الملخص
إن القول بشرعية رأي الشعب في تعيين الحاكم السياسي هو من أشهر النظريات السياسية في مجال الفكر والفلسفة السياسية في الغرب الحديث. وقد حظيت هذه النظرية بتأييد وتأكيد من بعض مفكري الفقه المعاصرين لعصر الغيبة. وسعى أنصار هذه النظرية إلى تقديم أدلة من التراث الفقهي – سواء كانت عقلية أم نقلية – لإثباتها. ومن بين المستندات النقلية التي استند إليها أنصار هذه النظرية، التمسك بآيات الخلافة؛ بمعنى أن خلافة النوع الإنساني عن الله تعالى تدل على أنه في الحالات التي لم يصدر فيها نصب إلهي محدد لحاكم المجتمع الإسلامي، فإن الناس هم من يقومون، بصفتهم خلفاء الله على الأرض، باختيار شخص من بينهم ليكون الحاكم السياسي لمجتمعهم.
الدراسة الحالية، بمنهج اجتهادي، تشكك في قوة الاستدلال بالآيات المذكورة. وبناءً على ذلك، وفي مقام تقييم الاستدلال بآيات الخلافة، فإنها تضع دلالة هذه الآيات على شرعية رأي الأغلبية موضع تساؤل، وتؤكد على أنه على الرغم من أن المستخلَف عنه في آيات الخلافة – خلافاً للرأي السائد لدى مفسري أهل السنة – هو الله تعالى والخليفة هو الإنسان نفسه؛ إلا أن هذا الأمر لا يعني شمولية مقام الخلافة، بل إن هذا المقام لا يصح تبريره إلا للأنبياء والأوصياء. وعليه، فإن ادعاء شرعية رأي الناس استناداً إلى هذه الآيات سيكون من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع.
المقدمة
إن مسألة من له حق السيادة ومن تجب طاعته، كانت دائماً من أهم التساؤلات في مجال الفكر السياسي. وفي الإجابة على هذا السؤال، أجمع فقهاء ومتكلمو الشيعة على أن حق الطاعة ثابت للمنصوبين من قبل الله، حتى إنهم ادعوا الإجماع على أن غير الفقيه الجامع للشرائط لا يملك حق الولاية في عصر الغيبة (صافي الكلبايكاني، د.ت، ص 24). ومع ذلك، لم يقبل بعض مفكري الفقه المعاصرين اتساع نطاق النصب الإلهي لعصر الغيبة، وخالفوا من هذا الجانب الإجماع المذكور. يعتقد المخالفون أنه في عصر الغيبة، يجب إدخال إرادة واختيار الناس في شرعية الحاكم السياسي (شمس الدين، 1419هـ، ص 97-100؛ مغنية، 1979م، ص 64-68؛ منتظري، 1409هـ، ج1، ص 407؛ فياض، 1426هـ، ص 243؛ الآصفي، 1435هـ، ص 75 وما بعدها).
وقد تمسك بعض أنصار انتخاب الأغلبية بآيات الخلافة لإثبات دعواهم. وبناءً على ذلك، يعتقدون أن هذه الآيات تدل بشكل مطلق على شرعية رأي الناس في تعيين الحاكم. ولكن بما أنه قد أقيم دليل قطعي على خروج المعصوم (ع) من عموم إطلاق الآيات المذكورة، ففي زمن حضوره يكون المعصوم (ع) هو الحاكم السياسي تحديداً، وفي زمن غيبة المعصوم يجب التمسك بإطلاق هذه الآيات واستشارة الناس لتعيين الحاكم السياسي في المجتمع الإسلامي (منتظري، 1429هـ، ص 66).
إن استدلال أنصار نظرية الشرعية الشعبية بآيات الخلافة، وما يترتب عليه من مخالفتهم للنظرية المتفق عليها لدى علماء الشيعة، يثير هذا التساؤل: ما هو استدلال هذه الفئة في تعميم نطاق آيات الخلافة ليشمل مجال الشرعية السياسية، وكيف يُقَيَّم؟ ونظراً لعدم خضوع الإجابة على هذا السؤال لبحث مستقل ومفصل، فإن تدوين مقال وبحث مستقل في هذا المجال يبدو ضرورياً. وبناءً على ذلك، يهدف هذا المقال إلى تبيين المفهوم اللغوي لكلمة «الخلافة»، ثم بيان كيفية استدلال أنصار نظرية الشرعية الشعبية بآيات الخلافة، وبعد ذلك دراسة نقاط القوة والضعف المحتملة في فهم الشرعية السياسية من الآيات المذكورة، وطرح نظرية التحقيق – القائمة على عدم دلالة الآيات على الشرعية الشعبية – للنقاش.
1. دراسة مفهوم مفردة الخليفة في القرآن
تشتق كلمة «خليفة» و«خليف» من مفردة «خَلْف» بفتح الخاء وسكون اللام، أو من «خَلَف» بفتح الخاء واللام؛ «صِرْتُ (خَلِيفَتَهُ) و(خَلَفْتُهُ)» أي جئت بعده. وبحسب قول الراغب، يُقال: «وخَلَفَ فلانٌ فلاناً» أي جاء بعده أو كان قائماً بأموره معه (راغب الأصفهاني، 1412هـ، ص 294). يذكر ابن فارس لمفردة «خلف» بفتح اللام أو سكونها ثلاثة معانٍ: النيابة، والمجيء خلف أو بعد شخص أو شيء، والتغيير (ابن فارس، 1404هـ، ج2، ص 210). وقد فرق بعض اللغويين بين مفردة «خَلَف» بفتح اللام و«خِلْف» بسكونها؛ فـ«خِلْف» بسكون اللام تُستخدم في كل من الخلف الممدوح والمذموم؛ فمثلاً لو فرضنا أن الشخص الثاني ليس بجودة الشخص الأول، أو أنه أفضل منه، ففي كلتا الحالتين تُستخدم كلمة «خِلْف» بسكون اللام؛ أما «خَلَف» بفتح اللام فتُستخدم عندما يكون الشخص الثاني قائماً مقام الأول ومنزلته تماماً (العسكري، 1400هـ، ص 308). ولعل هذا هو السبب في أن صاحب تاج العروس يعتقد أن مفردة «خليف» و«خليفة» مشتقة من «خَلَف» بفتح الخاء واللام، وهي بمعنى النيابة: «خَلَفْتُهُ، خَلَفاً: كنتُ بَعْدَه خَلَفاً منه وبدلاً». ويبدو أنه لم يناقش أحد من أهل اللغة، بل والمفسرين، في تفسير مفردة «خليفة» بمعنى النيابة.
