الملخص
يحدث كثيرًا أن يواجه المكلف في حياته اليومية التزاحم الامتثالي. ويتعمق هذا التحدي عندما يقع التزاحم الامتثالي في دائرة التعارض. في هذه الحالة، يسعى مفكرو علم الأصول إلى حل التحدي القائم بتقديم حلول لإخراج المكلف من حيرة التكليف. تسعى هذه المقالة إلى دراسة وتحليل منظومة الفكر الأصولي للشهيد الصدر في الرد على عودة مسألة التزاحم الامتثالي إلى التعارض. يركز المقال الحاضر، بالإضافة إلى الرد النهائي للشهيد الصدر على المسألة الأساسية، على نظامه المنطقي والمرحلي في مواجهة المسألة والمسار الذي سلكه حتى حلها. إن تحليل آثار هذا المفكر بمنهجية المسألة المذكورة يوضح جيدًا أن هناك أربعة مبانٍ تشارك في حل المشكلة المطروحة. في البداية، مباني الانحلال الشخصي في الجعل ومراحل الحكم عند الشهيد، والتي هي من مبانيه العامة، تجر التزاحم الامتثالي إلى ميدان التعارض. وفيما بعد، فإن مبنيي إمكان الترتب والقدرة بالمعنى الأعم (تحقق الترتب) يخرجان مبحث التزاحم الامتثالي من دائرة التعارض. وفي النهاية، ينفصل التزاحم الامتثالي عن مبحث التعارض وتبقى المشكلة محصورة في ناحية امتثال المكلف.
المقدمة
يُعدّ بحث التزاحم الامتثالي للمكلف في حياته اليومية من المباحث المهمة والتطبيقية في علم الأصول. هذا المصطلح في بيان الأصوليين هو التنافي بين خطابين، الناشئ عن عدم قدرة المكلف على الجمع بين حكمين في مقام الامتثال (النائيني، 1352، ج2، ص 503؛ الخوئي، 1422، ج 2، ص 427؛ الصدر، 1417، ج 7، ص26). إذا لم يتم إيجاد حل مناسب لهذه المشكلة، فسيقع المكلف في حيرة في مقام امتثال التكاليف الشرعية. كل هذه الأمور تأتي في حين أن هذا الموضوع ليس له مكانة راسخة ومستقرة في بنية علم الأصول. ومن ثم، يُطرح أحيانًا تحت عنوان التعارض، وأحيانًا خلال بحث الضد.
من التحديات الأساسية التي يواجهها الأصوليون في بحث التزاحم الامتثالي هو وقوع هذا البحث في ورطة التعارض. “التعارض” في رأي الأصوليين يعني تنافي مدلولي دليلين بحيث نعلم أن هذين المدلولين ليسا ثابتين في الواقع، وعدم ثبوتهما في الخارج أيضًا يرجع إلى اجتماع النقيضين أو اجتماع الضدين (النائيني، 1352، ج 2، ص 501؛ الخوئي، 1422، ج 2، ص428؛ الصدر، 1417، ج 2، ص 453و541).
بعض الأصوليين، ومنهم الآخوند الخراساني، كما يظهر من عباراتهم، يعتبرون التزاحم الامتثالي تعارضًا ويحلون المشكلة الناتجة عنه بالحل المناسب للتعارض (الآخوند الخراساني، 1409، ص 163و 440). وكثير من الأصوليين الآخرين يفصلون مبحث التزاحم الامتثالي عن بحث التعارض ويسعون إلى إظهار مسار هذين البحثين منفصلاً عن بعضهما البعض.
أحد الأصوليين البارزين والمميزين الذين نظروا إلى بحث التزاحم الامتثالي من منظور مبحث التعارض هو الشهيد الصدر. المسألة الأساسية لهذه المقالة هي محاولة تحليل واستكشاف النظام والمسار الفكري الذي اتبعه الشهيد الصدر في الرد على اعتبار التزاحم الامتثالي تعارضًا، بشكل منهجي. إن ابتكار المقالة الحالية يكمن في ترتيب المراحل التي مر بها الشهيد الصدر جنبًا إلى جنب، على شكل أحجية (بازل)، بدءًا من مواجهة المسألة حتى حلها، مع تبيين الترابط المنطقي بينها. هذا عمل لم يقم به الشهيد نفسه في آثاره الأصولية على الرغم من توفر الإمكانية اللازمة.
إن معالجة المسألة المطروحة بشكل منهجي ضرورية لسببين:
1. التزاحم الامتثالي مشكلة شائعة في الحياة اليومية للمتشرعة. لذلك، فإن تقديم حل أصولي للخروج من حيرة المكلف في الامتثال أمر حاسم. لكن تقديم حل للتزاحم الامتثالي يعتمد على ما إذا كان هذا التزاحم يؤدي إلى التعارض أم لا. إذا أدى إلى التعارض، فإن حل التزاحم الامتثالي يرتبط بحل مسألة التعارض. لحل التعارض، يتم اعتبار أحد الخطابين فاقدًا للأمر من الأساس. ونتيجة لذلك، حتى لو عصى المكلف تكليفه، فلن ينشأ التكليف التالي ولن يكون واجبًا عليه. وبهذه الطريقة، لن يكون مسؤولاً عنه؛ أما إذا لم يؤدِ التزاحم الامتثالي إلى التعارض، فلن يكون أي من التكاليف المتزاحمة خاليًا من الأمر من الأصل. وعلى هذا الأساس، في حالة عصيان التكليف الأهم، سينشأ التكليف التالي (المهم) فورًا ويصبح فعليًا عليه. الهم الوحيد الذي يبقى في هذه الحالة هو إيجاد ملاك الأهم وملاك المهم الذي يتم التطرق إليه في مرجحات باب التزاحم. لذا، فإن الخلاص من مشكلة التزاحم الامتثالي الشائعة، سيعتمد اعتمادًا وثيقًا على كونه متعارضًا أو لا.
