الرجوع إلى الأعلم؛ وهذا «الاطمئنان بالوظيفة» يحصل بالرجوع إلى أي فقيه وضع فتاواه في معرض المقلدين، والمقلد ليس مكلفًا بعلم يفوق ذلك. نتيجة لذلك، لا يوجد دليل على انصراف هذه الأدلة القرآنية إلى الرجوع إلى الأعلم، ولا يمكن القول إنها في مقام بيان مشروعية التقليد في موارد اختلاف الفتوى.

ب) هناك أربعة أنواع من الروايات استُدل بها على وجوب التقليد: «العلماء ورثة الأنبياء». (الكليني، ١٤٠٧: ١/ ٣٢)، «آخذ عنه ما أحتاج إليه». (الحر العاملي، ١٤٠٩: ٢٧/ ١٤٧)، «فللعوام أن يقلدوه» (العسكري، ١٤٠٩: ٣٠٠). و«أما الحوادث الواقعة». (الطوسي، ١٤١١: ٢٩١). هي مطلقة من هذا الجانب. لم يرد التقليد من الأعلم في أي رواية، بل أحال الأئمة الناس إلى أصحابهم، مع أن أصحابهم لم يكونوا متساوين من الناحية العلمية. (الحيدري، ١٤١٢: ٣٢١). بالطبع، من وجهة نظر الآخوند الخراساني، هذه الروايات ليست في مقام بيان الرجوع إلى العلماء في موارد تعارض آرائهم (الآخوند، ١٤٠٩: ٤٧٥)؛ ولكن أولًا، ذكر شروط الفقهاء في بعض الروايات، مثل رواية «فللعوام أن يقلدوه» (العسكري، ١٤٠٩: ٣٠٠). و«أما الحوادث الواقعة» (الطوسي، ١٤١١: ٢٩١)، يدل على أن الإمام لم يكن فقط في مقام بيان جواز السؤال من الفقهاء. ثانيًا، ليس ببعيد أنه عند الشك في كونها في مقام البيان، يمكننا الاستناد إلى أصل «كونها في مقام البيان». (الآخوند، ١٤٠٩: ٢٤٨). ثالثًا، بعض الروايات مثل «على كل مسن في حبّنا». (الحر العاملي، ١٤٠٩: ٢٧/ ١٥١) و«أربعة نجباء» (نفس المصدر: ١٤٢) تصرح بالتخيير في الرجوع إلى العلماء. رابعًا، روايات التقليد هي إمضاء لبناء العقلاء، ولفهمها يجب الانتباه إلى سيرة العقلاء. العقلاء في الأمور الاعتبارية، لفهم الواجبات، لا يذمون رجوع الجاهل إلى العالم غير الأعلم؛ وبالتالي، لا يوجد دليل على انصراف الروايات إلى الرجوع إلى الأعلم.

بالطبع، في روايات «الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما». (الكليني، ١٤٠٧: ١/ ٦٧). و«ينظر إلى أفقههما». (الصدوق: ٣/ ٨). و«اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك». (نهج البلاغة، ١٤١٤: ٤٣٤)، تمت الإحالة إلى الأفقه والأفضل؛ ولكن الثلاثة كلها تتعلق بالقضاء وفصل الخصومات الذي لا يتحقق إلا بحكم واحد؛ وإجراء حكم غير الأفقه هو ترجيح المرجوح على الراجح. كذلك، روايات «وفيهم من هو أعلم منه». (المفيد، ١٤١٣: ٢٥١)، و«فيهم من هو أفضل منه» (النعماني، ١٣٩٧: ١١٥) و«أقواهم عليه وأعلمهم» (نهج البلاغة، ١٤١٤: ٢٤٧)، تتعلق بالحكومة والرئاسة؛ ولكن يمكن تخيير الجهال بالرجوع إلى أي من العلماء؛ وقياس حكم «رجوع المقلد إلى الفقيه» بـ«لزوم الرجوع إلى القاضي والحاكم الأعلم» هو قياس مع الفارق؛ لأن القضاء والحكومة مقامان تنفيذيان، بينما الفقاهة مقام نظري.

