الملخص: من المباحث المتعلقة بجهة صدور النص، شؤون المعصوم. شأن التشريع هو مقام ومنزلة للمعصوم يمارس من خلالها جعل الأحكام غير المقيدة بزمان أو مكان. السؤال هو: هل حق التشريع مختص بالله تعالى أم أن للمعصوم أيضاً حق التشريع بواسطة وفي طول التشريع الإلهي؟ هناك خلاف في أن المعصوم هل له شأن التشريع ويمكن تسميته شارعاً أم لا. توجد بين مفكري الإمامية ثلاث نظريات: النفي الكلي، الإثبات الكلي، والإثبات الجزئي. يهدف هذا المقال إلى إثبات نظرية رابعة باسم “شأن التشريع المكمّل للمعصوم”. المنهج المتبع في هذا البحث وصفي-تحليلي ونظري. بناءً على هذه النظرية، فإن حق التشريع قد فُوّض من الله تعالى إلى المعصوم في الجملة، وهو محدود ومكمّل للتشريع الإلهي. للحكم التشريعي الصادر عن المعصوم ست خصائص: جعل الحكم من قبل المعصوم، كونه غير مقيد بزمان أو مكان، عدم الاستقلال، موافقته للتشريع الإلهي، كونه مكملاً للتشريع الإلهي، وعدم تعميمه لجميع الأحكام. في هذا المقال، تُعرض النظريات المنافسة وتُقيّم أدلتها، ثم تُبيّن النظرية المختارة وتُثبت.
مقدمة
للمعصوم شؤون متعددة، ومن بينها شأن التشريع. إثبات هذا الشأن للمعصوم محل خلاف. يهدف هذا المقال إلى بيان الأقوال والأدلة المتعلقة بشـأن تشريع المعصوم وتقييمها. يتمثل إبداع المقال في تقديم نظرية رابعة مقابل النظريات الثلاث: نفي شأن تشريع المعصوم، إثباته، وإثبات شأن التشريع الجزئي للمعصوم فقط في الموارد المذكورة في الروايات. هذه النظرية تضبط تشريع المعصوم وتدّعي أن المعصوم يمكنه التشريع بشكل منضبط وفقاً لمعيارين: كونه محدوداً بمجال الأحكام غير الابتدائية، وكونه مكملاً للتشريع الإلهي. وتشريع المعصوم ليس كلياً ولا محدوداً بما ورد في لسان الروايات، بل هو وفقاً لمعياري السبق بتشريع الله وكونه مكملاً له. التشريع في اللغة يعني سن القوانين (الجوهري، ١٤٠٧ق، ج٣، ص ١١٣٦). والمراد بالتشريع في هذا البحث هو تشريع القوانين غير المقيدة بزمان أو مكان. أما سن القوانين المؤقتة والمقيدة بزمان، والذي يُعبّر عنه بالحكم الولائي والحكومتي، فيُبحث في شأن الحكومة والولاية، لا في شأن التشريع. يسعى هذا البحث للإجابة على هذا السؤال: هل يمكن للمعصوم أن يجعل قوانين خالدة وعالمية، أم أن هذا النوع من التشريع مختص بالله تعالى؟ السؤال الأساسي هو: من له حق التشريع؟ هل حق التشريع مختص بالله تعالى، أم أن للمعصوم أيضاً حق التشريع؟ هل حق التشريع للمعصوم مستقل أم غير مستقل؟ هل حق التشريع الممنوح للمعصوم من الله كلي ودائم، أم في موارد خاصة ومحدودة؟ هل الاستفادة من هذا الحق منضبطة، أم أن كيفية استخدام هذا الشأن مفوضة إلى المعصوم؟ يعتقد المفكرون الإسلاميون أن حق التشريع المستقل مختص بالله تعالى وحده، ولا يحق لأحد غير الله التشريع استقلالاً. وفيما يلي، يُعرض تاريخ البحث في حق تشريع المعصوم من منظور القرآن والروايات، والمحدثين، والمتكلمين، والرجاليين، والأصوليين، والفقهاء، والمفسرين. ظاهر أخبار التفويض يثبت حق التشريع للمعصوم في الجملة. يجب البحث عن جذور مقام تشريع المعصوم في المجامع الروائية وأخبار التفويض. يبدو أن كبار المحدثين مثل الكليني والصفار ويونس بن عبد الرحمن قد قبلوا هذا الشأن للمعصوم من خلال تبويبهم لأخبار التفويض (الكليني، ١٣٦٣ ش، ج ٣، ص ٥٠٩، ذيل الحديث ٢؛ الصفار، ١٤٠٤ق، ص ٣٩٨). وقد صرح بعض المحدثين بهذا الشأن للمعصوم (محمد تقي المجلسي، د.ت، ج ١، ص ١٤٣؛ العلامة المجلسي، ١٣٦٣ش، ج٣، ص ١٤٥؛ الفيض الكاشاني، ١٤٠٦ق، ج ٢، ص ٣٢١؛ النمازي، ١٤١٩ق، ج ٨، ص ٣٣٢). وبالطبع، لم يقبل بعض المحدثين (الصدوق، ١٤١٣ ق، ج ١، ص ٤١) تفويض التشريع إلى المعصوم. وقد قبل بعض المتكلمين المعاصرين شأن التشريع للنبي (شبر، د.ت، ج ١، ص ٣٦٩)، وأثبت آخرون (مؤمن، ١٤٠٩ق، ج ١، ص ٧٨؛ السيد علي الميلاني، ١٣٨٣، ج ٢، ص ٦٠) شأن التشريع للإمام. يبدو أن أول عالم أصولي أنكر شأن تشريع النبي هو السيد المرتضى (السيد المرتضى، ١٣٦٤، ج ٢، ص). وقد رد بعض الأصوليين أدلة تشريع النبي (محمد تقي الأصفهاني، ١٤٢٠ق، ج ١، ص ٤١٠). ولكن عدداً من الأصوليين (ميرزا مهدي الأصفهاني، ١٣٨٧ش، ص١٣٨؛ السيستاني، ١٤١٤ق، ص ٢٦) قبلوا شأن تشريع المعصوم في الجملة. وقبل بعض الفقهاء شأن التشريع للنبي فقط (الإمام الخميني، د.ت، ص ١٢١؛ مكارم الشيرازي، د.ق، ج ١، ص ٥٠٨؛ السبحاني، ١٤١٩ق، ص ١١٧-١١٨). وأنكر عدد من الفقهاء شأن تشريع المعصوم. ومنهم: الشيرازي (الشيرازي، ١٤٠٧ق، ج ٨٩، ص ١١-١٢). ومن بين المفسرين، قبل العلامة الطباطبائي (الطباطبائي، د.ت، ج ٦، ص ١٤ وج ١٩، ص ٢١) شأن التشريع للمعصوم في الجملة. وقد تناولت ثلاث دراسات مستقلة شأن التشريع بالبحث: علي النمازي (د.ت)، والسيد جعفر مرتضى العاملي (١٤٢٤ق)، وعليزاده نجار (١٣٩٦)، حيث ناقشوا جوانب أوسع من شأن التشريع وأثبتوا هذا الشأن للمعصوم.
تعريف شأن التشريع
هو مقام ومنزلة للمعصوم يمارس من خلالها جعل الأحكام غير المقيدة بزمان أو مكان. حق التشريع قد فُوّض من الله تعالى إلى المعصوم في الجملة، وهو محدود ومكمّل للتشريع الإلهي. (للمزيد من التفصيل، انظر: الإمام الخميني، ١٣٨٥ش، ج ١، ص ٥٠؛ ضيائي فر، ١٣٩٢، ص ٣٩٩؛ آصف آگاه، ١٣٩٤ش، ص ٤٩ – ١٣٠).
المرحلة الأولى: نظريات شأن تشريع المعصوم
توجد نظريتان رئيسيتان بين مفكري الشيعة: نفي شأن التشريع للمعصوم، وإثباته. وبالطبع، ينقسم القائلون بشـأن المعصوم إلى ثلاث فئات: شأن التشريع الكلي، شأن التشريع الجزئي، وشأن التشريع المكمّل، والتي سيتم الحديث عنها في نطاق تشريع المعصوم.