بحسب اعتقاد الفيومي في المصباح المنير، فإن مفردة «خليفة» هي في الأصل «خليف» [على وزن فعيل]، وإذا أضيفت إليها التاء، فهي للمبالغة، كما هي الحال في مفردة «علّامة». وجمع «خليفة» هو «خلائف» و«خلفاء». «خلفاء» تأتي باعتبار أصلها، أي «خليف»، وفي هذه الحالة تأتي للمذكر فقط، و«خلائف» تأتي باعتبار لفظها، أي «خليفة»، وفي هذه الحالة تأتي للمذكر والمؤنث، كما يقال: «ثَلَاثَةُ (خَلَائِفَ) وثَلَاثُ خَلَائِف)». وبالطبع، تُستخدم أحياناً مفردة الخليفة بمعنى الفاعل؛ من حيث إنه يتولى منصب ومكانة شخص أو شيء كان قبله، وأحياناً تُستخدم بمعنى المفعول؛ من حيث إن شخصاً ما هو الذي أوجد هذه النيابة والمجيء بعد الآخر؛ كما جعل الله تعالى النيابة والخلافة للإنسان (الفيومي، د.ت، ج2، ص 178).
لقد وردت مفردة «خلف» و«خَلَف» ومشتقاتهما مراراً في القرآن الكريم. وفي بعض الاستخدامات، تشير إلى جهة من الجهات المكانية: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُك مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ (الجن: 27). ولكن في معظم استخدامات هذه المفردات، يوجد معنى النيابة. وبالطبع، فيما يتعلق بمن أو ما هو المستخلف عنه، ذُكرت مصاديق متعددة؛ أحياناً تأتي بمعنى نيابة فرد أو جماعة من الناس عن جماعة أخرى؛ مثل: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ (الأعراف: 69)، ومثل: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ﴾ (مريم: 59). وأحياناً تأتي بمعنى نيابة الملائكة عن البشر: ﴿وَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ (الزخرف: 60). وأحياناً تُستخدم في معنى نيابة غير الإنسان عن الإنسان: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيلَ وَ النَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكوراً﴾ (الفرقان: 62). وأحياناً تُستخدم في معنى نيابة الإنسان عن الله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 30)، وهو ما سيأتي توضيحه لاحقاً.
2. آيات الخلافة
الآيات التي يُدَّعى أنها تدل على مقام الخلافة للنوع الإنساني أربع، وهي:
﴿وَ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 30).
﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ (النمل: 62).
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمُ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كَفْرُهُ﴾ (فاطر: 39).
﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُم وَعَمِلُوا الصَّالِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ (النور: 55).
3. كيفية استدلال أنصار شرعية رأي الأمة بآيات الخلافة
إن طريقة الاستدلال بهذه الآيات لإثبات نظرية انتخاب الأغلبية تقوم على هذا البيان: إنه في الآيات المذكورة – خاصة الآية الثلاثين من سورة البقرة – لم يُحدد في أي شيء يكون الإنسان خليفة الله، وإطلاق هذه الخلافة يقتضي خلافة الإنسان التكوينية والتشريعية. الخلافة التكوينية للإنسان تعني إمكانية وجواز تصرفاته واستثماره للأرض، والخلافة التشريعية تعني حق الحكم على الأرض. وبناءً على ذلك، فإن البشر، بواسطة هذا الحق التشريعي – في الحالات التي لم يصدر فيها نصب من الله – ينتخبون الحاكم السياسي. ويؤيد هذا الاستدلال آيات أخرى (ص: 26، هود: 61؛ الأنبياء: 105؛ الأعراف: 128؛ الأعراف: 129؛ والقصص: 5)، التي تدل على أن الإنسان وارث الله في الأرض، وقد أُعطي حق التصرف فيها (منتظري، 1409هـ، ج1، ص 501).
وتجدر الإشارة إلى أن الاستدلال المذكور يعتمد فقط على بعض الآيات المذكورة – وليس على الروايات الواردة عن المعصومين (عليهم السلام). والسبب في ذلك هو أنه لم يرد في الأحاديث الواردة عن المعصومين (عليهم السلام) حديث عن خلافة النوع الإنساني عن الله، وكما سيُشار لاحقاً، فإن متعلق الخلافة في روايات المعصومين (عليهم السلام) يقتصر على الأنبياء والأوصياء؛ ولذا فإن هذه الروايات لا تحمل أي دلالة على شرعية رأي الناس. وعليه، فإن الاستدلال على شرعية رأي الأغلبية في تعيين الحاكم السياسي يتركز فقط على إطلاق آيات الخلافة، ومع افتراض أن مقام الخلافة ثابت للنوع الإنساني.