ج) سيرة غالب المسلمين على مر التاريخ كانت الرجوع إلى الفقهاء، والفتوى بلزوم الرجوع إلى الأعلم اشتهرت في العصور الجديدة. (الحيدري، ١٤١٢: ٣٢٣). ولا يزال معظم الناس يسألون مسائلهم الشرعية من أي عالم يصلون إليه. بالطبع، أفتى مشهور الفقهاء بتعين التقليد من الأعلم؛ ولكن هذه الفتوى شاعت منذ زمن المحقق الحلي وما بعده واستمرت حتى الآن. (جناتي، ١٣٦٥، ش٦: ٢١). بعض الفقهاء طرحوا فقط كون المفتي عالمًا بالكتاب والسنة والإجماع. (الطوسي، ١٤١٧: ٢/ ٧٢٨)؛ وبعضهم الآخر لم يوجبوا التقليد من الأعلم. (القمي، ١٤٣٠: ٤/ ٥٢٠؛ الصدر العاملي، ١٣٦٧: ٢/ ٥٤ «صاحب فصول»؛ الطباطبائي اليزدي، ١٤١٩: ١/ ١٩ «آل ياسين»؛ المرعشي، ١٤٢١: ١/ ٦؛ جناتي، ١٣٧٠: ٦٢)؛ وبعضهم أيضًا اعتبر التقليد من الأعلم احتياطًا واجبًا (بني هاشمي، ١٣٨٠: ١/ ١٦ «الأراكي، الگلپایگاني، الصافي») أو أظهر (بني هاشمي، ١٣٨٠: ١/ ١٦ «بهجت»)؛ ومن وجهة نظر آخرين، في المسائل العادية التي يوجد فيها اختلاف في وجهات النظر بين العلماء، لا حاجة للرجوع إلى الأعلم، ولكن في المسائل التي ترتبط بمصير الإسلام، يجب الذهاب إلى الأكثر بصيرة والأعلم؛ حتى في هذا المجال لا ينبغي الاكتفاء بشخص واحد ويجب أن تكون المسألة شورائية. (القزويني، ١٣٨٧: ٩).

د) بناء العقلاء في الأمور الاعتبارية هو أن من لا يعرف واجباته وحقوقه، يرجع إلى أي من العلماء ليعلم بها. بالطبع، قال بعض الفقهاء: إن بناء العقلاء على تقديم الأعلم. (الحكيم، ١٤١٦: ١/ ٢٨). ولكن مثل هذا البناء لم يثبت في الأمور الاعتبارية. على سبيل المثال، إذا كان للحقوقيين تفسيرات مختلفة لمادة قانونية، فإن استناد الناس إلى أي من هذه التفسيرات ليس مذمومًا عند العقلاء؛ لأنهم رجعوا إلى عالم لفهم واجبهم وحقهم القانوني. والقضاة أيضًا عندما يريدون إحالة موضوع إلى الخبرة، لا يفرقون بين الخبراء الرسميين، مع أنهم ليسوا جميعًا متساوين. بالطبع، في الأمور التكوينية (مثل علاج مرض مهم وكسب دخل كبير) حيث يريد الناس الوصول إلى الواقع (مثل السلامة والربح)، فربما بالرجوع إلى الأعلم أو مجلس العلماء أو دراسة نتائج آراء المتخصصين يصلون إلى اطمئنان أكبر؛ ولكن أولًا، علاج الأمراض والتجارة المربحة يتوقف على معرفة الموضوع وهو من الأمور العرفية وليس من شأن الفقهاء، ولا يمكن مقارنته بالفقاهة. ثانيًا، الناس في الأمور الشرعية والحقوقية والاعتبارية غالبًا ما يريدون الاطمئنان إلى واجبهم وحقوقهم ولا يقيّمون مدى تطابق التفسيرات المختلفة مع مراد الشارع أو المشرع. قياس الأمور الاعتبارية بالأمور الواقعية هو قياس مع الفارق. قد يسعى الفقهاء لكشف مراد الشارع ويقدمون الظن الأقوى به على غيره، ولكن غالب المقلدين يبحثون عن إجابة تمنحهم المنجزية والمعذرية؛ وهذه الإجابة يحصلون عليها من أي فقيه لديه النصاب الفقهي والصدق، وبتعبير التوقيع (الطوسي، ١٤١١: ٢٩١)، هو حجة الإمام على الناس؛ لا أنهم مكلفون بتقييم الفقهاء وفتاواهم واختيار فتوى تجلب لهم اطمئنانًا أكبر بالواقع. الأعلمية ليست من مقومات حجية فتوى الفقيه، وانحصار حجية فتوى فقيه واحد في كل عصر لا دليل عليه عقليًا ولا نقليًا.

لو كان تعارض فتوى الفقيه الأعلم وغير الأعلم تعارض الحجة واللاحجة، أولًا، في مورد الفتاوى الاحتياطية للأعلم، لم يجز الرجوع إلى غير الأعلم. ثانيًا، كان يجب على الفقهاء غير الأعلم أن يقلدوا الأعلم، بينما التقليد غير جائز عليهم. (العلوي، ١٤٢١: ١/ ١٧٥؛ الطباطبائي التبريزي، دون تاريخ: ٣٠٨). إذا كانت فتوى الأعلم توجب اطمئنانًا أكبر للمقلد، فقد يعمل بها ولكنها لا توجب عدم حجية فتوى غير الأعلم. الحجية الأقوى لا توجب عدم حجية القول القوي (الصدر، ١٤٢٠: ١٨٢). لأن المقلد غير مكلف بأن يجد فتوى توصله إلى اطمئنان أكبر بتطابقها مع الحكم الواقعي. المقلد يريد أن يفهم تكليفه الظاهري الاعتباري (الطباطبائي التبريزي، دون تاريخ: ٣٠٨). لذا، يرجع إلى أي فقيه لديه النصاب الفقهي ويبين تكليف المكلفين ويطمئن إلى إجابته وليس لديه وظيفة أخرى.