2. إحدى الفجوات الحالية في المجتمع العلمي هي عدم الفهم المنهجي والمنظم لآراء المفكرين. إن أساطين كل علم، بعد ممارسات وجهود متتالية، يستفيدون، بوعي أو بغير وعي، من أسلوب ومنهجية خاصة بهم في حل مسائل ذلك العلم. وعلم الأصول ليس استثناء من هذه القاعدة. تختلف طريقة حل المسألة لكل أصولي عن الآخر. وفي هذا السياق، يعتبر الشهيد الصدر، كأحد مفكري علم الأصول، ذا آراء متطورة ومبتكرة، مما يجعل ضرورة الإلمام بآرائه الأصولية لكل دارس للأصول أمرًا لا يمكن إنكاره. إن استخراج مكونات الأحجية الفكرية للشهيد الصدر في حل المسألة المطروحة يؤدي إلى عدة نتائج، منها:
1. سيؤدي إلى فهم أعمق لرأي الشهيد في الرد على المسألة.
2. بالنظر إلى الفهم المنهجي للرد، يمكن استخلاص طريقة حل المسألة الأصولية للشهيد الصدر كأحد العلماء المؤثرين في هذا العلم.
3. يمكننا، من خلال تعميم مباني الشهيد الصدر العامة والشاملة التي نحصل عليها في عملية حل المسألة، في النقاط المبهمة من عباراته أو حتى في الحالات التي لم يقدم فيها ردًا على مسألة ما، أن نقدم ردًا محكمًا وموثوقًا من جانبه.
4. مع توضيح مراحل المسار الفكري للشهيد الصدر في هذه المسألة، ستتوفر إمكانية نمو وتطور علم الأصول بناءً على نقد أكثر دقة لرد الشهيد.
لقد كُتبت مقالات ورسائل جامعية وآثار للباحثين في مجال بعض المباني المؤثرة في البحث. تناول البعض مبنى مراحل الحكم (مراتب الحكم) من بين المباني المؤثرة في المسألة. ومن بينها يمكن الإشارة إلى مقال “بحث في مراتب الحكم” لحسين بهادر. وقد قامت فئة أخرى بدراسة مجمل منهج ومدرسة الشهيد الصدر الأصولية التي تلقي بظلالها على المسألة المطروحة. ومقال “المدرسة الأصولية لآية الله الصدر” لرضا إسلامي هو مثال على ذلك. وقام آخرون، مثل مقال “نظرية عدم انحلال الخطابات القانونية” لرضا إسلامي، بما يتناسب مع بحث الخطابات القانونية للإمام الخميني، بدراسة مبحث الخطابات الشخصية في الجعل، وهو أحد المباني المؤثرة الأخرى في المسألة. كما جعل عدد من الباحثين مبنى شرطية القدرة في التكليف موضوعًا لبحوثهم. وقد تناول مقال “شرطية القدرة في التكاليف وتأثيرها على الفكر السياسي للإمام الخميني” للسيد حسن موسوي الخميني هذا الموضوع.
المباني المؤثرة في حل المسألة
حاول الشهيد الصدر، باستخدام مبانٍ مختلفة ذكرها بشكل متفرق في كتبه الأصولية، أن يبيّن أن التزاحم الامتثالي الموجود في خطابين متزاحمين لا يعود إلى تنافي الخطابين في جعل الشارع (التعارض)؛ بل إن المكلف هو الذي يواجه مشكلة في مقام الامتثال بناءً على ظروفه، ويجب أن يكون التركيز الأصولي منصبًا فقط على حل مشكلة المكلف. ولإيضاح هذا المطلب، سيتم استخراج المباني المؤثرة من النقاط المتفرقة في كتب الشهيد الأصولية، ومن ثم سيتم تبيين انسجام ونظام منطقي للمباني في الرد على المسألة.
الانحلال الشخصي (الانحلال في الجعل)
يعتقد الشهيد الصدر أنه في الخطابات القانونية التي يكون موضوع الخطاب فيها مجموعة من المكلفين أو جميعهم، يتم الحكم على الأفراد من خلال عنوان جامع. في هذا النوع من الخطابات، يُستخدم العنوان الجامع فقط لتعريف أفراد الموضوع، وينتقل الحكم من العنوان إلى الأفراد، ويصبح كل فرد من أفراد الموضوع موضوعًا للحكم. وبعدد أفراد ومصاديق الموضوع، ينحل الحكم ويتعدد، وبتعبير الأصوليين، يُجعل (يُنشأ) حكم مستقل لكل فرد من أفراد الموضوع. ثم إن كل فرد من الأفراد الذين ينطبق عليهم الموضوع بالفعل، يتفعّل الحكم بالنسبة له، بحيث إذا امتثله نال الثواب، وإذا عصاه استحق العقاب. وعلى هذا الأساس، يمكن تصور الامتثال والعصيان لكل فرد (الصدر، 1417، ج 2، ص 122-126).
