المستخلص
يعد الإطلاق من المباحث الهامة في علم الأصول وله تطبيقات واسعة في علم الفقه. وينقسم الإطلاق بدوره إلى نوعين: لفظي ومقامي. على الرغم من أن الكتب الأصولية قد تناولت مباحث مفصلة حول الإطلاق اللفظي، إلا أن الإطلاق المقامي لم يحظ بالبحث الذي يستحقه. والتعريف الوحيد الذي تم العثور عليه بشأن الإطلاق المقامي هو ما قدمه الشهيد الصدر. ونظراً للنقص الموجود في باب الإطلاق المقامي، يبدو من الضروري تقديم بحث شامل في هذا المجال. في هذا المقال، الذي تم إعداده بالمنهج الوصفي التحليلي وباستخدام البيانات المكتبية، اتضح أن التعريف الذي قدمه الشهيد الصدر ليس جامعاً لجميع موارد الإطلاق المقامي؛ ولهذا السبب، يُعرَّف الإطلاق المقامي بأنه: «قياس استثنائي وقرينة خاصة يُستنتج فيها من عدم بيان المتكلم، عدم وجود مؤونة زائدة ولو على نحو عنصر مستقل في الكلام». كما تم التوصل إلى أن إجراء الإطلاق المقامي، شأنه شأن الإطلاق اللفظي، يتطلب اكتمال مقدمات الحكمة، أي إثبات أن المتكلم في مقام البيان وعدم إيراده للقيد.
مقدمة
يُعدّ بحث الإطلاق المقامي من أهم المباحث الأصولية ذات التطبيق الواسع في الفقه. لقد تمسّك الكثير من الفقهاء في مباحثهم الفقهية بالإطلاق المقامي، وإن كان في كثير من المواضع لا يُصرّح باسم الإطلاق المقامي؛ ولكن بالتدقيق في عملية الاستنباط يتضح أنه للوصول إلى المقصود، تم التمسك بالإطلاق المقامي؛ وبتعبير آخر، وإن كان بالحمل الأولي لم يُذكر اسم الإطلاق المقامي، إلا أنه بالحمل الشائع يوجد الإطلاق المقامي في عملية الاستنباط. تسعى هذه المقالة إلى الإجابة عن هذه الأسئلة: ما هو المراد من الإطلاق المقامي؟ وما هي شروط حجيته والفرق بينه وبين الإطلاق اللفظي؟ الهدف من دراسة هذه المسائل هو تبيين كيفية التمسك بالإطلاق المقامي في عملية الاستنباط، والتي تساعد معرفتها الفقيه بشكل كبير في استنباط الأحكام الشرعية وتحفظه من الوقوع في الخطأ.
على الرغم من الأهمية البالغة لهذا البحث، فإن معظم الأصوليين لم يتناولوه بشكل مستقل في كتبهم، واكتفوا ببحث الإطلاق اللفظي. والمقالات المقدمة في هذا المجال قليلة جداً، ولم يُقدم سوى مقالين. المقال الأول بعنوان «ماهية الإطلاق المقامي وأدلته» من تأليف محمد علي راغبي وطاهر رجبي الني، والذي بالإضافة إلى افتقاره إلى التنظيم المنطقي، اقتصر على جمع مطالب الأصوليين. والمقال الثاني بعنوان «التطبيقات المؤثرة للإطلاق المقامي في القضايا الأصولية» من تأليف حميد مسجد سرائي وسيد رسول موسوي، ومحوره الأساسي هو تأثير الإطلاق المقامي في مسائل علم الأصول. ومن المقالات الأخرى الجديرة بالذكر والتي تم الاستفادة منها في هذه المقالة، مقال السيد القائيني. ومن مشكلات هذا المقال الخلط بين الإطلاق اللفظي والمقامي في مواضع متعددة. يتناول البحث الحالي لأول مرة دراسة المواضيع التالية:
١. نقد تعريف الشهيد الصدر لـ «الإطلاق المقامي» وتقديم تعريف جديد له.
٢. طرح مقدمات الحكمة في الإطلاق المقامي ومقارنتها بمقدمات الحكمة في الإطلاق اللفظي.
٣. بعض التجديدات في بيان الفروق بين الإطلاق اللفظي والمقامي.
في القسم الأول من هذه المقالة، يتم تناول تعريف الإطلاق المقامي من وجهة نظر العلماء الأصوليين، وبعد نقده، يُقدَّم تعريف جديد. وفي القسم الثاني، تُبيَّن مقدمات الحكمة في الإطلاق المقامي وفروقها مع مقدمات الحكمة في الإطلاق اللفظي. وفي النهاية، في القسم الثالث، يتم تقييم الفروق بين الإطلاق اللفظي والمقامي بالتفصيل.
١. دراسة مفهوم
١-١. الإطلاق اللفظي ومقدمات الحكمة
الإطلاق في اللغة يعني الإرسال والتخلية؛ ولهذا السبب عندما يحلون وثاق البعير يقولون: «أطلقت الناقة». (الفراهيدي، ١٤٠٩هـ، ج ٥، ص ١٠١) وفي علم الأصول أيضًا، حُفظ هذا المعنى نفسه لـ «الإطلاق اللفظي»، ويُطلق على اللفظ المرسل والمتحرر من القيد «مطلق». (النائيني، ١٣٥٢ش، ج ١، ص ٥١٦)
الإطلاق اللفظي هو عملية يُفهم من خلالها شيوع المعنى وسريانه عند عدم ذكر القيد. وبالطبع، لإثبات الإطلاق اللفظي، توجد شروط تُسمى في علم الأصول بـ «مقدمات الحكمة». تتكون مقدمات الحكمة من ثلاث قضايا، إذا غابت إحداها لا يثبت الإطلاق اللفظي:
١. إمكان الإطلاق والتقييد قبل فرض تعلق الحكم.
٢. عدم وجود قرينة على التقييد.
٣. أن يكون المتكلم في مقام بيان تمام الأجزاء والشروط. (الخوئي، ١٤١٧هـ، ج ٥، ٣٦٤-٣٧٠)
١-٢. أقسام الإطلاق اللفظي
يمكن تقسيم الإطلاق من جهات مختلفة:
١-٢-١. الإطلاق الشمولي والبدلي
يُقسم الإطلاق من حيث شمول الحكم لجميع الأفراد على نحو الشمول أو على نحو علي البدل إلى قسمين: شمولي وبدلي. (الخراساني، ١٤٠٩هـ، ص ٢٩٢)
الإطلاق الشمولي: هو الإطلاق الذي يقتضي شمول الحكم لجميع أفراد الطبيعة؛ مثلاً في آية «أحل الله البيع»، يقتضي إطلاق «البيع» أن يشمل حكم الحلية جميع أفراد البيع.
الإطلاق البدلي: هو الإطلاق الذي يكفي فيه لإمتثال الحكم إيجاد فرد واحد من أفراد الطبيعة على نحو علي البدل؛ مثلاً في قضية «أعتق رقبة» الإطلاق بدلي، أي بتحرير أي فرد من أفراد الرقاب، يتحقق امتثال التكليف. (الخميني، ١٤١٨هـ، ج ٥، ص٤٥٥-٤٥٦)
١-٢-٢. الإطلاق الأفرادي والأحوالي
يكون الإطلاق أحيانًا ملحوظًا من جميع الجهات، وأحيانًا أخرى يُلحظ فقط بالنسبة لبعض الجهات (العراقي، ١٣٦٣ش، ص ٤٧٤). ويُقسم الإطلاق من حيث أي جهة من المعنى يُراد إلى قسمين:
الإطلاق الأفرادي: هو الإطلاق الذي يُلحظ بالنسبة لأفراد معنى ما؛ مثلاً عندما يُقال «أكرم عالمًا»، بحكم الإطلاق الأفرادي، يشمل وجوب الإكرام جميع أفراد العالم (العالم العادل، العالم الفاسق، العالم الإيراني، العالم غير الإيراني، إلخ).