في الأمور التكوينية المهمة (مثل بعض الأمور العلاجية والتجارية)، قد يرجع الناس إلى من هم أكثر خبرة من غيرهم؛ ولكن هذه الأمور لا يمكن مقارنتها بالأحكام الشرعية؛ لأن أهمية الأحكام الشرعية هي بسبب الثواب والعقاب المترتب عليها، ومن هذا الجانب لا فرق بين فتوى الأعلم وغير الأعلم. (الطباطبائي، دون تاريخ: ٣٠٨) والعمل وفق الأحكام الظاهرية التي استنبطها الفقهاء الأعلم وغير الأعلم يوجب الثواب، وتركها قد يوجب العقاب.

أقصى ما يمكن قوله في أهمية فروع الدين هو أن: حق الناس مبني على التدقيق، وحق الله مبني على المسامحة؛ لأن الله غني، والأعمال التي يؤديها الفرد لله تعود منفعتها عليه. (لا على الله)؛ ولكن الناس قد يطالبون بحقوقهم من بعضهم البعض، لأنهم يحتاجون إليها. لذا، المسائل المتعلقة بحفظ دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم تستحق دقة واطمئنانًا أكبر من المسائل التي تعد من حق الله؛ ولكن الوصول إلى اطمئنان أكبر فيها يحصل بالعمل بالاحتياط لا بتقليد الأعلم.

هـ) وجوب التقليد في المسائل المتعلقة بالتقليد يستلزم الدور أو الخلف. في مورد لزوم التقليد من الأعلم أو غير الأعلم أيضًا، لا يمكن تقليد أحد؛ وعلى كل شخص أن يرجع إلى عقله (الصدر، ١٤٢٠: ١٩٨). إذا حكم عقل شخص بأن التقليد من الأعلم وغير الأعلم متساويان والرجوع إلى غير الأعلم جائز أيضًا، فيمكنه الرجوع إلى غير الأعلم (الآخوند، ١٤٠٩: ٤٧٤). المستند الأصلي لفتوى الفقهاء في هذا الباب هو أيضًا بناء العقلاء والعرف، وإن استندوا إلى الأدلة النقلية أيضًا.

و) وجوب أو عدم وجوب التقليد من الأعلم يتوقف على معيار حجية التقليد. وبما أن معياره هو «رجوع المقلد إلى الفقيه» و«معرفة وظيفته من طريق معتبر»، فإن جميع الفتاوى، دون أي قيد، حجة له، ولا تتمتع أي فتوى بحجية أكبر. جميع الفتاوى يحتمل أن تكون مطابقة للواقع. وإذا أراد شخص أن يصل إلى فتوى توجب أكبر ظن بالواقع، فإن كون فتوى أعلم الزمان توجب مثل هذا الظن هو محل شك جدي، خاصة في مورد فتوى الفقيه الأعلم الشاذة، مثل فتوى الصدوق بعدم نجاسة الخمر. (الفيض، دون تاريخ: ١/ ٧٢)، وفتوى السبزواري بطهارة ابن الكافر الذي يأسره المسلمون (السبزواري، ١٤٢٣: ١/ ٦٠).

بالطبع، أفتى كثير من الفقهاء بلزوم التقليد من الأعلم واستندوا إلى أدلة؛ ولكن هذه الأدلة لا تبدو تامة:

أ) يرى الآخوند الخراساني أنه إذا لم يحكم عقل شخص بتساوي التقليد من الأعلم وغير الأعلم، فالأصل هو عدم جواز التقليد (بسبب حرمة اتباع الظن)، إلا تقليد من يوجد دليل على جوازه. (الآخوند، ١٤٠٩: ٤٧٤-٤٧٥). يبدو: أولًا، الأدلة النقلية التي توجد لحجية التقليد ليست مقيدة بالأعلم، والإمام المهدي (عج) في التوقيع (الطوسي، ١٤١١، ٢٩١)، اعتبر عموم رواة الأحاديث حجته على الناس. تفاوت الفتاوى أيضًا لا يوجب انصراف الأدلة إلى الرجوع إلى الأعلم. تضاد بعض الأحكام الظاهرية (فتويان متضادتان في موضوع واحد) لا يضر بحجيتها المطلقة؛ لأن الفقه هو فهم الفقهاء للشريعة، والأفهام المتضادة لا تستلزم محالًا عقليًا؛ بخلاف نطاق الأحكام الواقعية حيث لا يمكن أن يكون لموضوع واحد حكمان واقعيان. الدليل العقلي أو العقلائي لحجية التقليد هو أيضًا رجوع الجاهل إلى العالم (لا رجوع الجاهل إلى الأعلم). بناءً على ذلك، بالاستناد إلى الأدلة، فإن الظن الناشئ عن فتوى غير الأعلم حجة وخارج عن ذيل أدلة حرمة العمل بالظن.