وتوضيح ذلك أن الشهيد الصدر، باعتقاده بمبنى الانحلال الشخصي للخطابات، يرى لكل من الخطابين المتزاحمين في الفرد الجزئي موضوع التزاحم، جعلًا وإنشاءً مستقلاً. على سبيل المثال، إذا كان المكلف في الوقت الحاضر غير قادر على الجمع المتزامن بين حكمي “وجوب إزالة النجاسة من المسجد” و”وجوب الصلاة”، فبسبب مبنى الانحلال الشخصي في الجعل، يجد كل من حكمي “وجوب الإزالة” و”وجوب الصلاة” في هذه الحالة الشخصية للمكلف (حالة عدم القدرة على الجمع بين هذين الحكمين في آن واحد) حكمًا وجعلًا مستقلاً من جانب الشارع؛ وكأن الشارع قد جعل هذه الحالة الشخصية والجزئية لزيد موضوعًا وقال “صلِّ”، واعتبر هذه الحالة الجزئية الخارجية لزيد نفسها وقال “أزل”.
مراحل الحكم (مراتب الحكم)
في رأي الشهيد الصدر، للحكم مراحل مختلفة عن مراحل الحكم في نظر سائر الأصوليين (الآخوند الخراساني، 1407، ص 81؛ النائيني، 1376، ج 1، ص 175)، وتوضيحها ضروري قبل تبيين ودراسة المباني الأخرى؛ لأنه بالإضافة إلى تأثير هذا المبنى في حل المسألة، فإن تبيين وشرح المباني الأخرى للشهيد الصدر في بعض النقاط مرهون بفهم مراحل حكمه واللوازم المترتبة عليها.
يعتقد الشهيد الصدر أن الحكم التكليفي له مرحلتان: مرحلة الواقع التي يعبر عنها بالثبوت، ومرحلة إبراز وإظهار الحكم من قبل المولى والتي يسميها مرحلة الإثبات (الصدر، 1418، ج 1، ص 162).
من وجهة نظر الشهيد، لمرحلة الثبوت ثلاثة عناصر (الصدر، 1418، ج1، ص 315 و316؛ المصدر نفسه، 1418هـ، ج 1، ص 162):
1. الملاك، وهو بمعنى وجود المصلحة والمفسدة في الحكم.
2. الإرادة، وهي الحب والشوق الناشئ عن إدراك الملاك والمصلحة في الحكم.
3. الاعتبار (الجعل)، وهو اعتبار الوجوب على عهدة المكلف.
العنصر الثالث (الاعتبار والجعل) هو أيضًا على نوعين: فإما أن يجعله المولى لمجرد إبراز الملاك وإرادته، أو أن يجعله بداعي بعث وتحريك المولى للمكلف (الصدر، 1418، ج2، ص 205). يُكتشف من الدلالة التصديقية السياقية للخطاب أن جعل واعتبار الحكم في الخطابات الشرعية يكون، عرفًا، بداعي تحريك وبعث المولى للمكلف (الصدر، 1418، ج1، ص316). سيتم توضيح هذا المطلب أكثر في ما يلي.
بحسب اعتقاد الشهيد الصدر، في مرحلة الثبوت، يجب أن يتوفر في الحكم العنصران الأولان؛ لأن الحكم بدون مصلحة وإرادة لا روح له ولا حقيقة؛ أما العنصر الثالث أو الاعتبار، فليس ضروريًا في هذه المرحلة؛ بل له دور تنظيمي فقط اعتاد عليه عقلاء المجتمع، والشارع أيضًا تصرف وفقًا لسيرة العقلاء. عدم ضرورة العنصر الثالث في مرحلة الثبوت يعني أنه إذا علم المكلف بإرادة المولى من موضوع ذي مصلحة، فإن هذا المقدار كافٍ في وجوب امتثاله (الصدر، 1418، ج 1، ص 163).
في رأي الشهيد، تبدأ مرحلة الإثبات بعد رتبة مرحلة الثبوت. في هذه المرحلة، يُبرز المولى ما أراده في مرحلة الثبوت (الواقع) بجملة إنشائية أو خبرية. الآن، إذا فُهم حكم المولى بدون جعل واعتبار من الشارع، فإن إبراز الحكم يتعلق مباشرة بالإرادة، مثل “أريد منكم كذا”. أما إذا كان حكم المولى مصحوبًا باعتبار وجعل من الشارع، فإن إبرازه يتعلق بالاعتبار الكاشف عن الإرادة، مثل قوله تعالى: “وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا” (آل عمران/97). فبإبراز الشارع، يثبت للمولى حق على عاتق المكلف حتى يؤدي بفعلٍ ما حق مولويته. في الحقيقة، ينتزع العقل من إبراز المولى عناوين متعددة مثل البعث والتحريك وغيرها؛ لأن المولى قد أبرز إرادته ليصل إلى مراده، وهذا الأمر الهام لا يتيسر إلا بداعي البعث والتحريك المولوي للمكلف (الصدر، 1418، ج 1، ص 163).
بانتهاء مرحلة الإثبات، تنتهي مراحل حكم الشهيد الصدر؛ لكن تبقى نقطتان على النحو التالي:
1. مصطلح “مراتب التكليف” و”مراحل الحكم التكليفي” في آثار الشهيد، هما مصطلحان متشابهان، وعدم الدقة في مضمونهما يمكن أن يؤدي إلى سوء فهم في تعداد مراحل حكمه.
