ملخص
باب التزاحم من المسائل كثيرة التطبيق في علم أصول الفقه. وعادةً ما يُبيَّن هذا الباب في هذا العلم من خلال عدة مقدمات وأربع مسائل: الأولى تعريف باب التزاحم، والثانية التخيير في فرض عدم تقدّم أحد الحكمين المتزاحمين، والمسألتان الثالثة والرابعة تختصان بالمرجّحات وإمكانية تقديم محتمل الأهمية. وعلى الرغم من أن لهذه المسألة الأصولية تطبيقًا واسعًا في أبواب فقهية مهمة كالفقه الحكومي والفقه الاجتماعي وغيرهما، إلا أنها لا تحظى بقدمٍ تاريخيٍّ في علم أصول الفقه. ومسألة هذا التحقيق هي: مَن هو أول عالم أصوليّ طرح هذه النظرية بمنهجية رباعية الأبعاد، وما هي الجهود التي بُذلت في هذا المجال قبله. تثبت هذه المقالة، من خلال التحليل التاريخي لباب التزاحم في علم الأصول والبحث في مصادر علمي الفقه وأصول الفقه، فرضية التحقيق القائلة بأن المحقق النائيني هو أول من طرح نظرية التزاحم الجامعة.
مقدمة
في الهيكل المعاصر لعلم الأصول، يعدّ التزاحم أحد الأبواب المهمة وكثيرة التطبيق، حيث يحلّ الكثير من العُقَد المهمة في علم الفقه. توجد مسائل مهمة في الفقه الفردي، والاجتماعي، والحكومي، وغيرها… يتوقف حلها على الاستخدام الدقيق والصحيح لأحكام باب التزاحم. وليس من المبالغة القول بأن مجالات مثل فقه الأمن يجب أن تُفهم كل مسائلها أو جلّها في باب التزاحم، وإلا فلن نصل إلى آلية مناسبة لحلها. إن قانون الأهم والمهم، الذي هو أهم حكم في هذا الباب، قانون كثير التطبيق وفي نفس الوقت مليء بالتحديات، بحيث لا يزال بالإمكان، بل يجب، اكتشاف ثغراته النظرية وتوسيع حدوده وفتح آفاق جديدة فيه.
بحث التزاحم الأصولي، بالإضافة إلى مبادئه التصورية والتصديقية المؤثرة، يتضمن على الأقل ثلاثة أحكام أصولية: مرجحات باب التزاحم، خاصة قانون الأهم والمهم، التخيير أو عدم التخيير في فرض عدم المرجح، وإمكانية تقديم محتمل الأهمية. إن التزاحم وأحكامه كموضوع أو كمحاولة جزئية لحل مسألة فقهية خاصة له تاريخ قديم في علم الفقه، أما كونه نظرية أصولية تُعنى بالبيان الشامل له في إطار علم الأصول، بما في ذلك المباحث التمهيدية والأحكام والثمرات، فليس له تاريخ قديم.
مسألة هذا التحقيق هي: متى تشكّلت النظرة الجامعة الأولى لباب التزاحم في أصول الفقه الإمامية، وفي أي دور من أدوار علم الأصول، وعلى يد أي من الأصوليين؟ فرضية التحقيق هي أن المحقق النائيني هو أول من قدّم نظرة جامعة ونظرية متكاملة لباب التزاحم وأحكامه وأضلاعه. تسعى هذه المقالة من خلال البحث في المصادر الأصولية الإمامية إلى إثبات هذه الفرضية. تقتضي مسألة هذا التحقيق ورسالة هذه المقالة أن يقتصر الكاتب في هذا التحقيق على ابتكار المحقق النائيني الأصولي، ويصرف النظر عن نقده أو دراسته. ومن نافلة القول إن السكوت عن آراء المحقق النائيني (ره) لا يعني تأييدها.
النظرية الجامعة
المقصود بالنظرية الجامعة في هذه المقالة هو أن يقوم مُنظِّرٌ ما في الخطوة الأولى بتجزئة مسألة كلية إلى مسائل جزئية، بحيث تحيط المسائل الجزئية الناتجة بجميع أبعاد تلك المسألة الكلية بشكل جامع ومانع. وفي الخطوة الثانية، يتمكن من خلال التأمل والتتبع من تحديد جميع المقدمات التصورية والتصديقية اللازمة لحل المسائل الجزئية الناتجة، ويُبيِّن كل واحدة من هذه المقدمات بطريقة تجعل من تجميعها كلها معًا مقدمة لازمة وكافية لحل المسائل. وفي الخطوة الثالثة أيضًا، يُنظِّم العلاقة بين المقدمات التصورية والتصديقية الناتجة والمسائل الجزئية المستخلصة من المسألة الأصلية بطريقة لا يترتب عليها أي تناقض أو تهافت بين هذه المطالب؛ بل تكون جميعها في تسلسل وترتيب ونظام محدد وهادف، بحيث تتناسق في النهاية مع بعضها البعض وتُشكِّل منظومة متكاملة. مثل هذه النظرة إلى قضية علمية تعتبر في هذه المقالة نظرية جامعة.
التعارض
كلمة «تعارض» من باب تفاعل. وقد ذكر الزمخشري أن هذه الكلمة تعني المقاتلة والحرب المتبادلة. (الزمخشري، ١٣٨٦، ص ٢٦٥) وبما أن معظم اللغويين لم يذكروا لهذه الكلمة معنىً أو استعمالًا، يمكن التخمين بأن مادة (عَرَضَ) في باب تفاعل إما لم تستخدم أصلًا في اللغة العربية أو استخدمت نادرًا جدًا. أما كلمة «معارضة» فهي من باب مفاعلة وتعني «المقابلة». (ابن منظور، ١٤١٤، ج ٧، ص ١٦٧) عارض فلان فلانًا؛ أي فعل شيئًا شبيهًا بفعله أو فعل له ما فعله هو له. (الأزهري، ١٤٢١، ج ١، ص ٢٩٤) المعارضة مشتقة من جذر «عرض»، ويقال للشيئين المتقابلين متعارضان كأن عرضهما مشترك ومتشابه. (ابن فارس، ١٤٠٤، ج ٤، ص ٢٧٢)
من الناحية الاصطلاحية الأصولية، ووفقًا لرأي الشيخ الأنصاري (الأنصاري، ١٤١٩، ج٤، ص ١١)، التعارض هو تنافي مدلولي دليلين بحيث لا يمكن اجتماعهما في عالم التكوين أو التشريع. أما الآخوند الخراساني (الخراساني، ١٤٠٩، ص ٤٧٣) فلا يرى التنافي في التعارض تنافيًا بين مدلول دليل ومدلول دليل آخر؛ بل يعرّف التعارض بأنه تنافي بين الدليلين في مقام الإثبات. وسعى من خلال التغيير الذي أحدثه في تعريف الشيخ إلى إخراج التوفيقات العرفية بين الأدلة (مثل العام والخاص، والمطلق والمقيد، والحاكم والمحكوم، وغيرها) من دائرة تعريف التعارض. لكن فيما بعد، حاول المحقق النائيني وتلامذته، بالتأكيد على نفس تعريف المرحوم الشيخ، إثبات أن ذلك التعريف لم يكن يشمل هذه التوفيقات العرفية، وبذلك أعادوا تثبيت تعريف جناب الشيخ. (الكاظمي، ج ٤، ص ٧٠٠؛ الهاشمي الشاهرودي، ١٤٠٧، ج ٧، ص ١٤)
التزاحم
كلمة «تزاحم» من مصطلحات علم أصول الفقه، ولم ترد في الأدلة النقلية حتى نحتاج إلى معناها اللغوي والعرفي. ولكن بما أن استخدامها كمصطلح شائع في علم أصول الفقه، فمن الجدير إلقاء نظرة موجزة على معناها اللغوي لفهم هذا المصطلح العلمي بشكل أفضل. التزاحم من مادة «زحم» التي اعتبرها ابن فارس أصلًا واحدًا بمعنى الانضمام في حال الشدة والضيق. (ابن فارس، ١٤٠٤، ج ٣، ص ٤٩) وقد اعتبر الخليل «زَحَمَ القومُ بعضُهم بعضًا من شدة» بنفس معنى الازدحام. (الفراهيدي، ١٤١٠، ج ٣، ص ١٦٦) بعض أرباب اللغة اعتبروا التزاحم مصدرًا لـ«ازدحم». (الفراهيدي، ١٤١٠، ج٣، ص ١٦٦) على الرغم من أن معنى فعل «ازْدَحَمَ» وفعل «تَزَاحَمَ» هو أيضًا بمعنى التضييق على بعضهم البعض. (ابن منظور، ١٤١٤، ج ١٢، ص ٢٦٢؛ الزبيدي، ١٤١٤، ج ١٦، ص ٣١٣) إذًا، التزاحم من جذر «زحم» يعني تضييق المجال على الآخر. (الزبيدي، مرتضى، تاج العروس، ج ١٦، ص ٣١٣) وفي باب افتعال (ازدحام) يعني حصول المضايقة غير المقصودة وغير الإرادية لبعضهم البعض، وفي باب تفاعل يعني إيجاد مضايقة إرادية لبعضهم البعض. ولهذا السبب، اعتبر ابن سيده التزاحم بمعنى اجتماع الأفراد وتضييق المكان على بعضهم البعض. (ابن سيده، ١٤٢١، ج ١٢، ص ٩٩)
التزاحم في مصطلح الأصوليين
يذكر المفكرون الأصوليون اليوم ثلاثة أنواع من التزاحم: الملاكي، والحفظي، والامتثالي.
