التمييز بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية

الملخص

من المسائل المهمة والتطبيقية في علمي الفقه والأصول، التمييز والفرق بين «القاعدة الأصولية» و«القاعدة الفقهية» وكيفية ورودهما في طريق استنباط الأحكام. فعلم الأصول هو واسطة لاستنباط وكشف الأحكام ويقع في طريق استنباطها، بينما قواعد الفقه ليست لاستنباط الأحكام ولا تقع في طريق الاستنباط؛ بل تُطبّق قواعد الفقه على الأحكام الفرعية. وبعبارة أخرى، للقاعدة الأصولية نسبة توسطية إلى أحكام المكلفين، وللقاعدة الفقهية جنبة تطبيقية. وبتعبير آخر، القواعد الأصولية هي وسائط لاستنباط وكشف الأحكام وتقع في طريق استنباط الأحكام، أما القواعد الفقهية فليست واسطة لاستنباط الأحكام ولا تقع في طريق الاستنباط، بل تُطبّق على الأحكام الفرعية. بناءً على هذا، فإن القاعدة الفقهية حكم شرعي كلي، والقاعدة الأصولية واسطة في إثبات الحكم الشرعي.

المقدمة

في بداية تكوّن علم أصول الفقه وحتى تدوينه، لم تكن كثير من المباحث الأصولية الحالية مطروحة، ثم أُضيفت شيئًا فشيئًا بحسب الحاجات التي كانت تُستشعر. وبالطبع، تندرج كل تلك الإضافات في نظرة كلية ضمن إطار علم واحد، والطبع الإنساني لا ينفر منها، لأنها جميعًا تؤمّن حاجة الفقيه إلى الحجة. والإنصاف، أنه في ضوء هذه المسائل المستجدة، يكتسب الفقيه قدرة فائقة في طريق كشف الأحكام الشرعية من مداركها. يجب أن نعلم أن هذه المجموعة من المسائل التي أضافها فطاحل الفقه من السلف الصالح إلى الخلف المعاصر، لا يمكن أن تكون بلا ضابط أو من قبيل الصدفة، بل لا بد أن هناك نظامًا فنيًا وترابطًا عضويًا قائمًا بينها. ولا ينبغي أن تغيب عن بالنا هذه النقطة، وهي أن هناك فرقًا وجدانيًا بين هذه المسائل المستجدة وغيرها من العلوم التي يحتاجها الفقيه، مثل علم الرجال والحديث واللغة والتفسير وغيرها. إن الفلسفة الوجودية والرسالة الأساسية للمسائل الأصولية هي رفع حاجة الفقيه في سبيل تشخيص وظائف المكلفين، بخلاف العلوم الأدبية والتفسير وغيرها، التي مع حاجة الفقيه إليها، إلا أن رسالتها الأساسية والذاتية ليست تشخيص وظائف المكلفين. إن متن المسألة الأصولية ليس حكمًا شرعيًا، بل نتيجته سلسلة من الأحكام أو الوظائف الكلية. ولهذا السبب، لا يمكن أن يكون البحث في حجية الاستصحاب في الشبهات الموضوعية، وكذلك أصالة البراءة والاحتياط الجارية في الشبهات الموضوعية، من ضمن المسائل الأصولية. لأن نتائجها أحكام ووظائف شخصية، ولذا فإن للاستصحاب (مثلًا) وجهين: وجه يبحث فيه عن أصل حجيته والاستناد إليه، وبهذا اللحاظ يُعدّ ضمن القواعد الأصولية ويكون على عهدة علم الأصول. والوجه الآخر هو جنبة تطبيقه على الموضوعات المشتبهة، وفي هذه الحالة يُعدّ ضمن المسائل الفقهية ويكون على عهدة الفقه.

دراسة مفهوم الموضوع

ألف. القواعد في اللغة

القواعد، جمع قاعدة، وتعني الأساس والجذر. الطريحي في تبيين الكلمة في آية «وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» (البقرة: ١٢٧) يكتب: «القواعد جمع القاعدة وهي الأساس لما فوقه». القواعد جمع قاعدة وتعني الأساس والدعامة لما يوضع فوقها. تُستخدم كلمة قاعدة، بالإضافة إلى الأمور المادية مثل أسس البناء، في الأمور المعنوية والأسس غير المادية التي لها جانب بنيوي. تُسمى أسس كل علم بقواعد ذلك العلم، وهذه القواعد تشكل المسائل الأساسية والمباني الأولية لذلك العلم، ويتوقف الكثير من المسائل الفرعية وتفريعات العلم على رسوخ تلك الأسس. وعلى هذا، فإن قواعد الفقه من حيث اللغة هي أسس وبُنى علم الفقه التحتية. (الطريحي، ١٤٠٨: ١/ ٥٢٩. وأيضًا: ابن منظور، ١٤١٤: ٣/ ٣٦١؛ الطبرسي، ١٤٠٦: ١/ ٣٨٨). يكتب الراغب الأصفهاني: «و قواعد البناء، أساسه، قال الله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ». (راغب الأصفهاني، ص ٤١٩). ويكتب العلامة الفيومي: يكتب ابن منظور: «والقاعدة أصل الأس و القواعد: الأساس.» (ابن منظور، ١٤١٤ق)