ما تم بيانه كان تبيينًا لمراحل الحكم في آثار الشهيد الصدر؛ لكنه بالإضافة إلى مراحل الحكم، يبيّن مراتب التكليف أيضًا. في رأيه، للتكليف أربع مراحل: “الملاك”، “الإرادة”، “الجعل”، و”الإدانة”. “الإدانة” هي مرتبة المسؤولية والتنجز واستحقاق العقاب للمكلف (الصدر 1418، ج 2، ص 205).
بمقارنة مراحل الحكم ومراتب التكليف، يتضح أن مرحلة “الإبراز” هي مرحلة الحكم التكليفي الوحيدة، ومرحلة “الإدانة” تُحسب فقط كمرتبة للتكليف. لذلك، يجب توخي الدقة اللازمة حتى لا تُحسب “الإدانة” خطأً كمرحلة من مراحل الحكم التكليفي.
2. الشهيد الصدر في مراتب الحكم، لا يتصور مرحلة باسم “الفعلية” التي يقبلها كثير من الأصوليين (النائيني، 1376، ج 1، ص175؛ الخوئي، 1417، ج5، ص329). هو يعتقد أن فعلية الحكم تعني تحقق موضوع الحكم في الخارج. وبهذا الترتيب، ليست هناك مرحلة جديدة، ولم يحدث شيء مختلف في الخارج لكي تسمى مرحلة منفصلة (الصدر، 1417، ج6، ص186).
بعد توضيح وتبيين مراحل الحكم، يطرح في بعض كتبه الأصولية هذا اللازم، وهو أن جميع تكاليف الشارع تُبرز بداعي تحريك وبعث المولى للمكلف نحو إنجاز الفعل. تحريك المولى للمولى يكون بسبب الإدانة وحكم العقل بمسؤولية المكلف. مع عجز المكلف، لا يمكن تصور إدانة ومسؤولية للمكلف، وإبراز الحكم من قبل المولى بداعي التحريك المولوي للمكلف غير المقدور (العاجز) محال؛ بالطبع، لو لم تكن تكاليف الشارع بداعي البعث والتحريك المولوي، لما كان هناك مانع من أن تشمل تكاليف الشارع في مرحلة الإبراز العاجز أيضًا (الصدر، 1418، ج2، ص206؛ المصدر نفسه، 1418، ج 2، ص209).
في تحليل وتدقيق المطلب، يجب القول إن الشهيد الصدر ضمن بحث مراحل الحكم، صرّح بأن مرحلة الإثبات، المتعلقة بإبراز إرادة المولى، لا يمكن أن تكون بدون داعي تحريك مولوي للمكلفين؛ لأن المولى يُبرز إرادته ليصل إلى مراده، وبدون تحريك مولوي للمكلفين لن يصل أبدًا إلى مراده. لذلك، فإن تكاليف الشارع تُجعل دائمًا بداعي التحريك المولوي. من ناحية أخرى، بقبوله مبنى الانحلال الشخصي الذي تم توضيحه، يتصور للخطابات القانونية للمولى في كل حالة من حالات المكلف الشخصية، جعلًا منفصلاً بحيث يبدو وكأن المولى حاضر لدى المكلف في جميع حالاته الشخصية ويأمره.
هذان الأمران؛ أي “جعل التكاليف دائمًا بداعي التحريك المولوي لإنجاز الفعل” و”جعل (اعتبار) مولوي مستقل لجميع حالات موضوع الحكم بناءً على مبنى الانحلال الشخصي في الجعل”، ليس لهما في نظر الشهيد الصدر نتيجة سوى القول بأن القدرة شرط في التكليف حتى في مقام الجعل (الاعتبار). وبناءً على ذلك، إذا جعل الشارع تكليفًا للمكلف العاجز، فبما أن التحريك المولوي والشخصي (الجزئي) للمكلف العاجز على إنجاز الفعل غير ممكن، فإن التكليف سيكون تكليفًا بالمحال (تنافي في وادي الجعل). إن المكلف في خطابين متزاحمين، من الواضح أنه لا يملك القدرة على إنجاز كلا التكليفين في وقت واحد. ونتيجة لذلك، فإن الجمع بين ما تم بيانه من المبنى الأول والثاني للشهيد الصدر، سيجر كلا الخطابين المتزاحمين إلى وادي التنافي في الجعل (التعارض). بالطبع، في تتمة هذا المقال، سنتناول معنى أدق للقدرة في نظر الشهيد الصدر، وهذا المعنى سيخرجنا من وادي التعارض.
إمكان الترتب
عادة ما يطرح الأصوليون في كتب الأصول بحث إمكان الترتب ضمن مبحث الضد (الخوئي، 1417، ج3، ص91؛ النائيني، 1376، ج 1، ص336؛ العراقي، 1363، ص285). وقد اتبع الشهيد الصدر أيضًا في كتاب “بحوث” التبويب المشهور للأصوليين (الصدر، 1417، ج2، ص329)؛ ولكنه في كتاب “دروس” عدل عن التبويب المشهور (الصدر، 1418، ج 2، ص 212). في مبحث الضد، بعد أن لا يقبل الشهيد الصدر اقتضاء النهي عن الضد (الضد الخاص) للأمر بالشيء، يُطرح له هذا السؤال: هل إذا كان التكليف واجبًا مضيقًا وكان ضده الخاص أيضًا واجبًا مضيقًا عباديًا، وتزاحم هذان الاثنان في مقام الامتثال، يمكن أن يكون للواجب العبادي أمر ويكون صحيحًا في حال قيام المكلف به أم لا؟ بعبارة أخرى، هل إذا كان كلاهما واجبًا له أمر، ألا يؤدي ذلك إلى اجتماع الضدين والتنافي في الخطابين؟ على سبيل المثال، الآن آخر الوقت ولم يبق إلا وقت يكفي لصلاة العشاء. من ناحية أخرى، هناك شخص يغرق ولا خيار إلا أن يقوم المكلف بأحد هذين الواجبين. فبإنجاز أحدهما، يفوت الآخر. في هذا الوضع المتزاحم، إذا لم ينقذ الغريق الذي هو الأهم، وصلى بدلاً منه، فهل لهذه الصلاة أمر وهل هي صحيحة؟ هنا يصبح بحث إمكان الترتب مفتاح حل المشكلة ولكلا الواجبين في فرض التزاحم، يصحح الأمر حتى لا يحدث أولاً اجتماع الضدين والتعارض، وثانيًا، بوجود الأمر في الواجب المضيق العبادي (الضد الخاص)، يمكن قصد الامتثال ويصح أداؤه من قبل المكلف (الصدر، 1417، ج2، ص 293-377). في ما يلي، سنقوم بتحليل وتبيين المبنى المذكور.