4. دراسة وتقويم استدلال أنصار شرعية رأي الأمة
كما أُشير، بالإضافة إلى الآية الثلاثين من سورة البقرة، هناك آيات أخرى تشير بنوع ما إلى نيابة الإنسان عن الله؛ ولكن نظراً لكونها الأبرز والأوضح من حيث الدلالة والاستناد، فإننا سنركز البحث بشكل أساسي على الآية المذكورة، وسنتناول الآيات الأخرى كقرائن في توضيح وبيان مقصودنا.
يجب الانتباه إلى أنه يُستفاد من طريقة الاستدلال بالآيات التي تشير بنوع ما إلى خلافة الإنسان على الأرض، أن الاستدلال بهذه الآيات لإثبات نظرية الأغلبية يعتمد على الأقل على إثبات ثلاثة أمور: أولاً، أن نتمكن من إثبات أن المقصود من جعل الخلافة لآدم هو خلافة ونيابة النوع الإنساني عن الله تعالى. ثانياً، أن نقبل بأن للخلافة بعدين، تكويني وتشريعي، وأن الخلافة من حيث التشريع تعني حق الحكم. وفي المرحلة الثالثة، يجب إثبات أن الخلافة بالمعنى التشريعي، وبالتالي حق الحكم، ثابتة لجميع البشر.
1-4. النظريات المطروحة حول المستخلَف عنه في آيات الخلافة (الخلافة عن الله/المخلوقات)
فيما يتعلق بمن تكون الخلافة عنه في الآية المذكورة، أو بتعبير أدق، من هو المستخلف عنه، لا يوجد اتفاق في الرأي بين المفسرين. كثير من مفسري الشيعة فسروا الخليفة في الآية المذكورة بخلافة ونيابة الإنسان عن الله (مكارم الشيرازي، 1371، ج1، ص 171؛ 1372، ج1، ص 176 و 1412هـ، ج1، ص 36؛ الطباطبائي، 1417هـ، ج1، ص 115؛ فاضل، 1365، ج2، ص 91).
أما غالب مفسري أهل السنة (راجع: فخر الرازي، 1420هـ، ج2، ص 389؛ الميبدي، 1377، ج1، ص 133؛ الزمخشري، 1407هـ، ج1، ص 125؛ القرطبي، 1364، ج1، ص 363؛ المحلي والسيوطي، 1416هـ، ص 9)، وكذلك مجموعة من مفسري الشيعة، فلم يقبلوا تفسير الخلافة بنيابة الإنسان عن الله، واعتبروا أساساً حق الحكم للإنسان استناداً إلى آيات الخلافة منتفياً (صادقي الطهراني، 1406هـ، ج1، ص 281؛ مدرسي، 1377، ج1، ص 135)، وبالطبع، في تحديد المستخلف عنه، فسر البعض الخلافة بنيابة الإنسان عن الجن (فخر الرازي، 1420هـ، ج2، ص 388)، والبعض بنيابة الإنسان عن البشر السابقين أو عن بعضهم البعض (صادقي الطهراني، 1406هـ، ج1، ص 281؛ ابن كثير، 1419هـ، ج1، ص 124)، وأحياناً بنيابة الإنسان عن الملائكة المستقرين في الأرض (السمرقندي، 1416هـ، ج1، ص 41).
إن اعتبار المستخلف عنه في الآيات محل البحث غير الله تعالى لا يتمتع بقوة واستدلال كافيين؛ لأن لازم تفسير المستخلف عنه بغير الله تعالى هو مخالفته لتتمة الآية وسياق الآيات اللاحقة (البقرة: 30-34)؛ وعليه، يجب تبيين مقام الخلافة للإنسان بحيث ينسجم مع كونه مسجوداً له من قبل الملائكة، وأساساً، نيابة الإنسان عن الجن أو البشر السابقين أو حتى الملائكة المستقرين في الأرض ليست بالأمر المهم الذي يكون موضع سؤال وتعجب – إن لم نقل اعتراض – من الملائكة. فالأرض في مقياس عالم الوجود، حتى بالنسبة لسماء هذه الدنيا وفي مقياس المجرات والنجوم الموجودة فيها، تُعتبر ذرة لا قيمة لها، وهذا لا يستدعي أن يحتج الله مع الملائكة، وبتعليم الأسماء للإنسان يفهمهم أنكم والبشر السابقين أو الجن لا تليقون بالنيابة والاستقرار في الأرض؛ بل يجب أن يستقر آدم وذريته. وبناءً على ذلك، فإن أنسب تفسير هو ما ورد في الآيات المذكورة – خاصة الآية الثلاثين من سورة البقرة – كما هو مشهور عند المفسرين، أن نعتبر المستخلف عنه هو الله تعالى؛ أي أن الله تعالى قد جعل الإنسان خليفته على وجه الأرض.
من الضروري الانتباه إلى أن خلافة الإنسان عن الله ليست بسبب أن المستخلف عنه، أي الله سبحانه، بسبب غيبة أو عجز أو ضعف، لا يستطيع تدبير شؤونه، وبالتالي أصبح محتاجاً لتعيين خليفة ونائب لنفسه؛ لأن الله دائم الحضور: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحيطٌ﴾ (فصلت: 54)، و﴿هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (سبأ: 47)، وقادر مطلق: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: 20)؛ وبالتالي لا يُلاحظ فيه أي ضعف. بل إن علة جعل الخليفة هي أن غالب الموجودات لا تملك القدرة على تلقي الفيض والأحكام والعلوم والمعارف الإلهية بلا واسطة؛ ولهذا السبب هي بحاجة إلى وسيط يكون مألوفاً بلغتهم ومحسوساً وملموساً لهم، وهذا الوسيط هو نفسه خليفة الله تعالى (جوادي آملي، 1389، ج3، ص 129).