ب) يرى الآخوند الخراساني أنه في حالة التردد في مشروعية تعيين التقليد من الأعلم أو تخيير التقليد من الأعلم وغير الأعلم، فالأصل هو التعيين. (الآخوند، ١٤٠٩: ٤٧٤). وفي حجية الرجوع إلى الأعلم لدينا يقين، ولكن في حجية الرجوع إلى العالم ليس لدينا يقين، والشك في الحجية مساوٍ لعدم الحجية. (الفاضل اللنكراني، ١٤١٤: ١٠٧). يبدو: أولًا، بقبول مبنى التقليد العقلائي، لا تصل النوبة إلى الرجوع إلى أصل التعيين (الذي يجري في مورد الشك). ثانيًا، يرى السيد رضا الصدر أنه بوجود جواز الاحتياط، لا يتحقق الدوران بين التعيين والتخيير. (الصدر، ١٤٢٠: ١٩٩). ومن يحكم عقله بالاحتياط، فإن التقليد من الأعلم ليس تعيينيًا ولا تخييريًا بالنسبة له. ثالثًا، الشك في حجية فتوى غير الأعلم ناشئ عن الشك في اشتراط الأعلمية في مرجع التقليد؛ بينما بالاستناد إلى البراءة العقلية، الأصل هو عدم عقاب من خالف فتوى الأعلم بالاستناد إلى فتوى غير الأعلم. (الصدر، ١٤٢٠: ١٦٤). وبالاستناد إلى البراءة الشرعية، الأصل هو عدم شرطية أعلمية المرجع، والأصل هو عدم مزية فتوى الأعلم على غير الأعلم. (الصدر، ١٤٢٠: ١٦٦). بالإضافة إلى ذلك، إجراء البراءة في السبب (أي شرطية الأعلمية في المرجعية) مقدم على إجراء أصل الاشتغال والتعيين في المسبب (أي عدم حجية فتوى غير الأعلم). (الصدر، ١٤٢٠: ١٦٦-١٦٧)، ويزيل الشك في حجية فتوى غير الأعلم. رابعًا، لا يمكن القول إن فتوى الأعلم حجة مطلقًا وفتوى غير الأعلم ليست حجة؛ لأن العقل لا يحكم بعدم اعتبار فتوى غير الأعلم «في الموارد التي توافق الاحتياط، أو مثل فتوى الفقيه الأعلم المتوفى»؛ وباعتبار انحصاري لفتوى الأعلم «في حالة مخالفتها لفتوى مشهور الفقهاء القدماء والجدد، أو مخالفتها لفتوى جميع فقهائه المعاصرين» لا يحكم، بل في هذه الحالة، يحكم العقل بالتساقط والرجوع إلى الاحتياط أو التخيير أو تقديم فتوى غير الأعلم أو تقديم الفتوى الموثوق بها. (الصدر، ١٤٢٠: ١٦٨-١٦٩). خامسًا، أصل التعيين (في الدوران بين التعيين والتخيير) يعمل في مقام الامتثال لا في مقام ثبوت الحكم، بينما هنا التردد في مقام ثبوت التكليف؛ لأننا نتردد في أن الجاهل يجب أن يرجع إلى الأعلم تعيينًا أو يجب أن يرجع إلى الأعلم والعالم تخييرًا. نتردد هل وجوب الرجوع تعلق بـ«الرجوع إلى الأعلم» أم بـ«الرجوع إلى الأعلم وغير الأعلم». عودة هذا الدوران بين التعيين والتخيير إلى الدوران بين الأقل والأكثر، حيث تجري البراءة في المقدار الزائد. الرجوع إلى الأعلم والعالم تخييرًا هو الأقل، وتعيّن الرجوع إلى الأعلم هو تكليف زائد.

ج) يرى الشبيري الزنجاني أن ملاك وجوب التقليد من الأعلم هو أقربية فتواه إلى الواقع. (الشبيري، ١٣٩٣/٢/٢١). وفتوى الفقيه الأعلم، غالبًا. (البجنوردي، ١٣٨٠: ٢/ ٨١٦)، أو دائمًا أقرب إلى الواقع، والجهال للوصول إلى الواقع يجب أن يقدموا الفتوى الأقرب على غير الأقرب. بينما يرى الآخوند الخراساني أولًا، أن فتوى الأعلم ليست دائمًا أقرب إلى الواقع؛ فكم من فتاوى غير الأعلم الحي توافق فتاوى الفقهاء الماضين الذين كانوا أعلم زمانهم. (الآخوند، ١٤٠٩: ٤٧٦). ومن الفقهاء الأحياء أيضًا من هم أعلم، مثل أعلمية الشيخ الطوسي بالنسبة للفقهاء بعده بعشرات السنين. بالإضافة إلى ذلك، كم من فتاوى الأعلم أبعد عن الواقع؛ لأن الاحتمالات الكثيرة التي تخطر بذهنه تبعده أحيانًا عن الواقع. (الصدر، ١٤٢٠: ١٨٠). إن توسع الفقه والأصول والتعمق في الاستدلالات المعقدة (التي تُحسب عادةً معيار الأعلمية) لا يقرب الفقه بالضرورة من الأحكام الواقعية، بل قد يؤدي إلى الابتعاد عن الفهم العرفي؛ ومن وجهة نظر الشبيري الزنجاني لا يمكن القول إن بعض فقهاء اليوم (مثل الموسوي الخوئي) أعلم من الفقهاء المتقدمين (مثل الشيخ الطوسي). (الشبيري، ٩٣/٢/٢٣)، وفتاواهم أقرب إلى الواقع. ثانيًا، أقربية فتوى الأعلم غير قابلة للإثبات؛ لأنه بما أن الوحي قد انقطع والإمام الحاضر غير موجود ليحيط بالواقع ويحدد الفتوى الأقرب إليه، لا يمكن لأحد أن يدعي أي من الفتويين للأعلم وغير الأعلم أقرب إلى الواقع. بالإضافة إلى ذلك، الفتاوى إما مطابقة للواقع أو غير مطابقة؛ لذا لا يمكن اعتبار فتوى أقرب وأخرى أبعد عن الواقع.