التزاحم الملاكي
التزاحم الملاكي، الذي يسمى أيضًا تزاحم المقتضيين، هو التنافي بين فعلين أو حيثيتين لفعل واحد، في مقام جعل الأحكام الشرعية. بناءً على هذا، في هذا النوع من التزاحم، يوجد فعل واحد فقط، له مفسدة من جهة ومصلحة من جهة أخرى. على سبيل المثال، شرب الخمر له جانبان: جانبه الأول أن له فوائد، وجانبه الثاني أن فيه مفسدة شديدة. كما ورد في القرآن الكريم: «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا» (البقرة/٢١٩). هذا الفعل من الحيثية الأولى محبوب للشارع، ومن الحيثية الثانية مبغوض له. الشارع هو الذي في مقام تشريع حكم شرب الخمر، يوازن بين التنافي بين هاتين الحيثيتين لفعل واحد، وبعد الكسر والانكسار يصل إلى نتيجة. هذا التنافي في الآثار الأصولية المعاصرة يسمى تزاحمًا ملاكيًا، ورتقه وفتقه يعود إلى الشارع. يعتقد بعض المحققين أن المقصود بالتزاحم الملاكي في كلمات المحقق الخراساني هو هذا التزاحم الملاكي الذي يقع في عالم التشريع ولا علاقة له بعالم الامتثال. (الهاشمي الشاهرودي، ١٤١٧، ج٣، ص٦٦)
التزاحم الحفظي
التزاحم الحفظي مرتبط بمقام شك وتردد المكلف. استخدم الشهيد السيد محمد باقر الصدر هذا المصطلح لأول مرة، موضحًا أنه عندما يكون المكلف في مقام الامتثال، ولا يعرف وظيفته الواقعية بسبب الشك والجهل، ويتردد بين تكليفين إلزاميين، مثل الحرمة والوجوب، أو تكليف إلزامي وتكليف ترخيصي، مثل الحرمة والإباحة، في جعل الحكم الظاهري واختيار أحد التكليفين له، يجب أن يعمل بطريقة تحفظ أغراض الشارع التشريعية. (الشاهرودي، ١٤٣١، ج٢، ص ٤٥؛ الشاهرودي، ١٤٣١، ج ١، ص ٢٢٧) في الحقيقة، عندما يكون حكم فعل ما مشكوكًا فيه ولا يعلم المكلف هل هذا الفعل مباح أم واجب، فإن أصل هذا الشك يعود إلى أن أدلة الأحكام الإلزامية تقتضي من جهة أن يشمل هذا الفعل المشكوك الحكم الإلزامي، ومن جهة أخرى تقتضي أدلة الأحكام الترخيصية أن يشمل هذا الفعل المشكوك هذا الحكم الترخيصي. في هذا الصراع، يجب على الشارع أن يجعل حكمًا ظاهريًا، ولكن في مقام جعل الحكم الظاهري يجب أن يعمل بطريقة تحفظ مقاصد تشريع الأحكام. أطلق الشهيد الصدر على هذا التنافي بين حكم ترخيصي وحكم إلزامي في فعل مشكوك اسم «التزاحم الحفظي»، وصرح بأن رتق وفتق أمور هذا التزاحم بيد الشارع ولا علاقة له بالمكلف. (عبد الساتر، ١٤١٧، ج ١١، ص ١٧ و ١٨)
التزاحم الامتثالي
التزاحم الامتثالي، الذي يسمى أيضًا التزاحم الحكمي، هو تزاحم بين حكمين مستنبطين. في هذا النوع من التزاحم، لا يوجد أي تنافٍ بين الحكمين الشرعيين في مقام الجعل، والتنافي يكون فقط في مقام الامتثال حيث يعجز المكلف في ظروف خاصة عن امتثال كلا الحكمين. قيل إنه في آثار المحقق النائيني، كلما استخدمت كلمة «تزاحم»، كان المقصود هو هذا التزاحم الامتثالي. (الهاشمي الشاهرودي، ١٤١٧، ج ٣، ص ٦٦) يبدو أنه بعد المحقق النائيني، إذا استخدمت كلمة التزاحم بشكل مطلق، فإنها تعني التزاحم الامتثالي.
التزاحم في علم الفقه
التزاحم معروف منذ القدم في علم الفقه في حالات مثل مقتل شخص بسبب ازدحام الناس (تزاحم الناس)، وازدحام الحجاج في عرفة، وتزاحم الحقوق، وغيرها. على أي حال، التزاحم في علم الفقه، وإن لم يعتبر مصطلحًا خاصًا، إلا أنه موجود في ساحة علم الفقه. على سبيل المثال، ازدحام المكلفين لأداء بعض الأعمال الواجبة أو المستحبة، مثل الازدحام في صلاة الجمعة والجماعة الذي يؤدي إلى تعذر أو تعسر الركوع والسجود، أو الازدحام في الطواف الذي يمنع من استلام الحجر، هي من أنواع التزاحم التي تُبحث في علم الفقه. كل هذه التزاحمات هي مصاديق للمعنى اللغوي للتزاحم.
التزاحم في علم أصول الفقه
لبيان أفضل للدور الذي لعبه المحقق النائيني في تأسيس نظرية التزاحم، من المناسب تقسيم البحث حول النظرية الأصولية للتزاحم إلى فترة ما قبل المحقق النائيني وفترة المحقق النائيني. على الرغم من أنه لو لم يقتصر هذا التحقيق على ابتكار المحقق النائيني، لكان من المناسب إضافة فترة ثالثة لبحث النظرية الأصولية للتزاحم بعد المحقق النائيني، لأنه على الرغم من أن إطار النظرية الجامعة للتزاحم التي بينها المحقق النائيني قد حظي بقبول المحققين بعده، إلا أنه طرأت انتقادات وتغييرات ملحوظة على تفاصيل آرائه.