2-4. النظريات المطروحة حول ماهية الخليفة الإلهي (خلافة النوع الإنساني/الأصفياء الإلهيون)
بالنظر إلى أن دلالة الآية الثلاثين من سورة البقرة على إثبات خلافة الإنسان عن الله تعالى قد قبلناها، فقد حان الوقت الآن لدراسة ما إذا كانت خلافة الإنسان عن الله تعالى قابلة للإثبات للنوع البشري؛ أم أن هذا المقام خاص ببعض أفراد البشر. من الواضح أنه إذا لم نتمكن من تعميم هذه الخلافة للنوع البشري، فإن الاستدلال بآية الخلافة، وكذلك الآيات الأخرى التي تشير بنوع ما إلى خلافة الإنسان – لإثبات نظرية الأغلبية – سيكون ناقصاً وغير مستدل.
بين تلك الفئة من المفسرين الذين قبلوا دلالة آية الخلافة بمعنى نيابة الإنسان عن الله، لا يوجد إجماع حول ما إذا كان هذا المقام ثابتاً للنوع البشري أم للبشر المصطفين مثل الأنبياء والأوصياء. في الواقع، بين هذه الفئة من المفسرين، توجد ثلاث وجهات نظر حول لمن جُعل مقام الخلافة.
أولاً: اختصاص الخلافة بجميع ذرية آدم (ع)
1. مقام الخلافة لا يختص بآدم (ع)؛ بل يشمل جميع ذريته أيضاً (الشهيد الصدر، ص 123). وبالطبع، بين أنصار هذه النظرية، لا يوجد إجماع حول ما إذا كان هذا المقام قد جُعل بالفعل لجميع ذرية الإنسان، سواء الكافر والمؤمن (الزمخشري، 1407هـ، ج1، ص 125؛ النسفي، 1416هـ، ج1، ص 79؛ رشيد رضا، 1414هـ، ج1، ص 259)، أم أنه أودع بالقوة في جميع البشر (الطباطبائي، 1417هـ، ج1، ص 116).
يرى أنصار النظرية المذكورة أن علة هذا التعميم هي أنه لو كانت هذه الخلافة لآدم (ع) فقط، لما كان لكلام الملائكة عن الفساد وسفك الدماء في الأرض معنى؛ لأنهم كانوا يعلمون أن الفساد وسفك الدماء في الأرض سيأتي من ناحية ذرية آدم – الذين سيصبحون خلفاء الله –. والله تعالى أيضاً في رده على الملائكة لم يقل إن هذا المقام حصري لآدم وهو ليس من أهل الفساد وسفك الدماء. بالإضافة إلى ذلك، فإن آيات أخرى من القرآن الكريم تشير أيضاً إلى عمومية هذه الخلافة لأبناء آدم (ع)؛ مثل: ﴿إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ (الأعراف: 69)، و﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ (يونس: 14)، و﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ (النمل: 62).
يبدو أن الدليل المذكور لا يمكن أن يكون مقنعاً؛ لأنه بناءً على هذا الدليل، يُفترض علم الملائكة بوجود وخلق آدم (ع)؛ بينما لا يوجد دليل على أن الله تعالى بعد خلق آدم، قد أبلغ الملائكة بجعل الخليفة. ربما قبل خلق آدم وبدون أن يعلم الملائكة أي مخلوق سيُخلق، قد أُعلموا بجعل الخليفة من قبل الله تعالى في الأرض، وبناءً على مقتضيات الأرض ووجود الفساد وسفك الدماء من قبل الجن، قد تكونت لديهم هذه الفكرة بأن أي مخلوق يستقر في الأرض، سيفسد ويسفك الدماء. وأما أن الملائكة أرادوا أن يكونوا هم أنفسهم في مقام الخلافة، فربما كان طلبهم هذا لمنح هذا المقام هو لمجرد أصل مقام الخلافة الإلهية، ولم يكن للاستقرار في الأرض موضوعية بالنسبة لهم. وأما أن الله تعالى لم يرد على قياس الملائكة القائم على الفساد وسفك الدماء للمستقر في الأرض، فذلك لأن الملائكة أدركوا أن خليفة الله هو هذا الآدم وذريته – أي الأنبياء والأوصياء – وهم لن يكونوا من أهل الفساد وسفك الدماء؛ وبالتالي لم تكن هناك حاجة لرد الاستدلال وقياس الملائكة الذي كان صادقاً فيما يخص جميع أبناء آدم الآخرين.
بالإضافة إلى ما قيل، يطرح إشكال آخر على التفسير الثاني – أي كون منصب الخلافة بالقوة لذرية آدم (ع) –؛ وهو أن منصب الخلافة لآدم (ع) وذريته من الأنبياء والأوصياء والأولياء ثابت بالفعل؛ كما أن ظهور الآية يشير أيضاً إلى جعل فعلي لمقام الخلافة. وبالتالي، فإن استخدام لفظ «الخليفة» في هؤلاء الأفراد سيكون استخداماً حقيقياً. وبعبارة أخرى، سيكون استعمال اللفظ المشتق فيمن تلبس بالمبدأ في الحال، وهو ما يعتبر استعمالاً حقيقياً باتفاق علماء الأصول. في المقابل، فإن استعمال لفظ الخليفة لذرية آدم غير الأنبياء والأوصياء، من حيث إنهم يمتلكون هذا المنصب بالقوة، سيكون استعمالاً مجازياً؛ بعبارة أخرى، سيكون استخدام اللفظ المشتق فيمن سيتلبس بالمبدأ في المستقبل، وهو ما يعتبر استعمالاً مجازياً باتفاق الأصوليين.