الإطلاق الأحوالي: هو الإطلاق الذي يُلحظ بالنسبة لحالات معنى جزئي؛ مثلاً عندما يُقال: «أكرم زيدًا» فإن الإطلاق الأحوالي يقتضي وجوب إكرام زيد في جميع الحالات (الصحة والمرض، ماشيًا وراكبًا، إلخ). والزمان أيضًا هو إحدى الحالات التي يمكن أن يُلحظ فيها الإطلاق، وفي هذه الحالة يُطلق عليه «الإطلاق الزماني». في المثال المذكور، الإطلاق الزماني يعني أن إكرام زيد واجب في جميع الأوقات (الليل والنهار، إلخ). وتجدر الإشارة إلى وجود مناقشات في التقسيمات المذكورة تم بيانها بالتفصيل في محلها. (الخميني، ١٤١٨هـ، ج ٥، ص٤٥٥-٤٥٦؛ الصدر (الهاشمي)، ١٤١٧هـ، ج ٧، ص ٢٨٥)
١-٣. الخلفية التاريخية للتمسك بالإطلاق المقامي
دخل مصطلح «الإطلاق المقامي» إلى الأدبيات الأصولية الإمامية منذ زمن الآخوند الخراساني (الخراساني، ١٤١٠هـ، ص ١٣٧)، وقد شاع وانتشر على أيدي تلامذته، خاصة المحقق العراقي (العراقي، ١٤٢٠هـ، ج ١، ص ٣٩٠؛ العراقي، ١٤١٧هـ، ج ٣، ص ٤٦٠؛ الأصفهاني، ١٤٢٩هـ، ج ١، ص ١٣٩)، على الرغم من أنه في تعابير المحقق النائيني استُخدم مصطلح «نتيجة الإطلاق» بدلاً من الإطلاق المقامي (النائيني، ١٣٧٦ش، ج ١، ص ١٥٩؛ ج ٣، ص ١٢). ومع ذلك، قبل المحقق الخراساني بقرن على الأقل، كان الفقهاء يتمسكون بالإطلاق المقامي بعبارات أخرى مثل «السكوت في مقام البيان دليل الحصر» (العاملي، بلا تا، ج ١٨، ص ٣٠٨) أو بتعبيرات أخرى (القمي، ١٤٢٠هـ، ص ٥٧٦؛ المراغي، ١٤١٧هـ، ج ١، ص ٢٢١).
٢. تعريف الإطلاق المقامي
على الرغم من أن الإطلاق المقامي قد تم تناوله بشكل واسع في المباحث الفقهية، إلا أنه لم يُذكر له تعريف جامع؛ بل اقتُصر على تعريف بعض أقسامه أو بيان بعض فروقه مع الإطلاق اللفظي أو ذكر أمثلة له. ورغم البحث الذي أُجري في هذا المجال، لم يتم العثور إلا على تعريف واحد للإطلاق المقامي قدمه الشهيد الصدر.[1]
وفي الكتب التي تتناول بيان المصطلحات الأصولية، إما أنها تعرضت لتعريف الشهيد الصدر (الحسيني، ٢٠٠٧م، ص ٧٤؛ الحسيني، ١٤١٥هـ، ص ٣٤)، أو اكتفت بتوضيح قسم واحد من أقسام الإطلاق المقامي (مركز المعلومات والوثائق الإسلامية، ص ٢٢٧)؛ ولهذا السبب، في هذه المقالة، نبدأ بشرح تعريف الإطلاق المقامي من وجهة نظر الشهيد الصدر، ثم من خلال نقده، نسعى لتقديم تعريف جامع للإطلاق المقامي. وتجدر الإشارة إلى أنه في بعض الموارد، يُعبَّر عن الإطلاق المقامي بالإطلاق الأحوالي، وهو خلاف المصطلح الأصولي الشائع. (الخوئي، ١٤٢٢هـ، ج ١، ص ١٥٧؛ الخوئي، ١٣٠٠ش، ج ١، ص ١١٦)
٢-١. تعريف الشهيد الصدر
يبدأ الشهيد الصدر في تبيين الإطلاق المقامي ببيان الإطلاق اللفظي؛ موضحًا أنه إذا كان المتكلم في مقام بيان صورة ذهنية، وشُك في وجود قيد لتلك الصورة، فإن مقتضى الظهور الحالي السياقي هو أنه قد بيّن كل مراده، ونظرًا لأنه لم يذكر القيد، يمكن استنتاج أنه لم يرده. هذه العملية تُسمى الإطلاق اللفظي؛ لأنها ترتبط بمدلول اللفظ. ثم يشير الشهيد الصدر إلى الفرق بين الإطلاق اللفظي والمقامي، ببيان أنه في الإطلاق المقامي لا يُنفى شيء لو ثبت لكان قيدًا لصورة ذهنية أخرى، بل يُنفى شيء لو ثبت لكان هو نفسه صورة ذهنية مستقلة وعنصرًا منفصلاً.
بعد هذا التوضيح، يذكر مثالاً ويقول إذا قال المتكلم: «الفاتحة والركوع والسجود و… هي أجزاء الصلاة» وسكت ولم يذكر السورة، فيمكن بواسطة الإطلاق المقامي إثبات أن السورة ليست جزءًا من الصلاة. وبالطبع، يتوقف استخدام الإطلاق المقامي على إثبات أن المتكلم كان في مقام بيان جميع أجزاء الصلاة؛ لأنه طالما لم يتم إحراز هذا الأمر، لا يُكشف عدم جزئية السورة من عدم ذكرها. وهذا هو الفارق بين الإطلاق المقامي واللفظي، أي أنه في الإطلاق اللفظي يوجد ظهور سياقي عام يتكفل بإثبات أن كل متكلم يبيّن بلفظه صورة ذهنية لا يريد شيئًا أزيد منها، وأن مدلول اللفظ ليس أكثر من تلك الصورة الذهنية؛ ولكن في الإطلاق المقامي لا يوجد مثل هذا الظهور الذي يثبت أن كل من يعدد أجزاء الصلاة هو في مقام بيان جميع أجزائها. (الصدر، ١٤١٨هـ، ج ١، ص ٢٤١).
يمكن توضيح كلامه ضمن مثال على النحو التالي: إذا نطق المتكلم بجملة «أكرم العالم»، يمكن التمسك بإطلاق كلمة «العالم»؛ ببيان أن المتكلم تصور في ذهنه صورة العالم وأراد أن ينقل هذه الصورة بكلامه إلى ذهن المخاطب، ولهذا السبب نطق بجملة «أكرم العالم». الظهور الحالي السياقي للمتكلم هو أنه قد بيّن كل مراده بهذا الكلام؛ فإذا شُك في أن «العالم» له قيد مثل العدالة أم لا؟ يمكن بالتمسك بهذا الظهور الحالي الادعاء بأن الصورة الذهنية للمتكلم هي العالم بدون قيد؛ لأنه لو كان له قيد، لكان يجب أن يذكره في كلامه؛ أما إذا شُك في نفس المثال في وجوب إكرام «العابد» أيضًا أم لا؟ فلا يمكن بيان التقريب السابق له، إلا إذا ثبت أن المتكلم كان في مقام بيان جميع الأشخاص الذين يجب إكرامهم. مثل هذا الاستدلال يُسمى الإطلاق المقامي، وله فارقان أساسيان مع النوع الأول الذي هو الإطلاق اللفظي: الأول، أنه في الإطلاق اللفظي يُنفى أمر لو ثبت لكان قيدًا لصورة ذهنية غير مستقلة يخاطب بها المتكلم في مقام نقلها إلى ذهنه؛ بخلاف الإطلاق المقامي الذي ينفي عنصرًا مستقلاً. تطبيق هذا الفرق في المثال الذي طُرح هو أن قيد «العدالة» ليس صورة مستقلة، بل هو قيد لـ«العالم»، ولكن وجوب إكرام العابد إذا ثبت، لا علاقة له بوجوب إكرام العالم، بل يُعد قيدًا مستقلاً. الفرق الأساسي الثاني هو أنه بالنظر إلى أن الكلام في الإطلاق اللفظي يأتي لتبيين صورة ذهنية معينة، فإن الظهور السياقي للكلام هو أن المتكلم يذكر جميع قيودها في كلامه؛ ولكن في الإطلاق المقامي، نظرًا لأن القيد المراد إثباته مستقل، لا يوجد مثل هذا الظهور، ويجب إحراز أن المتكلم في مقام بيان جميع الموارد بطريق آخر.