التزاحم قبل المحقق النائيني
في علم الأصول، على عكس علم الفقه، التزاحم مصطلح علمي، ولكنه ليس قديمًا جدًا. قبل الشيخ الأنصاري، كان الأصوليون في بحث مسألة «الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضده» يستبعدون فرضين من محل النزاع لتحريره: فرض أن يكون المأمور به وضده كلاهما موسعًا، وفرض أن يكون كلاهما مضيقًا، لأنه في فرض كونهما موسعين لا يوجد نزاع، وفي فرض كونهما مضيقين يُقدّم الأهم على المهم. (القمي، ١٤٣٠، ج ١، ص ٢٣٦) هذا الكلام من الأصوليين يدل على أنهم كانوا على دراية بتحدي يسمى مزاحمة حكم شرعي لحكم شرعي آخر في مقام الامتثال، وكانوا يعتبرون الحل هو قانون الأهم والمهم، على الرغم من أنهم لم يستخدموا مصطلح «التزاحم» لذلك. وبالطبع، يتضح من تعابيرهم أنهم كانوا يعتبرونها مسألة بسيطة وسطحية ولا تحتاج إلى أي بحث ونزاع.
لأول مرة، ادعى الشيخ الأنصاري في مقدمات بحث «الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضده» أن مزاحمة مأمورين بهما مضيقين ليست مسألة بسيطة وسطحية؛ بل هي مسألة أصولية مهمة تستحق بحثًا ودراسة خاصة. (الأنصاري، ١٤٢٦، ص ٣٧٨) العمل الآخر للشيخ لهذه المسألة المذكورة، هو أنه أطلق عليها اسم التزاحم والتكافؤ (الأنصاري، ١٤٢٦، ص ٣٧٨) وسعى لوضع تزاحم واجبين أو تزاحم حقين بجانب بعضهما البعض، وفصل بينهما وبين باب التعارض. (الأنصاري، ١٣٨٣، ج ١، ص ٥٣٧)
بعد الشيخ الأنصاري، تحدى المحقق الخراساني آراءه. بدأ في كتاب كفاية الأصول بحث مسألة اجتماع الأمر والنهي بعشر مقدمات، وبما أنه كان يعتبر باب اجتماع الأمر والنهي من صميم باب التزاحم، فقد خصص المقدمة الثامنة لبحث باب التزاحم والفروق بينه وبين باب التعارض. (الخراساني، ١٤٠٩، ص ١٥٤ و ١٥٥)
بدأ أولاً في مقام الثبوت، للفصل بين باب التزاحم وباب التعارض، ببيان الفروق بين باب التعارض وباب الاجتماع الذي هو من أهم مصاديق باب التزاحم، ويحلل هذا الفرق في مقامين: الثبوت والإثبات. ويشترط أربعة شروط لتحقق باب التزاحم (اجتماع الأمر والنهي) في مقام الثبوت: أولاً، أن يتعلق أمر بعنوان. ثانيًا، أن يتعلق نهي بعنوان آخر. ثالثًا، أن يوجد بين هذين العنوانين صدق واتحاد وجودي. ورابعًا، أن يكون في متعلق كلا الحكمين مناط وجودي؛ أي حتى عندما يجد كلا العنوانين مصداقًا واحدًا، يبقى هذا المناط في كلا الحكمين.
في رأي المحقق الخراساني، الضابطة الأساسية لباب التزاحم هي هذه الضابطة الرابعة. فهو يبني مسألة الاجتماع، التي هي إحدى صغريات باب التزاحم، بالكامل على فرض وجود وبقاء الملاك في متعلق الأمر والنهي. على سبيل المثال، الصلاة في المكان المغصوب هي إحدى نماذج التزاحم. هنا، الاستقرار في المكان المغصوب وأداء الصلاة عمل واحد اجتمعت فيه مصلحة الصلاة ومفسدة الغصب، وبعد التزاحم لا تزال مصلحة الصلاة ومفسدة الغصب باقيتين. ولهذا السبب، بناءً على نظرية جواز اجتماع الأمر والنهي، تكون الصلاة واجبة بسبب مصلحتها الخاصة والغصب حرام بسبب مفسدته الخاصة، وبما أن ملاك كلا الحكمين موجود في هذا العمل الواحد (المصداق الواحد للغصب والصلاة)، فإن القائلين بامتناع اجتماع الأمر والنهي يقارنون بين الملاكين ويقدمون المزاحم الذي له ملاك أقوى.
يكتب المرحوم الآخوند، بعد تحليل مقام الثبوت، بنظرة إلى مقام الإثبات: «في مقام الإثبات، يجب حتمًا إحراز وجود الملاك في كلا الحكمين. الآن إذا تم إحراز وجود الملاك، فإن المسألة تدخل قطعًا في باب التزاحم وتخرج من باب التعارض، ولكن إذا تم إحراز أن كلا الحكمين المتزاحمين، أو على الأقل أحدهما، قد فقدا ملاكهما، فإن المسألة تدخل في باب التعارض وتخرج من باب التزاحم، ويجب على الفقيه للخروج من هذا التنافي أن يستفيد من مرجحات باب التعارض لا من مرجحات باب التزاحم.» (الخراساني، ١٤٠٩، ص ١٥٥)
تجدر الإشارة إلى أن عبارات المحقق الخراساني حول كيفية إحراز الملاك هي بطريقة أوجدت صعوبات لشراح ومحشي كتابه. شرح ودراسة تلك الصعوبة خارج عن أهداف هذا التحقيق. يمكن للمهتمين متابعة هذا المبحث في شروح وحواشي الكفاية. (الحكيم، ١٤٠٨، ج ١، ٣٦٠؛ الفيروزآبادي، ١٤١٨، ج ٢، ص ٣٠ إلى ٣٣)
التزاحم والمحقق النائيني
على الرغم من أن المحقق النائيني واجه تراثًا أصوليًا قيمًا وجديرًا بالثناء، إلا أنه أدرك أن باب التزاحم من الأبواب التي لم تحظ بالاهتمام اللازم والكافي في علم الأصول. لهذا السبب، كتب بوضوح في نهاية بحث «اقتضاء الأمر بالشيء عن النهي عن ضده»:
١. نقد هذا الرأي لصاحب الكفاية ورد في أجود التقريرات (الخوئي، ١٣٥٢، ج ١، ص ٢٤٥ و ٢٤٦) ومحاضرات (الفياض، ١٤١٧، ج ٤، ص ٢٠٤ و ٢٠٥).