عندما يأمر المولى بواجب، لا يمكن أن يكون لهذا الواجب إطلاق بالنسبة لحالة الاشتغال بواجب آخر (الضد الخاص). في الحقيقة، إن إطلاق هذا الأمر، بالنظر إلى مبنى الانحلال الشخصي في الجعل ومبنى جعل جميع التكاليف بداعي التحريك المولوي، يعني التكليف بغير المقدور (التكليف بالمحال)؛ لأن إطلاق الأمر بالنسبة لحالة الاشتغال بالواجب الآخر (الضد الخاص) يعني كأن المولى حتى في هذه الحالة الشخصية والجزئية التي يكون فيها المكلف مشغولاً في الخارج بامتثال الواجب الآخر (الضد الخاص)، يكون حاضرًا شخصيًا أمام المكلف ويأمر بالواجب الأول. هذا الأمر من المولى بوضوح هو تكليف بغير المقدور ومحال؛ ومن هنا، ينشأ اجتماع الضدين ويؤدي إلى التعارض.
بناءً على التوضيح المتقدم، يمكن القول بشكل عام إنه كلما شمل إطلاق واجبين متزاحمين حالة الاشتغال بالواجب الآخر، لزم من إطلاق هذين الواجبين التكليف بغير المقدور. والتكليف بغير المقدور، كما مر، محال ويؤدي إلى التعارض. في مثل هذا الوضع، يكون الحل الذي يقدمه الشهيد الصدر وكثير من الأصوليين للخروج من التعارض هو إثبات إمكان الترتب (النائيني، 1352، ج 1، ص336؛ الخوئي، 1422، ج 3، ص 92 و93؛ العراقي، 1363، ص281).
يعتقد الشهيد الصدر أن الترتب يخرج كلا الواجبين أو أحدهما من حالة الإطلاق ويجعله مشروطًا؛ وبناءً على ذلك، يُقيّد الأمر بأحدهما أو بكليهما بعدم الاشتغال بالواجب الآخر. في هذه الحالة، لن يوقعنا واجبان مشروطان أو أحدهما مشروط والآخر مطلق (وهو حاصل إمكان الترتب) في ورطة التعارض أبدًا (الصدر، 1418، ج 1، ص 339).
يركز الشهيد الصدر، لتوضيح كيفية الخروج من التعارض، على أداء الواجب المشروط ويسعى، من خلال التدقيق في كيفية أدائه، إلى إثبات إمكان الترتب كحل استراتيجي للخروج من وادي التعارض. ولهذا يقول: “عندما يكون وجوب أحد الضدين مقيدًا (مشروطًا) بعدم امتثال التكليف بالضد الآخر، فإن هذا الوجوب يُجعل على نحو الوجوب المشروط. الشرط (القيد) في هذا النوع من الوجوبات هو مقدمة الوجوب بالنسبة للوجوب المشروط. ومن ناحية أخرى، نعلم أن الوجوب المشروط لا يكون أبدًا داعيًا لتحقق شرطه (مقدمة الوجوب)؛ أي في ما نحن فيه، لا يقول أحد الضدين: لتحقق وجوبي، أنت ملزم بتحقيق الشرط الذي هو عدم امتثال الضد الآخر. إذن، أمر المولى بالضدين، الذي يكون بصورة مشروطة ومطلقة، لا يتعارض مع بعضه البعض في مقام الجعل (الصدر، 1418، ج 2، ص213؛ الصدر، ج 1، ص 324؛ المصدر نفسه، ج 3، ص 381).
لتوضيح وتحليل مطلب الشهيد، يجب القول إن الأمر المشروط يكون له أمر من الشارع عندما يتوفر شرطه (عدم الامتثال للضد الآخر). والأمر المطلق يبقى على إطلاقه في جميع الحالات. وبهذا التوضيح، لا يعود الأمر كما لو أن كل واحد من الضدين في الخطابين المتزاحمين يعتبر نفسه أهم للامتثال، وتؤدي دلالة أحدهما الالتزامية إلى نفي أمر الآخر، مما يستلزم تنافي الخطابين؛ بل في هذا التزاحم، يُجعل الأمر المشروط بصورة مشروطة. الجعل المشروط في الوجوب يعني أن هذا الوجوب لا يمكن أن يكون له إطلاق في زمن الاشتغال بالضد الآخر، بينما يبقى الأمر المطلق على إطلاقه ويشمل إطلاقه مورد التزاحم أيضًا. الآن، إذا عُصي الخطاب المطلق، يتحقق شرط الأمر المشروط ويصبح الموضوع للخطاب المشروط شكلاً. وإذا عُصي الأمر المشروط أيضًا، فبما أن فعلية الأمر المشروط ليست في عرض فعلية الأمر المطلق لكي تتعارض مع فعليته، سيكون لدينا أمران فعليان غير متعارضين، وكلاهما قد عُصي، وسيكون هناك عقابان على عاتق العاصي.