في تقرير آخر لبيانات الشهيد الصدر، ورد ما يشبه المطلب المذكور؛ بتوضيح أن الفرق الأساسي بين الإطلاق المقامي والإطلاق الحكمي[2] هو أنه في الإطلاق الحكمي يُنفى أمر لو ثبت لكان قيدًا في المدلول الجدي للفظ، مثلاً في عبارة «أكرم الفقير» بواسطة ظهور عام يمكن نفي القيود المحتملة مثل العدالة؛ أما في الإطلاق المقامي، فيُنفى أمر مفروض لو ثبت لما كان يُعد قيدًا في المقصود الجدي للكلام، بل معنى منفصلاً ومقابلاً لمقصود الكلام؛ مثلاً إذا قال الإمام في مقام تعليم الوضوء: «هل أذكر لكم كيفية وضوء النبي؟ … غسل الوجه، غسل اليدين، مسح الرأس ومسح القدمين كلها جزء من الوضوء»، فهنا إطلاق الغسل بالنسبة لكيفية أدائه هو من باب الإطلاق الحكمي؛ ولكن نفي وجوب المضمضة يتم عن طريق الإطلاق المقامي؛ لأن المضمضة ليست قيدًا في المراد الجدي للكلام، بل هي أمر مستقل ومنفصل. (الصدر (عبد الساتر)، ١٤١٧هـ، ج ٧، ص ٥٣٠)
في النهاية، يجب القول إن خلاصة كلام الشهيد الصدر هي أن الإطلاق المقامي قرينة خاصة تُستنتج من سكوت المتكلم، وهي نفي صورة ذهنية مستقلة.
٢-٢. نقد ودراسة تعريف الشهيد الصدر
تعريف الشهيد الصدر، على الرغم من احتوائه على نقاط قيمة، إلا أنه يعاني من إشكالات من بعض الجهات. قبل دراسة هذا التعريف، يجب الانتباه إلى عدة نقاط حول الإطلاق اللفظي:
١. الإطلاق اللفظي لا يقتصر على المعنى الاسمي؛ بل يُؤخذ الإطلاق اللفظي من المعاني الحرفية أيضًا؛ مثلاً، بالتمسك بإطلاق هيئة فعل الأمر، يُثبت كون الواجب عينيًا، تعيينيًا ونفسيًا. (الخراساني، ١٤٠٩هـ، ص ٧٦) وقد قبل الشهيد الصدر نفسه هذا المطلب. (الصدر (الشاهرودي)، ١٤١٧هـ، ج ١، ص ٣٤٧)
٢. الإطلاق اللفظي يشمل الإطلاق الأفرادي، الأحوالي والزماني. (الصدر (الشاهرودي)، ١٤١٧هـ، ج ١، ص ٣٤٧)
أما بالنسبة لما ذكره حول الإطلاق المقامي، فيجب التذكير بأنه في مقام تعريف مصطلح «الإطلاق المقامي»، يجب تقديم تعريف يشمل جميع صور الإطلاق المقامي لدى الأصوليين والفقهاء، في حين أن التعريف المقدم ليس جامعًا ولا يشمل بعض الصور:
الصورة الأولى: نفي قيد غير مستقل
الصورة الأولى هي مورد يكون فيه القيد المنفي بالإطلاق المقامي ليس صورة ذهنية مستقلة؛ بل قيدًا تابعًا لصورة ذهنية يكون المتكلم في مقام بيانها. توضيح ذلك أن المتكلم أحيانًا يريد التعبير عن صورة ذهنية؛ ولكن في مقام الإثبات، لا يمكن تقييدها. في مثل هذه الموارد التي لا يمكن فيها ذكر القيود في الخطاب الأول، وبالنظر إلى أن علاقة الإطلاق والتقييد في مقام الإثبات هي علاقة الملكة والعدم، وبما أن التقييد غير ممكن، ينتفي الإطلاق اللفظي؛ ولكن إذا كان للمتكلم إمكانية بيان القيد في خطابات أخرى، يمكن التمسك بالإطلاق المقامي لنفي القيد. في هذه الموارد، القيد الذي يُنفى عن طريق الإطلاق المقامي ليس له صورة مستقلة؛ بل هو قيد لنفس الصورة الذهنية الأولية. المثال المعروف لهذا البحث هو بحث التعبدي والتوصلي. في هذا البحث، قيل إن المتكلم لا يستطيع تقييد خطابه الأول الذي يشمل الأمر بالفعل بقصد الامتثال؛ ولكن بالنظر إلى وجود إمكانية بيان القيد في سائر الخطابات – ولو بجملة خبرية -، عند عدم إيراد القيد في سائر الخطابات، يمكن بالتمسك بالإطلاق المقامي استنتاج عدم إرادة القيد. وقد اعتبر المرحوم الشهيد الصدر هذا التقريب صحيحًا. (الصدر (الشاهرودي)، ١٤١٧هـ، ج٢، ص ١٠٤)
الصورة الثانية: الإطلاق المقامي المثبت للقيد
الصورة الثانية هي مورد يُثبت فيه قيد بالإطلاق المقامي.[3] توضيح ذلك أن نتيجة الإطلاق اللفظي هي دائمًا نفي القيد؛ ولكن في الإطلاق المقامي أحيانًا يُستنتج وجود قيد أو وجود أمر مستقل. الشهيد الصدر نفسه في مباحث فقهية في موارد متعددة ذكر هذا النوع من الإطلاق المقامي. على سبيل المثال، في بحث الطهارة، اعتبر الأمر بالتطهير في الآية الشريفة (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) (المائدة: ٦) مقيدًا بالطهارة بالماء؛ وذلك لارتكاز مطهرية الماء في الأذهان (الصدر، ١٤٠٨هـ، ج ١، ص ٤٢)، أو في بحث كيفية سراية النجاسة، اعتبر الارتكاز الذهني العرفي مُحكَمًا بحكم الإطلاق المقامي (الصدر، ١٤٠٨هـ، ج ١، ص ٤١٨)، أي حتى لو لم يمكن استفادة قيود وشروط سراية النجاسة من الأدلة اللفظية، يمكن بالتمسك بالإطلاق المقامي إثبات أن وجود أو عدم القيد موكول إلى الارتكاز العرفي وأن نظر الشارع في هذا المجال مطابق للارتكاز العرفي.[4]
توضيح هذا النوع من الإطلاق المقامي هو أنه في الإطلاق المقامي، من سكوت المتكلم عن أمر ما، تُستنتج نتيجة الإطلاق، أي يتشكل قياس استثنائي بهذا الشكل: لو كان المتكلم يريد الأمر الفلاني لبينه، وحيث إنه لم يبينه، فمن نفي التالي يُستنتج نفي المقدم. وبتعبير أدق، في الإطلاق المقامي، يُنفى ما يحتاج إلى بيان ويُعتبر مؤونة زائدة، وقد يكون ذلك بسبب الارتكاز الموجود في حال المحاورة الذي يحكم بوجود قيد في الكلام، فإن عدم وجود القيد يحتاج إلى بيان؛ وبالتالي فإن سكوت المتكلم تأييد للارتكاز، وما يُنفى بالإطلاق هو عدم وجود القيد. هذا النوع من الإطلاق يوجد بكثرة في كلمات الفقهاء، بل في موارد كثيرة صرحوا بأن هذا النوع من الاستنتاج يسمى إطلاقًا مقاميًا، مثل بحث كيفية تطهير المتنجس الذي مر توضيحه. (الحكيم، ١٤١٦هـ، ج ٢، ص ١٨ و ٦١؛ الآملي، ١٣٨٠هـ، ج ٢، ص ١٩٤؛ الصدر، ١٤٠٨هـ، ج ١، ص ٤٢ و ج ٢ ص ١٨٤)
٢-٣. التعريف المختار
ما يبدو للوهلة الأولى هو أن الإطلاق المقامي، مثله مثل الإطلاق اللفظي، له دلالة سكوتية؛ أي أن سكوت المتكلم وعدم بيانه يدل على نفي المؤونة الزائدة. توضيح ذلك أنه في بحث الإطلاق اللفظي يُقال هكذا: لو كان المتكلم قد أراد القيد، لكان قد بيّنه، وحيث إنه امتنع عن بيان القيد، فإن كلامه يُحمل على الإطلاق. وفي الإطلاق المقامي أيضًا، سكوت المتكلم عن بيان أمر ما يوجب الإطلاق، أي أن كلا الإطلاقين في الحقيقة يرجعان إلى قياس استثنائي، ببيان أنه لو كان المتكلم قد أراد القيد الفلاني أو الأمر الفلاني، لكان قد بيّنه، وحيث إنه لم يبينه، فمن نفي التالي يُستنتج نفي المقدم. وبالطبع، في الإطلاق المقامي يُقال أحيانًا: لو كان المتكلم يريد تغيير الحالة الأولية والدلالة الأولية، لكان يجب عليه البيان، وفي الموارد التي تكون فيها الحالة الأولية مقيدة، فإن عدم البيان دليل على إرادة وجود القيد؛ وبالتالي يمكن تعريف الإطلاق المقامي على النحو التالي: «قياس استثنائي وقرينة خاصة (بخلاف الإطلاق اللفظي الذي تكون فيه قرينية الظهور السياقي العام) يُستنتج فيه من عدم بيان المتكلم، عدم وجود مؤونة زائدة (ولو كان هذا النفي للمؤونة مثبتًا لقيد زائد) ولو على نحو عنصري مستقل في الكلام».