«الآن وقد وصل الحديث إلى هنا، ليس من السيئ أن نقدم بحثًا مفصلاً عن التزاحم وأحكامه، لأن الأكابر قد أهملوا هذا الأمر، في حين أنه من المسائل التي لها آثار فقهية كثيرة، وكان من الجدير أن يكون لها عنوان مستقل في الكتب الأصولية». (الكاظمي، ١٣٧٦، ج ١، ص ٣١٧)
بنظرة نقدية إلى المكتسبات الأصولية التي سبقته، خاصة ما قدمه الآخوند الخراساني، شرع في تصميم نظرية جامعة لباب التزاحم. لقد أدرك بذكاء أن المسألة الرئيسية في باب التزاحم الامتثالي هي: ما هي الآلية المتاحة للخروج من باب التزاحم؟ ثم قام بتجزئة هذه المسألة الكلية إلى ثلاث مسائل فرعية: «آلية الخروج من باب التزاحم في فرض وجود المرجحات»، و«آلية الخروج من باب التزاحم في فرض احتمال الأهمية»، و«آلية الخروج من باب التزاحم في فرض عدم المرجح». بعد ذلك، اهتم بجمع وبيان المقدمات التصورية، مثل ماهية باب التزاحم وشروطه، والمقدمات التصديقية، مثل اعتبار أحكام الشارع قضايا حقيقية، وأخيرًا في الخطوة الأخيرة، قام بترتيب هذه المقدمات وتلك المسائل الجزئية بطريقة تشكلت بها منظومة متكاملة، ولم تكن أجزاء هذه المنظومة في أي تنافٍ أو تضاد مع بعضها البعض؛ بل في النهاية أدت بانسجام إلى حل المسألة الكلية المستهدفة. باختصار، إن المنظومة الجامعة لنظرية باب التزاحم في فكر المحقق النائيني الأصولي تشتمل على هذه الأضلاع العلمية: المباحث التمهيدية لباب التزاحم، تعريف باب التزاحم وشروطه، وآلية الخروج من باب التزاحم في الفروض الثلاثة المذكورة. مثل هذه النظرة الجامعة لباب التزاحم لم تكن إنجازًا بسيطًا. كان فهم الأصوليين لباب التزاحم، حتى عصر المحقق الخراساني، إلى درجة أن إحدى أهم مشكلاتهم كانت بيان الفروق بين باب التزاحم وباب التعارض، ولكن المحقق النائيني بعد تصميم النظرية الجامعة لباب التزاحم، توصل إلى نتيجة أن باب التزاحم لا يشبه باب التعارض بأي شكل من الأشكال حتى تكون هناك حاجة لبيان الفروق بينهما، وفي تعريض بالأصوليين الذين سبقوه، وباستخدام تعبير فكاهي، كتب:
«الفصل بين هذين البابين كبعد المشرقين عن بعضهما البعض، ولهذا السبب فإن البحث عن الأصل الذي يجب على الفقيه اتباعه عند الشك (الشك في أن فرعًا فقهيًا معينًا ينتمي إلى باب التزاحم أو باب التعارض) نابع من الخلط بين هذين البابين وتجاهل وجوه الفرق بينهما، لأن البحث عن الفرق بين التزاحم والتعارض يشبه البحث في أن الأصل في الأشياء الطهارة أم بطلان بيع الفضولي؟!» (الخوئي، ١٣٥٢، ج ١، ص ٢٧٠)
مقدمات نظرية التزاحم في فكر المحقق النائيني
الشرط الأساسي لباب التزاحم في فكر المحقق النائيني هو ألا يُنظر إلى الحكم الشرعي كقضية خارجية؛ بل كقضية حقيقية، لأن المحقق المذكور يعتقد أن التزاحم لا يتحقق إلا على أساس هذا التصور القائل بأن الأحكام في عالم الجعل قد وُضعت على شكل قضايا حقيقية، لا على شكل قضايا خارجية. وإلا فإن الأحكام التي يحدث بينها تنافٍ تتكاذب في نفس مقام الجعل، وينشأ تنافيها من باب التعارض. (الكاظمي، ١٣٧٦، ج ١، ص ٣٢١)
تعريف باب التزاحم في فكر المحقق النائيني
بحث المحقق النائيني نوعين من التزاحم في علم الأصول: النوع الأول هو نفس التزاحم الامتثالي المعروف، والنوع الثاني هو التزاحم في مقام العلم الإجمالي الذي لم يحظ باهتمام كبير.
التزاحم الامتثالي في فكر المحقق النائيني
على الرغم من أن المحقق الخراساني كان يحاول التمييز بين باب التعارض وباب التزاحم، إلا أن المحقق النائيني، ربما في تعريض بالآخوند الخراساني، يصرح بأنه لا ضرورة للتمييز بين باب التزاحم وباب التعارض، لأن هذين البابين لا يتشابهان إلى درجة تستدعي التمييز بينهما. (الخوئي، ١٣٥٢، ج ١، ص ٢٧٠)
المرحوم النائيني في باب التزاحم، بدلاً من التركيز على بقاء الملاكات الموجودة في الحكمين، أكد على خاصيتين بارزتين أخريين: الخاصية الأولى التي نظر إليها المحقق النائيني هي أن ظرف وقوع التنافي في باب التزاحم، على عكس باب التعارض، ليس عالم الجعل والتشريع؛ بل هو عالم الامتثال. (الكاظمي، ١٣٧٦، ج ٤، ص ٧٠٥ وص ٣١٧) الخاصية الثانية، التي تتعلق بموصوف التنافي، تهدف إلى القول: إن التنافي والتضاد الموجود في باب التزاحم ليس تنافي دليل مع دليل آخر؛ بل هو تنافي حكم شرعي مع حكم شرعي آخر. بالطبع، بعد المحقق النائيني، أطلق بعض تلامذته على هذا التنافي أحيانًا اسم تنافي دليلين في مرحلة الفعلية. (الهاشمي الشاهرودي، ١٤١٩، ج٢، ص٦) لكنهم أحيانًا أطلقوا عليه اسم تنافي حكمين متزاحمين. (الهاشمي الشاهرودي، ١٤١٩، ج ٢، ص٧) خلاصة القول أن موصوف التنافي في باب التعارض هو الدليل، أما موصوف التنافي في باب التزاحم فهو الحكم الشرعي.
من الضروري هنا ذكر هذه النقطة، وهي أن تلامذة النائيني في تعريف باب التزاحم، بالإضافة إلى العنصرين المذكورين، يؤكدون على عنصر ثالث. العنصر الثالث هو أن منشأ التزاحم دائمًا هو عجز المكلف. ومن المثير للاهتمام أن المحقق النائيني نفسه لم يكن لديه مثل هذا الاعتقاد، لأن من وجهة نظره، منشأ باب التزاحم ليس دائمًا عجز المكلف؛ بل أحيانًا على الرغم من أن المكلف قادر على امتثال كلا الحكمين، يظهر مانع آخر يمنع من امتثال كلا الحكمين. طرح النائيني لمثل هذا النوع من التزاحم الذي لا ينبع من عجز المكلف، مسألة زكاة الإبل المعروفة، لكن تلامذته استبعدوا هذه المسألة من باب التزاحم واعتبروها من باب التعارض. مسألة الإبل المعروفة التي بيّن بها النائيني التزاحم غير العجزي هي أنه إذا كان لدى مكلف خمسة وعشرون رأسًا من الإبل، بعد مرور سنة على ملكيتها، يجب عليه أن يدفع خمسة رؤوس من الغنم كزكاة. النصاب بعد الخمسة والعشرين هو ستة وعشرون؛ أي أن ملكية ستة وعشرين رأسًا من الإبل لمدة سنة تستوجب دفع بنت مخاض (جمل عمره سنتان). الآن إذا كان شخص يملك في أول فروردين من هذا العام خمسة وعشرين رأسًا من الإبل، وبعد مرور ستة أشهر اشترى رأسًا آخر، فإلى نهاية اسفند حيث تمر سنة على ملكية الخمسة والعشرين رأسًا، يجب عليه أن يدفع خمسة رؤوس من الغنم، وفي نهاية شهريور من العام المقبل، حيث تمر سنة على ملكيته لستة وعشرين رأسًا من الإبل، يجب عليه أيضًا أن يدفع بنت مخاض، ولكن يوجد دليل خاص ينهى عن تزكية مال مرتين في سنة واحدة. وبهذا الوصف، إما أن نتغاضى عن ستة أشهر من ملكية المكلف للخمسة والعشرين رأسًا من الإبل، أو عن ستة أشهر من ملكيته للستة وعشرين رأسًا. هذا التزاحم نابع من وجود ذلك الدليل الخاص، والمكلف نفسه ليس لديه أي عجز عن أداء كلا الحكمين. في الحقيقة، في مثل هذه التكاليف، من وجهة نظر المحقق النائيني، لم ينشأ تعارض بين دفع زكاة الخمسة والعشرين رأسًا ودفع زكاة الستة والعشرين رأسًا؛ بل حدث تزاحم. (الخوئي، ١٣٥٢، ج ١، ص ٢٧٠)