بالنظر إلى ما ذكر، فإن ادعاء عمومية مقام الخلافة لجميع ذرية آدم – من حيث إنه يستلزم استعمال لفظ واحد في أكثر من معنيين حقيقي ومجازي – سيكون مردوداً، واستعمال لفظ واحد في أكثر من معنى واحد مستحيل. وبالطبع، أساس الإشكال مبني على رأي مشهور عند الأصوليين في استحالة استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد؛ وبالتالي، إذا لم نقبل بهذه الاستحالة من الناحية الأصولية، فإن هذا الإشكال سيرتفع.
ثانياً: اختصاص الخلافة بشخص النبي آدم (ع)
مقام الخلافة مجعول فقط لشخص آدم (ع) الحقيقي (ابن جزي، د.ت، ج1، ص 79)؛ لأن الحديث في هذه الآية عن آدم (ع) وتعليم الأسماء له، والمسجود له من قبل الملائكة هو آدم (ع) نفسه.
من المباحث المطروحة حول الرأيين الأول والثاني، يتضح إشكال الرأي الثالث أيضاً؛ وهو أن الخلافة الإلهية مشروطة ومنوطة بالعلم بالأسماء؛ وبالتالي، كل من يمتلك هذه الخصوصية – مثل الأنبياء وأوصيائهم – سيكون مسجوداً للملائكة وخليفة الله، والعلم بالأسماء الإلهية ليس محصوراً في النبي آدم (ع)؛ بل يوجد في الأنبياء والأوصياء الآخرين، وخاصة أهل البيت (عليهم السلام)، بصورته الأكمل والأتم. بالإضافة إلى ذلك، صُرح في بعض آيات القرآن بأن مقام الخلافة الإلهية قد أُعطي لغير النبي آدم (ع) أيضاً: ﴿يا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَينَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (ص: 26).
ثالثاً: اختصاص الخلافة بالأنبياء والأوصياء
مقام الخلافة والنيابة عن الله ثابت لآدم (ع) وبعض ذريته (الأنبياء والأوصياء) (مصباح يزدي، 1367، ص 366؛ ابن بابويه، 1395هـ، ج1، ص 9 وما بعدها)؛ بعبارة أخرى، هذا المقام مجعول للبشر الكاملين (صدر الدين الشيرازي، 1361، ج2، ص 311؛ ابن عربي، 1410هـ، ج1، ص 99).
يمكن تقرير دليل هذا التوجه على النحو التالي: يجب أن يكون هناك سنخية بين المستخلِف والمستخلَف؛ وبالتالي، لا يمكن قبول أن مقام الخلافة، الذي لم تكن الملائكة أهلاً له، قد جُعل لعامة الناس، حتى للإنسان المذنب والفاسق. في الواقع، كان ملاك وصول آدم (ع) إلى مقام الخلافة هو علمه الفعلي بجميع الأسماء (مصباح يزدي، 1367، ص 366)؛ لأن آدم (ع) أصبح مسجوداً للملائكة عندما علم بجميع هذه الأسماء: ﴿وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّها﴾ (البقرة: 31)، واستطاع أن يُعلم الملائكة بها: ﴿قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ…﴾ (البقرة: 33)؛ وبالتالي، فإن آدم فقط وكل من ذريته يمتلك هذا المعيار، سيكون خليفة الله.
تأييداً للرأي المذكور، من الضروري الانتباه إلى أنه في الروايات الواردة عن المعصومين (عليهم السلام)، لا يمكن بسهولة العثور على رواية تشير إلى تعميم مقام الخلافة لجميع أفراد البشر؛ بل إن الروايات الواردة في هذا الباب تؤيد الرأي الثاني، أي اختصاص مقام الخلافة بالبشر المصطفين؛ على سبيل المثال، في علل الشرائع، يروي الشيخ الصدوق بسند صحيح عن الإمام الباقر (ع)، وعنه عن أمير المؤمنين (ع)، أنه قال: «قالَ جَلَّ جَلَالُهُ يا مَلَائِكَتِى إِنِّى أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْلُقَ خَلْقاً بيدِي أَجْعَلُ ذُرِّيَتَهُ أَنْبِيَاءَ مُرْسَلِينَ وَعِبَاداً صَالِحِينَ وَأَئِمَّةً مُهْتَدِينَ أَجْعَلُهُمْ خُلَفَائِي عَلَى خَلْقِي فِي أَرْضِي يَنْهَوْنَهُمْ عَنِ الْمَعَاصِي وَ يُنْذِرُونَهُمْ عَذَابِي وَيَهْدُونَهُمْ إِلَى طَاعَتِي وَيَسْلُكُونَ بِهِمْ طَرِيق سَبِيلِی» (ابن بابويه، 1385، ج1، ص 104). قال الله تعالى: يا ملائكتي، إني أعلم ما لا تعلمون. أريد أن أخلق خلقاً بيدي [و] أجعل من ذريته أنبياء مرسلين وعباداً صالحين وأئمة مهتدين؛ أجعلهم خلفائي على خلقي في أرضي، ينهونهم عن المعاصي وينذرونهم عذابي ويهدونهم إلى طاعتي ويسلكون بهم طريق سبيلي. ورواة هذا الحديث الشريف هم: محمد بن الحسن بن الوليد، محمد بن الحسن الصفار، أحمد بن محمد بن عيسى، الحسن بن محبوب، وجابر بن يزيد الجعفي، وجميعهم ثقات وإماميون.