النظرية الأولى: نفي شأن تشريع المعصوم
يعتقد بعض علماء الشيعة أن حق التشريع مختص بالله تعالى، وأن النبي لا يملك حق التشريع بأي وجه. لا يمكن للنبي أن يشرّع من تلقاء نفسه. النبي والإمام لهما فقط حق تبيين وتذكير وإبلاغ الأحكام الإلهية؛ كما مرّ، فإن الشيخ الصدوق، والسيد المرتضى، وآيات الله العظام الميرزا محمد تقي الأصفهاني، والسيد محمد الشيرازي، والميانجي من هذه الفئة. وكذلك نفى آية الله جوادي آملي والسبحاني هذا الشأن للمعصوم في بعض كتبهما. وإذا فُوّض أمر الدين إلى النبي في بعض الروايات، فإنه يُحمل على تطبيق التشريع الإلهي على الموارد الخارجية (الشيرازي، ١٤٠٧ ق، ج ٩٩، ص ١١ – ١٢). كما اعتبر بعض أهل السنة حق التشريع مختصاً بالله تعالى. (انظر: وزارة الأوقاف، ١٤٠٤ ق، ج ١، ص ١٨).
أدلة نفي شأن تشريع المعصوم
أهم الأدلة التي يمكن إيرادها لنفي تشريع المعصوم هي:
أ) الإشكال الثبوتي
أساساً، تشريع المعصوم ينطوي على محذور ثبوتي، وبيانه أن مقتضى التوحيد التشريعي هو أن الأنبياء يوصلون الأحكام الإلهية إلى الناس فقط، ولا يملكون حق التشريع؛ لأن الاعتقاد بحق تشريع المعصوم في عرض التشريع الإلهي نوع من الشرك. وكذلك الاعتقاد بتشريع المعصوم دون حق التشريع لله تفويض باطل، ويؤدي إلى محدودية قدرة الله وفاعلية المفوض إليه المستقلة (جوادي آملي، ١٣٨٦ش، ص ٤٥). مع وجود مثل هذا المحذور الثبوتي، لا تصل النوبة إلى أدلة إثبات حق التشريع، وتُحمل هذه الأدلة على معنى آخر غير حق تشريع المعصوم.
نقد وبررسی (نقد وتقييم)
الولاية التشريعية للمعصوم تعني حق التشريع في طول الولاية التشريعية الإلهية؛ وليست في عرضها وبشكل مستقل حتى ينشأ الشرك. كذلك، المراد بالولاية التشريعية للمعصوم الولاية الإمضائية، أي الولاية التي يجب أن تكون بإمضاء الله، لا الولاية الاستقلالية بمعنى سلب الولاية من الله وتفويضها إلى النبي (العلامة الطباطبائي، د.ت، ج ١٩، ص ٢١٠؛ مكارم الشيرازي، ١٣٧٧ش، ج ١، ص ٥٧٢) حتى يؤدي إلى التفويض الباطل.
ب) الإشكال الإثباتي
بقطع النظر عن الدليل الثبوتي، فإن أدلة إثبات حق التشريع للمعصوم تعاني من إشكال وتعارض، ومنها:
الإشكال الأول: انحصار حق التشريع بالله
في القرآن الكريم، اعتُبر التشريع مختصاً بالله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} (الأنعام، ٥٧؛ يوسف، ٤٠ و ٦٧). وليس للنبي شأن سوى اتباع الوحي: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ} (يونس، ١٥)، وتبليغه: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ} (الرعد، ٧). وفي بعض الروايات أيضاً، ورد أن تحليل الأمور وتحريمها يتم فقط من قبل الله، وأن النبي مجرد تابع ومبلغ للأحكام الإلهية (الحر العاملي، ١٤١٤ ق، ج ٢٧، ص ١١٣، ح ٢١).
نقد وبررسی (نقد وتقييم)
ترد عدة انتقادات على حصر حق التشريع بالله: أ) نقد الفئة الأولى: مع الأخذ في الاعتبار الأدلة الأخرى، فإن المراد من آية {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} هو اختصاص شأن التشريع الاستقلالي بالله تعالى. أما بناءً على روايات التفويض، فإن الله قد فوّض إلى نبيه مقداراً من التشريعات في إطار الضوابط الإلهية وكمكمل للتشريع الإلهي. وهذا النوع من التشريع، لكونه بإذن الله وإمضائه، يقع ضمن إطار الحكم الإلهي. ب) نقد الفئة الثانية: ١. الولاية على التشريع وصلت إلى النبي عن طريق الوحي؛ نتيجة لذلك، فإن تشريع النبي هو اتباع للوحي وليس في مقابله. ٢. كان للنبي نوعان من الوحي: ١. وحي تشريعي يصدر من شأن التبليغ. حيث يُبلّغ المَلَك الحكم من الله، ويُبلّغه النبي للناس. ٢. وحي تأييدي وتسديدي. يرتبط شأن التشريع بهذا النوع من الوحي؛ بمعنى أن المعصوم يشرّع الأحكام بتأييد إلهي. وقد عبّر بعض المفكرين عن هذا النوع من الوحي بالوحي التابع والمجيز (وحيد البهبهاني، ١٤٢٢ق، ج ١، ص ١٣١). هذا النوع من الوحي مؤيد ومجيز لصدور الأحكام التشريعية من المعصوم؛ أي بما أن المعصوم مؤيد بروح القدس، فله الإذن والسماح بإصدار أحكام. في الحقيقة، معنى كون كلام المعصوم وحياً في تشريع الأحكام هو أنه مطابق للإرادة الإلهية، ولا يتصف بخصائص الكلام البشري (الخطأ، السهو، والنسيان). ٣. آية {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ} بقرينة المقابلة، هي في مقام بيان عدم نطق النبي عن الهوى، لا نفي حق التشريع للنبي؛ نتيجة لذلك، فإن حق التشريع ليس عن هوى النفس، لذا لا يتعارض مع الآية. ٤. الآية لا تتعلق بحق التشريع؛ لأن ضمير “هو”، بحسب كثير من التفاسير، يعود إلى القرآن (القمي، ١٤٢٦ق، ج ٢، ص ٣١١؛ الشيخ الطوسي، د.ت، ج٩، ص ٤٢١؛ العلامة الطباطبائي، د.ت، ج ١٩، ص ٢٨)؛ نتيجة لذلك، يمكن القول بأن الوحي القرآني، طبقاً للآية، صادر من شأن التبليغ، ولكن هذه الآية ساكتة عن الوحي غير القرآني، ويمكن للوحي غير القرآني أن يصدر من شأن غير التبليغ، مثل شأن التشريع. ج) نقد الفئة الثالثة: الحصر في الآيات والروايات التي تعتبر شأن النبي هو التبليغ فقط، هو حصر إضافي؛ لأنه في آيات وروايات أخرى، ذُكرت شؤون أخرى للمعصوم. الجمع بين هاتين الفئتين من الآيات والروايات يقتضي أن نعتبر الحصر إضافياً، وأن للمعصوم شؤوناً متعددة.
الإشكال الثاني: عدم تجاوز الحدود الإلهية
في القرآن، نُهي عن تجاوز حدود الله، واعتُبر المتجاوزون لحدود الله ظالمين: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} (البقرة، ٢٢٩؛ الطلاق، ١). تشريع المعصوم هو أحد أنواع التعدي على حدود الله (الصدوق، ١٤١٣ ق، ج ١، ص ٤١).
نقد وبررسی (نقد وتقييم)
الكبرى (عدم تجاوز حدود الله) تامة، أما الصغرى (تشريع المعصوم تجاوز لحدود الله) فغير تامة (محمد تقي المجلسي، د.ت، ج ١، ص ١٤٣)؛ لأنه بالأدلة التي ستأتي في إثبات حق التشريع، فإن المعصوم، بإذن الله، وبسبب تمتعه بالعلم والعصمة ومقام خليفة الله، قد فُوّض إليه هذا الحق من الله في دائرة خاصة؛ لذا، فإنه ليس تجاوزاً لحدود الله (عدم صدق التجاوز مع وجود الإذن الإلهي). عدم إمكان وقوع التجاوز لحدود الله بالنسبة للمعصوم. إمكان التجاوز لحدود الله متصور بالنسبة للعقل؛ لأن العقل يصيبه الهوى والخطأ، ووظيفته كشف الأحكام لا جعلها. أما إمكان التجاوز لحدود الله بالنسبة للمعصوم فغير متصور؛ لأن المعصوم لديه اطلاع على ملاكات الأحكام والمصالح والمفاسد الواقعية، ويتمتع بجوهر العصمة. مع وجود هذين الأمرين، لا يمكن للمعصوم تجاوز حدود الله.