تزاحم مقام العلم الإجمالي في فكر المحقق النائيني
في الحالات التي يشتبه فيها الواجب بالحرام، خيّر الشيخ الأنصاري المكلف، بناءً على استدلال مفاده أن الموافقة الاحتمالية لكلا التكليفين أفضل من المخالفة القطعية لأحدهما، بأن يختار بنفسه إتيان أحدهما وترك الآخر. (الأنصاري، ١٤١٩، ج ٢، ص ١٨٩) أما المحقق النائيني، في نقد هذا الرأي للشيخ، فقد اعتقد أن مثل هذه الشبهات تدخل في باب التزاحم؛ على الرغم من أنه صرح بنفسه بأن هذا النوع من التزاحم هو تزاحم خاص يختلف عن التزاحم الامتثالي. والسبب هو أن التزاحم الامتثالي ينبع من أن خطابات الشارع مقيدة بالقدرة، وفي باب التزاحم لا يملك المكلف القدرة الكافية على أداء الحكمين، لكن هذا النوع من التزاحم ينبع من أن كل تكليف يصل إلى المكلف يقتضي أمرين: لزوم الامتثال ولزوم إحراز الامتثال. بناءً على هذا، من جهة، تكليف الوجوب الذي وصل إلى المكلف هنا بالعلم الإجمالي يقتضي أن يمتثل المكلف الوجوب، وبأداء كلا العملين يحرز هذا الامتثال. ومن جهة أخرى، الحرمة التي وصلت إلى المكلف بالعلم الإجمالي تقتضي أيضًا أن يترك المكلف أطراف العلم الإجمالي ويتيقن أنه أدى وظيفته الشرعية. (الكاظمي، ١٣٧٦، ج ٤، ص ٢٦٣)
تم تتبع وبيان التشابه بين التزاحم الامتثالي وتزاحم العلم الإجمالي في آثار تلامذة المحقق النائيني. يعتقد بعض تلامذته أنه كما أن عجز المكلف عن «امتثال» تكليفين في التزاحم الامتثالي يوجب التزاحم، فكذلك هنا عجز المكلف عن «إحراز الامتثال» يوجب التزاحم. إذًا، منشأ التزاحم دائمًا هو عدم قدرة المكلف على الجمع بين المقتضى العقلي لتكليفين شرعيين، أي الامتثال أو إحراز الامتثال. ومن الواضح أن ما يعجز عنه المكلف في التزاحم الامتثالي هو الامتثال نفسه، وما يعجز عنه في تزاحم العلم الإجمالي هو إحراز الامتثال، وكلاهما، الامتثال وإحراز الامتثال، من مقتضيات التكليف الشرعي العقلية. (الهاشمي الشاهرودي، ١٤١٩، ج ٣، ص ٣٤١)
عندما يدخل دوران الأمر بين الوجوب والحرمة باب التزاحم، فإنه يؤدي إلى استخدام قانون الأهم والمهم بدلاً من التخيير. توضيح ذلك أنه إذا كان ملاك الحرمة أقوى، يُقدَّم تكليف الحرمة، وإذا كان ملاك الوجوب أقوى، يجب تقديم حكم الوجوب. (الكاظمي، ١٣٧٦، ج ٤، ص ٢٦٣ و ٢٦٤)
في الختام، تجدر الإشارة إلى أن تلامذة المحقق النائيني أفادوا بأنه في الفترات الأخيرة من تدريسه لأصول الفقه، قد عدل عن هذا الرأي، واعتبر مثل هذه الشبهات خارجة عن باب التزاحم ومن صميم باب دوران الأمر بين المحذورين، وبالتالي لم يكن يجري قانون الأهم والمهم في مثل هذه الشبهات. (الحلي، ١٤٣٢، ج٨، ص ٤٦١) بناءً على هذا، ما سيأتي في بقية هذه المقالة يتعلق برأي المحقق النائيني في التزاحم الامتثالي، ولن يُذكر شيء عن تزاحم العلم الإجمالي.
شروط باب التزاحم في فكر المحقق النائيني
لجعل نظرية التزاحم شاملة، بالإضافة إلى تقديم تعريف محدد لباب التزاحم، ذكر المحقق النائيني أحيانًا في مناسبات مختلفة شروطًا لباب التزاحم. البحث في آثاره يظهر أن النائيني كان يعتبر الشروط التالية لتحقق باب التزاحم:
١. عدم ديمومة التنافي بين الحكمين
في مدرسة النائيني، يُصر على أن عدم التوافق بين حكمين متنافيين يجب أن يكون عدم توافق عرضي، وإلا إذا كان عدم التوافق دائمًا، فإن التنافي بين الحكمين سيؤدي إلى باب التعارض، لأن ديمومة التنافي بين الحكمين علامة على أنهما كانا متنافيين في نفس مرحلة التشريع.
طرح المحقق النائيني هذا الرأي أولاً. (الكاظمي، ١٣٧٦، ج ١، ص ٣٢٠ و ٣٢١) المحقق الخوئي أيضًا، على الرغم من أنه لم يتفق مع أستاذه في بعض المسائل الجانبية لباب التزاحم، إلا أنه قبل بأنه لكي تكون مسألة من صميم باب التزاحم، يجب أن يكون التنافي بين الحكمين عرضيًا تمامًا. (الهاشمي الشاهرودي، ١٤١٩، ص ٣٢) كما خصص الشهيد السيد محمد باقر الصدر التنبيه الأول من تنبيهات مقدمة باب التزاحم لهذا الشرط وقدم بحثًا قيمًا في هذا المجال. (الهاشمي الشاهرودي، ١٤١٧، ج ٧، ص ١٠٩ و ١١٠)
٢. عجز المكلف عن الجمع بين التكليفين
يتضح من كلام بعض الأصوليين أن التنافي بين حكمين لا يكون من صميم باب التزاحم إلا إذا لم يكن للمكلف إمكانية الجمع بين التكليفين بأي شكل من الأشكال. الحقيقة هي أنه أحيانًا ينشأ تنافٍ بدوي بين حكمين، لكن المكلف بالدقة والتأمل يمكنه حل هذا التنافي. على سبيل المثال، ينشأ تنافٍ بدوي بين واجب تخييري وواجب تعييني، أو بين واجب موسع وواجب مضيق. على الرغم من أن الواجب التعييني يُقدَّم على الواجب التخييري في المثال الأول، والواجب المضيق يُقدَّم على الواجب الموسع في المثال الثاني، إلا أن المسألة هي: هل يمكن اعتبار هذا التنافي من صميم باب التزاحم وتطبيق قواعد باب التزاحم عليه؟
بعض الأصوليين لا يعتبرون هذه التنافيا جزءًا من باب التزاحم، لأن ملاك باب التزاحم هو عدم إمكانية الجمع بين التكليفين للمكلف؛ في حين أنه هنا توجد إمكانية الجمع بين التكليفين. لهذا السبب، لا يعتبر هؤلاء المحققون التنافي بين الواجب الكفائي والواجب العيني جزءًا من باب التزاحم. هؤلاء بشكل عام لا يطبقون قواعد باب التزاحم على أي تنافٍ آخر يوقع فيه المكلف نفسه في التزاحم باختيار طرق غير صحيحة. إحدى الفروع المرتبطة بهذا الشرط هي مسألة الوقف الذي يقع فيه الموقوف عليهم في نزاع مميت بسبب الاختلاف في كيفية الانتفاع به، لدرجة أن السبيل الوحيد لإنهاء النزاع هو بيع مال الوقف وتقسيم حصة الموقوف عليهم بينهم. هنا نشأ تنافٍ بين «حكم وجوب حفظ الوقف» و«حكم وجوب إنقاذ حياة الموقوف عليهم».
قبل أن يطرح المحقق النائيني نظرية التزاحم، كان عدم التوافق بين حكم وجوب حفظ الوقف وحكم وجوب إنقاذ حياة الموقوف عليهم يعتبر من مسائل باب التزاحم. ونتيجة لذلك، كان إنقاذ حياة الموقوف عليهم، الذي هو أهم من حفظ الوقف، يُقدَّم من باب قانون الأهم والمهم، وفي النهاية كان بيع الوقف لمنع إراقة الدماء يعتبر جائزًا. (الشهيد الثاني، ١٤١٠، ج ١، ص ٢٨٠) ولكن بعد طرح نظرية التزاحم، اتضح أنه بما أن هذا النزاع وإراقة الدماء قد نشأ باختيار الموقوف عليهم أنفسهم، فإن المسألة ليست من صميم باب التزاحم ولا يمكن إصدار حكم ببيع الوقف بناءً على قانون الأهم والمهم. (الخوانساري، ١٣٧٣، ج ١، ص ٣٥٢)
آلية الخروج من باب التزاحم
للخروج الفقهي من باب التزاحم، كان يجب أولاً تحديد ما يجب فعله في فرض عدم ثبوت أهمية لأحد الحكمين المتزاحمين. في حالة عدم وجود أهمية لأي من المتزاحمين على الآخر، اعتبر المحقق النائيني أيضًا أن الحل هو التخيير. (الخوئي، ١٣٥٢، ج ٢، ص ٢٤٣؛ الكاظمي، ١٣٧٦، ج ١، ص ٣٣٥) ولكي يوضح ماهية هذا التخيير ويميزه إلى أقصى حد، قسم التخيير إلى ثلاثة أنواع.