٥. دراسة إمكانية تشخيص الفقيه الأعلم

إذا كان المقلد يبحث عن الوصول إلى الظن الأقوى بالحكم الواقعي، فعليه أن يقيم الفقهاء وفتاواهم من حيث مطابقتها للواقع، وإذا كانت فتوى الفقيه الأعلم توجد لديه ظنًا أقوى، فعليه أن يقلده. لهذا التقييم، يجب أن يكون معيار الأعلمية معلومًا له وأن يتمكن من تشخيص الأعلم. بشأن معيار الأعلمية يمكن القول: من زمن الفقهاء المتقدمين (من الغيبة الكبرى «٣٢٩هـ» إلى زمن العلامة الحلي «٧٢٦هـ») والمتأخرين (بعد العلامة الحلي إلى زمن المحقق الكركي «٩٤٠هـ») وفقهاء ما بعدهم حتى زمن النجفي (المتوفى ١٢٦٦هـ)، لم يُنقل تعريف للفقيه الأعلم. لعل عدم تحديد معيار الأعلم حتى القرن الثالث عشر هو علامة على عدم اهتمام الفقهاء به أو إيكاله إلى العرف. ومن القرن الثالث عشر فصاعدًا، قُدمت آراء مختلفة: الأكثر مهارة في استخراج حكم الله وفهمه من الأدلة الشرعية (الأنصاري، ١٣٧٣: ٣١)، من يمتلك ملكة أقوى أو هو أكثر خبرة، من هو أعلم بقواعد ومستندات المسألة ولديه معلومات أكثر عن الأخبار ونظائرها ويفهم الأخبار بشكل أفضل، بعبارة أخرى: من يستنبط بشكل أفضل. (الطباطبائي اليزدي، ١٤٠٩: ١/ ٧-٨)، ومن هو بالإضافة إلى علمه بقواعد وأدلة الأحكام، يخطئ أقل في تطبيق القواعد على الفروع والمصاديق (جناتي، ١٣٦٥، ش٦: ٢٣).

يبدو: بما أن الفقيه يبحث عن الوصول إلى الأحكام الواقعية عن طريق الأدلة، فالأعلم هو من يستطيع أن يعلم بالأحكام الواقعية ومراد الشارع بشكل أفضل من غيره؛ فالأمر دائر بين العالم والجاهل لا بين العالم والأعلم (جناتي، ١٣٧٢: ش١٠١: ٥١). بناءً على ذلك، قد يكون رأي من الفقهاء القدماء أو رأي شاذ مطابقًا لمراد الشارع، ورأي من فقهاء اليوم أو رأي مشهور غير مطابق لمراد الشارع. لذلك، لا يمكن مقارنة التقليد بالرجوع إلى علماء العلوم الطبيعية؛ لأنه على سبيل المثال، يمكن للمرضى والأطباء مشاهدة وتقييم أثر العمل بتعليمات طبيب ما، وهدفهم من التعليمات الطبية هو الوصول إلى الواقع (وهو الشفاء)؛ ولكن تقييم تطابق الفتوى مع الواقع غير ممكن للمقلدين والمجتهدين، وهدف المقلدين هو الوصول إلى الحجة ووظيفتهم، لا الوصول إلى الواقع. بناءً على ذلك، في عصر الغيبة، تشخيص الأعلم أو العالم بالحكم الواقعي غير ممكن. بالطبع، فتاواهم وتقليدهم حجة، والرجوع المكلف إلى غير الفقيه الذي ليس لديه إحاطة علمية بالأدلة النقلية غير معتبر.