الإشكال الثالث: تنافي شأن التشريع مع انتظار الوحي
في بعض الحالات، كان المسلمون يسألون عن حكم مسألة ما، أو كما في قصة تغيير القبلة (البقرة، ١٤٤)، وكان النبي ينتظر الوحي ليتلقى الحكم الإلهي ويبلغه للناس. لو كان النبي يتمتع بشـأن التشريع، لما كان هناك معنى لانتظاره الوحي، بل كان هو نفسه يشرّع حكم المسألة (الأصفهاني، ١٤٢٠ ق، ج ١، ص ٢٧٥).
نقد وبررسی (نقد وتقييم)
لا يوجد تنافٍ بين شأن الولاية التشريعية للمعصوم وانتظار الوحي، وذلك للأسباب التالية: أولاً: يختلف مجال تشريعات النبي عن الحالات التي كان ينتظر فيها الوحي. كان النبي ينتظر الوحي في مجال الأحكام الابتدائية، أما في مجال الأحكام التي سبق بيان حكمها الإلهي بشكل ما وكانت بحاجة إلى تكملة، فكان يسن القوانين ويشرّع (الاختلاف في المجال). حكمة تشريع المعصوم، كما سيأتي، هي أمور مثل تعظيم مقام النبي وامتحان طاعة الناس. ثانياً: يُستفاد من روايات التفويض أن النبي لم يكن يتمتع بالولاية على التشريع منذ بداية البعثة، وإنما أُعطي هذه الولاية عندما خضع لتأديب إلهي خاص (الكليني، ١٣٦٣ ش، ج ١، ص ٢٦٦ و ٢٦٧)؛ إذاً، هذه الروايات تشير إلى الفترة التي لم يكن النبي يتمتع فيها بشـأن الولاية على التشريع (الاختلاف في الظروف والزمان). ثالثاً: من خلال دراسة حالات التشريع، يتضح أنه في بعض الحالات، وبسبب أهمية المسألة وكونها سياسية أو اجتماعية، كان النبي ينتظر الوحي، مثل مسألة تغيير القبلة. أما في الحالات التي لم تكن بهذه الأهمية، فكان النبي نفسه يشرّع (الاختلاف في الأهمية).
الإشكال الرابع: تنافي شأن التشريع مع بيان جميع الأحكام في الكتاب والسنة
بناءً على آيتين: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} (النحل، ٨٩)، وآية {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} (الأنعام، ٣٨)، وروايات باب “جميع ما يحتاج الناس إليه وقد جاء فيه كتاب وسنة” (الكليني، ١٣٦٣ش، ج ١، ص ٥٩)، وثبوت جميع الأحكام في كتاب الإمام علي (الكليني، د.ش، ج١، ص ٢٣٩، ح ١)، فإن جميع الأحكام قد بُيّنت في القرآن والروايات، ولم يبقَ حكم ليشرّعه النبي (مكارم الشيرازي، ١٤٢٨ق، ص٥٢٠). هذه النصوص تتنافى مع حق تشريع المعصوم، وبناءً على هذه الفئات من النصوص، يصبح تشريع المعصوم لغواً؛ لأن جميع الأحكام قد بُيّنت، ولا حاجة لتشريع جديد (الأصفهاني، ١٤٢٠ق، ج ١، ص ٤١١).
نقد وبررسی (نقد وتقييم)
يمكن تقديم عدة إجابات على هذا الإشكال: بيان الكليات والضوابط: المراد من كون القرآن تبياناً وعدم تفريط الكتاب هو بيان ضوابط وكليات الأحكام وبيان عدد من الأحكام الجزئية، أما جميع جزئيات الأحكام فلم تُبيّن في القرآن. في الحقيقة، يقع تشريع المعصوم في دائرة جزئيات الأحكام. في روايات التشريع، ورد أن المعصوم أضاف بعض جزئيات الأحكام، مثل إضافة سبع ركعات إلى الصلوات اليومية (تبيان في الكليات وتشريع في بعض الجزئيات). كون القرآن تبياناً وبيان كل شيء في القرآن يتم بطريقتين: بيان الأحكام صراحةً، وبيان الأحكام من خلال تعريف المعصوم كمبيّن للأحكام. في آية {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (الحشر، ٧)، عُرّف النبي كمبيّن للأحكام؛ إذاً، كون القرآن تبياناً ليس فقط من خلال البيان المباشر للأحكام في آيات القرآن، حتى يتنافى مع شأن تشريع النبي. هذه الآيات والروايات مؤيدة لإثبات مقام التشريع للمعصوم؛ لأن هذه النصوص تقول إن القرآن لم يغفل أي أمر أو حكم. ومن المعلوم أن القرآن لم يبيّن سوى جزء من جزئيات الأحكام؛ إذاً، معنى هذه النصوص هو أن القرآن، من خلال بيان الكليات وكذلك تعريف المعصوم كمرجع لبيان الأحكام، كأنه لم يغفل أي حكم، سواء بشكل مباشر أو بواسطة (علي زاده نجار، ١٣٩٦ش، ص١٢٧).
الإشكال الخامس: إرشادية أوامر المعصومين
اعتبر بعض المفكرين جميع أوامر المعصومين إرشادية، واعتبروا عدم استحقاق العقاب على مخالفة أوامر المعصوم شاهداً على إرشاديّتها. واعتبروا استحقاق العقاب فقط في مخالفة أوامر الله (البروجردي، ١٤١٩ق، ص ١١٧).
نقد وبررسی (نقد وتقييم)
١. أوامر المعصوم ظاهرة في المولوية؛ وذلك بسبب مقام ولاية الإمامة ومولوية المعصوم. وقد اعتبر بعض العلماء الأصل الأولي في أوامر المعصوم هو المولوية (الميلاني، ١٤٢٥ ق، ج ١، ص ٦٠). ٢. عندما يضيف المعصوم إلى تشريع الله عشر ركعات للصلوات اليومية، ويقول: الصلوات اليومية سبع عشرة ركعة (تشريع المعصوم)، فإن مخالفته تستوجب العقاب. فلو صلى المكلف الصلوات اليومية عشر ركعات، فإنه وإن امتثل لأوامر الله، إلا أنه بسبب عدم امتثاله لأوامر المعصوم وعدم صلاته السبع ركعات، يُعاقب.
النظرية الثانية: تمتع المعصوم بشـأن التشريع (ولاية المعصوم على أمر التشريع)
يؤمن عدد من علماء الشيعة بحق التشريع للنبي. وقد صرّحت مجموعة منهم بالولاية التشريعية للنبي (الإمام الخميني، د.ت، ص ١٢٢؛ العلامة الطباطبائي، د.ت، ج ١٩، ص ٢١٠؛ مكارم الشيرازي، ١٣٧٧ش، ج ١، ص ٥٧١). وفي كلام آخرين، أُشير بشكل ما إلى حق التشريع للنبي. ومنهم محدثون مثل يونس بن عبد الرحمن (الكليني، ١٣٦٣ش، ج ٣، ص ٥٠٩، ذيل الحديث ٢)، حيث كتب: “الزكاة وُضعت أولاً على تسعة أشياء، ثم أوجب النبي الزكاة على جميع الحبوب، كما أضاف النبي سبع ركعات إلى الصلوات”. ومحمد الصفار (الصفار، ١٤٠٤ق، ص ٣٩٨)، والعلامة المجلسي (المجلسي، ١٤٠٣ق، ج ١٧، ص ٧. وانظر: ضيائي فر، ١٣٨٢ش، ص ٤٩٤ – ٤٩٥).
أدلة شأن تشريع المعصوم
أدلة تشريع المعصوم في مقامين: مقام الثبوت ومقام الإثبات. يمكن تصور محذورين عقليين: تعدد الشارع وتفويض أمر التشريع إلى المعصوم، وقد مرّ الجواب عنهما (التشريع غير الاستقلالي وبإذن إلهي). بعد أن اتضح عدم وجود محذور عقلي، نذكر الأدلة التي أوردها القائلون بمقام التشريع، أو التي يمكن إيرادها لإثبات هذا القول.
أ) الآيات
في عدة آيات من القرآن، أُمر باتباع أوامر النبي.