١. النوع الأول هو التخيير الذي خيّر فيه الشارع المكلف ببيان شرعي بين عدة أمور، مثل التخيير بين ثلاثة أنواع من الكفارة (تحرير رقبة، إطعام مساكين، صيام ستين يومًا) المشهور في أبواب مثل الصوم. أطلق المحقق النائيني على هذا النوع من التخيير اسم التخيير البدوي.
٢. النوع الثاني هو تخيير باب التعارض الذي يُستخدم عندما لا يوجد مرجح لدليلين متعارضين. بالطبع، نظرًا لأن حجية خبر الواحد بنائية قد تستند إلى أحد مبدأي الطريقية أو السببية، فإن هذا التخيير يختلف عن تخيير باب التزاحم بناءً على مبدأ الطريقية، لأنه في هذا التكاذب يكون لأحد الحكمين فقط مصلحة، والتخيير هو تخيير بين حكم له مصلحة وحكم ليس له مصلحة، أما في باب التزاحم حيث يكون لكلا الحكمين مصلحة، فالتخيير هو تخيير بين حكمين لهما مصلحة. بناءً على مبدأ السببية الذي يفيد بأن العمل بكل خبر يوجِد مصلحة في مؤداه، فإن مؤدى كلا الخبرين يكون له مصلحة. ولهذا السبب، لا يبقى فرق كبير بين تخيير باب التعارض وتخيير باب التزاحم. على الرغم من أن أحدهما أداة في يد المجتهد وله فعالية في مقام الاستنباط، والآخر أداة في يد المكلف وله فعالية في مقام الاستنباط.
٣. النوع الثالث هو تخيير باب التزاحم في الحالات التي لا يوجد فيها مرجح للطرفين. في هذه الحالات، لا يوجد حل سوى التخيير، لأن منشأ التزاحم بين الحكمين هو أن كلاهما مطلق. على سبيل المثال، خطاب «صلِّ» له إطلاق بالنسبة للوقت الذي يكون فيه المسجد نجسًا أو غير نجس. ومن جهة أخرى، خطاب «أزل النجاسة عن المسجد» له أيضًا إطلاق بالنسبة لوقت حلول الصلاة ووقت عدم حلولها. هذا الإطلاق في المصداق الخاص الذي يكون فيه المسجد نجسًا وحان وقت الصلاة، يؤدي إلى وقوع المكلف في باب التزاحم. في الحقيقة، بما أن المكلف لا يستطيع الامتثال لكلا الأمرين في نفس الوقت، فإنه بالضرورة يُقيَّد إطلاق أحد الدليلين الذي له أهمية أقل، بواسطة الدليل الآخر الذي هو أهم منه. ولكن إذا كان كلا الخطابين متساويين في الأهمية ولم يكن أي منهما أهم من الآخر، فإن دليلين لم يكن لهما تخيير بدوي في حد ذاتهما، بهذا التزاحم العرضي، ينتج عنهما تخيير عارضي.
هذا التحليل القائل بأن إطلاق الدليلين فقط هو الذي يُنفى، يستند إلى نظرية المحقق النائيني التي تعتبر أن منشأ التزاحم هو إطلاق الدليلين، لا مجرد وجودهما. أما بناءً على المبدأ الذي يعتبر أن التزاحم مشكلة ناشئة عن أصل وجود الدليلين، لا عن إطلاقهما، فبعد التزاحم وفقدان المرجح، يسقط كلا الدليلين، ولكن بما أن ملاك كلا الدليلين لا يزال باقيًا، فإن العقل هو الذي يكتشف حكمًا تخييريًا جديدًا، وبما أن هذا الحكم حكم جديد، فإن تخييره يكون بدويًا. خلاصة القول هي أنه بناءً على هذا المبدأ، يكون تخيير باب التزاحم نوعًا من التخيير البدوي الذي لا يختلف عن النوع الأول. (الكاظمي، ١٣٧٦، ج٣، ص ٤٢٠ و ٤١٩)
تجدر الإشارة إلى أن هذا التقسيم الثلاثي للمحقق النائيني قد تم نقده من قبل بعض الأصوليين بعده. (الخميني، ١٤١٥، ج٢، ص ١٥٤ و ١٥٥)
مرجحات باب التزاحم في فكر المحقق النائيني
بعد تأسيس الأصل للحالات التي لا يوجد فيها مرجح، يتجه المحقق النائيني إلى مرجحات باب التزاحم. من وجهة نظر المحقق النائيني، بالإضافة إلى قاعدة تقديم الأهم على المهم، توجد أربعة مرجحات أخرى تقع في عرض هذا القانون. هذه المرجحات الأربعة، التي تتقدم على قانون الأهم والمهم في منظومة فكر المحقق النائيني، هي:
١. ترجيح التكليف الذي ليس له بدل عرضي على التكليف الذي له بدل عرضي؛ أي عندما يتزاحم واجب موسع له أفراد تخييرية (بدل عرضي) بقدر ما تبقى من وقته، مع واجب مضيق ليس له أي بدل عرضي. في هذه الحالة، لا ينبغي تقديم الواجب الموسع الذي له بدائل عرضية؛ بل يجب تقديم الواجب المضيق.
في الحقيقة، تقديم الواجب المضيق يؤدي إلى أن يدرك المكلف كلاً من المصلحة الموجودة في الأفراد اللاحقة للواجب الموسع والمصلحة الموجودة في الواجب المضيق، لكن المسألة الأهم هي: هل التنافي بين واجب له بدل عرضي وواجب ليس له بدل عرضي يُعتبر تزاحمًا أم تنافيًا بدويًا؟
٢. ترجيح «التكليف غير المشروط بالقدرة الشرعية» على التكليف المشروط بالقدرة الشرعية. في لسان دليل بعض الواجبات، يكون وجوبها مشروطًا بقدرة شرعية خاصة، مثلاً وجوب الحج في لسان الأدلة مشروط بالاستطاعة المالية. الآن إذا تزاحم مثل هذا الواجب مع واجب شرعي آخر لم يكن في لسان أدلته مشروطًا بمثل هذه القدرة، فأيهما يجب تقديمه؟ يعتقد المحقق النائيني أنه إذا لم يكن لأي من الطرفين بدل عرضي ولم يكن لأي منهما بدل طولي، فيجب في هذه الحالة تقديم الواجب غير المشروط. على سبيل المثال، في تزاحم «وجوب وفاء الدين» مع «وجوب الحج»، يُقدَّم وفاء الدين الذي ليس مشروطًا بالقدرة الشرعية على أداء الحج المشروط بالقدرة الشرعية. يعتقد المحقق النائيني، بالإضافة إلى أن هذا المرجح يُستخدم في تزاحم التكاليف الشرعية، أنه يُستخدم أيضًا في تزاحم الحقوق. (الآملي، ١٤١٣، ج٢، ص ٤٤١)
تقرير دليل اعتبار هذا المرجح في فكر المحقق النائيني هو أنه عندما يحدث تزاحم بين واجبين، أحدهما مشروط بقدرة شرعية والآخر غير مشروط بشرط شرعي خاص غير القدرة العقلية، في هذه الحالة لا يوجد أي مانع من فعلية الواجب غير المشروط. من هذا المنطلق، هذا الواجب فعلي، وبما أنه فعلي، يجب على المكلف أن يصرف قدرته على أداء هذا الواجب. وبهذا، فإن فعلية وجوب مثل هذا الواجب تجعل المكلف عاجزًا عن أداء أي عمل آخر ينافي أداء هذا الواجب؛ أي أن هذا المكلف غير قادر على امتثال التكليف الثاني. وعندما لا يملك المكلف القدرة على أداء التكليف المشروط بالقدرة، يجب القبول بأن ملاك مثل هذا الواجب لم يكتمل ووجوبه ليس فعليًا.