والفرق بين الإطلاق المقامي والإطلاق اللفظي هو أنه في الإطلاق اللفظي يوجد دائمًا لفظ معين يتصف بالإطلاق وعدم التقييد، ويمكن أن يكون معنى اسميًا أو حرفيًا، فمثلاً «أكرم العالم» من حيث كون هذا العالم فاسقًا أو عادلاً، ومن حيث أي نوع من الإكرام يلزم، ومن حيث دلالته على أي نوع من الوجوب، له إطلاق، وكل هذه الإطلاقات لفظية مع فارق أن الإطلاقين الأولين في المعنى الاسمي والإطلاق الأخير في المعنى الحرفي. ورغم أن الإطلاق المقامي يكون مصحوبًا بمجموعة من الألفاظ، إلا أنه لا يوجد لفظ خاص يتصف بالإطلاق، وفي حال استُفيد شيء من السكوت دون مصاحبة الألفاظ، لا يُسمى إطلاقًا مقاميًا، بل يُطلق عليه فقط «تقرير» (يمكن القول إن الإطلاق المقامي أحد أقسام التقرير).
٣. بيان طرق الملازمة بين السكوت ونفي القيد الزائد
النقطة الأساسية في توضيح الإطلاق المقامي وحجيته هي إثبات الملازمة بين سكوت المتكلم وعدم إرادة القيد الزائد (أو كل ما يحتاج إلى بيان زائد). ولإثبات هذا الأمر، تُذكر عدة طرق:
١. تصريح المتكلم: أولى طرق إثبات الملازمة هي أن يصرح المتكلم نفسه – ولو بدلالة التزامية – بالملازمة. الرواية التالية يمكن أن تُحسب من هذا القسم: نُقل عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: «ألا أحكي لكم وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ ثم أخذ الإمام بكفه اليمنى كفًا من ماء فغسل به وجهه. ثم أخذ بيده اليسرى كفًا من ماء فغسل به يده اليمنى. ثم أخذ بيده اليمنى كفًا من ماء فغسل به يده اليسرى. ثم مسح بفضل ما بقي في يديه رأسه ورجليه». (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج ٣، ص ٢٤)[5]
في هذه الرواية، الدلالة الالتزامية للجملة الأولى التي تبين قصد حكاية وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) هي أن كل ما لم يُذكر كجزء أو شرط في الوضوء ليس معتبرًا. (الصدر (عبد الساتر)، ١٤١٧هـ، ج ٧، ص ٥٣٢)
٢. ظهور حال المتكلم: أحيانًا يكون سكوت الشخص عن أمر ما موجبًا لاستظهار عرفي من حاله بالنسبة لتلك الواقعة؛ مثلاً، إذا أكل أحدهم طعام شخص أمامه وهو في حالة لا مانع فيها من البيان، وسكت، يُفهم من ذلك أنه راضٍ بتصرفه في ماله؛ وبالطبع، فإن ظهور حال كل شخص مستفاد من أحواله الخاصة. لذلك، يجب ملاحظة أحوال كل شخص على حدة. في باب الإطلاق المقامي أيضًا، يمكن الادعاء بأنه إذا شرع المولى في بيان أجزاء وشروط المأمور به وبيّن الكثير من الأجزاء الصغيرة والدقيقة والشروط قليلة الأهمية، فإن ظاهر كلامه هو أنه في مقام بيان جميع الأجزاء، وعدم ذكر شيء يعني عدم جزئيته. صغرى هذا البحث، وهي أن العرف غالبًا ما يكشف سكوت الشخص عن إرادته الجدية، أمر مسلم وواضح، وكل البحث يكمن في حجية هذا الظهور الحالي.
إذا كان ظهور الحال موجبًا للقطع أو الاطمئنان بمراد المتكلم، فلا بحث في حجيته؛ ولكن إذا لم يوجب القطع، فيجب إثبات حجيته. الأصل الأولي هو عدم حجية الظن، إلا إذا ثبتت حجيته. في بعض أبواب الفقه، ثبتت حجية ظاهر الحال بدليل خاص؛ مثلاً، في بحث النكاح، قيل إن سكوت البكر يدل على رضاها بالزواج، وهذا الظهور الحالي حجة. (المحقق الحلي، ١٤١٨هـ، ج ١، ص ١٧٣؛ العلامة الحلي، ١٤١٣هـ، ج ٣، ص ١٤)؛ أما بالنسبة لحجية ظهور الحال على نحو مطلق، فرغم أن بعض الأكابر مثل المحقق الخوئي قالوا بعدم وجود دليل على حجية الظهور في غير باب الألفاظ (الخوئي، ١٤١٨هـ، ج ٨ ص ٢٣٠)؛ إلا أنه يبدو أن سيرة العقلاء في كثير من الموارد تقوم على كشف المرادات عن طريق ظهور أحوال المتكلم، وعلى الأقل بين الموالي العرفيين، السيرة قائمة على حجية ظهور الحال، وإذا لم يوجد مانع من حجية مثل هذه السير، فإن ظهور الحال في كشف المرادات سيكون مقبولاً؛ مثلاً، إذا دخل شخص كان له عداوة سابقة مع صاحب البيت إلى بيته وجلس على مائدته وأكل طعامًا، في حين أن صاحب البيت شاهد لكل هذه الوقائع ولم يعترض، فلا يمكنه مؤاخذة حراس منزله.
إضافة إلى ذلك، في علم الأصول، حجية ظهور الكلام والأمور التي توجب ظهور الكلام مسلم بها؛ مثلاً، ظاهر حال كل شخص هو أنه جاد في كلامه؛ وبالتالي، فإن الكلام الصادر منه يُحمل على الجدية ويُحتج به عليه. ومن هنا، ونظرًا لأنه في بحث الإطلاق المقامي يُدعى أنه بالتمسك بهذا الإطلاق يثبت ظهور الكلام – لا أنه يُثبت أمر مستقل – يمكن إثبات حجية الإطلاق المقامي بأدلة حجية ظهور الكلام.[6] وتجدر الإشارة إلى أنه إذا استُخدم ظهور الحال لإثبات مراد المتكلم، فإن النتيجة في معظم الحالات تكون ظنية لا قطعية، وبهذا يختلف عن إثبات الملازمة من باب نقض الغرض الذي تكون نتيجته قطعية.
٣. نقض الغرض: بالنظر إلى أن غرض الشارع هو هداية الناس وطاعة أوامره الإلهية واجتناب نواهيه، فإن سكوته في الموارد التي لا يكون رأيه موافقًا للفعل الذي يحدث أمامه يُعد نقضًا للغرض، وبما أن نقض الغرض قبيح، فإن سكوته دليل على الموافقة. (الصدر، ١٤٢٣هـ، ص ١٣٨)
عند التمسك بنقض الغرض، يجب مراعاة بعض النقاط: النقطة الأولى: سكوت المعصوم عن بيان القيد ليس دائمًا نقضًا للغرض، ولا يمكن إثبات الإطلاق المقامي من باب نقض الغرض في كل الحالات، مثل الموارد التي يلزم من السكوت إثبات مؤونة زائدة لا يضر وجودها بمراد المتكلم، كاستنباط الوجوب في مورد يكون الحكم الواقعي فيه الاستحباب. وكذلك الموارد التي يكون فيها التكليف الظاهري هو الاحتياط، بينما التكليف الواقعي ليس كذلك، مثل حكم العقل بلزوم الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي الذي لا يفوت فيه غرض للشارع. (القائيني، ١٤٣٠هـ، ص ٩١)
النقطة الثانية: في الموارد التي يكون فيها العرف غافلاً وغير ملتفت لاحتمال وجود القيد، يكون إثبات لزوم نقض الغرض سهلاً؛ ولكن في موارد التفات العرف، يكون إثبات هذا الأمر صعبًا.