الرواية المذكورة، التي تبين قصة خلق آدم (ع) وحوار الله تعالى مع الملائكة، تشير إلى أن جعل الخليفة يكون من بين هؤلاء الأنبياء والعباد الصالحين، وأن الله تعالى قد منح مقام الإمامة والخلافة لهم حصراً. كذلك، في جزء من زيارة الجامعة الكبيرة التي يرويها الشيخ الصدوق بسند صحيح عن الإمام الهادي (ع)، ورد: «وَ رَضِيكُمْ خُلَفَاءَ فِي أَرْضِه» (نفسه، 1413هـ، ج2، ص 611). (واختاركم خلفاء في أرضه). وقد فسر بعض أهل الفكر عبارة «رضيت الشيء» بمعنى «اخترته» (المصطفوي، 1402هـ، ج4، ص 151). هذه العبارة صريحة في أن هذا المقام ليس عاماً؛ لأنه لو كان هذا المقام ثابتاً لجميع ذرية آدم (ع)، لما كان لذكره كإحدى خصوصيات وفضائل أهل البيت (عليهم السلام) وجه. بالإضافة إلى الروايتين المذكورتين، وردت روايات أخرى في هذا الباب، وإن كانت محل نقاش من حيث السند، إلا أنها صريحة من حيث الدلالة في أن مقام الخلافة الإلهية قد جُعل للمصطفين من أبناء آدم (ع) وليس لعامة الناس (الكليني، 1365، ج1، ص 312، الحديث الرابع؛ الحر العاملي، 1409هـ، ج9، ص 530؛ ابن بابويه، 1378هـ، ج2، ص 10).
والحاصل أن الاستدلال بآية الخلافة لإثبات نظرية الأغلبية ومساهمة عامة الناس في الشرعية، مبني على إثبات هذا المقام لجميع البشر؛ بينما بناءً على نظرية التحقيق، وهي النظرية الأخيرة، فإن هذا المقام ثابت فقط لآدم (ع) ومجموعة خاصة من ذريته، أي الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)؛ وبالتالي، لا يمكن استنباط شرعية رأي الناس في تعيين الحاكم السياسي من هذه الآيات، وأساساً، مسألة شرعية رأي الناس بالنسبة لهذه الآيات تكون سالبة بانتفاء الموضوع.
3-4. نطاق خلافة الإنسان
تجدر الإشارة إلى أنه حتى لو صرفنا النظر عن النظرية الثانية وأيدنا النظرية الأولى وقبلنا بأن جعل مقام الخلافة الإلهية هو لعامة ذرية آدم (ع)، فإن ذلك لا يثبت نظرية انتخاب الأغلبية؛ وذلك للأسباب التالية:
أولاً، إن تعميم مقام الخلافة الإلهية لجميع ذرية آدم (ع) – سواء المؤمن أو الكافر – يكون من الناحية التكوينية لا التشريعية (الخميني، 1418هـ، ج5، ص 237)؛ بعبارة أخرى، مقام الخلافة يستدعي طابعاً تكوينياً (جوادي آملي، 1389، ج3، ص 110). من هذا المنظور، إذا كان جميع البشر على وجه الأرض يمتلكون مقام الخلافة الإلهية، فلن يحدث أي تعارض أو تناقض، وفي وقت واحد يمكن لعدة أشخاص – مثل الخمسة الطيبة (عليهم السلام) – أن يمتلكوا هذا المقام بالفعل؛ ولكن إذا نظرنا إلى مقام الخلافة من الناحية التشريعية، فإن تعميمه على جميع البشر، بل حتى على شخصين في وقت واحد، يؤدي إلى التعارض والتضاد. كما أشير في الروايات أيضاً إلى هذا المطلب؛ على سبيل المثال، في الرواية صحيحة السند عن الإمام الصادق (ع) في إجابة سؤال الحسين بن أبي العلاء، يتضح هذا المطلب. «قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع): تَكونُ الْأَرْضُ لَيسَ فِيهَا إِمَامٌ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: يَكونُ إِمَامَانِ؟ قَالَ: لَا إِلَّا وَ أَحَدُهُمَا صَامِتٌ» (الكليني، 1365، ج1، ص 178) (قلت للإمام الصادق (ع): هل يمكن أن تكون الأرض بلا إمام؟ قال: لا. قلت: هل يمكن أن يكون هناك إمامان في وقت واحد على الأرض؟ قال: لا، إلا أن يكون الثاني تابعاً للأول).
لقد ذكر اللغويون في معنى «الجعل» أنه يعني الإيجاد أو الخلق (العسكري، 1400هـ، ص 128؛ الفراهيدي، 1409هـ، ج1، ص 229)، وتحقق إيجاد ووجود الشيء يكون حقيقياً وفعلياً في الخارج؛ وبالتالي، إذا اعتبرنا جعل الخلافة للإنسان بمعنى إيجاد قوة الخلافة في الإنسان، فإن استخدام لفظ «جعل» سيكون في معنى مجازي، وهذا النوع من الاستخدام خلاف الأصل. ومع ذلك، حتى لو لم نقبل بظهور لفظ «جعل» ومشتقاته الواردة في القرآن الكريم في الجعل الفعلي، وبالتالي اعتبرنا مقام الخلافة مجعولاً بالقوة لجميع ذرية آدم (ع)، فسنواجه إشكالاً لغوياً؛ لأنه كما اتضح من الرواية السابقة، فإن الخلافة بالمعنى التشريعي، أي السيادة، تتحقق في شخص واحد فقط. وبالتالي، فإن جعلها بشكل عام ولجميع الأفراد سيكون لغواً.