٣. ترجيح التكاليف التي ليس لها بدل طولي على التكاليف التي لها بدل طولي. على سبيل المثال، التيمم ليس في عرض الوضوء؛ بل في طوله. قد يتنافى الوضوء الواجب للصلاة مع حفظ نفس محترمة، بحيث يضطر المكلف إما أن يتوضأ بالماء القليل الذي لديه أو أن يحفظ تلك النفس المحترمة. في هذه الحالة، يجب على المكلف بحكم العقل أن يستخدم الماء الموجود للحفاظ على حياة ذلك الشخص المحترم وأن يصلي بالتيمم. وبهذه الطريقة، يكون قد أدرك كلاً من مصلحة الصلاة ومصلحة حفظ النفس المحترمة.
٤. السبق الزماني. مريض لا يستطيع صيام جميع أيام شهر رمضان ويستطيع فقط صيام يوم واحد بين أيام الصيام، إما أن يصوم الأيام الفردية من الشهر أو الأيام الزوجية. السؤال هو: في التزاحم بين صيام اليوم الأول وصيام اليوم الثاني من شهر رمضان، أيهما يجب تقديمه؟ أولئك الذين يعتبرون السبق الزماني مرجحًا، يجب أن يقدموا صيام اليوم الأول على صيام اليوم الثاني.
٥. تقدم الأهم على المهم. بعد بيان المرجحات الأربعة المذكورة، يميل المحقق النائيني نحو قانون الأهم والمهم ويصرح بأنه إذا لم يوجد أي من المرجحات الأربعة السابقة، فيجب اللجوء إلى قانون الأهم والمهم. قبله، في البيانات القصيرة التي ذُكرت لقانون الأهم والمهم، أشار بعض الأصوليين إلى أن أهمية الأهم ليست ظاهرة مطلقة وثابتة؛ بل قد تتغير تحت تأثير الظروف الزمانية والمكانية. (وحيد البهبهاني، ١٤٢٧، ص ١٧) كما يعتقد المحقق النائيني أن أهمية الأهم غالبًا ما تكون مبهمة ولا يوجد قاعدة كلية لإيجادها. لذا، يجب بالضرورة في كل مصداق من مصاديق التزاحم الرجوع إلى جميع خصوصيات كل من التكليفين المتزاحمين. (الخوئي، ١٣٥٢، ج ١، ص ٢٧٩) ومع ذلك، يحاول أحيانًا تقديم معيار أوضح لتمييز الأهم، مثلاً في موضع يصرح بأن إحدى طرق تمييز أهمية الأهم هي تناسب الحكم مع الموضوع. (الكاظمي، ١٣٧٦، ج ١، ص ٣٣٥)
آلية الخروج من التزاحم في فرض محتمل الأهمية
الحقيقة هي أن المكلف أحيانًا يتردد لأن الأمر دائر بين تكليفين، حيث يجد المكلف الأول إما مساويًا للثاني أو أفضل منه؛ في هذه الحالة، هل مجرد احتمال كون التكليف الأول أهم كافٍ لترجيحه على التكليف الثاني؟ مثلاً، لنفرض مكلفًا مترددًا بين تكليفين: أحدهما إنقاذ زيد العالم، والآخر إنقاذ عمرو الجاهل. لنفرض أننا نشك في أن مجرد علم زيد يوجب أهمية إنقاذه أم لا. بناءً على هذا، إنقاذ زيد العالم إما مساوٍ لإنقاذ عمرو الجاهل أو أهم منه. في هذه الحالة، من المحتمل أن يكون المكلف مترددًا بين تكليفين متساويين، كما أنه من المحتمل أن يكون مترددًا بين تكليف مهم وتكليف أهم.
بعض الأصوليين قبل النائيني كانوا يرون أنه في باب التزاحم يجب أن تكون أهمية الأهم محرزة بشكل قطعي، ولم يكونوا يعتبرون مجرد احتمال الأهمية كافيًا لتقديم محتمل الأهمية. (الرشتي، ١٣١٣، ص ٤٢٨؛ الهمداني، ١٤١٦، ج ١٢، ص ٣٢)، لكن النائيني طرح أيضًا بحث تقديم الحكم الذي يُحتمل أن يكون أهم.
فرض التزاحم بين حكم محتمل الأهمية وحكم مهم هو في الحقيقة شبهة مصداقية لـ«قاعدة ترجيح الأهم على المهم». القاعدة في مثل هذه الشبهات هي أنه إذا وجد إطلاق، يُعمل بذلك الإطلاق؛ وإلا يجب الرجوع إلى الأصول العملية. وبما أن مسألة أهمية المحتمل من موارد «الدوران بين التعيين والتخيير»، فبناءً على هذا، في فرض عدم وجود إطلاق، اعتبر البعض هذا الشك مجرى لأصل الاحتياط (الأنصاري، ١٤١٥، ص ١١٩)، والبعض الآخر مجرى لأصل البراءة. في الحالات التي يوجد فيها احتمال أهمية أحد الطرفين، يجب على القائلين بالتخيير الشرعي أن يدخلوا هذا الشك في مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير الشرعي، وإذا كانوا في تلك المسألة قائلين بالبراءة، فيجب أن يكونوا هنا أيضًا قائلين بالبراءة، وإذا كانوا قائلين بالاشتغال، فيجب أن يكونوا هنا أيضًا قائلين بالاشتغال. أما القائلون بالتخيير العقلي، حتى لو كانوا في مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير الشرعي قائلين بالبراءة، فيجب أن يكونوا هنا قائلين بالاشتغال. (الخوئي، ١٣٥٢، ج ١، ص ٢٧٩ و ٢٨٠)
يجب الانتباه إلى أن الحقيقة هي أنه في باب التزاحم يوجد دائمًا إطلاق، لأن طرفي التزاحم يجب أن يكون لهما إطلاق بالنسبة لفرض التزاحم. بناءً على هذا، لا تصل النوبة إلى الأصل العملي. سر أن أهمية الأهم، حتى لو كانت محتملة، يمكن أن توجب ترجيح أحد الحكمين المتزاحمين، ما هو؟ يرجع المحقق النائيني أصل تقديم حكم محتمل الأهمية إلى تقديم إطلاق الدليل الذي يستند إليه حكم محتمل الأهمية، لأننا هنا ليس لدينا يقين بتقييد إطلاق ذلك الدليل، فإذا كان هذا الدليل في الواقع أهم، فمن المؤكد أن إطلاقه سيبقى دون تقييد، وإذا كان في الواقع مساويًا، فسيُقيَّد إطلاقه. إذًا ليس لدينا يقين بتقييده، أما في الطرف المقابل فيحدث التقييد حتمًا، لأن الطرف المقابل إما مساوٍ أو مرجوح، وفي كلتا الحالتين يسقط إطلاقه. النتيجة هي أن إطلاق الدليل الذي يُحتمل أهميته يُقدَّم. (الخوئي، ١٣٥٢، ج ١، ص ٢٧٩)
النتيجة
قبل المحقق النائيني، في علم الفقه، كانت الفروع المبنية على باب التزاحم تُبحث. وفي علم أصول الفقه، حتى زمن الشيخ الأنصاري، كانوا يعرفون تنافي حكم شرعي مع حكم شرعي آخر في مقام الامتثال، لكنهم لم يكونوا يسمونه «تزاحمًا» ولم يكونوا يعتقدون أن تطبيق قانون الأهم والمهم في مثل هذه الفروع مسألة مهمة تحتاج إلى بحث أصولي. وبعبارة أخرى، كانوا يعتبرون الأهم والمهم مسألة بسيطة لا تستحق البحث المدرسي. الشيخ الأنصاري لأول مرة أطلق على هذا النوع من التنافي اسم باب التزاحم، وصرح بأن قانون الأهم والمهم مسألة مهمة وتحتاج إلى بحث أصولي. بعده، طرح المحقق الخراساني بحثًا قليل الحجم حول باب التزاحم، كانت نتيجته التشابه الكبير بين باب التزاحم وباب التعارض، ولهذا السبب سعى إلى تحديد الفرق بين باب التزاحم والتعارض. لكن المحقق النائيني هو أول شخص بحث هذه المسألة بعدة مقدمات وفي أربعة أضلاع: تعريف باب التزاحم، بحث التخيير في فرض عدم ترجيح أحد المتزاحمين على الآخر، بيان المرجحات، وبحث تقدم محتمل الأهمية. كانت هذه النظرة الجامعة مبنية على هذه المقدمة التصديقية المهمة وهي أن الأحكام تُنشأ على نحو القضايا الحقيقية، وفي مقام الامتثال تكون فعليتها منوطة بقدرة المكلف. الأهم من كل هذا هو أن المحقق النائيني أوجد تناسبًا وتناسقًا مقبولاً بين أجزاء هذه النظرية، ورتب هذه الأجزاء بطريقة تظهر كجذور وساق وأغصان شجرة، وفي هيئة نظرية جامعة ومنسجمة. مثل هذه النظرة إلى باب التزاحم تجعلنا نعتبره مبتكر النظرية الجامعة للتزاحم.