ب. القواعد في اصطلاح الفقهاء

لم يتفق علماء الفقه على تعريف اصطلاحي للقاعدة، وكل تعريف من التعريفات الواردة يشير إلى أحد جوانب تمييز القاعدة الفقهية عن سائر القواعد، ونشير أدناه إلى بعضها: يصف التهانوي هذا الاصطلاح قائلًا: «انها امر كلى منطبق على جميع جزئياته عند تعرف احكامها منه» (التهانوي، ٥/ ١١٧٦؛ الطريحي، همان: ١/ ٥٣١)؛ القاعدة أمر كلي وشامل ينطبق عند معرفة أحكام الجزئيات على جميع جزئياته. وعرّفها البعض هكذا: «اصول فقهيه كليه فى نصوص موجزه دستورية تتضمن احكاما تشريعية عامة في الحوادث التي تدخل تحت موضوعها» (الزرقاء، ١٣٨٧: ٢/ ٩٤٦)؛ قواعد الفقه، هي أصول فقهية كلية بعبارات موجزة وأساسية تتضمن أوامر تشريعية عامة تشمل الوقائع التي تدخل ضمن موضوعاتها. وعرّف السيد الفياض القاعدة قائلًا: «فإنَّها تقع في طريق استفادة الأحكام الشرعية الإلهية، ولا يكون ذلك من باب الإستنباط و التوسيط بل من باب التطبيق (قواعد فقهی) هي قواعد يُستفاد منها في تحصيل الأحكام الشرعية الإلهية (وهذا النحو من الاستفادة) ليس من باب الاستنباط والتوسيط للحكم (مثل القواعد الأصولية)؛ بل هذه الاستفادة من باب التطبيق على المصاديق.» (محمد إسحاق فياض ١٤١٠: ١/ ٨). ويكتب السيد المصطفوي: «القاعدة بحسب الاصطلاح الفقهى عبارةٌ عَنِ الأصلِ الكُلى الذى ثَبَتَ من أدلته الشرعيه و ينطبق بنفسه على مصاديقه انطباق الكلي الطبيعى على مصاديقه؛ القاعدة بحسب الاصطلاح الفقهي هي الأصل الكلي الذي ثبت بأدلته الشرعية، وينطبق بنفسه (دون واسطة) على مصاديقه كانطباق الكلي الطبيعي على مصاديقه.». (سيد كاظم المصطفوي، ١٣٨٨ ش: ١/ ٢١). وفي تعريف القاعدة الفقهية، يكتب السيد مكارم: القاعدة الفقهية هي قانون كلي مستفاد من أدلة قطعية وقابل للتطبيق على المصاديق الجزئية، كتطبيق الكلي الطبيعي على أفراده، مثل قاعدة الطهارة؛ أو أن القاعدة الفقهية هي حكم كلي فقهي يُستخدم في أبواب مختلفة من الفقه أو موضوعات متعددة. مثلًا، قاعدة لا ضرر هي قاعدة فقهية تُستخدم في أبواب البيع، والإجارة، والنكاح، والطلاق، وكثير من أبواب الفقه الأخرى. وقاعدة الإقرار هي قاعدة فقهية أخرى تجري في كل موضوع يكون فيه ضرر على المقرّ. وعرّف بعض الكتّاب قائلًا: «القواعد الفقهيه هى احكام عامة فقهيه تجرى في ابواب مختلفه» أي أن القواعد الفقهية هي أحكام كلية تجري في أبواب شتى. (مكارم، ١٤١١: ١/ ١٦). وقال بعض علماء الأصول عن القاعدة والمسألة الأصولية: «القاعدة الفقهية هي قضية لا يتعلق حكمها المحمولي بفعل أو ذات خاصة، بل تشمل كثيرًا من الأفعال أو الذوات المتفرقة التي يصدق عليها عنوان الحكم المحمولي، سواء كان ذلك الحكم المحمولي حكمًا واقعيًا أوليًا، كقاعدة لا ضرر وقاعدة لا حرج، التي يمكن أن توجد وتُجرى في جميع أبواب الفقه، أو كان حكمًا ظاهريًا، كقاعدة التجاوز وقاعدة الفراغ». (محمود شهابي، ١٣٧٥: ٧/ ١٦٧). ويُستفاد من التعاريف المذكورة ثلاث خصائص: ١. هي أصل كلي، وإن كان هذا الأصل قد استُثني في بعض الموارد لأسباب مختلفة. ٢. ثبتت بواسطة الأدلة الشرعية، من آيات وروايات وإجماع الفقهاء. ٣. تُطبّق على مصاديقها مباشرة دون واسطة، كانطباق الكلي الطبيعي على مصاديقه.

ج. تعريف القاعدة الأصولية

يكتب السيد الشاهرودي: في أصول الفقه، يُبحث في قواعد تكون نتيجتها محل استفادة المجتهد في استنباط الحكم الشرعي. من هنا، فإن علم أصول الفقه بالنسبة لعلم الفقه هو علم آلي، يستطيع الفقيه بواسطته استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من مصادرها، أي الكتاب والسنة والإجماع والعقل. استنباط كل حكم شرعي، سواء كان تكليفيًا أو وضعيًا، من المصادر الأربعة للفقه، يتطلب مسألة أو قاعدة أصولية واحدة أو أكثر. على سبيل المثال، استنباط حكم وجوب الصلاة من آية «أَقِيمُوا الصَّلَاةَ» يعتمد على قاعدتين أصوليتين: «صيغة الأمر “أقيموا” ظاهرة في الوجوب» و«ظواهر القرآن حجة». (الشاهرودي، ١٤٢٦/٣ هـ ق). وقال البعض: القواعد الأصولية هي قواعد كلية إذا حصلنا على مصاديقها وصغرياتها وضممناها إلى تلك القواعد، كانت نتيجتها حكمًا فقهيًا كليًا (سواء كان حكمًا واقعيًا أو ظاهريًا). مثلًا: «دلالة الأمر على الوجوب» قاعدة أصولية، لأننا إذا حصلنا على مصداق للأمر، على سبيل المثال: الأمر المتعلق بالإنفاق على الزوجة والأولاد، وضممنا هذا المصداق إلى تلك القاعدة، بأن نقول: «الإنفاق على الزوجة والأولاد مأمور به» و«كل ما هو مأمور به واجب» (لأن الأمر يدل على الوجوب)، فإن النتيجة تكون «إذن، الإنفاق على الزوجة والأولاد واجب»، وهذه النتيجة حكم فقهي. (الكرجي، أبو القاسم، ١٤٢١ هـ ق: ١/ ١٣٧). ويقول صاحب الكفاية: القاعدة الأصولية هي قاعدة كلية تنطبق على جميع موضوعات مسائل علم الأصول، سواء كانت من الأدلة الأربعة أم لا. (الآخوند الخراساني، ١٤٢٦ ق: ١/ ٦). لذا، القاعدة الأصولية هي المسائل التي يمكن أن تقع كبرى في قياس الاستنباط، أي كبرى القياس التي إذا ضُمت إليها الصغرى المناسبة، كانت نتيجتها حكمًا فقهيًا كليًا، مثل مسألة حجية خبر الواحد أو عدم حجيته، والاستصحاب وغيرها.