ثانياً، كما أُشير، فسر بعض أنصار نظرية الأغلبية الخلافة من حيث التشريع بأنها حق الحكم، وعمموا هذا الحق على جميع ذرية آدم (ع). بناءً على ذلك، لم يحدث تغيير في معنى «الجعل»؛ ولكن تم التصرف في معنى «الخليفة»، ثم عُمم على جميع ذرية آدم (ع). في هذه الحالة، بافتراض صحة تفسير مفردة «الخليفة» والخلافة بحق الحكم، فإن الإشكال اللغوي لا يزول؛ لأن الحق يكتسب معناه عندما يكون هناك إمكانية لاستيفائه. لا معنى لإعطاء شخص حقاً، ولكن إمكانية استيفاء هذا الحق تُسلب منه؛ وبالتالي، إذا لم يتمكن جميع الناس في الواقع الخارجي من أن يكونوا حكاماً سياسيين بالفعل، فإن جعل حق الحكم لهم لا وجه له وسيكون لغواً.
ثالثاً، في الخلافة بالمعنى التشريعي، تُشترط العصمة – وفي حال عدم الوصول إلى المعصوم (ع)، المرتبة الأدنى منها وهي العدالة – وإذا لم نشترط وجود العصمة والعدالة في خليفة الله، فيجب علينا بطريق أولى ألا نعتبر وجودها في خليفة رسول الله (ص) ضرورياً؛ لأنه عندما لا تُشترط العدالة والعصمة في خليفة الله، فبطريق أولى لن يكون مثل هذا الشرط لازماً في خليفة النبي (ص)، والحال أن هذا اللازم – حتى من قبل أنصار نظرية الأغلبية، بل وأهل السنة أيضاً – مرفوض (راجع: الفراء الحنبلي، 1421هـ، ص 19-20).
رابعاً، يمكن تقسيم الحقوق من حيث جواز نقلها وعدمه إلى الغير إلى قسمين: حقوق قابلة للنقل إلى الغير؛ أي أن الشخص بالإضافة إلى قدرته على استخدام هذا الحق، يمكنه أن يهبه لآخر، بل ويبيعه؛ مثل حق التصرف في الأموال للمالك. وحقوق أخرى غير قابلة للنقل إلى الغير؛ أي أن صاحب الحق فقط هو من يمكنه الاستفادة من هذا الحق، وليس له حق نقله إلى الغير؛ مثل حق الاستمتاع بالزوجة للزوج.
بناءً على ما تقدم، وبفرض أننا قبلنا تفسير الخليفة ومشتقاته – من حيث التشريع – بامتلاك حق الحكم لأفراد المجتمع، فإن لازم ذلك ليس أن يتمكن الأفراد في إطار الانتخابات والتصويت من نقل هذا الحق إلى شخص آخر، أو إسقاطه عن أنفسهم؛ لأنه قد يكون حق الحكم من جملة الحقوق التي لا يملك الفرد حق نقلها – على الأقل إلى من يشاء –؛ بعبارة أخرى، لازم امتلاك حق الحكم ليس أن يكون الفرد مخولاً بإعطاء حق الحكم لغيره.
الخاتمة
بغض النظر عن كون فهم الشرعية السياسية من آيات الخلافة يواجه إعراض المشهور – بل وإجماع فقهاء الشيعة –، فإن إثبات أن الخلافة في آيات الخلافة هي للنوع البشري، وأن لازم ذلك هو أن يكون تعيين الحاكم أمراً اختيارياً للبشر، لا يتمتع بالقوة اللازمة. إن غرابة استنباط الشرعية السياسية – أي شرطية رأي أغلبية الناس لتحقق الشرعية السياسية – من آيات الخلافة هي بحيث لم تلقَ ترحيباً حتى من مفسري ومفكري أهل السنة. وبناءً على ذلك، على الرغم من أن ظهور آيات الخلافة يشير إلى أن المستخلف عنه هو الله تعالى، إلا أنه من ناحية، يواجه إثبات فعلية هذا المقام للنوع البشري تشكيكاً جاداً. ومن ناحية أخرى، لا يوجد تلازم بين مقام خلافة الإنسان وحق تعيين الحاكم؛ بعبارة أخرى، حتى لو قبلنا بأن مقام الخلافة قد جُعل للنوع الإنساني، فلا يمكننا استنتاج أن له الحق في تسليط من يشاء على نفسه.
قائمة المصادر
القرآن الكريم.
1. الآصفي، محمد مهدي (1435هـ). الآثار الفقهية. قم: بوستان كتاب.
2. ابن بابويه (الصدوق)، محمد بن علي (1378هـ). عيون أخبار الرضا (ع). تصحيح: مهدي لاجوردي، طهران: نشر جهان.
3. ________ (1385). علل الشرائع. قم: داوري.
4. ________ (1395). كمال الدين وتمام النعمة، ج2، طهران: إسلامية.
5. ________ (1413هـ). من لا يحضره الفقيه. تصحيح علي أكبر غفاري، ج2، قم: جامعة المدرسين.
6. ابن جزي، محمد بن أحمد (د.ت). التسهيل لعلوم التنزيل. بيروت: دار الفكر.
7. ابن عربي، محمد بن علي (1410هـ). رحمة من الرحمن في تفسير وإشارات القرآن. دمشق: نضر.
8. ابن فارس، أحمد (1404هـ). معجم مقاييس اللغة. تصحيح هارون عبد السلام محمد، قم: مكتب الإعلام الإسلامي.
9. ابن كثير، إسماعيل بن عمر (1419هـ). تفسير القرآن العظيم. تحقيق محمد حسين شمس الدين، بيروت: دار الكتب العلمية.
10. جوادي آملي، عبد الله (1389). تفسير تسنيم. تنظيم أحمد قدسي، ج4، قم: إسراء.
11. الحر العاملي، محمد بن حسن (1409هـ). وسائل الشيعة. قم: مؤسسة آل البيت (ع).