على سبيل المثال، مكلف يواجه في مقام الامتثال وفي ضيق الوقت تكليفين، إما أن يصلي حتى لا تقضى صلاته، أو أن ينقذ شخصًا على وشك الغرق. الفرض هو أن المكلف غير قادر على الجمع بين الاثنين. في هذه الحالة، حل الشهيد الصدر وجمع غفير من الأصوليين هو الأمر الترتيبي، بأن يكون وجوب الصلاة مشروطًا بعدم امتثال الأمر بإنقاذ الغريق، ويُجعل هكذا: إذا لم تنقذ الغريق، فصلِّ. ويبقى الأمر بإنقاذ الغريق على إطلاقه ويشمل مورد التزاحم أيضًا. في هذه الحالة، عدم إنقاذ الغريق هو مقدمة وجوب الصلاة. إذا عصى المكلف الأمر بإنقاذ الغريق، يتحقق شرط الأمر بالصلاة (يتحقق موضوع الأمر بالصلاة). على الرغم من أن الأمر بالصلاة لم يكن فعليًا للمكلف في المقام الأول؛ إلا أنه بعصيان الأمر بإنقاذ الغريق، يصبح الأمر بالصلاة فعليًا أيضًا. وإذا عصى الأمر بالصلاة أيضًا، فسيكون هناك عقابان مقابل العصيانين على عاتقه.
إذا جُعل الخطابان المتزاحمان من قبل الشارع كلاهما على شكل واجب مشروط (في حالة تساوي الأمرين في الملاك وعدم أهمية أحدهما على الآخر)، فمن الواضح أنهما لن يؤديا إلى تنافٍ في وادي الجعل والتعارض؛ لأن كليهما سيسقط عن الإطلاق وبالتالي عن الفعلية في مورد التزاحم الخارجي.
اشتراط التكليف بالقدرة بالمعنى الأعم (القيد اللبّي)
كما تم بيانه، تمكن الشهيد الصدر بقبول إمكان الترتب من الخروج من تنافي الخطابين؛ لكن المسألة لم تُحل بالكامل بعد. ما تبقى له في النهاية هو تحقق الترتب نفسه أو بعبارة أخرى؛ تحديد شرط (قيد) الواجب المشروط. نتيجة النظرة الشاملة للمبنى الأول والثاني للشهيد الصدر هي أن جميع التكاليف في مقام الجعل مقيدة (مشروطة) بقيد القدرة؛ لأن التحريك المولوي للفعل غير المقدور محال؛ لكن ما يبقى هو استكشاف معنى القدرة في نظر الشهيد الصدر.
في نظر الأصوليين، جميع التكاليف مشروطة بالقدرة بمعنى القدرة التكوينية (النائيني، 1376، ج1، ص313؛ الخوئي، 1417، ج 3، ص53). هذا في حين أنه في رأي الشهيد، هذا المعنى من القدرة لا يمكنه إخراج الخطابين المتزاحمين من تحدي التعارض. يعتقد الشهيد أن معنيين للقدرة التكوينية يمكن أن يكونا منظور الأصوليين (الصدر، 1417، ج 7، ص 63):
1. القدرة الحدوثية والبقائية معًا: في خطابين متزاحمين، اشتراط هذين التكليفين بالقدرة الحدوثية والبقائية يعني أن نعتبر كل تكليف مشروطًا بعدم العجز عن أصل التكليف وكذلك مشروطًا بعدم الاشتغال بضده. في هذه الحالة، إذا انشغلنا بضده في وقت أداء الواجب، حتى لو كان ذلك الضد واجبًا، فيجب أن يُرفع أصل التكليف من كلا الخطابين المتزاحمين ويكون العصيان فيهما بلا معنى. هذا في حين لم يلتزم أي أصولي بمثل هذا المطلب؛ بل لا شك أن العصيان قد وقع في نظر الأصوليين. على سبيل المثال، في تزاحم إنقاذ الغريق والصلاة الواجبة، ننصرف إلى التصدق على مسكين. في هذه الحالة، حتمًا يكون هذان التكليفان قد عُصيا. بناءً على ذلك، اشتراط التكليف بالقدرة الحدوثية والبقائية لا يمكنه حل مشكلة التعارض.
2. القدرة الحدوثية: إذا اعتبرنا الخطابين المتزاحمين مشروطين بالقدرة الحدوثية؛ أي أن يكون كلا التكليفين مشروطين بالقدرة على أصل التكليف في أول الأمر، ففي هذه الحالة، بالاشتغال بأحد المتزاحمين، لا تزال القدرة الحدوثية للتكليف الآخر باقية. فقط بقاء القدرة قد سُلب من الآخر. وعلى هذا الأساس، بتحقق شرط التكاليف المتزاحمة (القدرة الحدوثية)، سيبقى تكليفان فعليان متزاحمان على عاتق المكلف، ولن يكون للمكلف القدرة على جمعهما. نتيجة هذا المعنى من القدرة أيضًا هي تعارض الخطابين المتزاحمين.