الفئة الأولى: آية الأخذ {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (الحشر، ٧)؛ أي: ما أعطاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فاجتنبوه. في هذه الآية والآية التي قبلها، يضع الله الفيء في اختيار النبي ويحدد مصارفه، ولكنه يفوّض إلى النبي طريقة تقسيمه ومقداره. تقريب الاستدلال: أوجب الله في هذه الآية اتباع أوامر ونواهي النبي. إضافة الأوامر والنواهي إلى النبي ظاهرة في أوامره ونواهيه التشريعية. وبما أن اتباع الأوامر والنواهي لم يُقيّد بمورد خاص، فإن هذه الآية تدل على وجوب اتباع جميع أوامر النبي التشريعية في جميع المجالات. إذا قيل إن الآية تتعلق بمصرف الفيء، وإن الآية أمرت بأخذ ما يعطيه النبي، ولم تأمر باتباع أوامر النبي؛ إذاً، فالآية تتعلق بأفعال النبي لا أقواله وأوامره. نقول: الآية تشمل أوامر النبي التشريعية أيضاً، و”ما آتاكم” أعم من الأوامر التنفيذية والتشريعية. الشاهد على العمومية عبارة “وما نهاكم” التي تشمل بإطلاقها جميع نواهي النبي. ولو كان المراد النواهي التنفيذية فقط، لكان من الأنسب أن يقول “ما لم يأتكم”؛ إذاً، عمومية النواهي قرينة على عمومية الأوامر (أشار بعض المفسرين إلى قرينة المقابلة: العلامة الطباطبائي، د.ت، ج ١٩، ص ٢٠٤). إذا قيل إن الآية قالت “ما آتاكم” ولم تقل “ما يأمركم”، وهذا قرينة على أن النبي يأتي بأوامر الله لا أنه يصدر أمراً من نفسه؛ إذاً، فالآية تدل على شأن إبلاغ الوحي للنبي لا شأن التشريع. نقول: عبارة “وما نهاكم” قرينة على أن المراد بـ “آتاكم” ليس فقط إتيان النبي بأوامر الله (الأوامر التبليغية)، بل تشمل الأوامر الصادرة من النبي أيضاً (الأوامر التشريعية). نعم، لو كان في تتمة الآية، كما قال “ما آتاكم”، قال “ما لم يأتكم”، لربما استطعنا القول بأن الآية تدل فقط على شأن إبلاغ الوحي وإتيان الأوامر والنواهي الإلهية. في روايات كثيرة، استُشهد بهذه الآية على لزوم اتباع أوامر النبي، وذُكرت تحتها تشريعات النبي (الكليني، ١٣٦٣ش، ج ١، ص ٢٦٥ – ٢٦٨، ح ١ – ٦). وهذا شاهد على أن هذه الآية في صدد إثبات شأن تشريع المعصوم.
الفئة الثانية: آيات الطاعة {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} (النساء، ٥٩٠. وكذلك المائدة، ٩٢؛ ومحمد، ٣٣)؛ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم. أو يقول: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} (النساء، ٨٠)؛ من يطع الرسول فقد أطاع الله. تقريب الاستدلال: أمر القرآن الكريم في عدة آيات بطاعة النبي. هذه الأوامر مطلقة ولم تُقيّد بمجال خاص؛ لذا، كما تشمل أوامر النبي التبليغية، فإنها تشمل أوامره التشريعية أيضاً. الشاهد على شمول الآية الأولى للأوامر التشريعية هو تكرار لفظ “أطيعوا”. لو كان المراد طاعة أوامر النبي التبليغية، لما كان هناك لزوم لتكرار لفظ الطاعة؛ إذاً، كأن تكرار لفظ الطاعة إشارة إلى شأن أبعد من إبلاغ الوحي، ومن ذلك شأن تشريع المعصومين. في روايات الولاية التشريعية للمعصوم، استُشهد بآيات الطاعة (الكليني، ١٣٦٣ش، ج ١، ص ٢٦٥ – ٢٦٨، ح ١ – ٦). هذه الآية بإطلاقها تثبت شأن تشريع الأئمة أيضاً، لأن المراد بأولي الأمر هم الأئمة المعصومون (الطوسي، د.ت، ج ٣، ص ٢٣٦؛ فخر الرازي، ١٤٢٠ق، ج ١٠، ص ١١٣).
الفئة الثالثة: آيات الولاية {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} (المائدة، ٥٥)؛ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون. {النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} (الأحزاب، ٦)؛ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم. تقريب الاستدلال: يعرّف الله في هاتين الآيتين المعصومين كأولياء للمؤمنين. ولاية المعصوم لم تُقيّد بمجال خاص، وتشمل الولاية التكوينية والتشريعية؛ إذاً، فالمعصومون لهم الولاية على أمر التشريع ويتمتعون بشـأن التشريع. إطلاق الولاية في هاتين الآيتين يشمل جميع مجالات الولاية في الدين؛ أي شأن إبلاغ الوحي، والتفسير، والتشريع، وولاية الحكومة والقضاء، و… (العلامة الطباطبائي، د.ت، ج ١، ص ١٢).
الفئة الرابعة: آية التبعية {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (الأعراف، ١٥٨)؛ اتبعوا النبي لعلكم تهتدون. استشهد بهذه الآية رشيد رضا والقرضاوي (رشيد رضا، د.ت، ج ٩، ص ٣١٧؛ القرضاوي، ١٤٢٦ق، ص ٣٦). تقريب الاستدلال: يأمر الله في هذه الآية المسلمين باتباع النبي ليهتدوا. كما يأمر في آية أخرى باتباع ما أُنزل على النبي: {وَاتَّبِعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ} (الأعراف، ١٥٧). الآية الثانية ناظرة إلى شأن إبلاغ الوحي، أي يجب على الناس اتباع أوامر الله التي تُنزل على النبي ويُبلّغها النبي للناس، لأن المراد بـ “النور الذي أنزل معه” هو القرآن والوحي. أما في الآية الأولى ({وَاتَّبِعُوهُ})، فيأمر باتباع أوامر النبي نفسه. إطلاق الآية وعدم تقييدها باتباع “ما أنزل” شاهد على شمول الآية لأوامر النبي التشريعية.
ب) الروايات
أولاً: روايات التفويض روايات التفويض قسمان: القسم الأول: تفويض أمر التشريع إلى المعصوم (التفويض الكلي) تدل روايات كثيرة، في حد التواتر الإجمالي، على تفويض أمر الناس إلى المعصومين (الكليني، ١٣٦٣ش، ج ١، ص ٢٦٥ – ٢٦٨، ب ١٠٨، باب التفويض إلى رسول الله وإلى الأئمة في أمر الدين). إطلاق هذا النوع من الروايات يشمل الأمر التكويني والأمر التشريعي. وفي بعض الروايات، صُرّح بتفويض أمر الدين إلى المعصومين (نفس المصدر، ح ٤، ٦). ومن الواضح أن أحد موارد تفويض أمر الدين يمكن أن يكون التشريع وسن القوانين. التفويض هنا بمعنى تفويض بيان وجعل أحكام الشريعة للمعصوم.
القسم الثاني: تفويض التشريع الموردي (التفويض الجزئي) صوّرت بعض الروايات التشريع للمعصومين في موارد محدودة فقط. ما عُدّ في الروايات من تشريع النبي هو: إضافة ركعة أو ركعتين إلى الصلوات اليومية الثنائية في غير السفر (مجموعاً سبع ركعات)، حرمة جميع المسكرات، تحديد صلوات النافلة والصيام المستحب، نصيب الجد من الإرث، دية بعض الأعضاء كالنفس والعين و… (الكليني، ١٣٦٣ش، ج ١، ص ٢٦٦ – ٢٦٧، ح ٢، ٦ و ٧؛ الصفار، ١٤٠٤ق، باب التفويض، ص ٣٩٨ وما بعدها). تقريب الاستدلال: القسم الأول من الروايات يصرح بتفويض أمر الناس أو أمر الدين إلى المعصومين. أحد أمور الدين هو التشريع وسن القوانين؛ نتيجة لذلك، فُوض أمر التشريع في الجملة إلى المعصومين. وبالطبع، من الواضح أن تشريع المعصومين في طول إرادة الله واختياره، وليس في عرضه حتى يؤدي إلى سلب اختيار الله؛ نتيجة لذلك، فهو لا يخالف الأمر الإلهي. ومن جهة ثالثة أيضاً، فإن متوليي أمر التشريع كانوا تحت التأديب الإلهي، ويتمتعون أيضاً بمقام العصمة؛ لذا، لم يشرّعوا خلافاً للمشيئة الإلهية، وهم مصونون من الخطأ في التشريع. إذاً، تشريع المعصوم مبني على الضوابط الإلهية ومشيئة الله. القسم الثاني من الروايات يعدد مصاديق تشريع النبي. روايات القسم الأول تثبت إمكان تشريع المعصومين، وهذا القسم من الروايات يرسم وقوع مثل هذه التشريعات. وقوع أمر في الخارج هو أفضل دليل على إثبات ذلك الأمر. في هذا القسم من الروايات، أُخبر عن نوعين من السنة: أحدهما إبلاغ التشريعات الإلهية مثل الصلوات اليومية الثنائية (شأن إبلاغ الوحي)، والآخر تشريعات النبي مثل إضافة سبع ركعات إلى العشر ركعات التي كانت تشريعاً إلهياً (شأن التشريع). فصل هذين النوعين من السنة عن بعضهما البعض يدل على أن القسم الثاني ليس من نوع إبلاغ التشريع الإلهي (شأن إبلاغ الوحي)، وإلا فلماذا طُرح بشكل منفصل وقُسّم قسيماً للقسم الأول؟!