د. الخلفية التاريخية للقاعدة الفقهية والأصولية

تتمتع قواعد الفقه والأصول بخلفية تاريخية طويلة؛ ويُنسب تأسيس علمي الأصول والفقه إلى النبي الأعظم (ص). ومما لا شك فيه أن مؤسس العلوم الإسلامية هو شخص رسول الله (ص) الذي بيّن للناس، بوحي من الله، كليات الفقه وفروعه، وقد استفاد المسلمون منها كلٌّ بحسب قدرته. (برجي، يعقوب علي، ١٣٩٣ش: ١/ ٢٩). ومع رحيل رسول الإسلام الكريم، قام الإمام الباقر والإمام الصادق (ع) بتربية تلاميذ بشكل رسمي، وعلّماهم قواعد هذه العلوم ومسائلها. (مير عمادي، سيد أحمد، ١٣٨٠ش: ١/ ١٤). وقد قام بعض المتأخرين بتدوين تلك القواعد في كتب؛ مثل كتاب «أصول آل الرسول» و«الفصول المهمة في أصول الأئمة»، وكذلك كتاب «الأصول الأصلية». أول من ألّف كتابًا مستقلًا في علم الأصول هو هشام بن الحكم من تلاميذ الإمام الصادق (ع). وقد دوّن كتاب «الألفاظ» الذي تُعد مباحثه من أهم مباحث علم الأصول. ثم ألّف يونس بن عبد الرحمن، تلميذ الإمام موسى الكاظم (ع)، كتاب «اختلاف الحديث ومسائله» الذي بيّن فيه مبحث تعارض الحديثين ومسائل التعادل والتراجيح فيهما عن الإمام الكاظم (ع). وبعد هذين العلمين، طُبعت كتب كثيرة في هذا العلم عن طريق أهل السنة وعلماء الشيعة. (الشهيد الثاني، ١٤١٦ق: ١/ ٨). وفي عصر علماء كبار مثل الشيخ المفيد والشيخ الطوسي والعلامة، كانت تُبحث ضمن مباحث الفقه والأصول. وتوجد أيضًا كتب في هذا المجال، مثل الأثر المشهور كتاب «تمهيد القواعد» الذي ألفه الشهيد الثاني. وقد تكون عناوين مير فتاح المراغه اي من أغنى المصادر في هذا العلم، حيث عُنوِن فيه أكثر من ٩٣ قاعدة فقهية. ويشمل كتاب «عوائد الأيام» للملا أحمد النراقي، الذي دُوّن في القرن الثالث عشر الهجري، كثيرًا من هذه القواعد. وقد بحث هذان العالمان الجليلان في القواعد الفقهية بشكل مفصل إلى حد ما. وأوسع مصدر في هذا الباب هو كتاب «قواعد فقه» للمرحوم الميرزا حسن البجنوردي، الذي اكتمل في ستة مجلدات ويتميز بعباراته السهلة والواضحة نسبيًا. وكتاب آخر في قواعد الفقه هو من تأليف آية الله ناصر مكارم الشيرازي. «القواعد» هو كتاب آخر ألفه الأستاذ السيد محمد كاظم المصطفوي، ونُشر عام ١٣٧٠ هجري شمسي، ويحتوي على مئة قاعدة فقهية، تشمل المعاملات والعبادات، وقد بحث في قواعد الفقه بطريقة منهجية.

مصطلح أصول الفقه

من خلال التقصي اللغوي لمصطلح أصول الفقه، نصل أيضًا إلى رسالة علم الأصول، وهي بناء الحجية للفقه. ذلك أن «أصول» جمع «أصل»، ويعني أساس ودعامة كل شيء، سواء كان جمادًا أو نباتًا أو حيوانًا أو علمًا.1 وعليه، فإن «أصول الفقه» تعني الأسس المتينة لبناء الفقه الشامخ؛ وبالتالي فإن «الفقه» هو علم تحصيل الحكم الشرعي الفرعي من أدلته ومصادره، وهذه الآلية تحتاج إلى أداة أهمها وأخصها هو «أصول الفقه». لذا، هذا العلم، بقول الشهيد المطهري، أقرب إلى «الفن».2 ومن هنا يُطلق على علم أصول الفقه اسم «منهجية استنباط الحكم الشرعي»، وفي الواقع هو «علم منهجية الفقه واستنباط أحكام الدين».