المصادر
القرآن الكريم
١. الآملي، محمد تقي (١٤١٣هـ). المكاسب والبيع. تقرير أبحاث الأستاذ الأعظم الميرزا النائيني. الطبعة الأولى. قم: دفتر انتشارات إسلامي التابع لجامعة مدرّسي الحوزة العلمية بقم.
٢. ابن سيده، علي بن إسماعيل (١٤٢١هـ). المحكم والمحيط الأعظم. الطبعة الأولى. بيروت: دار الكتب العلمية.
٣. ابن فارس، أبو الحسن (١٤٠٤هـ). معجم مقاييس اللغة. الطبعة الأولى. قم: انتشارات دفتر تبليغات إسلامي التابع للحوزة العلمية بقم.
٤. ابن منظور، أبو الفضل (١٤٠٤هـ). لسان العرب. الطبعة الثالثة. بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ودار صادر، بيروت.
٥. الأزهري، محمد بن أحمد (١٤٢١هـ). تهذيب اللغة. الطبعة الأولى. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
٦. الأنصاري، مرتضى (١٤١٩هـ). فرائد الأصول. الطبعة الأولى. قم: مجمع الفكر الإسلامي.
٧. الأنصاري، مرتضى (١٤٢٦هـ). الفوائد الأصولية. الطبعة الأولى. طهران: شمس تبريزي.
٨. الأنصاري، مرتضى (١٣٨٣هـ.ش). مطارح الأنظار. الطبعة الثانية. قم: مجمع الفكر الإسلامي.
٩. الأنصاري، مرتضى (١٤١٥هـ). حاشية الاستصحاب. قم: انتشارات باقري.
١٠. الحكيم، محسن (١٤٠٨هـ). حقائق الأصول. الطبعة الخامسة. قم: مكتبة بصيرتي.
١١. الحكيم، عبد الصاحب (١٤١٨هـ). منتقى الأصول. تقريرات الروحاني. الطبعة الأولى. قم: مكتب آية الله السيد محمد حسيني روحاني.
١٢. الحكيم، عبد الصاحب (١٤١٩هـ). المرتقى إلى الفقه الأرقى كتاب الحج. الطبعة الأولى. طهران: مؤسسة الجليل للتحقيقات الثقافية (دار الجلي).
١٣. الحلي، حسين (١٤٣٢هـ). أصول الفقه. الطبعة الأولى. قم: مكتبة الفقه والأصول المختصة.
١٤. الخراساني، محمد كاظم (١٤٠٩هـ). كفاية الأصول. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام.
١٥. الخميني، روح الله (١٤١٥هـ). أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية. الطبعة الثانية. طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.
١٦. الخوانساري، موسى بن محمد (١٣٧٣هـ.ش). منية الطالب في حاشية المكاسب. تقرير النائيني. الطبعة الأولى. طهران: المكتبة المحمدية.
١٧. الخوئي، أبو القاسم (١٣٥٢هـ.ش). أجود التقريرات. تقرير النائيني. الطبعة الأولى. قم: مطبعة عرفان.
١٨. الخوئي، أبو القاسم (١٤١٨هـ). موسوعة الإمام الخوئي. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي.
١٩. الزبيدي، مرتضى (١٤١٤هـ). تاج العروس من جواهر القاموس. الطبعة الأولى. بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
٢٠. الزمخشري، محمود بن عمر (١٣٨٦هـ.ش). مقدمة الأدب. الطبعة الأولى. طهران: مؤسسة الدراسات الإسلامية بجامعة طهران.
٢١. الرشتي، ميرزا حبيب الله (١٣١٣هـ). بدائع الأفكار. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة آل البيت.
٢٢. الطباطبائي، محمد كاظم (١٤١٩هـ). العروة الوثقى (المحشى). الطبعة الأولى. قم: دفتر انتشارات إسلامي التابع لجامعة مدرّسي الحوزة العلمية بقم.
٢٣. العاملي، زين الدين بن علي (١٤١٠هـ). الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية. الطبعة الأولى. قم: مكتبة داوري.
٢٤. عبد الساتر، حسن (١٤١٧هـ). بحوث في علم الأصول. تقرير الشهيد الصدر. الطبعة الأولى. بيروت: الدار الإسلامية.
٢٥. الفراهيدي، خليل بن أحمد (١٤١٠هـ). كتاب العين. الطبعة الثانية. قم: نشر هجرت.
٢٦. الفياض، محمد إسحاق (١٤١٧هـ). محاضرات في علم الأصول، تقريرات السيد الخوئي. الطبعة الرابعة. قم: دار الهادي للمطبوعات.
٢٧. الفيروزآبادي، سيد محمد (١٤١٨هـ). عناية الأصول. الطبعة الأولى. قم: فيروزآبادي.
٢٨. الكاظمي، محمد علي (١٣٧٦هـ.ش). فوائد الأصول. تقريرات النائيني. الطبعة الأولى. قم: جامعة مدرّسي الحوزة العلمية بقم.
٢٩. الميرزاي القمي، أبو القاسم (١٤٣٠هـ). القوانين المحكمة في الأصول. إحياء الكتب الإسلامية. الطبعة الأولى. قم: إحياء الكتب الإسلامية.
٣٠. واعظ حسيني بهسودي، محمد سرور (١٤١٧هـ). مصباح الأصول (مباحث حجج وأمارات). تقرير الخوئي. الطبعة الخامسة. قم: مكتبة الداوري.
٣١. وحيد البهبهاني، محمد باقر (١٤٢٦هـ). حاشية الوافي. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة العلامة المجدد الوحيد البهبهاني.
٣٢. الهاشمي الشاهرودي، محمود (١٤١٧هـ). بحوث في علم الأصول. الطبعة الثالثة. قم: مؤسسة دائرة المعارف.
٣٣. الهاشمي الشاهرودي، محمود (١٤٣١هـ). أضواء وآراء، تعليقات على كتابنا بحوث في علم الأصول. قم: الطبعة الأولى. مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي.
٣٤. الهاشمي الشاهرودي، علي (١٤١٩هـ). دراسات في أصول الفقه، تقرير السيد الخوئي. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي.
٣٥. الهمداني، رضا (١٤١٦هـ). مصباح الفقيه. الطبعة الأولى. قم: المؤسسة الجعفرية لإحياء التراث ومؤسسة النشر الإسلامي.