مع ذلك، قدم الفقهاء طرقًا لتشخيص الأعلم. يرى هؤلاء أن تقييم مباني وأسلوب استدلال الفقهاء هو طريق تشخيص الأعلم أو العالم بالحكم الواقعي، ويوجد للمقلد ظنًا أقوى بمراد الشارع. لهذا التقييم، اعتبر الفقهاء رأي خبير عادل واحد (الأنصاري، ١٣٧٣: ٣١)، عالمين عادلين (بني هاشمي، ١٣٨٠: ١/ ١٧ «خميني»)، أهل الخبرة أو الشياع (الطباطبائي اليزدي، ١٤٠٩: ٨/١) لازمًا. يبدو أنه بهذه الطرق أيضًا لا يمكن تشخيص الأعلم؛ لأن:

١. بما أن المبنى الأصلي لتقليد الفقهاء هو بناء العقلاء، فإن طريق تشخيص الفقيه الأعلم هو أيضًا عرفي؛ وفي الروايات أيضًا لم يُذكر طريق لتشخيص الأعلم. العرف إذا أراد أن يسأل الأعلم، يسأل في كل مسألة من هو أعلم من غيره في تلك المسألة. لذا، لتشخيص الأعلم في كل فتوى، يجب مقارنة نفس فتوى فقيه ما بفتوى جميع الفقهاء الآخرين وتقييمها. بينما هذا النوع من التقييم عادةً غير ممكن لعالمين عادلين أو أهل الخبرة. بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن لفقيه واحد عادةً أن يكون أعلم من غيره في جميع مسائل الفقه؛ لأن بعض فتاواه قد تُخدش بسهولة من قبل فقهاء آخرين. قد يقال: إذا حصل أهل الخبرة على علم إجمالي بأن فتاوى فقيه واحد في المجموع أقوى من فتاوى الفقهاء الآخرين، فيمكنهم إعلانه فقيهًا أعلم. يبدو أن أهل الخبرة لا يمكنهم الاكتفاء بهذا العلم الإجمالي وإحالة الناس إلى فتاوى يتيقنون أن بعضها أضعف من فتاوى الفقهاء الآخرين.

٢. رأي أهل الخبرة في تعريف الفقيه الأعلم غير معتبر؛ لأن أهل الخبرة أنفسهم أصحاب رأي، ولديهم مبنى معين في استنباط الأحكام يعتبرونه أصح من بين المباني الأخرى. في هذه الحالة، يقيمون فتاوى الفقهاء الآخرين بمعيارهم الخاص؛ بينما غالب المقلدين يعلمون بعدم أعلمية أهل الخبرة، أو أن أعلميتهم لم تثبت، وليس معلومًا أن معيار تقييمهم أفضل من مباني وأسلوب استدلال الفقهاء قيد التقييم.

٣. الرجوع إلى خبيرين لتشخيص الأعلم ليس أسلوبًا عرفيًا. الرجوع إلى الخبير والمهندس أمر عقلائي وعرفي وله قواعده الخاصة، ولا يمكن تغيير تلك القواعد دون أمر من الشارع في هذا الشأن. الرجوع العرفي إلى الخبير يكون أحيانًا بأن يحيل القاضي موضوعًا إلى خبير، وفي حالة اعتراض الطرف الآخر في الدعوى، يحيله إلى هيئة من ثلاثة خبراء ثم إلى هيئة من خمسة خبراء ويحكم بنتيجة ذلك. وأحيانًا يكون بأن يتشاور مدير في عمل لا يملك معرفة صحيحة به ويريد اتخاذ قرار تنفيذي مع مجموعة من المستشارين وينفذ رأي غالبيتهم. لتشخيص الأعلم أيضًا، يجب استخدام نفس هذه الطرق.

النتيجة

الاجتهاد والفقاهة مرتبطان بالفقهاء الذين غالبًا ما يريدون الوصول إلى مراد الشارع؛ ولكن التقليد مرتبط بالناس الذين يريدون أن يكونوا على علم بواجباتهم، وعادةً ليس لديهم طريق سوى أن يسألوها من الفقهاء. سؤال وجواب المكلفين والعلماء عقلائي ومؤيد من الشارع، وهو حجة، أي منجز ومعذر. هذا الأسلوب العقلائي ليس مخصصًا للتعلم من فقيه حي أعلم واحد، ويشمل إجابات عدة فقهاء أحياء أو أموات وأعلم أو غير أعلم، ويمكن للمقلدين الحصول على إجابة كل مسألة فقهية من «الفقه (الذي يحتوي على فتاوى الفقهاء الأحياء، المتوفين، الأعلم وغير الأعلم)». يمكنهم اختيار أيسر الفتاوى من بين الإجابات المختلفة، أو العمل بالفتاوى الأقرب إلى الاحتياط بمقتضى مراتب إيمانهم.

قائمة المصادر

القرآن الكريم

نهج البلاغة، قم، هجرت، ١٤١٤ هـ.

الآخوند الخراساني، محمد كاظم، كفاية الأصول، قم، آل البيت، ١٤٠٩ هـ.

الأصفهاني، محمد حسين، نهاية الدراية، قم، سيد الشهداء، ١٣٧٤ هـ.