أقوال وإعادة تعريف علم الأصول

إن جميع التعريفات في باب تعريف علم الأصول وتبيين موضوعه تسعى إلى تحديد موقع هذا العلم كمقدمة، وبعد الاستناد والتدليل، وضعه في مصاف أدوات استنباط الأحكام الشرعية. تفضلوا بالاطلاع على نماذج من تلك التعريفات:

ألف. مشهور علماء الأصول: «علم الأصول علم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية».3

ب. الآخوند الخراساني: «علم الأصول صناعة يُعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي، أو التي يتمسك بها المجتهد في مقام العمل».4

ج. المحقق النائيني: «علم الأصول هو علم بسلسلة من الكبريات التي إذا انضمت إليها صغرياتها، أنتجت حكمًا فرعيًا كليًا».5

د. الشهيد الصدر: «علم الأصول هو العلم بالعناصر المشتركة في عملية استنباط الحكم الشرعي».6

هـ. المحقق الأصفهاني: «علم الأصول هو علم يُبحث فيه عن مجموعة من القواعد التي أُعدت لإقامة الحجة على الحكم الشرعي».7

و. المرحوم المظفر: «علم الأصول هو العلم الذي تُبحث فيه القواعد التي تكون نتيجتها محل استفادة في استنباط الحكم الشرعي».8

ز. المحقق الخوئي: «علم الأصول هو العلم بالقواعد التي تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي بلا واسطة».9

ح. الإمام الخميني: «علم الأصول هو العلم بالقواعد الآلية التي تقع في كبرى استنباط الحكم الكلي الفرعي الإلهي أو الوظيفة العملية».

وفي هذا السياق، يؤكد ويصرح عدد من العلماء مثل «صاحب المعالم» و«المحقق الأصفهاني» و«المرحوم المظفر» على هذا الموقع لعلم الأصول، الذي يتكفل ببناء حجية الأحكام الشرعية. وبقول الشهيد المطهري: «… من الضروري أن يُحقَّق في علم آخر من خلال الأدلة العقلية والنقلية القطعية، لتبيين الطريقة الصحيحة للمراجعة إلى المصادر ومدارك الفقه واستخراج واستنباط الأحكام الإسلامية؛ وعلم الأصول يبيّن هذا الجانب».

أقوال العلماء حول القاعدة الفقهية والأصولية

الشيخ الأنصاري (ره)

أبدى الشيخ الأنصاري (ره) رأيه في القاعدة الفقهية والأصولية على النحو التالي: القاعدة الأصولية هي ما تكون فائدتها ونتيجتها خاصة بالمجتهد ولا فائدة فيها للمقلد، أما المسألة الفقهية والقاعدة الفقهية فهي ما لا تختص فائدتها ونتيجتها بالمجتهد، بل هي قابلة للاستفادة بشكل مشترك لكل من المجتهد والمقلد. فمثلًا، بحث حجية خبر الواحد قاعدة أصولية، ودليل ذلك أن نتيجة هذا البحث وهي حجية خبر الواحد أمر لا يفيد إلا المجتهد ولا يستفيد منه المقلد. أما في مثل قاعدة «كل ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»، فإنها تفيد كلًا من المقلد والمجتهد. فمثلًا، لو كتب المجتهد في كتاب فتاواه أن خبر الواحد حجة، لما استطاع المقلد أن يستفيد من هذه القضية شيئًا، ولكن لو كتب فرضًا أن البيع الفاسد موجب للضمان، فإن هذا يفيد المجتهد والمقلد على حد سواء. (الشيخ الأنصاري، مرتضى، ١٤١٦ ق: ٢/ ٥٤٤). يُستفاد من كلام الشيخ أن الفرق بين القاعدة الفقهية والأصولية يكمن في أمرين:

ألف. القاعدة الأصولية تبحث في عوارض وأحوال الأدلة الأربعة. في بحث الاستصحاب يكتب: «أما على القول بكونه من الأصول العملية ففي كونه من المسائل الأصولية غموض؛ من حيث إن الاستصحاب حينئذ قاعدة مستفادة من السنة وليس التكلم فيه تكلّمًا في أحوال السنة.» (الشيخ الأنصاري، مرتضى، ١٤١٦ ق: ٢/ ٥٤٤). فإذا كان الاستصحاب من الأصول العملية، فإن كونه من المسائل الأصولية فيه إشكال؛ لأنه في هذه الحالة، يكون الاستصحاب مستفادًا من الرواية، والبحث فيه لن يكون بحثًا في أحوال السنة.

ب. يُستفاد من العبارة المذكورة للشيخ قبل بضعة أسطر أن ملاك المسألة الأصولية هو اختصاص تطبيقها بالمجتهد، وأن القاعدة الفقهية يمكن للمكلف أن يطبقها أيضًا. ولكن المرحوم النائيني يقول: «نعم يشكل كون الاستصحاب من المسائل الفرعية بأن إجراءها في موردها … مختص بالمجتهد وليس وظيفة للمقلد.» (النائيني، ميرزا محمد حسين ومحمد علي كاظمي، ١٣٧٦: ١/ ١٩). إن كون الاستصحاب من المسائل الفقهية (قاعدة فقهية) محل إشكال؛ لأن تطبيقه يختص بالمجتهد وليس من وظيفة المقلد.

الآخوند الخراساني (ره)

ملاك المسألة الأصولية هو أن تطبيقها يختص بالمجتهد، والقاعدة الفقهية يمكن للمكلف أن يطبقها أيضًا. وفي هذا الصدد يكتب: «نعم يشكل كون الاستصحاب من المسائل الفرعية بأن إجراءها في موردها … مختص بالمجتهد وليس وظيفة للمقلد.» إن كون الاستصحاب من المسائل الفقهية (قاعدة فقهية) محل إشكال؛ لأن تطبيقه يختص بالمجتهد وليس من وظيفة المقلد. وفي حاشيته على الفرائد يكتب الآشتياني: «وأما إذا كان التكلم فيه من حيث حكم الشرع فهل البحث بهذه الملاحظة يدخل في البحث عن مسائل علم الفقه أو مسائل علم الأصول؟ وجهان؛ أوجهها الأول؛ نظرًا إلى أن البحث في المسألة بهذه الملاحظة ليس بحثًا عن أحوال الأدلة وعوارضها.» (محمد حسن الآشتياني، / ٨). إذا كان البحث في الاستصحاب من جهة الحكم الشرعي، فهل يدخل هذا البحث في علم الفقه، أم في مسائل علم الأصول؟ وجهان محتملان. الرأي الأول هو الأكثر منطقية؛ لأن البحث من هذه الجهة ليس بحثًا في أحوال الأدلة وعوارضها. ويُستفاد من بعض كلمات الآخوند أنه يرى الفرق بين المسألة الأصولية والقاعدة الفقهية في دائرة الشمول، وفي بحث لماذا لم تُدرج أصالة الطهارة ضمن الأصول العملية، يكتب: «لأن أصالة الطهارة أمر واضح لا يحتاج إلى استدلال.» ثم يكتب: «هذا مع جريانها في كل الأبواب واختصاص تلك القاعدة ببعضها». (آخوند الخراساني، ١٤٢٦ ق: ٢/ ١٦٧). المسألة الأصولية تجري في جميع أبواب الفقه، ولكن قاعدة الطهارة تختص ببعض أبواب الفقه.