النقطة الثالثة: طبقًا لهذا البيان، لا يمكن إثبات الأحكام الاستحبابية أو الكراهية بالإطلاق المقامي؛ لأن في هذه الموارد لا يفوت غرض لزومي. وبالطبع، في الموارد التي يثبت فيها أن الغرض يتعلق بتمكين المخاطب من أداء الحكم الاستحبابي أو ترك الحكم الكراهي، يمكن اعتبار سكوته موجبًا لنقض الغرض (القائيني، ١٤٣٠هـ، ص ٨٦)؛ ولكن إثبات مثل هذا الغرض ليس ممكنًا دائمًا.
٤. أقسام الإطلاق المقامي
يمكن تقسيم الإطلاق المقامي من جهات مختلفة:
التقسيم الأول: الإطلاق المقامي النافي للقيد والإطلاق المقامي المثبت للقيد. كما مر، ينقسم الإطلاق المقامي من حيث إثبات أو نفي القيد إلى إطلاق مقامي مثبت للقيد وإطلاق مقامي نافٍ للقيد.
التقسيم الثاني: الإطلاق المقامي لنفس الخطاب والإطلاق المقامي للخطابات المتعددة. كثير من الناس يتوهمون أن الإطلاق المقامي يختص بالخطابات المتعددة فقط؛ ولكن الصحيح هو أنه يمكن تقسيم الإطلاق المقامي من حيث استفادته من خطاب واحد أو من عدة خطابات إلى إطلاق مقامي لنفس الخطاب وإطلاق مقامي للخطابات المتعددة. توضيح ذلك أن الإطلاق المقامي قد يُستفاد من خطاب واحد، مثل المثال الذي ذُكر حول أجزاء الوضوء. كما يمكن أن يُستفاد من مجموع عدة خطابات، مثل مثال التعبدي والتوصلي الذي مر، أو ما عبّر عنه بعض المحققين بإطلاق مقامي لمجموع الأدلة. (الشبيري الزنجاني، ١٤١٩هـ، ج ٧، ص ٢٣٠٣) تظهر ثمرة هذا التقسيم في مقدمات الحكمة التي تختلف في مقام البيان لكل قسم.[7]
وقد قُدمت تقسيمات أخرى للإطلاق المقامي، والتي بالنظر إلى المطالب السابقة في قسم طرق إحراز الملازمة بين السكوت ونفي القيد الزائد، لا حاجة لبيانها. (الحائري، ١٤٢٤هـ، ج ١، ص ١٠٨)
٥. مقدمات الحكمة
سؤال هذا القسم هو: ما هي الأمور التي يجب أن تكتمل حتى يمكن التمسك بالإطلاق المقامي؟ في بحث الإطلاق اللفظي، يوجد مسلكان: المسلك الأول هو أن الإطلاق يثبت بالوضع، وأن اسم الجنس موضوع للمطلق. المسلك الثاني هو أن دلالة الإطلاق ليست دلالة وضعية (الخراساني، ١٤٠٩هـ، ص ٢٤١). طبقًا للرأي الثاني، لا يمكن استفادة الإطلاق من اللفظ، وهناك حاجة لدليل آخر لإثبات الإطلاق. ولحل هذه المشكلة، يُستند إلى قرينة نوعية باسم «مقدمات الحكمة» يمكن من خلالها استفادة الإطلاق. وفي الإطلاق اللفظي، تُبيَّن مقدمات الحكمة على النحو التالي:
١. أن يكون المتكلم في مقام بيان تمام المراد.
٢. ألا يوجد قيد في الكلام (الخراساني، ١٤٠٩هـ، ص ٢٤٧)
في بحث الإطلاق المقامي أيضًا، يجري نفس البحث؛ أي بالنظر إلى أن مفاد الإطلاق المقامي لا يمكن الحصول عليه من الوضع، يجب التوسل بطريق آخر لاستفادته. في هذا القسم، تُدرس مقدمات الحكمة وجريانها في الإطلاق المقامي.
المقدمة الأولى: في مقام البيان بودن
في الإطلاق اللفظي، يلزم لإجراء الإطلاق أن يكون المتكلم في مقام البيان، وإذا كان في مقام الإجمال أو الإهمال، فلا يمكن إجراء الإطلاق من كلامه. (الخراساني، ١٤٠٩هـ، ص ٢٤٨) هذه المقدمة مقبولة لدى الأصوليين؛ وإن كانت هناك خلافات مهمة في حدودها وثغورها وأصلها الأولي. وبما أن الإطلاق المقامي، مثل الإطلاق اللفظي، دلالة سكوتية تُستفاد من عدم بيان المتكلم، فلا يمكن كشف إرادة المتكلم ونسبة المطلب إليه إلا إذا لم يكن في مقام الإجمال أو الإهمال؛ وبعبارة أخرى، بالنسبة للجانب الذي يُراد فيه إجراء الإطلاق المقامي، يجب أن يكون في مقام بيان القيود؛ وإلا فإن القياس الاستثنائي لا يتشكل. وبالطبع، في قسم من الإطلاق المقامي الذي ينفي القيد الزائد مثل الإطلاق اللفظي، يجب أن يكون المتكلم في مقام بيان القيد حتى يُستنتج من عدم ذكر القيد عدم إرادته، وفي قسم من الإطلاق المقامي الذي يؤيد ذهنية المخاطب، يجب أن يكون من هذا الحيث في مقام البيان؛ وبالتالي، فإن هذه المقدمة لازمة في الإطلاق المقامي أيضًا؛ ولكن لها فروق مع الإطلاق اللفظي، منها:
١. في إجراء الإطلاق المقامي من نفس الخطاب، يجب إثبات أن المتكلم في مقام بيان تمام مراده في ذلك الخطاب نفسه، وفي إجراء الإطلاق المقامي من مجموع الخطابات، يُشترط إثبات كونه في مقام البيان في جميع الخطابات؛ وبتعبير أوضح، بأي مقدار يثبت أن المتكلم في مقام بيان تمام المراد، بذلك المقدار يمكن إجراء الإطلاق. مثلاً، إذا ثبت أن المولى في مقام بيان تمام الواجبات في خطاب واحد، يمكن استنتاج عدم وجوب ما لم يذكره، وإذا ثبت أنه أراد بيان تمام الأجزاء في خطابات متعددة صدرت في يوم واحد أو شهر واحد أو أي نطاق زماني ومكاني آخر، فلا يمكن إجراء الإطلاق إلا بالنسبة لذلك النطاق الخاص. وبالطبع، إذا كان ملاك حجية الإطلاق المقامي هو نقض الغرض، فإن عدم الذكر حتى يحصل نقض الغرض يتمم الإطلاق المقامي؛ ولهذا قيل إن عدم الذكر حتى وقت العمل دليل على العدم.
٢. في الإطلاق اللفظي، الأصل الأولي هو أن المتكلم في مقام بيان تمام مراده؛ ولكن في الإطلاق المقامي لا يوجد مثل هذا الأصل. (الصدر، ١٤١٨هـ، ج ١، ص ٢٤١) الفرق بين الإطلاق المقامي واللفظي هو أنه في الإطلاق اللفظي، يكفي لكونه في مقام البيان أن يكون المتكلم ملتفتًا وقاصدًا لما بيّنه، أو ملتزمًا بما قاله أو مكلفًا بالالتزام به؛ مثلاً، لأن ظاهر حاله من حيث العرف العام هو الالتزام، ولم يُبدِ مخالفة لظاهر حاله، يُستنتج أنه اتبع طريقة العرف (ليس المراد أن ظهور الحال هو إطلاق لفظي؛ بل المراد أن هناك طرقًا لإحراز كونه في مقام البيان منها ظهور حال المتكلم. نعم، أحيانًا في الأصول، يُبحث في حجية ظهور الحال ليس كمنشأ لظهور لفظي وهو خارج عن محل البحث). في هذه الحالات، الاحتجاج بكلامه صحيح، وطالما لم توجد نكتة تسبب الغفلة وتخل بكاشفية الكلام، وصارف ينفي الاحتجاج والالتزام، فإن الأصل في مقام البيان يقتضي ذلك؛ ولكن في الإطلاق المقامي، ما يُقصد إثباته أكثر من هذا المقدار. في الإطلاق المقامي، يجب أن يكون المتكلم في مقام بيان أمور غير قيد الحكم الذي قاله. توضيح ذلك أنه كلما بيّن المتكلم كلامًا، فإن ما يُفترض كأصل أولي في كلامه هو أنه ملتفت وقاصد لكلامه، والكلام المذكور كاشف عن مراده، وهذا الأصل لا يمكنه إثبات أكثر من هذا المقدار. على سبيل المثال، عندما يذكر المتكلم عشرة أجزاء للصلاة، لنفي وجود جزء غير هذه العشرة، لا يمكن الاستعانة بالأصل الأولي؛ لأن المتكلم بالنسبة لما بيّنه – وهو جزئية عشرة أشياء للصلاة – قاصد وملتزم؛ ولكن إثبات أنه في مقام عد جميع الأجزاء، وأن كل ما لم يقله ليس جزءًا، يحتاج إلى دليل آخر.