12. الخميني، سيد مصطفى (1418هـ). تفسير القرآن الكريم. طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.
13. راغب الأصفهاني، حسين بن محمد (1412هـ). مفردات ألفاظ القرآن. مصحح صفوان عدنان داوودي، بيروت: دار العلم.
14. رشيد رضا، محمد (1414هـ). تفسير المنار. بيروت: دار المعرفة.
15. الزمخشري، محمود (1407هـ). الكشاف عن حقائق غوامض القرآن. ط3، بيروت: دار الكتب العربي.
16. السمرقندي، نصر بن محمد (1416هـ). تفسير سمرقندي: بحر العلوم. تحقيق عمر عمروي، بيروت: دار الفكر.
17. شمس الدين، محمد مهدي (1419هـ). في الاجتماع السياسي الإسلامي. ط2، بيروت: المؤسسة الدولية للدراسات.
18. صادقي طهراني، محمد (1406هـ). الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن. ج2، قم: انتشارات فرهنگ إسلامي.
19. صافي الكلبايكاني، لطف الله (د.ت). ضرورة وجود الحكومة أو الولاية للفقهاء. بي جا، بي نا.
20. صدر الدين الشيرازي، محمد بن إبراهيم (1361). تفسير القرآن الكريم، ج2، قم: بيدار.
21. الطباطبائي (العلامة)، سيد محمد حسين (1417هـ). الميزان في تفسير القرآن. ج4، قم: جامعة المدرسين.
22. الطبرسي، فضل بن حسن (1372). مجمع البيان في تفسير القرآن. مصحح فضل الله يزدي طباطبائي، ج3، طهران: ناصر خسرو.
23. ________ (1412هـ). جوامع الجامع. مصحح أبو القاسم كرجي، قم: حوزة علمية.
24. العسكري، حسن بن عبد الله (1400هـ). الفروق في اللغة. بيروت: دار الآفاق.
25. فاضل، جواد بن سعد (1365). مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام. مصحح محمد باقر شريف زاده، ج2، طهران: مرتضوي.
26. فخر الدين الرازي، محمد بن عمر (1420هـ). مفاتيح الغيب. ط3، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
27. الفراء الحنبلي، محمد بن حسين (1421هـ). الأحكام السلطانية. بيروت: دار الكتب العلمية.
28. الفراهيدي، خليل بن أحمد (1409هـ). كتاب العين. ج2، قم: نشر هجرت.
29. فياض (الكابلي)، محمد إسحاق (1426هـ). المسائل المستحدثة. كويت: مؤسسة محمد رفيع حسين.
30. الفيومي، أحمد بن محمد المقري (د.ت). مصباح المنير. قم: مؤسسة دار الرضى.
31. القرطبي، محمد بن أحمد (1364). الجامع لأحكام القرآن. طهران: ناصر خسرو.
32. الكليني، محمد بن يعقوب (1365). الكافي. طهران: دار الكتب الإسلامية.
33. المحلي، جلال الدين وجلال الدين السيوطي (1416هـ). تفسير الجلالين. بيروت: مؤسسة النور.
34. المدرسي، سيد محمد تقي (1377). تفسير هدايت. ترجمة أحمد آرام، مشهد: آستان قدس.
35. مصباح يزدي، محمد تقي (1367). معارف قرآن. قم: مؤسسة در راه حق.
36. المصطفوي، حسن (1402هـ). التحقيق في كلمات القرآن الكريم. طهران: مركز الكتاب للترجمة والنشر.
37. مغنية، محمد جواد (1979م). الخميني والدولة الإسلامية. بيروت: دار العلم.
38. مكارم الشيرازي، ناصر (1371). تفسير نمونه. ج10، طهران: دار الكتب الإسلامية.
39. منتظري، حسين علي (1409هـ). دراسات في ولاية الفقيه. ج2، قم: نشر فكر.
40. منتظري، حسين علي (1429هـ). مجازاتهاي إسلامي. قم: ارغوان دانش.
41. الميبدي، رشيد الدين أحمد بن أبي سعد (1377). كشف الأسرار وعدة الأبرار. طهران: أمير كبير.
42. النسفي، عبد الله بن أحمد (1416). مدارك التنزيل وحقائق التأويل. ج2، بيروت: دار النفائس.
الهوامش
1. دكتوراه في الفلسفة السياسية. m.ghasemi@whc.ir
2. ﴿الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾ (النساء: 34). يعمّم غالب المفسرين هذه القيومية لتشمل مجال الحكم والمجتمع أيضاً؛ على سبيل المثال، يكتب العلامة الطباطبائي في الميزان تحت هذه الآية: «هذه القيومية مطلقة ولا تقتصر على المسائل الأسرية» (الطباطبائي، 1417هـ، ج4، ص 343).
3. ﴿يا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَينَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى﴾ (ص: 26). تشير هذه الآية إلى أنه يجب على الخليفة وحاكم المجتمع ألا يُدخل أهواءه النفسية في حكمه، وأن يحكم فقط بناءً على أوامر الله. وحينما يمكن للفرد ألا يُدخل أهواءه النفسية في الحكم، يكون متمتعاً بالعصمة أو على الأقل بالعدالة.
4. يقول الله تعالى في الآية 247 من سورة البقرة، رداً على قوم طالوت الذين تعجبوا من سبب إعطائه منصب الحكم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ﴾. تشير الآية إلى أن ملاك الحكم هو اختيار الله وامتلاك العلم والقدرة، لا الشهرة والثروة.
5. هذا المطلب من المسلمات فقهياً؛ لذا، كما أشير في المباحث السابقة، حتى أنصار انتخاب الأغلبية يعتبرون هذه القيود مؤثرة في شرعية الحاكم السياسي.