المحقق النائيني (ره)

شرح المرحوم النائيني الفرق بين القاعدة الفقهية والأصولية على النحو التالي: ١. لقد اعتبر الفرق بين القاعدة الأصولية والفقهية أمرًا واحدًا، وذكر فرقًا واحدًا فقط، ولكنه في موضع آخر قال بوجود فرقين بينهما: «الفرق الأول هو أن القاعدة الأصولية هي القاعدة التي تتضمن حكمًا كليًا، والقاعدة الفقهية هي التي تتضمن حكمًا جزئيًا» أي أن الفرق الأول من وجهة نظره هو مسألة الكلية والجزئية. «ثم إن المائز بين المسألة الأصولية والقاعدة الفقهية بعد اشتراكهما في أن كلًا منهما يقع كبرى لقياس الاستنباط هو أن المستنتج من المسألة الأصولية لا يكون إلا حكمًا كليًا بخلاف المستنتج من القاعدة الفقهية فإنه يكون حكمًا جزئيًا وإن صلحت في بعض الموارد لاستنتاج الحكم الكلي أيضًا.» (النائيني، محمد حسين، ١٣٧٦ ش: ١/ ١٩). ٢. الفرق الثاني هو أن القاعدة الفقهية هي تلك المسألة والقضية التي ترتبط بعمل آحاد المكلفين مباشرة، أما القاعدة الأصولية فلا ترتبط بعمل آحاد المكلفين مباشرة. (الخوئي، ١٤٣٠ ق: ١/ ١). وقد أضاف المحقق النائيني، في دورة لاحقة من تدريس الأصول، بالإضافة إلى هذا الفرق، قائلًا: «إجراء القاعدة الفقهية بيد المكلف، ولكن إجراء المسألة الأصولية يختص بالمجتهد.» (أبو القاسم الخوئي والنائيني، ١٣٥٧ ق: ١/ ٣).

آية الله الخوئي (ره)

قال: مع الأخذ في الاعتبار الإشكال الموجود في بيان المرحوم النائيني، يجب إيجاد ضابط جديد ووجه آخر للفرق بين القاعدة الأصولية والقاعدة الفقهية. لذلك، يرى الفرق بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية، والفرق بينهما، في أن القاعدة الأصولية مرتبطة باستنباط الحكم، والقاعدة الفقهية مرتبطة بالتطبيق. في القاعدة الأصولية يُستنبط الحكم الكلي، وفي القاعدة الفقهية يُطبّق الحكم الكلي؛ أي أنه حكم كلي ينطبق على مصاديقه وأفراده، فالفرق بين القاعدة الأصولية والقاعدة الفقهية من وجهة نظر المرحوم آية الله الخوئي هو فرق التوسيط والتطبيق. مثلًا، بقضية «الخبر الواحد حجة» وجعلها كبرى وضم صغرى إليها، نستنبط حكمًا مثل وجوب صلاة الجمعة. وأيضًا: «قد تكون القواعد الفقهية وحتى بعض المسائل الفقهية غير قابلة للإلقاء إلى المقلدين، مثلًا قاعدة “ما يضمن وما لا يضمن”، وقاعدة “المؤمنون عند شروطهم”، أو قاعدة “كل شرط مخالف للكتاب والسنة فهو باطل”». (الخوئي، ١٤٣٠ ق: ١/ ١٠/ ١١). أما في مثل «كل ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» فلا يُستنبط حكم، بل يُطبّق الحكم على مصاديقه، فمثلًا أحد مصاديقه هو البيع الفاسد، ومصداق آخر هو الإجارة الفاسدة، أو بشكل أخص، بيع معين خارجي، وهذا أيضًا أحد مصاديقه، وكل هذا تطبيق وليس استنباطًا. (الخوئي، ١٤٣٠ ق: ١/ ٨). ويكتب سماحته: «والنكتة في اعتبار ذلك (تقع بنفسها في طريق استنباط) في تعريف علم الأصول هي الاحتراز عن القواعد الفقهية فإنها تقع في طريق استفادة الأحكام الشرعية الإلهية ولا يكون ذلك من باب الاستنباط والتوسيط بل من باب التطبيق وبذلك خرجت عن التعريف.» (الخوئي، ١٤١٧ ق: ٣/ ٢٦٦). وكذلك في مصباح الأصول، في بحث قاعدة الفراغ، بيّن الفرق بين المسألة الأصولية والقاعدة الفقهية في أمرين: ١. أن تكون كبرى المسألة بعد ضم الصغرى إليها منتجة للحكم الفرعي الكلي. ٢. إن تطبيق القواعد الأصولية على المصاديق إنما هو بيد المجتهد وليس للمقلد حظ فيه. (الخوئي، ١٤١٧ ق: ٣/ ٢٦٦). ملاك كون المسألة أصولية أمران:

الإمام الخميني (ره)

يقول الإمام (ره) عن الفرق والتمييز بين القاعدة الأصولية والقاعدة الفقهية: «لابأس بتعريفه بأنه هو القواعد الآلية التي يمكن أن تقع كبرى لاستنتاج الأحكام الكلية الإلهية أو الوظيفة العملية فالمراد بالآلية ما لا يُنظر فيها بل يُنظر به ما فقط ولا يكون لها شأن إلا ذلك فتخرج بها القواعد الفقهية فإنها منظور فيها.» (إمام خميني، ١٤١٥ ق: ٢/ ٤٤). يمكن تعريف علم الأصول بأنه القواعد الآلية التي يمكن أن تقع كبرى لقضية ما، فتنتج أحكامًا كلية إلهية أو وظيفة عملية. فالمقصود بالقواعد هو الأدلة التي يُنظر إليها كوسيلة، لا كغاية مستقلة، وعملها هو مجرد وسيلة. بناءً على ذلك، تخرج القواعد الفقهية من تعريف علم الأصول؛ لأنها تُرى بشكل مستقل، لا كطريق. وبعبارة أخرى، القاعدة الفقهية هي ما يكون مقصودًا بالأصالة، أما القاعدة الأصولية فليست مقصودة بالأصالة. القاعدة الفقهية ليست آلة وأداة للوصول إلى أمر آخر وحكم آخر، وهي «ما فيه يُنظر» أي ننظر إليها بذاتها، والحكم المستفاد منها والذي تعبر عنه هو مقصود بالذات، ولا نريد أن نصل بها إلى شيء آخر، فهي ليست واسطة. أما القاعدة الأصولية فهي قاعدة آلية وواسطة وأداة و«ما به يُنظر»، مثل المرآة التي نريد أن نرى بها شيئًا آخر، وهي ليست مقصودة بالذات، مثل حجية خبر الواحد، فخبر الواحد حجة ليوصلك إلى وجوب صلاة الجمعة، أي أن هذه القاعدة نفسها ليس لها قيمة ذاتية بل هي أداة وواسطة لوجوب صلاة الجمعة. خلاصة كلام الإمام (ره) هي أن المسألة الأصولية هي التي تقع كبرى في قضية استنباط حكم شرعي كلي، سواء كان واقعيًا أو ظاهريًا، ولا يكون متعلقها في البداية عمل أي من المكلفين، بل بعد تطبيق النتيجة على الموارد الخاصة الجزئية يرتبط بها. أما القاعدة الفقهية، وإن كانت تقع كبرى في قضية استنباط، فإن نتيجتها أمر جزئي يتعلق به عمل كل مكلف مباشرة. (محمد حسن مرتضوي لنكرودي، ١٣٧٨: ١/ ٦٤).

الشهيد الصدر (ره)

في تهذيب الأصول، يبيّن الفرق بين المسألة الأصولية والقاعدة الفقهية على النحو التالي: القاعدة الفقهية هي حكم شرعي مستقل بنفسه. بخلاف المسألة الأصولية التي هي واسطة في ثبوت حكم شرعي. (جعفر سبحاني، ١٣٦٣: ١/ ٦). وفي جواهر الأصول؛ تقريرات درس خارج الفقه، قال الإمام (ره): القاعدة الفقهية هي حكم شرعي بنفسها وواسطة في إثبات أحكام جزئية أيضًا، بينما المسألة الأصولية هي واسطة في إثبات أحكام كلية. (محمد حسن مرتضوي لنكرودي، ١٣٧٨: ١/ ٦٤). وفي تنقيح الأصول، بيّن الفرق بين المسألة الأصولية والقاعدة الفقهية على النحو التالي: إن استخدام بعض القواعد الفقهية مثل قاعدة «ما يضمن» يختص بالمجتهد، وإجراء بعض القواعد الفقهية الأخرى مشترك بين المجتهد والمقلد. أما تطبيق المسائل الأصولية فيختص حصرًا بالمجتهد. (حسين تقوي اشتهاردي، ١٣٨٥: ١/ ٢٢-٢٣). ويبيّن المرحوم الإمام (ره) فروقًا أخرى، وهي كالتالي: ١. بعض القواعد الفقهية تهدف إلى تقييد الأحكام الأولية، بينما لا توجد أي عناية بهذا الجانب في المسألة الأصولية. ٢. نتيجة القاعدة الفقهية حكم جزئي، بينما نتيجة المسألة الأصولية أمر كلي. ٣. متعلق القاعدة الفقهية من البداية هو عمل المكلفين، أما متعلق المسألة الأصولية فليس في البداية عمل أي من المكلفين. (جعفر سبحاني، ١٣٦٣: ٦٤-٦٥١). بالنظر إلى ما بيّنه الإمام (ره) في مسألة الفرق بين القاعدة الفقهية والمسألة الأصولية، نصل إلى نتيجة أن إجراء المسألة الأصولية منوط بالمجتهد، وهي بأكملها حكم كلي يجري في جميع أبواب الفقه، ولكن من القاعدة الفقهية نصل إلى أحكام فقهية جزئية. في الواقع، قول الإمام (ره) يماثل قول المرحوم الشيخ الأنصاري (ره)…

نقد ودراسة آراء الأعلام

ألف. دراسة رأي الشيخ الأعظم (ره)

إذا سلمنا بأن نتيجة المسألة الأصولية نافعة للمجتهد فقط، فلا يمكن القبول بأن ملاك القاعدة الفقهية هو الاشتراك في الإجراء؛ لأن هذا الاشتراك يُنقض في موارد مثل قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»، إذ كيف وبأي أداة يمكن للمكلف المقلد أن يشخص أن عقد البيع مثلًا صحيحه موجب للضمان أم لا؟! وكذلك الحال في قاعدة «الصلح جائز بين المسلمين إلا ما خالف كتاب الله تعالى»؛ فكيف يشخص المقلد أن شرطًا ما موافق للقرآن الكريم أم مخالف له؟!