المقدمة الثانية: عدم ورود القيد
في الإطلاق اللفظي، قيل إنه إذا وردت قرينة متصلة على عدم الإطلاق، فلا يتشكل الإطلاق؛ أما إذا وردت قرينة منفصلة، فطبقًا للرأي المشهور، لا يوجد مانع من انعقاد الإطلاق، وفقط حجيته تُخدش. (الخوئي، ١٤٢٢هـ، ج ٣، ص ٣٥١) ولكن هل هذا البيان يجري في الإطلاق المقامي أيضًا؟ يعتقد البعض أن أي قرينة متصلة أو منفصلة تمنع انعقاد الإطلاق المقامي. (القائيني، ١٤٣٠هـ، ص ٩٥)؛ ولكن ما يبدو صحيحًا هو أن نفس الكلام الذي قيل في الإطلاق اللفظي يمكن تطبيقه هنا أيضًا؛ مع فارق أن الاتصال والانفصال عن مقام البيان يجب ملاحظته في كل مورد؛ أي إذا تم إثبات الإطلاق المقامي في خطاب واحد طبقًا للمقدمة الأولى؛ مثلاً، كان المتكلم في مقام بيان تمام الأجزاء في خطاب واحد، فبانتهاء الخطاب، يمكن إجراء الإطلاق، وإذا ذكر في خطاب منفصل قيدًا لكلامه السابق، فإن هذا القيد المنفصل يخدش فقط حجية الإطلاق السابق ولا يرفع موضوعه.
٦. الفروق بين الإطلاق اللفظي والمقامي
للفهم الصحيح للإطلاق المقامي، يلزم بيان الفروق التي بينه وبين الإطلاق اللفظي:
١. الإطلاق اللفظي يحتاج إلى لفظ يُجرى منه الإطلاق؛ لفظ له حصص وأفراد ويشمل جميع تلك الحصص، وطبقًا لما مر، يمكن أن يكون معنى اسميًا، مثل إطلاق «العالم» في جملة «أكرم العالم»، أو معنى حرفيًا مثل إطلاق صيغة الأمر؛ أما في الإطلاق المقامي، فليس دائمًا يوجد لفظ خاص له حصص متعددة. (الخوئي، ١٣٠٠ش، ج ١، ص ١١٦)
بالنظر إلى حاجة الإطلاق اللفظي إلى وجود لفظ له حصص متعددة، في فرض كون اللفظ جزئيًا، لا يمكن إجراء الإطلاق منه؛ ولهذا السبب، فإن بعض الأعلام بعد أن اعتبروا المعنى الحرفي جزئيًا، اعتبروا إجراء الإطلاق منه غير ممكن ورتبوا آثاره في مسائل أصولية متعددة؛ مثلاً، بيّنوا أن جميع القيود تعود إلى المادة ولا يمكن تقييد الهيئة؛ ولهذا السبب في جمل مثل «إذا استطعت فحج»، اعتبروا قيد الاستطاعة قيدًا للواجب لا قيدًا للوجوب. (الصدر (الشاهرودي)، ١٤١٧هـ، ج ١، ص ٣٤٧) وبالنسبة لكون المعنى الحرفي جزئيًا وعدم إمكان تقييده، قُدمت إجابات متعددة من قبل المحققين، والإجابة الرئيسية هي أن كون المعنى الحرفي جزئيًا لا يعني كونه جزئيًا منطقيًا وعدم وجود حصص وأفراد متعددة له؛ ولكن النقطة المهمة هي أنه لا أحد ينكر أنه إذا كان المعنى جزئيًا وليس له حصص مختلفة، فلا يمكن تقييده وبالتالي إجراء الإطلاق منه.[8] (راجع: الصدر (الشاهرودي)، ١٤١٧هـ، ج ١، ص ٣٤٧)
السؤال المهم بالنسبة لهذا البحث هو أنه في مثل هذه الموارد إذا قبلنا أن الإطلاق والتقييد اللفظي غير ممكن، فهل يمكن التمسك بالإطلاق المقامي؟ الإجابة هي أنه في ذلك القسم من الإطلاق المقامي الذي ينفي القيد الزائد (مثل بحث التعبدي والتوصلي)، إذا كان المعنى ثبوتيًا جزئيًا وليس له حصص متعددة، فلا يمكن إجراء الإطلاق منه – حتى لو كان جزئيًا من حيثية واحدة، فإن الإطلاق والتقييد من تلك الحيثية غير ممكن – ولكن إذا كان المعنى الثبوتي له حصص، وفقط في مقام الإثبات، لا يمكن تقييده، ففي مثل هذه الموارد يمكن استخدام الإطلاق المقامي، مثل وجوب المستفاد من صيغة الأمر الذي لا يقبل التقييد؛ ولكن بما أنه يمكن التعبير عن الوجوب بالاسم، فإن استخدام الإطلاق المقامي ممكن، مثلاً بدلاً من أن يقال «حج»، يمكن أن يقال: «الحج واجب».
٢. في الإطلاق اللفظي، ولأن علاقة الإطلاق والتقييد إثباتًا هي الملكة والعدم[9]، يجب أن يكون إمكان التقييد في الكلام موجودًا حتى يمكن إجراء الإطلاق؛ ولكن في الإطلاق المقامي، لا يُشترط إمكان التقييد في نفس الكلام، بل يُشترط إمكان التقييد في المقام ومجموع الكلام. توضيح ذلك أنه يجب ملاحظة أي نوع من الإطلاق المقامي سيتم استخدامه؛ فإذا كان المراد هو الإطلاق المقامي لنفس الخطاب، فيجب أن يكون إمكان التقييد في نفس الخطاب موجودًا، وإذا كان الإطلاق المقامي لمجموع الخطابات، فيجب أن يوجد إمكان التقييد في مجموعها؛ ولهذا السبب، في بحث التعبدي والتوصلي، حتى لو لم يوجد إمكان تقييد الخطاب الواحد بقصد الأمر، يمكن التمسك بالإطلاق المقامي.