ثانياً: روايات السنة والفريضة في بعض الروايات، تُقسم الأحكام إلى قسمين: الفريضة والسنة، أو “ما فرض الله وما سن رسول الله”. القسم الأول هو تشريع إلهي، ويُبلّغ إلى الناس بواسطة النبي كسنة تبليغية (شأن إبلاغ الوحي). أما القسم الثاني فهو تشريع النبي (شأن التشريع). هذا المضمون يُستخدم أحياناً في روايات التفويض، وأحياناً يرد بشكل مستقل، مثل رواية “لا تُعاد” التي سُمّيت فيها الطهارة والوقت والقبلة والركوع والسجود فريضة، واعتُبرت القراءة والتشهد والتكبير سنة (الحر العاملي، ١٤١٤ ق، ج ٥، ص ٤٧١، ح ١٤). في حديث شرائع الحج، اعتُبر الطواف والسعي والإحرام والتلبية والوقوف في المشعر والهدى فريضة، ووُضع الوقوف في عرفة والحلق والرمي سنة (نفس المصدر، ج ١١، ص ٢٣٤، ح ٢٩). تقريب الاستدلال: تفكيك الفريضة عن السنة شاهد على نوعين من التشريع: التشريع الإلهي والتشريع النبوي. كما أن التعبير بـ “فأضاف رسول الله” أو “سن رسول الله” و “فأجاز الله له ذلك” شاهد على التشريع النبوي وإمضاء الله لذلك التشريع.
ثالثاً: روايات الوضع تصرح بعض الروايات بأن النبي جعل ووضع بعض الأمور. نشير إلى عدد من هذه الأحاديث في مصادر الشيعة وأهل السنة. الرواية الأولى: صحيحة أو موثقة (الخوئي، د.ق، ج ١٨، ص ٢٥٨) زرارة. ينقل زرارة عن الإمام الباقر (ع) أنه قال: “وضع رسول الله دية العين ودية النفس، وحرم النبيذ وكل مسكر”. فقال له رجل: “وضع رسول الله (ص) من غير أن يكون جاء فيه شيء؟” قال: “نعم، وليعلم من يطيع الرسول ممن يعصيه” (الكليني، ١٣٦٣ش، ج ١، ص ٢٦٦، ح ٤). تقريب الاستدلال: ثلاث جمل “وضع رسول الله”، “من غير أن يكون جاء فيه شيء”، “ليعلم من يطيع الرسول” تدل على شأن تشريع النبي الأكرم؛ لأن الجملة الأولى “وضع رسول الله” ظاهرة في صدور الحكم من النبي (شأن التشريع) لا إبلاغ التشريع الإلهي (شأن التبليغ)، وإلا لقال “أبلغ رسول الله”. في الجملة الثانية، يسأل الراوي الإمام: هل وضع النبي قانوناً دون أن يكون قد نزل وحي في هذه المسألة؟ ويجيب الإمام بالإيجاب؛ بمعنى أن هذا الحكم من النبي، وليس تبليغاً للتشريع الإلهي. الجملة الثالثة تخبر عن حكمة الولاية التشريعية للمعصوم؛ وبيان ذلك أن النبي أُعطي شأن التشريع ليتضح مدى طاعة الناس للنبي. الرواية الثانية: صحيحة الحضرمي. ينقل أبو بكر الحضرمي عن الإمام الصادق: “وضع رسول الله الزكاة على تسعة أشياء… وعفا عما سوى ذلك” (الكليني، ١٣٦٣ش، ج ٣، ص ٥٠٩، ح ٢). كما مر، فإن عبارة “وضع” ظاهرة في صدور الحكم من شأن التشريع. وقد فهم منها يونس بن عبد الرحمن أيضاً شأن التشريع (نفس المصدر). الرواية الثالثة: صحيحة زرارة. نقل زرارة عن الإمام الصادق: “ما كيل بالصاع فبلغ الأوساق فعليه الزكاة”. وقال: “جعل رسول الله الصدقة في كل شيء أنبتت الأرض إلا ما كان في الخضر والبقول وكل شيء يفسد من يومه” (الكليني، ١٣٦٣ش، ج ٣، ص ٥١٠، ح ٢). تقريب الاستدلال: “جعل” مثل “وضع” ظاهرة في صدور الحكم من شأن التشريع. روايات أخرى: في مصادر أهل السنة أيضاً، وردت روايات متعددة بعبارة “جعل” و “وضع” (البخاري، د.ق، ج ٣، ص ١٧٠؛ النيسابوري، ١٣٩٨ق، ج ١، ص ٤٥٣، ح٢؛ السجستاني، ١٤١٠ ق، ج ٢، ص ٢٦، ح ٣) وهي ظاهرة في تشريع النبي. إشكال: نسبة الجعل والتحليل والتحريم والتشريع إلى النبي مجازية (السيد المرتضى، ١٣٧٦ ش، ج ٢، ص ٦٦٧-٦٦٩). القرينة على المجازية هي إسناد الجعل والتحليل والتحريم إلى القرآن وإلى الشخص بالنذر؛ أي عندما نقول إن القرآن حرّم الشيء الفلاني، أو أن فلاناً حرّم على نفسه شيئاً بالنذر أو القسم، ففي الحقيقة الله هو الذي حرّم ذلك الشيء، لا القرآن ولا الناذر. هنا أيضاً الحكم من الله، لا من النبي؛ نتيجة لذلك، يصبح إسناد الحكم إلى النبي مجازياً. الرد: يمكن تقديم عدة ردود لنفي مجازية نسبة الجعل إلى النبي: عدم وجود قرينة على المجازية: بمقتضى أصالة الحقيقة، ما لم تكن هناك قرينة على المجاز، يُحمل الكلام على معناه الحقيقي. في إسناد التحليل والتحريم إلى القرآن والناذر، توجد قرينة على المجاز؛ لأن الكتاب وعقل الإنسان غير المعصوم لا يمكن أن يكونا مشرّعَين؛ فمن ناحية، العقل لا يعرف المصالح والمفاسد الواقعية، ومن ناحية أخرى، قد يصيبه الخطأ أو الهوى؛ إذاً، لا يمكن أن يكون مشرّعاً. أما إسناد الجعل والتحليل والتحريم إلى المعصوم فهو تام، ولا قرينة على مجازيته. قرينة على عدم المجازية: توجد على الأقل قرينتان على عدم مجازية إسناد الجعل إلى المعصوم: ١. روايات التفويض. ٢. التبادر: كلما أُسند عمل إلى شخص، تبادرت إلى الذهن فاعلية ذلك الشخص نفسه لا شخص آخر؛ إذاً، إسناد الجعل والتحريم والتحليل إلى النبي حقيقي، لا مجازي. إشكال: القول بتشريع المعصوم وتفويض الولاية على التشريع نوع من الغلو (وحيد البهبهاني، ١٤٢٢ ق، ج ١، ص ١٢٩). وقد نُسب هذا القول إلى القميين وابن الغضائري. الغالي كافر (الشيخ المفيد، ١٤١٣ق، ص ١٣١؛ زين الدين العاملي، ١٤١٣ق، ج ١، ص ٢٤). قال الإمام الرضا (ع): “الغلاة كفار والمفوضة مشركون” (المجلسي، د.ق، ج ٢٥، ص ٢٧٣)، ونجس (النجفي، ١٣٦٥، ج٦، ص ٤٦). في الرد، يمكن القول: ١. في الكلام والفقه الإمامي، يتحقق الغلو في الإمامة بستة أمور: الاعتقاد بألوهية الإمام، إشراك الإمام مع الله في المعبودية والخلق والرزق، حلول الله في الإمام، العلم الاستقلالي بالغيب، اعتبار الإمام نبياً، الاستغناء عن طاعة الله والاكتفاء بمعرفة الإمام (المجلسي، ١٤٠٣ق، ج ٢٥، ص ٣٤٦). في الحقيقة، يرجع الغلو إلى ألوهية الإمام أو نبوته. ٢. يرجع التفويض الباطل إلى أمرين: ١. التفويض التكويني بمعنى تفويض الخلق والرزق والإماتة والإحياء بحيث لا يكون لله أي تدخل. ٢. التفويض التشريعي بمعنى تغيير أحكام الشريعة الثابتة (المجلسي، ١٤٠٣ ق، ج ٢٥، ص ٣٤٨). وفي تشريع المعصوم، لا يوجد مثل هذا التغيير.