ب. دراسة رأي الآخوند الخراساني (ره)

إن قوله الذي جعل ملاك المسألة الأصولية هو جريانها في جميع الأحكام الفقهية، يُنقض ببعض المباحث الأصولية، مثل دلالة النهي في العبادة على الفساد أم لا؟! فهذه المسألة الأصولية تجري في باب العبادات. ومن جهة أخرى، تجري بعض القواعد الفقهية أيضًا في جميع أبواب الفقه، مثل «قاعدة الاشتراك»10 و«قاعدة لا ضرر»11 و«قاعدة الصحة».12 وأما أن أصالة الطهارة، لعدم وجود خلاف في إجرائها، هي من القواعد الفقهية؛ فهذا أيضًا غير مقبول، لأن أصالة الاشتغال في موارد العلم الإجمالي غير البدوي، والبراءة العقلية، لا خلاف فيها أيضًا ولا تحتاج إلى استدلال، فيجب إذن أن تُعد من القواعد الفقهية.

ج. دراسة رأي المحقق النائيني (ره)

إن قوله في «فوائد الأصول» الذي جعل الملاك في المسألة الأصولية كلية النتيجة وفي القاعدة الفقهية جزئية النتيجة؛ يُنقض ببعض القواعد الفقهية التي نتيجتها كلية، مثل دلالة قاعدة لا ضرر على عدم وجوب الوضوء في جميع موارد الضرر. وبناءً على هذا الرأي، يجب أن تدخل هذه القواعد في علم الأصول. وأيضًا، إذا كان ملاك كون القاعدة فقهية هو الجزئية فقط، فإن هذا يجري في المسألة الفقهية التي هي جزئية. أما رأيه في «أجود التقريرات» الذي جعل الملاك في المسألة الأصولية اختصاص إجرائها بالمجتهد، فهو أيضًا محل إشكال، لأن قاعدة «ما يضمن» و«نفوذ شرط موافق للكتاب»… لا يستطيع المكلف تطبيقها على مواردها.

د. دراسة رأي المحقق الخوئي (ره)

إن رأيه الذي جعل ملاك المسألة الأصولية هو التوسيط في الاستنباط وملاك القاعدة الفقهية هو التطبيق، ليس صحيحًا، لأن هذا الملاك، بقول الشهيد الصدر،13 يرجع إلى كيفية طرح البحث. فمثلًا، مسألة النهي عن الشيء، هل تقتضي الفساد أم لا؟ إذا طُرحت بهذا العنوان، فالبحث أصولي؛ لأنه واسطة في استنباط الحكم الشرعي. ولكن إذا طُرحت هكذا: هل العبادة المنهي عنها باطلة أم لا؟؛ فستكون قاعدة فقهية، لأنها بالنسبة للمسائل الفقهية تطبيق وليست توسيطًا. أما رأيه في «مصباح الأصول» الذي جعل الملاك الأصولي هو اختصاص إجرائها بالمجتهد وملاك القاعدة الفقهية هو اشتراك إجرائها بين المجتهد والمقلد، فيُنقض بكلامه هو في «المحاضرات» لأنه يقول هناك: قد تكون هناك مسألة فقهية كالمسألة الأصولية، لا يستطيع المكلف تطبيقها على مواردها، مثل القاعدة الفقهية «نفوذ الشرط الموافق للكتاب أو السنة» و…

هـ. دراسة رأي الشهيد الصدر (ره)

إن هذا الشهيد السعيد الذي جعل ملاك المسألة الأصولية عدم اختصاصها بباب معين من الفقه، يُنقض بموارد من القواعد الفقهية المرتبطة بجميع أبواب الفقه، والمشهورة بالقواعد الفقهية العامة، مثل القواعد الثلاث المذكورة (الاشتراك، الصحة، لا ضرر)، ومن جهة أخرى، بعض المسائل الأصولية لا تجري في جميع أبواب الفقه، مثل دلالة النهي في العبادة على الفساد أم لا؟!

و. دراسة رأي الإمام الخميني (ره)

إن رأي هذا الرجل العظيم هو الأنسب، لأن القواعد الأصولية التي هي قواعد آلية، وبتعبيره هي «ما به يُنظر»؛ هي قواعد ليست هي الهدف، بل هي وسيلة للوصول إلى هدف آخر، وهو الحكم الكلي الإلهي الفرعي، وهذا يتطابق أكثر مع موضوع علم الأصول الذي هو «الحجة في الفقه». أما القواعد الفقهية فهي استقلالية و«ما فيه يُنظر»؛ هي مقصودة بالأصالة وهدف، أي حكم فرعي كلي. وسنقوم إن شاء الله الرحمن، بتعزيز وتأييد هذا الرأي بتوضيحات وتكميلات.

النتيجة النهائية

من خلال استحضار مضامين المحاور الستة السابقة، يمكن تنظيم خصائص كل من القواعد الفقهية والأصولية على النحو التالي:

أما خصائص القواعد الأصولية:

ألف. هذه القواعد هي سلسلة من الحجج والبراهين التي أُعدت لرفع حاجة الفقيه في سبيل تبيين الأحكام ووظائف المكلفين العملية.

ب. النتيجة الحاصلة من هذه القواعد هي سلسلة من الأحكام والوظائف الكلية التي ببركتها تُهدى للمكلف المنجّزية والمعذّرية بالنسبة للحكم الشرعي تجاه التكاليف الإلهية.

ج. هذه القواعد آلية وتبعية، ولها مطلوبية غيرية صرفة.