٣. في الإطلاق اللفظي، وجود لفظ له حصص متعددة لازم، ويمكن بمقدمات الحكمة إثبات أن الحكم يجري بالنسبة لجميع الموارد التي يصدق عليها اللفظ؛ فإذا كان صدق اللفظ في مورد مشكوكًا فيه، فلا فائدة للإطلاق اللفظي؛ ولكن في مثل هذه الموارد، إذا كانت أركان الإطلاق المقامي تامة، يمكن التمسك به. في بحث الصحيح والأعم، استُفيد من هذه النقطة؛ بأن القائلين بوضع الألفاظ للمصاديق الصحيحة، في موارد الشك في الجزئية والشرطية، لا يمكنهم التمسك بالإطلاق؛ لأن الشك في اعتبار القيد يؤدي إلى الشك في صدق اللفظ على ذلك المصداق؛ ولكن في الموارد التي تكون فيها أركان الإطلاق المقامي تامة، يمكن للفرد الصحيحي أيضًا التمسك به. (الصدر (الشاهرودي)، ١٤١٧هـ، ج٣، ص ٤٧؛ العراقي، ١٣٧٠هـ، ص ١٤١؛ الخميني، ١٤٢٣هـ، ج ١، ص ٤٧؛ محقق داماد، ١٣٨٢ش، ج ١، ص ٩٤؛ الخوئي، ١٤٢٢هـ، ج ١، ص ١٥٧)
٤. في الإطلاق اللفظي، إذا ورد قيد منفصل، فطبقًا للرأي المشهور، هذا القيد لا يزيل الإطلاق، بل ينفي حجيته؛ ولكن في الإطلاق المقامي، عدم ورود القيد في المقام شرط لتحقق الإطلاق، لا لحجيته. (القائيني، ١٤٣٠هـ، ص ٩٥)؛ وبالتالي، في الإطلاق اللفظي، إذا شككنا في وجود أو اعتبار مقيد منفصل، فإن الإطلاق تام ويُتمسك به؛ ولكن في الإطلاق المقامي، طالما لم يمكن نفي وجود القيد، فإن إجراء الإطلاق غير ممكن، وإذا شُك في وجود قيد أو اعتباره، فطالما لم يتم إحراز العدم، لا يمكن التمسك بالإطلاق المقامي؛ وبالتالي، فإن الرواية الضعيفة أو المتعارضة – حتى لو كانت مرجوحة – أو المجملة – خاصة إذا لم تكن مجملة وقت الصدور وأصبحت مجملة بمرور الزمن – تمنع إجراء الإطلاق. (القائيني، ١٤٣٠هـ، ص ٩٦). وبالنظر إلى ما قيل في بحث مقدمات الحكمة، يمكن بيان هذه المسألة بشكل أدق بالقول إنه يجب ملاحظة ما إذا كان المتكلم في مقام بيان تمام القيود في نفس الخطاب أم بخطابات متعددة؛ وبعبارة أخرى، يجب أن نرى أن المتكلم بحكم العرف (الإطلاق المقامي طبقًا للظهور الحالي) أو العقل (الإطلاق المقامي طبقًا لنقض الغرض) مكلف ببيان القيد في أي نطاق؟ في الموارد التي يتم فيها مقام البيان، ولم يذكر قيدًا، فلا حاجة للفحص عن خطابات متأخرة عن وقت العمل، مثل المورد الذي يحين فيه وقت العمل ولم يُذكر قيد.
٥. يعتقد بعض المحققين أن الإطلاق اللفظي يفيد دائمًا الشمول والسريان؛ ولكن الإطلاق المقامي أحيانًا ينتج التقييد. (القائيني، ١٤٣٠هـ، ص ٩٦)؛ مثلاً، الإطلاق المقامي يحكم بأن الشارع أراد نفس المعنى العرفي من الألفاظ، أو مثلاً إذا أمر المولى بصلاة جديدة، فإن نفس القيود والشروط، مثل الاستقبال والطهارة و…، تكون شرطًا في الصلاة الجديدة أيضًا. هذا الفرق ليس صحيحًا؛ لأن كلا الإطلاقين يشتركان في نفي المؤونة الزائدة، أي أنهما ينفيان الحالة التي تحتاج إلى بيان زائد، سواء كانت تلك الحالة وجود القيد أم عدمه؛ مثلاً، إذا شُرعت صلاة جديدة في خطاب ما، فإن الإطلاق المقامي يقتضي وجود نفس القيود والشروط التي كانت للصلوات السابقة؛ لأن العرف يرى أن عدم تقييد هذه الصلاة بشروط وقيود الصلوات السابقة يحتاج إلى بيان زائد؛ وبالتالي، في مثل هذه الموارد أيضًا يجري الشمول والسريان.
٦. بيّن المحقق العراقي في الفرق بين الإطلاق المقامي واللفظي أن حكم العقل بالاشتغال مانع من الإطلاق المقامي إلا إذا كان القيد من القيود المغفول عنها؛ وبتعبير آخر، جريان الإطلاق المقامي مشروط بأحد هذين الشرطين: إما أن يُقال بالبراءة، وإما أن يكون القيد من القيود المغفول عنها عند العرف. دليله هو أنه في الموارد التي يكون فيها مجرى الاشتغال، والقيد ليس محل غفلة العرف، يمكن للمولى في بيانه أن يعتمد على حكم العقل؛ لأنه ليس على عاتق المولى أكثر من أن يبين مقصوده ولو بحكم العقل؛ وبالتالي، في مثال قصد القربة، بالنظر إلى شيوعه في زمن النبي (ص) والأئمة (ع) وعدم الغفلة عنه، لا يمكن نفيه بالتمسك بالإطلاق المقامي، بخلاف قصد الوجه وقصد التمييز اللذين كانا محل غفلة. (العراقي، ١٤٠٥هـ، ص ٣١٥؛ العراقي، ١٤١١هـ، ج ١، ص ٢٠١)
هذا الكلام ناشئ من أن مناط الإطلاق المقامي منحصر في نقض الغرض، بينما توجد أقسام أخرى في الإطلاق المقامي لا يكون فيها حكم العقل بالاشتغال مانعًا من إجراء الإطلاق، مثل المورد الذي يثبت فيه – ولو بالظهور الحالي – أن المولى في مقام بيان تمام الأجزاء والقيود، كرواية باب الوضوء. في مثل هذه الموارد، لا فرق بين أن يكون القيد مغفولاً عنه أم لا، أو أن يحكم العقل بالاشتغال أو بالبراءة. بالإضافة إلى ذلك، فإن موضوع حكم العقل بالاشتغال، هو عدم البيان من ناحية الشارع، وإذا كان عدم البيان نفسه متوقفًا على عدم حكم العقل بالاشتغال، لزم الدور. (مؤمن القمي، ١٤١٩هـ، ج ١، ص ١٣٣-١٣٤).
٧. يعتقد البعض أن الإطلاق المقامي لا يشمل المصاديق المستحدثة عرفًا؛ لأن السكوت ناظر إلى التطبيقات الموجودة حين السكوت، ونظره إلى التطبيقات المحتملة في المستقبل يحتاج إلى دليل؛ ولكن طبقًا للرأي المشهور، فإن الإطلاق اللفظي يشمل المصاديق المستحدثة. (راجع: لجنة الفقه المعاصر، ١٤٤١هـ، ص ١٤٩-١٥٩). ومن هنا، في بحث الصحيح والأعم، حيث يُقال إن الصحيحيين يتمسكون بالإطلاق المقامي بدلاً من الإطلاق اللفظي، قيل إن ثمرة بحث الصحيح والأعم هي أن الأعميين يمكنهم التمسك بالإطلاقات في المصاديق المستحدثة؛ مثلاً، بالتمسك بآية «أوفوا بالعقود» (المائدة: ١) يثبتون صحة المعاملات الجديدة مثل التأمين؛ ولكن طبقًا لرأي الصحيحيين، بما أن الشك في الأجزاء والشروط يوجب الشك في الصدق، فلا يمكن التمسك بالإطلاقات. (الخرازي، ١٤٢٢هـ، ج ١، ص ٤١٤)
ولكن النقطة التي يجب الانتباه إليها في هذا البحث هي أنه سواء في الإطلاق المقامي أو في الإطلاق اللفظي، يجب ملاحظة مقدار دلالة وكشف الكلام عن مراد المتكلم؛ مثلاً، إذا تم إمضاء الارتكاز الذهني للمخاطب بالإطلاق المقامي – مثل إمضاء ظهور الألفاظ في زمن صدور النص – فإن ارتكاز زمن الصدور فقط هو الذي يُمضى، لا الارتكازات الجديدة؛ ولكن إذا أُحرز أن المتكلم في مقام بيان تمام الأجزاء والشروط، وبإطلاق مقامي نُفيت الجزئية والشرطية، ففي مثل هذه الموارد، تُنفى جزئية جميع الأمور التي كان المتكلم قادرًا على بيانها ولم يذكرها، ولا فرق بين الإطلاق المقامي واللفظي من هذه الجهة.