المرحلة الثانية: النظريات في نطاق تشريع المعصوم
بعد إثبات حق التشريع للمعصوم، يدور الكلام حول نطاق تشريع المعصوم. ما هو مدى تشريع المعصوم؟ هل له حق التشريع الكلي، أم أن حقه في التشريع جزئي ومحدود ببضعة موارد وردت في بعض الروايات، أم أن نطاقه يقع بين هذين الأمرين؟ يوجد خلاف في مدى نطاق تشريع المعصوم. السؤال هو: هل للمعصومين حق التشريع في كل أمر ويمكنهم سن القوانين، أم أن تشريع المعصومين محدود بموارد خاصة وله مجال معين؟ يوجد خلاف بين المفكرين الإسلاميين. البعض يرى أن دائرة تشريع المعصومين محدودة بموارد خاصة – أي تلك البضعة موارد التي صُرّح بها في الروايات. ولكن آخرين يعتبرون التفويض كلياً ولا يرون له نطاقاً خاصاً. والوجه الثالث يقع بين هذين القولين. فيما يلي، ندرس الأقوال والأدلة.
النظرية الأولى: التشريع الكلي في إطار الضوابط الإلهية
يعتقد عدد من علماء الشيعة أن للنبي ولاية التشريع الكلي، ومنهم: العلامة الطباطبائي (الطباطبائي، د.ت، ج ١٩، ص ٢١٠) والإمام الخميني (الخميني، د.ت، ص ١٢٢). التشريع الكلي يعني أن النبي، بإذن الله وإمضائه وفي إطار الضوابط الإلهية والشريعة، يمكنه إصدار أحكام أبدية، وهذه الأحكام ليست محدودة بموارد خاصة، وإن وردت في الروايات موارد خاصة منها.
دليل التشريع الكلي: شمول أدلة التشريع
يُستفاد التشريع الكلي من إطلاق وعموم الآيات والروايات التي تثبت ولاية تشريع المعصوم. والأدلة التي ذُكرت فيها بعض تشريعات النبي تُحمل على مصاديق التشريع، وبيان المورد لا يقيّد دائرة شمول تشريع المعصوم.
نقد وبررسی (نقد وتقييم)
صحيح أنه يمكن استفادة التشريع الكلي للمعصوم من الإطلاقات والعمومات، وأن الأدلة التي بيّنت التشريعات الجزئية هي بيان للمصاديق وأن المورد ليس مخصصاً، ولكن كما سيأتي، يُستفاد من الروايات المبيّنة لمصاديق التشريع ضابطة التشريع المكمّل (النظرية الرابعة)، لا التشريع الكلي.
النظرية الثانية: التشريع الجزئي
لم يقبل بعض الفقهاء تفويض التشريع إلى النبي بشكل كلي وفي جميع الأمور، واعتبروا حق النبي في سن القوانين محدوداً بالموارد الخاصة المذكورة في لسان الروايات. يجب أن يكون هذا التشريع مسبوقاً بإذن إلهي وملحوقاً بإمضاء الله (مكارم الشيرازي، د.ق، ج ١، ص ٥٥٠ و ٥٠٨؛ السبحاني، ١٣٨٥ش، ص ٢٠-٢٢). في الروايات، ورد تشريع النبي في موارد محدودة جداً. تلك المسائل هي: ١. إضافة سبع ركعات إلى الصلوات اليومية لغير المسافر. ٢. حرمة جميع المسكرات (نفس المصدر). (وانظر: الحر العاملي، ١٤١٤ ق، ج ٢٥، ص ٣٣١-٣٣٣، ح ٢٣-٢٩). ٣. تحديد صلوات النافلة. ٤. بيان الصيام المستحب. ٥. تعلق سدس الإرث بالجد. ٦. جعل الدية للنفس والعين (الكليني، د.ش، ج ١، ص ٢٦٥-٢٦٧). ذُكرت الموارد السبعة الأولى في باب “التفويض إلى رسول الله وإلى الأئمة في أمر الدين”. ٨. تحديد أوقات الصلاة (الصفار، ١٤٠٤ ق، ص ٣٣٩، ح ٥). ٩ و ١٠. قسمان من الحيوانات المحرمة اللحم: الطيور ذات المخالب والحيوانات المفترسة ذات الأنياب (الحر العاملي، ١٤١٤ ق، ج ٢٤، ص ١١٤، ح ٣). ١١. واجبات الصلاة غير الخمسة التي هي تشريع إلهي، وهي: الطهارة، الوقت، القبلة، الركوع، والسجود (نفس المصدر، ج ٥، ص ٤٧٠)، والباقي تشريع نبوي. ١٢. واجبات الحج غير السعي الذي هو تشريع إلهي، والباقي تشريع نبوي، مثل الرمي (الحر العاملي، ١٤١٤ ق، ج ٥، ص ٤٧١، ح ١٤).
أدلة التشريع الجزئي
١. الروايات: في روايات متعددة، حُددت موارد خاصة لتشريع النبي، وهي، بحسب استقصاء الكاتب، ١٢ مورداً ذُكرت أعلاه. ٢. انتظار الوحي: في موارد متعددة، عندما كان المسلمون يسألون النبي عن مسألة ما، كان النبي ينتظر الوحي. وهذا دليل واضح على أن التفويض الكلي لم يحدث، وإلا لما كانت هناك ضرورة لانتظار الوحي، وكان بإمكانه هو نفسه أن يشرّع القانون (مكارم الشيرازي، ١٤١٣ ق، ج ١، ص ٥٢٦).
نقد وبررسی (نقد وتقييم)
أما الدليل الأول: الروايات التي نُقلت فيها تشريعات النبي هي بيان لمصداق ومورد التشريع، والمورد ليس مخصصاً. أما الدليل الثاني: كما مر، لا يوجد تنافٍ بين شأن تشريع المعصوم وانتظار الوحي؛ لأن هناك فرقاً بينهما على الأقل من جهتين: الاختلاف في المجال، والاختلاف في الظروف والزمان.
النظرية الثالثة: التشريع المكمّل للأحكام (التشريع المسبوق بتشريع إلهي)
المراد بالتشريع المكمّل هو التشريع الذي يسبقه تشريع آخر، ويصدر في سبيل تكميله. تشريع المعصوم مسبوق بتشريع إلهي، ومورده حيث سبق سن القانون من قبل الله؛ إذاً، فتشريع المعصوم مختص بالأحكام غير الابتدائية، ولم يكن للمعصوم تشريع في الأحكام الابتدائية.