ابتكار الشهيد الصدر في تقييد التكاليف بقيد القدرة بهدف إخراج الخطابين المتزاحمين من التعارض هو أنه يعتبر لجميع التكاليف، بالإضافة إلى قيد القدرة التكوينية، قيد “عدم الابتلاء بضد آخر لا تقل أهميته” أيضًا. هو يسمي قيد القدرة التكوينية بالإضافة إلى القيد الجديد “القدرة بالمعنى الأعم” ويعتبره لازمًا لجميع التكاليف ويشترط جميع التكاليف به (الصدر 1438، ج 2، ص 212؛ المصدر نفسه، 1417، ج 7، ص 63). في توضيح المطلب المذكور، يذكر أن التكاليف يجب أن تكون مقيدة بعدم وجود تكاليف أهم منها ملاكًا من التكليف الحاضر؛ سواء كانت أهميتها مساوية لهذا التكليف، وفي هذه الحالة يصبح كلا الضدين المتزاحمين وجوبًا مشروطًا بالنسبة لعدم الاشتغال بالآخر، أو أن تكون أهميتها أكبر من الوجوب الحاضر، وفي هذه الحالة يكون الوجوب المطروح مشروطًا بعدم الاشتغال بالضد الآخر، بينما يبقى ذلك الوجوب الأهم (الضد الأهم) مطلقًا بالنسبة للوجوب الحاضر. بهذا التوضيح، يصل العقل إلى قيد لبّي عام لجميع الخطابات، بحيث يكون كل خطاب وتكليف مقيدًا بـ “عدم الاشتغال بامتثال واجب لا تقل أهميته عن التكليف الحاضر” (الصدر، 1418، ج2، ص214؛ المصدر نفسه، 1417، ج 7، ص 64).
تبيين الارتباط المنطقي للمباني المذكورة في حل المسألة
الاعتقاد بمبنى الانحلال الشخصي في خطابات الشارع، يعطي لمعنى اعتبارات (جعل) الشارع معنى خاصًا. توضيح ذلك أن انحلال الخطاب الشخصي يعني جعلًا مستقلاً من الشارع بالنسبة لكل حالة وفرد من أفراد الموضوع. وكأن الشارع في محل تزاحم الخطابين المتزاحمين حاضر شخصيًا، ومع وجود عدم قدرة المكلف على جمع الامتثال بين الخطابين، يأمر مباشرة وبشكل متزامن بكلا الخطابين.
من ناحية أخرى، في توضيح مراحل الحكم، تم بيان أن الشهيد الصدر يعتبر جعل جميع تكاليف الشارع بداعي بعث وتحريك المولى للمكلف على إنجاز الفعل. على هذا الأساس، كل من التكليفين في الخطابين المتزاحمين قد جُعل بداعي التحريك المولوي والمولى يريد إنجاز كلا التكليفين من المكلف.
بوضع المطلبين المذكورين جنبًا إلى جنب، تكون القدرة دائمًا شرطًا في مرحلة من مراحل التكليف؛ لأن التكليف لغير المقدور (العاجز) بالنظر إلى الانحلال الشخصي للجعل في الخطابين المتزاحمين وتحريك المولى في جعلهما غير ممكن. الآن، تلك الفئة من الأصوليين الذين يقبلون الفعلية كمرحلة من مراحل الحكم، يعتبرون القدرة شرطًا في فعلية التكليف (النائيني، 1376، ج1، ص 319-320)؛ أما الشهيد الصدر الذي لا يعتبر الفعلية مرحلة من مراحل الحكم، فيُسرّي قدرة المكلف حتى مرتبة جعل واعتبار المولى، ويرى أن التكليف لغير المقدور محال، والقدرة شرط في أصل التكليف.
استحالة التكليف لغير المقدور تجر الخطابين المتزاحمين إلى التنافي في مرحلة جعل الحكم (التعارض)؛ لأنه على كل حال، المكلف في الخطابين المتزاحمين غير قادر على إنجاز كلا التكليفين في وقت واحد.
حل الشهيد الصدر للخروج من التعارض، كما هو حال كثير من الأصوليين، هو إثبات إمكان الترتب. إمكان الترتب يعطل الإطلاق المتزامن للخطابين المتزاحمين في المصداق الخارجي للتزاحم. توضيح ذلك أنه في الخطابين المتزاحمين، كلا الخطابين لهما إطلاق بالنسبة للمورد الخارجي للتزاحم. إطلاق أحدهما لا ينسجم مع إطلاق الآخر. ومن ثم، يؤدي إلى التنافي في وادي الجعل. إمكان الترتب، بتقييد كليهما أو أحدهما بعدم امتثال الآخر، يعالج الإطلاق المتزامن للخطابين على مورد التزاحم. في الواقع، بقبول إمكان الترتب، لن تكون فعلية الخطابين المتزاحمين في عرض بعضهما البعض. بناءً على ذلك، في المصداق الخارجي للتزاحم، لن يكون لدينا جعلان متعارضان؛ إذن، لن يتشكل التنافي في وادي الجعل.
بقبول إمكان الترتب، تصل النوبة إلى التحقق العملي والعيني للترتب نفسه. بعبارة أخرى، يحين وقت تعيين قيد (شرط) عام لجميع خطابات الشارع، حتى نتمكن من إخراج موارد التزاحم بشكل عيني ودائم من موارد التعارض. ابتكار الشهيد الصدر هو التوسعة في معنى القدرة. القدرة بالمعنى الأعم لديه قسمان:
1. القدرة التكوينية على ذات العمل.