النتيجة
الإطلاق المقامي أحد المباحث المغفول عنها في المباحث الأصولية. التعريف الوحيد الذي تم العثور عليه هو ما قدمه الشهيد الصدر. كان يعتقد، في معرض بيانه للفرق بين الإطلاق اللفظي والمقامي، أن ما يُنفى في الإطلاق المقامي ليس قيدًا لصورة ذهنية، بل هو شيء لو ثبت لكان هو نفسه صورة ذهنية مستقلة وعنصرًا منفصلاً. هذا البيان ليس جامعًا لجميع أفراد الإطلاق المقامي، بل لا يشمل موردين: أحدهما المورد الذي يكون فيه القيد المنفي بالإطلاق المقامي ليس صورة ذهنية مستقلة، والثاني المورد الذي يُثبت فيه القيد بالإطلاق المقامي. ونظرًا لهذا الإشكال، قُدم تعريف جديد للإطلاق المقامي، وهو: «قياس استثنائي يُفهم فيه من عدم بيان المتكلم، عدم وجود مؤونة زائدة في الكلام». والنتيجة المهمة الأخرى التي استُخلصت من هذا البحث هي أنه خلافًا للتصور المشهور، فإن اشتراط مقدمات الحكمة لا يختص بالإطلاق اللفظي، بل هو ضروري في الإطلاق المقامي أيضًا بشروطه الخاصة؛ لأن الشمول والإطلاق يحتاجان إلى مثبت، ونظرًا لعدم وجود ألفاظ العموم، فإن مقدمات الحكمة وحدها يمكنها إثبات هذا الشمول.
قائمة المصادر
* القرآن الكريم.
١. الأصفهاني، محمد حسين (١٤٢٩هـ). نهاية الدراية في شرح الكفاية. بيروت: مؤسسة آل البيت.
٢. الآملي، ميرزا محمد تقي (١٣٨٠هـ). مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى. طهران: المؤلف.
٣. الحائري، مرتضى (١٤٢٤هـ). مبانى الأحكام في أصول شرائع الإسلام. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
٤. الحسيني، محمد (١٤١٥هـ). معجم المصطلحات الأصولية. بيروت: مؤسسة العارف للمطبوعات.
٥. الحسيني، محمد (٢٠٠٧م). الدليل الفقهى تطبيقات فقهية لمصطلحات علم الأصول. دمشق: مركز ابن ادريس الحلي للدراسات الفقهية.
٦. الحكيم، سيد محسن (١٤١٦هـ). مستمسک العروة الوثقی. قم: مؤسسة دار التفسير.
٧. الخرازي، سيد محسن (١٤٢٢هـ). عمدة الأصول. قم: مؤسسه در راه حق.
٨. الخراساني، محمد كاظم (١٤١٠هـ). درر الفوائد في الحاشية على الفرائد. طهران: مؤسسه الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الاسلامي.
٩. ______ (١٤٠٩هـ). كفاية الأصول. قم: آل البيت.
١٠. الخميني (الإمام الخميني)، سيد روح الله (١٤٢٣هـ). تهذيب الأصول. طهران: مؤسسه تنظيم و نشر آثار امام خميني.
١١. الخميني، سيد مصطفى (١٤١٨هـ). تحريرات في الأصول. قم: مؤسسه تنظيم و نشر آثار امام خميني.
١٢. الخوئي، سيد أبو القاسم (١٣٠٠ش). مصابيح الأصول. طهران: مركز نشر الكتاب.
١٣. ______ (١٤١٧هـ). محاضرات في أصول الفقه. قم: دار الهادي للمطبوعات.
١٤. ______ (١٤١٨هـ). موسوعة الإمام الخوئي. قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي.
١٥. ______ (١٤٢٢هـ). مصباح الأصول. قم: مكتبة الداورى.
١٦. الشبيري الزنجاني، سيد موسى (١٤١٩هـ). كتاب نكاح. قم: مؤسسه پژوهشی رای پرداز.
١٧. الصدر، سيد محمد باقر (١٤٠٨هـ). بحوث في شرح العروة الوثقى. قم: مجمع الشهيد آية الله الصدر العلمي.
١٨. ______ (١٤١٧هـ). بحوث في علم الأصول. مقرر: حسن عبد الساتر. بيروت: الدار الاسلامية.
١٩. ______ مقرر: سيد محمود هاشمي شاهرودي. قم: مؤسسة دائرة المعارف فقه اسلامي.
٢٠. ______ (١٤١٨هـ). دروس في علم الأصول. قم: مؤسسة النشر الاسلامي.
٢١. ______ (١٤٢٣هـ). دروس في علم الأصول (الحلقة الثالثة). قم: مجمع الفكر الاسلامي.
٢٢. العاملي، سيد جواد (بلا تا). مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
٢٣. العراقي، ضياء الدين (١٣٧٠هـ). بدائع الافكار في الأصول. النجف: المطبعة العلمية.
٢٤. ______ (١٤٠٥هـ). تقريرات الأصول. طهران: مؤسسه انتشارات فراهانی.
٢٥. ______ (١٤١١هـ). منهاج الأصول. بيروت: دار البلاغة.
٢٦. ______ (١٤٢٠هـ). مقالات الأصول. قم: مجمع الفكر الإسلامي.
٢٧. ______ (١٣٦٣ش). تحرير الأصول. قم: مهر.
٢٨. ______ (١٤١٧هـ). نهاية الأفكار. قم: دفتر انتشارات اسلامی.
٢٩. العلامة الحلي، حسن بن يوسف (١٤١٣هـ). قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام. قم: جامعه مدرسین حوزه علمیه قم.
٣٠. الفراهيدي، خليل بن أحمد (١٤٠٩هـ). كتاب العين. قم: نشر هجرت.
٣١. القائيني، محمد (١٤٣٠هـ). دراسات و بحوث: الإطلاق المقامي. مجلة فقه أهل البيت، ١٤ (٥٣)، ص ٧٩ – ٩٨.
٣٢. القمي، ميرزا أبو القاسم (١٤٢٠هـ). مناهج الأحكام في مسائل الحلال و الحرام. قم: دفتر انتشارات اسلامی.
٣٣. الكليني، محمد بن يعقوب (١٤٠٧هـ). الكافي. طهران: دار الكتب الإسلامية.
٣٤. لجنة الفقه المعاصر (١٤٤١هـ). الفائق في الأصول. قم: مركز مديريت حوزه علميه.
٣٥. المحقق الحلي، جعفر بن حسن (١٤١٨هـ). المختصر النافع في الفقه الإمامية. قم: مؤسسة المطبوعات الدينية.
٣٦. المحقق داماد، محمد (١٣٨٢ش). المحاضرات (مباحث اصول الفقه). أصفهان: مبارک.
٣٧. مركز المعلومات والوثائق الإسلامي (١٣٨٩ش). فرهنگ نامه اصول فقه. قم: پژوهشگاه علوم و فرهنگ اسلامی.
٣٨. مؤمن القمي، محمد (١٤١٩هـ). تسديد الأصول. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
الهوامش
[1] على الرغم من وجود تعاريف أخرى للإطلاق المقامي، إلا أنه بالنظر إلى المكانة العلمية للمعرِّف، لا يمكن حمل تعريفه على التعريف الحقيقي، بل يجب اعتباره شرحاً للاسم. (راجع: الخوئي، ١٤٢٢هـ، ج ١، ص ١٥٧)
[2] مراده من الإطلاق الحكمي هنا هو الإطلاق اللفظي نفسه.
[3] بالطبع، سيتم التوضيح لاحقاً أن في حالات إثبات القيد أيضاً يتم نفي المؤونة الزائدة؛ ولكن على أي حال، الإشكال على تعريف الشهيد الصدر وارد.
[4] بشكل عام، إن دليل حجية الظهور هو الإطلاق المقامي أيضاً، وذلك ببيان أن سكوت الشارع حين إلقاء الكلام بالنسبة لفهم العرف يُعدّ تأييداً لهذا الفهم والاستظهار.
[5] «عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: أَلَا أَحْكِي لَكُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ (ص) فَأَخَذَ بِكَفِّهِ الْيُمْنَى كَفّاً مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ بِهِ وَجْهَهُ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى كَفّاً مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ بِهِ يَدَهُ الْيُمْنَى ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى كَفّاً مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ بِهِ يَدَهُ الْيُسْرَى ثُمَّ مَسَحَ بِفَضْلِ يَدَيْهِ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ».
[6] تجدر الإشارة إلى أن أحد أدلة حجية الظهور هو الإطلاق المقامي، والذي لا يمكن التمسك به في بحثنا هذا؛ لأنه يستلزم الدور.
[7] سيأتي لاحقاً في هذا المقال أن البعض قد اعتبر أن شرط الإطلاق المقامي هو أن يكون القيد مغفولاً عنه.
[8] المراد من الإطلاق في مقام الإثبات هو ما يكشف عن عدم وجود القيد.
[9] العلاقة الثبوتية قد تكون تضاداً أو تناقضاً.