خصائص تشريع المعصوم
لتشريع المعصوم على الأقل الخصائص التالية: ١. جعل الحكم: بناءً على الأدلة التي مرت (الآيات والروايات)، فإن الأحكام الصادرة من شأن التشريع هي جعل المعصوم لا جعل إلهي؛ لأنه أُعرب عنها أولاً بـ “وضع رسول الله”، و”أضاف رسول الله”، و”سن رسول الله”، وثانياً نُسبت إلى رسول الله، لا إلى الله. وبالطبع، يكون هذا الجعل بإذن الله. ٢. كونه غير مقيد بزمان أو مكان: أهم خصيصة للتشريع هي الخلود والشمول العالمي؛ لأنه يُطلق “التشريع” على القوانين غير المقيدة بزمان أو مكان، أما القوانين المؤقتة والمقيدة بمكان فتُسمى أحكاماً ولائية وحكومية. ٣. عدم الاستقلال: التشريع الإلهي استقلالي، وتشريع المعصوم فرع من التشريع الإلهي. أحياناً يسن الله القوانين مباشرة، وأحياناً يأذن ويسمح بالتشريع لفرد أو أفراد معينين يتمتعون بأهلية التشريع. تشريع المعصوم بإذن الله وإمضائه، وهو تشريع غير مستقل وإمضائي (مكارم الشيرازي، ١٣٧٧ش، ج ١، ص ٥٥٠). ٤. موافقته للتشريع الإلهي (عدم نقض التشريع الإلهي): تشريع المعصوم في سياق الوحي الإلهي، ولا ينقض تشريع الله أبداً. ورد في الرواية: “لا تنقض السنة الفريضة” (الحر العاملي، ١٤١٤ ق، ج ٥، ص ٤٧١، ح ١٤؛ وج ١، ص ٩١)؛ أي أن سنة النبي التشريعية ليست في مقابل الفريضة والتشريع الإلهي ولا تنقضهما. ٥. مكمّل للتشريع الإلهي: إحدى خصائص تشريع المعصوم أنه كان يصدر بعد التشريع الإلهي؛ بمعنى أنه كان يصدر حكم من الله أولاً، مثلاً، تجب الصلاة وتُحدد ركعاتها في الجملة، ثم يصدر تشريع المعصوم في سياق الحكم الإلهي الابتدائي كمكمل للحكم الأول ويوسع الركعات. من دراسة الروايات التي عدّت موارد تشريع المعصوم، يُستفاد أن تشريع المعصوم لم يكن في مجال الأحكام الابتدائية، بل كان بعد صدور الحكم الإلهي وكمكمّل له. ٦. عدم التعميم لجميع الأحكام (محدودية التشريع): القوانين في معظم الحالات تصدر مباشرة من الله، وفي حالات قليلة – وهي، بحسب الروايات، حوالي عشرة موارد – فُوّضت إلى النبي. الدليل على محدودية تشريع المعصوم أمور، منها: أ) انتظار الوحي: أحياناً كانت تطرأ مسائل على الناس فيسألون النبي عن حكمها. لم يكن النبي يجيب، وكان ينتظر الوحي. لو كان التشريع مفوضاً إلى النبي بشكل كلي وفي جميع الأحكام، لما كان هناك داعٍ لانتظار النبي الوحي. ب) بيان مصاديق التشريع في الروايات: ورد تفويض أمر التشريع إلى النبي في موارد خاصة، أي بعد التشريع الإلهي. هذه التقارير تدل على محدودية تشريع المعصوم في الجملة. وبالطبع، بناءً على رأي الكاتب، لا ينحصر تشريع المعصوم في الموارد الاثني عشر، بل هو في نطاق الأحكام غير الابتدائية. سيُبحث هذا الأمر مستقبلاً.
أدلة التشريع المكمّل
الدليل الأول: اتخاذ الضابطة من أدلة التشريع الجزئي
يرى الكاتب أن نطاق تشريع المعصوم ليس باتساع القول الأول ولا بضيق القول الثاني (المصاديق المذكورة في الروايات)، بل هو أمر بينهما. على الرغم من أنه يُستفاد من الآيات والقسم الأول من روايات التفويض (التفويض الكلي) أن للمعصوم تشريعاً كلياً، إلا أن هذا التشريع يجب أن يكون في إطار ضوابط. ومن دراسة القسم الثاني من روايات التفويض (التفويض الجزئي)، تُستخلص الضابطة التالية: أن المعصوم يمكنه التشريع فقط في المسائل التي سبق بيان أحكامها بشكل ما بالتشريع الإلهي. وفي الحقيقة، تشريع المعصوم معمّم ومكمّل للتشريع الإلهي الأولي؛ لأنه في جميع موارد تشريع المعصوم المذكورة في الروايات، مثل زيادة ركعات الصلوات اليومية، وصلوات النافلة، والصيام المستحب، وإرث الجد، ودية النفس والعين، قد صدر تشريع إلهي سابق بشكل ما، وتشريع المعصوم مكمّل له وفي اتجاه تعميمه. بعبارة أخرى، من الروايات التي ذكرت مصاديق تشريع النبي، نستخلص ضوابط تشريع المعصوم، وهي: ١. كون تشريع المعصوم مسبوقاً بتشريع إلهي (عدم وجود تشريع ابتدائي). ٢. تعميم وتوسيع الأحكام الصادرة من شأن التشريع الإلهي (الإضافة على التشريع الإلهي).
الدليل الثاني: الجمع بين الأدلة
بدراسة نصوص تشريع المعصوم، يمكن الجمع بين الأدلة كالتالي: من ناحية، يمكن استفادة أن تشريع المعصوم ليس محدوداً بالبضعة موارد التي صُرّح بها في الروايات من أدلة التشريع الكلي؛ لأن المورد ليس مخصصاً. ومن ناحية أخرى، يمكن استفادة أنه ليس موسعاً لدرجة شمول جميع المجالات من أدلة التشريع الجزئي، بل إن تشريع المعصوم مسبوق بتشريع إلهي ومكمّل له. إذاً، أولاً: تشريع المعصوم في مجال التشريع الإلهي كلي وعام، ولا ينحصر في بعض الموارد. وثانياً: ليس للمعصوم تشريع ابتدائي، بل تشريعه مسبوق بتشريع إلهي. ذُكر شاهدان على هذا القول في الخاصية السادسة لشأن التشريع (انتظار الوحي وبيان مصاديق التشريع).
الدليل الثالث: صدور روايات التفويض الجزئي من شأن التطبيق
في الحقيقة، صدرت روايات التفويض الجزئي من شأن التطبيق، وتعدد مصاديق من شأن تشريع المعصوم. وبالطبع، من الواضح أن تشريع المعصوم لا يقتصر على هذه الموارد (التشريع الجزئي)؛ لأنه في شأن التطبيق، تُذكر بعض المصاديق لا جميعها. الشاهد على كون روايات التطبيق الجزئي تطبيقية هو أن موارد تشريع المعصوم لم تُذكر في رواية واحدة، بل وردت في روايات متعددة. بيان مصاديق التشريع في روايات متعددة يدل على أن بعض موارد ومصاديق التشريع قد وردت في هذه الروايات، ولكن قد يُعثر على موارد أخرى باستقصاء أفضل وأشمل. أفضل دليل على عدم انحصار المصاديق المذكورة في الروايات هو عدم حصر المصاديق في لسان الروايات. نعم، لو ذُكرت المصاديق في لسان الدليل بشكل حصري؛ لما جاز تجاوز المصاديق المذكورة في لسان الدليل. ومن ناحية أخرى، فإن تشريع المعصوم ليس كلياً؛ لأنه لو صدرت رواية من شأن التطبيق، لوجب استخلاص ضابطة أعم من دراسة المصاديق، تندرج المصاديق المذكورة في الروايات التطبيقية تحت تلك الضابطة. تلك الضابطة هي: “السبق بالتشريع الإلهي وتكميله”.
الاستنتاج
النتائج التي توصل إليها هذا البحث هي: ١. في بحث جهة الصدور، يجب التطرق إلى بحث شؤون المعصوم، ودراسة أدلتها ونطاقها، وهو أمر أُغفل حتى الآن؛ أي يجب أولاً تحديد ما هي شؤون المعصوم، ومن أي شأن صدرت هذه الرواية، وهل هي مستند للحكم الشرعي أم لا؟ ٢. للمعصوم شأن التشريع وسن القوانين. ٣. جعل الحكم ليس مختصاً بالله، وبناءً على هذا الشأن، يمكن للمعصوم أيضاً أن يجعل القانون؛ نتيجة لذلك، يمكن إطلاق لقب “الشارع” على المعصوم أيضاً. وبالطبع، شارعية المعصوم محدودة بإطار خاص، وليست كالله في جميع مجالات الأحكام. ٤. تشريع المعصوم بإذن الله، وهو تشريع غير مستقل وإمضائي. ٥. تشريع المعصوم غير مقيد بزمان أو مكان؛ نتيجة لذلك، فهو حكم دائم لا مؤقت. الأحكام المؤقتة الصادرة من شؤون أخرى للمعصوم، مثل الشأن الولائي، خارجة عن نطاق بحث هذا المقال. ٦. بناءً على النصوص المذكورة، ليس للمعصوم تشريع ابتدائي، بل تشريعه مسبوق بتشريع إلهي؛ أي يجب أن يتم التشريع الإلهي أولاً، ثم يسن المعصوم القانون. ٧. تشريع المعصوم مكمّل للتشريع الإلهي وفي اتجاه زيادة وتوسيع الحكم الإلهي. ٨. تشريع المعصوم محدود ولا يشمل جميع مجالات الأحكام. ليس للمعصوم حق التشريع الكلي وفي جميع الأحكام. الشاهد على ذلك انتظار النبي الوحي، والتقارير المحدودة عن تشريع المعصوم. وبالطبع، نظراً لأنه لا يُفهم من لسان الدليل حصر المصاديق في الموارد المذكورة في الروايات، فإن تشريع المعصوم لا ينحصر في الموارد المذكورة في لسان الروايات.