د. معرفة واستنتاج القاعدة الأصولية لا يتوقف على قاعدة فقهية، من هنا فإن للقاعدة الأصولية صلاحية أن تكون علة لقاعدة من القواعد الفقهية، ولكن عكس هذه القضية ليس بصادق.

هـ. استنتاجها واستحصالها واستعمالها يقع حصرًا في يد المجتهد صاحب الرأي.

أما خصائص القواعد الفقهية:

ألف. هذه القواعد هي مجموعة من الأحكام الكلية والعامة التي تجري في أبواب الفقه المختلفة.

ب. النتيجة المستخلصة من القواعد الفقهية هي سلسلة من الأحكام الجزئية (تكليفية أو وضعية) ترتبط بعمل المكلف بشكل مباشر.

ج. متن هذه القاعدة هو نفسه حكم شرعي كلي، يُثمر من خلال تطبيقه على مصاديقه.

د. هذه القواعد استقلالية وأصلية، ولها مطلوبية نفسية.

هـ. معرفة واستنتاج القواعد الفقهية يتوقف على القاعدة الأصولية، وبين هاتين المجموعتين من القواعد تقوم علاقة طولية وترتيب؛ مثل قاعدة «مشروعية عبادات الصبي» التي تعد إحدى الأدلة المدعاة لتلك المسألة الأصولية «الأمر بالأمر».14

أما تعريف «القواعد الأصولية»:

تُطلق «القواعد الأصولية» على مجموعة الحجج والبراهين الكلية التي هي واسطة في المنجّزية أو المعذّرية تجاه الحكم الشرعي الفرعي أو الوظيفة الكلية العملية للمكلف.

أما تعريف «القواعد الفقهية»:

تُطلق «القواعد الفقهية» على مجموعة الأحكام الكلية الشرعية الفرعية التي تُستخدم لغرض تطبيقها على المصاديق والموضوعات الجزئية.

قد لا يكون هناك فرق جوهري في آراء الأصوليين في تعريف وتمايز المسألة الأصولية والفقهية، لأن بعض هذه التعريفات تنظر إلى نتيجة القاعدتين، وبعضها ينظر إلى إعمال القاعدتين، وبعضها ينظر إلى آلية واستقلالية القاعدتين، مما ينتج عنه النتائج التالية: الحكم الناتج عن القاعدة الأصولية كلي، وعن القاعدة الفقهية جزئي. المسألة الأصولية لا تتضمن حكمًا فرعيًا جزئيًا، بخلاف القاعدة الفقهية التي تتضمن حكمًا شرعيًا. المسألة الأصولية شاملة، بخلاف القاعدة الفقهية التي تُستخدم في أبواب خاصة. المسألة الأصولية خاصة بالمجتهد، لا يستطيع المقلد الاستفادة منها، بخلاف القاعدة الفقهية التي يمكن للمقلد أيضًا الاستفادة منها. للقواعد الفقهية موقع استقلالي في الاستنباط، بخلاف القاعدة الأصولية التي تُستخدم كوسيلة. إن الاستنتاج في المسألة الأصولية لا يتوقف على قاعدة فقهية؛ فلتطبيق قاعدة فقهية نحتاج إلى قاعدة أصولية مثل حجية خبر الواحد وحجية الظواهر، بخلاف القاعدة الأصولية التي لا نحتاج في استنتاجها إلى قاعدة فقهية.

الهوامش

1. «التحقيق في كلمات القرآن الكريم»، ج ١، ص ٩٤.

2. «مجموعه آثار شهيد مطهري»، ج ٢٠، ص ٢٨.

3. «الفصول الغروية»، ص ٩؛ «أوثق الوسائل»، ج ٥، ص ٣١؛ «بحر الفوائد في شرح الفرائد»، ج ١، ص ٣.

4. «كفاية الأصول»، ص ٩.

5. «فوائد الأصول»، ج ١، ص ١٩.

6. «دروس في علم الأصول»، ج ١، ص ٤٣.

7. «نهاية الدراية»، ج ١، ص ٤٢.

8. «أصول الفقه»، ج ١، ص ٥.

9. «محاضرات في الأصول»، ج ١، ص ٨.

10. قاعدة الاشتراك تعني أنه إذا ثبت حكم لمكلف أو لمجموعة خاصة من المكلفين (دون وجود دليل على تقييد ذلك الحكم بشخص أو مجموعة أو زمان خاص مثل زمان حضور الإمام ×) سواء كان بخطاب لفظي أو بدليل لُبّي مثل الإجماع، فإنه يشمل جميع المكلفين في كل العصور والأمصار إلى يوم القيامة. راجع: «قواعد الفقهية للمرحوم بجنوردي»، ج ٢، ص ٥٣.

11. قاعدة لا ضرر تعني أنه في الإسلام، كل حكم يستلزم ضررًا فهو منفي.

12. قاعدة الصحة تعني أن الأفعال التي تصدر من شخص مسلم أو من المكلف نفسه (بناءً على اختلاف الآراء)؛ في حال الشك في صحتها، يجب حملها على الفعل الصحيح، وتترتب عليها جميع الآثار الشرعية الواقعية. راجع: «قواعد الفقهية، آية الله مكارم»، ج ١، ص ١١٣ و ١١٥.

13. «بحوث في علم الأصول»، ج ١، ص ٢٢.

14. من المسائل التي يُبحث فيها في مبحث ألفاظ علم أصول الفقه، بحث «الأمر بالأمر»؛ بمعنى أن المولى يأمر عبده الأول أن يأمر العبد الثاني بأداء عمل ما؛ ففيما نحن فيه، هل يمكن القول بما أن ولي الصبي مأمور بتمرين وتعويد ابنه غير البالغ على العبادة؛ فهذا كاشف عن أننا نحكم بكوننا مأمورين بالعمل العبادي للصبي؟! راجع: «القواعد الفقهية للفاضل اللنكراني»، ص ٣٥٦.

Scroll to Top