الأنصاري، مرتضى، الاجتهاد والتقليد، قم، مكتبة المفيد، ١٤٠٤ هـ.

صراط النجاة، قم، مؤتمر الشيخ الأنصاري، ١٣٧٣ ش.

مطارح الأنظار «الاجتهاد والتقليد»، قم، آل البيت، دون تاريخ.

البجنوردي، سيد حسن، منتهى الأصول، طهران، عروج، ١٣٨٠ ش.

بني هاشمي، سيد محمد حسن، توضيح المسائل مراجع عظام، قم، انتشارات إسلامي، ١٣٨٠ ش.

جعفريان، رسول، «تاريخ الاجتهاد والتقليد من السيد المرتضى إلى الشهيد الثاني»، مجلة علوم سياسي (١٥٧-١٩٢)، جامعة باقر العلوم، العدد ٢٧، خريف ١٣٨٣ ش.

جناتي، محمد إبراهيم، «سير تاريخي تقليد از اعلم»، كيهان انديشه، العدد ٦، خرداد ١٣٦٥ ش.

رسالة توضيح المسائل، قم، مؤسسة فرهنگي اجتهاد، ١٣٧٠ ش.

الحائري اليزدي، عبد الكريم، درر الفوائد، قم، انتشارات إسلامي، ١٤١٨ هـ.

الحر العاملي، محمد، وسائل الشيعة، قم، آل البيت، ١٤٠٩ هـ.

الحسيني، محمد، معجم المصطلحات الأصولية، بيروت، مؤسسة العارف، ١٤١٥ هـ.

الحكيم، سيد محسن، مستمسك العروة الوثقى، قم، دار التفسير، ١٤١٦ هـ.

الحكيم، محمد تقي، الأصول العامة في الفقه المقارن، قم، مجمع جهاني أهل بيت، ١٤١٨ هـ.

الحلّي، حسن، نهاية الوصول إلى علم الأصول، قم، مؤسسة الإمام الصادق (ع)، ١٤٢٥ هـ.

الحيدري، علي نقي، أصول الاستنباط، قم، مركز مديريت حوزه علميه، ١٤١٢ هـ.

الخميني، سيد روح الله، تحرير الوسيلة، طهران، مؤسسة نشر آثار إمام خميني، ١٤٣٤ هـ.

الرسائل، قم، اسماعيليان، ١٤١٠ هـ.

الخوئي، سيد أبو القاسم، التنقيح «الاجتهاد والتقليد»، قم، لطفي، ١٤١٨ هـ.

السبزواري، محمد باقر، كفاية الأحكام، قم، انتشارات إسلامي، ١٤٢٣ هـ.

الشبيري الزنجاني، سيد موسى، موقع مباحثات (رسانه فكري تحليلي حوزه وروحانيت)، تقريرات جلسة آية الله العظمى شبيري زنجاني في مورد جواز تقليد ابتدائي از فقيه اعلم ميت، ٢٠، ٢١ و٢٣ ارديبهشت ١٣٩٣، تاريخ ٢٩/ ٨/ ٩٩.

الصدر العاملي، صدر الدين، خلاصة الفصول في علم الأصول، طهران، چاپخانه علمي، ١٣٦٧ هـ.

الصدر، سيد رضا، الاجتهاد والتقليد، قم، دفتر تبليغات إسلامي، ١٤٢٠ هـ.

الصدوق، محمد، الفقيه، قم، انتشارات إسلامي، ١٤١٣ هـ.

الصنقور، محمد، المعجم الأصولي، قم، منشورات الطيار، ١٤٢٨ هـ.

الطباطبائي التبريزي، سيد محمد حسين، حاشية الكفاية، قم، بنياد علمي وفكري علامه طباطبائي، دون تاريخ.

الطباطبائي القمي، سيد تقي، مباني منهاج الصالحين، قم، قلم الشرق، ١٤٢٦ هـ.

الطباطبائي اليزدي، سيد محمد كاظم، العروة الوثقى المحشى، قم، انتشارات إسلامي، ١٤١٩ هـ.

سيد محمد كاظم، العروة الوثقى، بيروت، مؤسسة الأعلمي، ١٤٠٩ هـ.

الطوسي، محمد، العدة، قم، علاقبنديان، ١٤١٧ هـ.

الغيبة، قم، دار المعارف الإسلامية، ١٤١١ هـ.

عثمان، محمود حامد، القاموس المبين في اصطلاحات الأصوليين، رياض، دار الزاحم، ١٤٢٣ هـ.

العراقي، ضياء الدين، الاجتهاد والتقليد، قم، نويد إسلام، ١٣٨٨ هـ.

العسكري (الإمام)، الحسن، التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري، قم، مدرسة الإمام المهدي (ع)، ١٤٠٩ هـ.

علم الهدى، سيد مرتضى، الذريعة، طهران، جامعة طهران، ١٣٧٦ هـ.

العلوي، سيد عادل، القول الرشيد، قم، كتابخانه آيت الله مرعشي، ١٤٢١ هـ.