المصادر
- القرآن الكريم
- الأصفهاني، محمد تقي (١٤٢٠ق). هداية المسترشدين. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
- الأصفهاني، ميرزا مهدي (١٣٨٧ ش). مصباح الهدى. قم: بوستان كتاب.
- آصف آگاه، السيد محمد رضي (١٣٩٤ش). پایان نامه شئون معصوم و نقش آن در استنباط (رسالة شؤون المعصوم ودورها في الاستنباط). قم: مركز مدیریت حوزه علمیه قم (مركز إدارة الحوزة العلمية بقم).
- البخاري، محمد بن إسماعيل (١٤٠٧ق). صحيح البخاري. بيروت: دار القلم.
- البروجردي، السيد حسين (١٤١٩ق). الحجة في الفقه. بيروت: مؤسسة الرسالة.
- جوادي آملي، عبد الله (١٣٧٨ ش). تفسير تسنيم. قم: اسراء.
- جوادي آملي، عبد الله (١٣٧٥ ش). فلسفه حقوق بشر (فلسفة حقوق الإنسان). قم: اسراء.
- جوادي آملي، عبد الله (١٣٨٦ش). منزلت عقل در هندسه معرفت دینی (منزلة العقل في هندسة المعرفة الدينية). قم: اسراء.
- الجوهري، إسماعيل بن حماد (١٤٠٧ق). الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية. بيروت: دار العلم للملايين.
- الحر العاملي، محمد بن حسن (١٤١٤ق). وسائل الشيعة. قم: آل البيت.
- الخميني، السيد روح الله (د.ت). الخلل في الصلاة. قم: مطبعة مهر.
- الخميني، السيد روح الله (١٣٨٥). الرسائل. قم: اسماعيليان.
- الخوئي، السيد أبو القاسم (١٤٠٣ق). معجم رجال الحديث. قم: منشورات مدينة العلم.
- الرازي، فخر الدين (١٤٢٠ق). مفاتيح الغيب. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
- رشيد رضا (د.ت). تفسير القرآن الحكيم الشهير بتفسير المنار. دار المعرفة.
- السبحاني، جعفر (١٤١٩ق). مصادر الفقه الإسلامي ومنابعه. بيروت: دار الأضواء.
- السبحاني، جعفر (١٤٢٣ق). كليات في علم الرجال. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
- السبحاني، جعفر (١٣٨٥ش). ولایت تکوینی و تشریعی (الولاية التكوينية والتشريعية). قم: مؤسسة إمام صادق (ع).
- السجستاني، أبو داود (١٤١٠ق). سنن أبي داود. د.م: دار الفكر.
- السند، محمد (١٤٣٢ق). الشعائر الحسينية بين الأصالة والتجديد. كربلاء: عتبة الحسينية المقدسة.
- السيد المرتضى علم الهدى (١٣٦٤). الذريعة. تهران: دانشگاه تهران (جامعة طهران).
- السيستاني، السيد علي (١٤١٤ق). الرافد في علم الأصول. قم: نشر مكتب آية الله السيستاني.
- الشيرازي، السيد محمد (١٤٠٧ق). الفقه. بيروت: دار العلوم.
- الصدوق، محمد بن علي بن حسين (١٤١٣ق). من لا يحضره الفقيه. قم: دفتر انتشارات اسلامى (مكتب النشر الإسلامي).
- الصفار، محمد بن حسن (١٤٠٤ق). بصائر الدرجات. تهران: منشورات اعلمى (منشورات أعلمي).
- ضيائي فر، سعيد (١٣٨٢ش). جایگاه مبانی کلامی در اجتهاد (مكانة المباني الكلامية في الاجتهاد). قم: بوستان كتاب.
- ضيائي فر، سعيد (١٣٩٢ ش). فلسفه علم فقه (فلسفة علم الفقه). قم: پژوهشگاه حوزه و دانشگاه و سمت (معهد أبحاث الحوزة والجامعة وسمت).
- الطباطبائي، السيد محمد حسين (د.ت). الميزان في تفسير القرآن. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
- الطوسي، محمد (الشيخ الطوسي) (١٣٦٤ش). تهذيب الأحكام. قم: دار الكتب الإسلامية.
- الطوسي، محمد (الشيخ الطوسي) (د.ت). التبيان. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
- العاملي (الشهيد الثاني)، زين الدين (١٤١٣ق). مسالك الأفهام. قم: مؤسسة المعارف الإسلامية.
- العاملي، السيد جعفر مرتضى (١٤٢٤ق). الولاية التشريعية. بيروت: المركز الإسلامي للدراسات.
- عليزاده نجار، مرتضى (د.ش). ولایت تشریع (ولاية التشريع). قم: بنیاد فرهنگی امامت (مؤسسة الإمامة الثقافية).
- القرضاوي، يوسف (١٤٢٦ق). السنة مصدراً للمعرفة والحضارة. القاهرة: دار الشروق.
- القمي، علي بن إبراهيم (١٤٢٦ق). تفسير القمي. قم: دار الحجة.
- الكليني، محمد بن يعقوب (١٣٦٣ش). الكافي. تهران: دار الكتب الاسلامية (دار الكتب الإسلامية).
- المجلسي، محمد باقر (العلامة المجلسي) (١٤٠٣ق). بحار الأنوار. بيروت: مؤسسة الوفاء.
- المجلسي، محمد تقي (د.ت). روضة المتقين. د.م: بنیاد فرهنگ اسلامی (مؤسسة الثقافة الإسلامية).
- المفيد، محمد بن محمد بن نعمان (١٤١٣ق). الاختصاص، مصنفات الشيخ المفيد. قم: المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد.
- مكارم الشيرازي، ناصر (١٣٧٧ش). پیام قرآن (رسالة القرآن). تهران: دارالکتب الاسلامیه (دار الكتب الإسلامية).
- مكارم الشيرازي، ناصر (١٤١٣ق). أنوار الفقاهة. قم: مدرسة الإمام أمير المؤمنين.
- مكارم الشيرازي، ناصر (١٤٢٨ق). بحوث فقهية هامة. قم: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب.
- مؤمن، محمد (١٤٠٩ق). مقالة “ولاية ولي المعصوم”. مجموعة الآثار المؤتمر العالمي الثاني للإمام الرضا (ع).
- الميانجي، محمد باقر (١٤٠٠ق). بدائع الكلام. بيروت: مؤسسة الوفاء.
- الميلاني، السيد علي (١٤٢٥ ق / ١٣٨٣ ش). تحقيق الأصول. قم: مركز الحقائق الإسلامية.
- النجفي، محمد حسن (١٣٦٥ش). جواهر الكلام. تهران: دار الكتب الاسلامية (دار الكتب الإسلامية).
- نرم افزار اهل بیت (برنامج أهل البيت).
- نرم افزارهای اسلامی نور: جامع فقه ٢، نور ٣/٥، اصول فقه، حکمت، کلام اسلامی (برمجيات نور الإسلامية: جامع الفقه ٢، نور ٣.٥، أصول الفقه، الحكمة، الكلام الإسلامي).
- النيسابوري، محمد (١٣٩٨ق). المستدرك على الصحيحين. بيروت: دار الفكر.
- وحيد البهبهاني، السيد محمد الطباطبائي البهبهاني (١٤٢٢ق). مقدمة منهج المقال. قم: مؤسسة آل البيت.
- وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (١٤٠٤ق). الموسوعة الفقهية الكويتية. الكويت: ذات السلاسل.