2. عدم الابتلاء بواجب لا تقل أهميته عن الواجب المطروح.
بالتوسعة في معنى القدرة، يعتبر القيد اللبّي لجميع خطابات الشارع هو القدرة بالمعنى الأعم (عدم الاشتغال بامتثال واجب لا تقل أهميته عن الواجب المطروح). وبهذا، بإمكان الترتب ووقوع الترتب بواسطة القيد المذكور، تخرج جميع الخطابات المتزاحمة من حالة تنافي الحكمين (التعارض). على هذا الأساس، كلما نشأ تزاحم امتثالي بين خطابين، نقوم أولاً بتقييم ملاك الخطابين. إذا كانت أهمية أحد الخطابين أقل من الآخر، فإن إطلاق الخطاب الأقل أهمية في المصداق الخارجي للتزاحم يصبح مشروطًا بعدم امتثال الخطاب الآخر حتى لا يشمل إطلاقه مورد التزاحم. من ناحية أخرى، يبقى الخطاب الأهم مطلقًا حتى يشمل إطلاقه مورد التزاحم أيضًا؛ أما إذا كان الخطابان المتزاحمان متساويين في الأهمية، فإن إطلاق كليهما يصبح مشروطًا بعدم امتثال الآخر. في الواقع، يسقط إطلاق كلا الخطابين في مورد التزاحم؛ لأن الاشتغال بكل منهما ينتفي موضوع الخطاب الآخر. بناءً على ذلك، يكون المكلف مخيرًا في امتثال أحد الخطابين. إذا ترك المكلف كلا الخطابين، فسيكون هناك عقابان على عاتقه.
النتيجة
في رأي الشهيد الصدر، لا يؤدي الخطابان المتزاحمان في النهاية إلى التعارض. منظومة فكره الأصولي للخروج من التعارض تكون على شكل مراحل كالتالي:
1. هو في البداية، بقبول مبنى الانحلال الشخصي للخطابات، يصل إلى نتيجة أن الشارع في المورد الخارجي الذي تزاحم فيه خطابان للمكلف، له أمران مستقلان ومنفصلان ومباشران للمكلف، ويجب أداء كل من الخطابين في نفس الوقت.
2. بتبيين مراحل الحكم التكليفي لجميع التكاليف، يثبت الجعل بداعي التحريك المولوي، وبالإضافة إلى ذلك، لا يقبل الفعلية كمرحلة منفصلة من مراحل الحكم.
3. يثبت الشهيد الصدر، بملاحظة المطلبين السابقين، أن قدرة المكلف شرط في أصل التكليف، وأن التكليف لغير المقدور محال. ومن ثم، بوضع هذين المبنيين جنبًا إلى جنب، يُجر الخطابان المتزاحمان إلى التنافي في الجعل (التعارض).
4. مبنى إمكان الترتب، بطرح احتمال تقييد إطلاق كلا الخطابين أو أحدهما على الأقل، يسعى إلى وضع وجوب التكليفين في طول بعضهما البعض بهدف إخراج الخطابين المتزاحمين من اجتماع الضدين (التعارض). إذن، ينتفي تنافي الخطابين المتزاحمين بإثبات إمكان الترتب.
5. مبنى القدرة بالمعنى الأعم، الذي هو في الواقع تحقق الترتب، يجعل الحل المقدم في بحث إمكان الترتب عمليًا، وبتقييد جميع التكاليف بقيد “عدم الاشتغال بامتثال واجب لا تقل أهميته عن الواجب الحاضر”، يخرج الخطابين المتزاحمين عمليًا من ورطة التعارض.
المصادر والمراجع
* القرآن الكريم
1. الآخوند الخراساني، محمد كاظم (1407هـ). فوائد الأصول. الطبعة الأولى. طهران: وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.
2. الآخوند الخراساني، محمد كاظم (1409هـ). كفاية الأصول. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة آل البيت.
3. الصدر، محمد باقر (1417هـ). بحوث في علم الأصول. تقرير السيد محمود هاشمي شاهرودي. الطبعة الثالثة. قم: مؤسسة دائرة المعارف للفقه الإسلامي على مذهب أهل البيت.
4. الصدر، محمد باقر (1418هـ). دروس في علم الأصول. الطبعة الخامسة. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
5. الخوئي، أبو القاسم (1417هـ). محاضرات في أصول الفقه. تقرير محمد إسحاق فياض. الطبعة الرابعة. قم: دار الهادي.
6. الخوئي، أبو القاسم (1422هـ). مصباح الأصول. تقرير واعظ حسيني بهسودي ومحمد سرور. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي.
7. العراقي، ضياء الدين (1363هـ.ش). تحرير الأصول. تقرير الشيخ مرتضى نجفي مظاهري أصفهاني وتحقيق وتصحيح حمزة حمزوي. الطبعة الأولى. قم: مهر.
8. النائيني، محمد حسين (1352هـ.ش). أجود التقريرات. تقرير السيد أبو القاسم الخوئي. الطبعة الأولى. قم: مطبعة العرفان.
9. النائيني، محمد حسين (1376هـ.ش). فوائد الأصول. تقرير محمد علي كاظمي خراساني. مع تعليقات آقا ضياء عراقي. الطبعة الأولى. قم: جامعة مدرسين حوزه علميه قم.
10. برنامج جامع أصول الفقه، مركز تحقيقات كامبيوترى علوم إسلامى نور.