عنايتي راد، محمد جواد، «استناد به استصحاب برای اثبات جواز تقلید ابتدایی از مجتهد متوفی»، مجله فقه وأصول، العدد ١٠٤، ١٣٩٥ ش.

الفاضل التوني، عبد الله، الوافية في أصول الفقه (الاجتهاد والتقليد)، قم، مجمع الفكر الإسلامي، ١٤١٥ هـ.

الفاضل اللنكراني، محمد، تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة «الاجتهاد والتقليد»، قم، انتشارات إسلامي، ١٤١٤ هـ.

الفياض الكابلي، محمد إسحاق، تعالق مبسوطة على العروة الوثقى، قم، محلاتي، دون تاريخ.

الفيض الكاشاني، محمد محسن، مفاتيح الشرائع، قم، كتابخانه آيت الله مرعشي، دون تاريخ.

القزويني، هاشم، «گفت‌وگو در مورد فقيه نوانديش حاج شيخ هاشم قزويني»، كيهان فرهنگي، العدد ٢٥٩، ارديبهشت ١٣٨٧ ش.

القمي، ميرزا أبو القاسم، القوانين المحكمة في الأصول، قم، إحياء الكتب الإسلامية، ١٤٣٠ هـ.

الكليني، محمد، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، ١٤٠٧ هـ.

المحقق الداماد، محمد، المحاضرات (مباحث أصول الفقه)، المقرر: سيد جلال الدين طاهري، أصفهان، مبارك، ١٣٨٢ هـ.

المرعشي النجفي، سيد شهاب الدين، منهاج المؤمنين، قم، كتابخانه آيت الله مرعشي، ١٤٢١ هـ.

مركز اطلاعات ومدارك إسلامي، فرهنگ‌نامه أصول فقه، قم، پژوهشگاه علوم وفرهنگ إسلامي، ١٣٨٩ ش.

المظاهري، حسين، رسالة استفتائات، أصفهان، مؤسسه فرهنگي الزهراء، ١٣٩١ ش.

المفيد، محمد، الاختصاص، قم، کنگره جهانی هزاره مفيد، ١٤١٣ هـ.

مكارم، ناصر، أنوار الأصول، المقرر: أحمد قدسي، قم، مدرسة الإمام علي (ع)، ١٤٢٨ هـ.

المكي العاملي، محمد، ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، قم، آل البيت، ١٤١٩ هـ.

الموسوي الأردبيلي، سيد عبد الكريم، رسالة استفتائات، قم، نجابت، ١٣٩١ ش.

الموسوي القزويني، علي، تعليقة على معالم الأصول، قم، انتشارات إسلامي، ١٤٢٧ هـ.

النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ١٤٠٤ هـ.

النراقي، محمد مهدي، تجريد الأصول، قم، سيد مرتضى، ١٣٨٤ هـ.

النعماني، محمد، كتاب الغيبة، طهران، دوق، ١٣٩٧ هـ.

الهوامش

١. أخذ قول الغير دون المطالبة بالدليل (الآخوند، ١٤٠٩: ٤٧٢)، قبول قول الغير دون دليل (عثمان، ١٤٢٣: ١٠٨)، الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين (الطباطبائي اليزدي، ١٤٠٩: ١/ ٤)، العمل المستند إلى فتوى المجتهد (صنقور، ١٤٢٨: ١/ ٥٦٨)، والتبعية للمجتهد في العمل (الحائري، ١٤١٨: ٧٠٢).

٢. بالاستناد إلى مقبولة عمر بن حنظلة (الكليني، ١٤٠٧: ١/ ٦٧) ومشهورة أبي خديجة (نفسه: ٤١٢/٧).

٣. بالطبع، تشخيص المسائل التي ترتبط بمصير الإسلام هو في الغالب تشخيص للموضوع، ومرجعه العرف وليس الفقيه أو مجلس الفقهاء.

٤. لأنه في الموارد التي لم يفتِ فيها الأعلم، يجب على مقلديه الاحتياط، لا أن يرجعوا إلى فتوى من ليس بحجة.

٥. في هذا المورد، يرجى الرجوع إلى الأدلة (أ) و (ب) تحت عنوان «أدلة جواز التقليد من الفقيه غير الأعلم».

٦. بالطبع، إذا كان الحكم الشرعي الواقعي في مسألة هو الوجوب، فإن الفتوى بالاستحباب أقرب إلى الواقع مقارنة بالفتوى بالحرمة.

٧. منذ عشرات السنين، كان الخبراء الذين يبدون رأيهم في أعلمية الفقهاء هم من بين تلاميذهم؛ بينما في زمن البهبهاني (المتوفى ١٢٠٥هـ) حتى البروجردي (المتوفى ١٣٨٠هـ)، كان أساتذة أواخر أعمارهم يعرفون الفقيه الأعلم بعدهم. (جناتي، سير تاريخي تقليد از اعلم، ش٢٧/٦).

Scroll to Top