ملخص
يعد بحث فهم المشهور من النصوص أحد أهم الأمور التي يوليها الفقهاء اهتمامًا في مباحثهم ويتمسكون بها في عملية الاستنباط؛ وذلك ببيان أنه إذا كان فهم المشهور من النص مختلفًا عن فهم المجتهد، فهل يمكن لفهم المشهور ورأيه أن يكون مانعًا من حجية فهم المجتهد؟ في هذا البحث، تم السعي للإجابة على هذا السؤال الهام باستخدام المنهج الوصفي التحليلي والاستعانة بالمصادر المكتبية. ولهذا الغرض، تم أولاً بيان وتحليل أدلة حجية الظهور، وبحث شمولها لفرض إعراض المشهور عن فهم المجتهد، ثم تم بحث حجية فهم المجتهد في فرض مخالفة المشهور بواسطة أدلة اليقين، والاطمئنان، والانسداد، وسيرة العقلاء، وسيرة المتشرعة، والروايات، والآيات. وفي الختام، تم تمييز موارد حجية فهم المجتهد عن موارد عدم حجيته.
مقدمة
يعد البحث في حجية الظواهر ومداها من أهم المسائل وأكثرها تطبيقًا في علم أصول الفقه. إن الأدلة التي يتمسك بها ويستدل بها في الاستنباطات الفقهية هي في الغالب أدلة لفظية مبنية على الظواهر، ونسبة قليلة فقط من الأدلة تكون ذات دلالة قطعية ومن نوع النص. والالتفات إلى هذا الأمر يوضح مدى أهمية البحث في حجية الظهورات.
في هذا المقال، يتم تناول جزء من المباحث الهامة حول تحديد نطاق حجية استظهارات المجتهد، وتبيين العلاقة بين فهم المجتهد وفهم سائر المجتهدين وتأثيرات ذلك. وتوضيح ذلك أنه في كثير من الموارد، يكون ما هو مقطوع به أو محل اطمئنان أو استظهار لدى المجتهد، مختلفًا عن استنباط سائر المجتهدين. هذا الاختلاف في الفهم والاستظهار له صورتان: الصورة الأولى هي أن الآخرين يخطّئون استنباط هذا المجتهد وينكرون مثل هذا الاستظهار والاستنباط. والصورة الثانية هي عكس الصورة السابقة، بأن لا يقبل المجتهد المستنبط فهم الآخرين.
في الفرض الأول، يطرح هذا السؤال: رغم أن استظهار المجتهد حجة في نفسه، فهل يمكن لإنكار الآخرين وإعراضهم عن هذا الفهم أن يكون مانعًا من حجية استظهار المجتهد؟ بعبارة أخرى، هل يؤدي إعراض الآخرين إلى زوال حجية استظهار المجتهد؟ ويجدر بالذكر أنه في فرض قبول عدم حجية استظهار المجتهد في موارد المخالفة مع فهم المشهور، يطرح سؤال آخر وهو: هل يمكن الاعتماد على فهم واستنباط الآخرين، والتمسك به لجبران ضعف الدلالة؟ هذا التحقيق لا يسعى للإجابة على هذا السؤال، بل يُحال بحثه إلى مقال مستقل آخر.
هذا البحث كان حاضرًا في أذهان الفقهاء بشكل ارتكازي، وكل فقيه قد أبدى رأيًا فيه خلال المباحث الفقهية، وفقًا للمبنى الذي اختاره؛ لكن لم يتم بحثه بشكل مستقل في هذا المجال حتى الآن.
تبيين القاعدة
قد يكون فهم واستظهار المجتهد موافقًا للمشهور أو مخالفًا له. وفي صورة الموافقة، يوجد احتمالان:
1. الموافقة في الاستظهار.
2. الموافقة في عدم الاستظهار (عدم الاستظهار بمعنى نفي الظهور في معنى معين).
فيما يتعلق بالاحتمالين المطروحين في الفرض الأول (الموافقة مع المشهور في الاستظهار وعدم الاستظهار)، يجب القول إنه وفقًا لهذا الفرض، يكون الاستظهار الحاصل موافقًا لاستظهار المشهور، أو إذا لم يُستظهر أمر ما ولم يُشخّص ظهور النص في معنى أو نُفي ظهوره، فإن المشهور أيضًا لم يستظهره ونفى ظهوره.
في الصورة الأولى من فرض الموافقة مع المشهور، يكون ظهور النص لدى المستظهِر تامًا وواضحًا، وبعد الاستظهار وتمامية الحجية، يُعتبر فهم واستظهار المشهور مؤيدًا وتأكيدًا، ولا مجال للبحث والإشكال.
وكذلك في الصورة الثانية من فروض الموافقة مع المشهور، ينكر كلاهما ظهورًا معينًا ولا يوجد دليل على حجية ظهور متوهم. في هذه الحالة أيضًا، لا يبدو أن هناك مجالًا للإشكال.
الفرض الثاني (مخالفة فهم المشهور) له ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يُعتبر استظهار المشهور غير صائب، ويرى المجتهد أن النص المعني لا ظهور له في مدعى المشهور.
الصورة الثانية: عكس الصورة الأولى. أي أن استظهار المجتهد قد نُفي من قبل المشهور، ويرى المشهور أن النص المستظهَر فاقد للظهور في مدعى المجتهد.
الصورة الثالثة: أن يستظهر كل من المشهور والمجتهد أمرًا ينفي الآخر. (الصورة الثالثة هي تركيب من الصورتين السابقتين؛ أي يوجد تنافٍ ثنائي بين استظهار المجتهد والمشهور. على عكس الفروض السابقة حيث كانت المخالفة والتنافي من جانب واحد فقط). وبما أنه من خلال دراسة الصورتين السابقتين يتضح حكم هذه الصورة أيضًا، فلا ضرورة لبحث هذه الصورة بشكل مستقل.
لقد بُحثت الصورة الأولى في موارد قليلة وفي كتب أصول الفقه أو في ثنايا كتب الفقه تحت عنوان ‘جبران ضعف دلالة الرواية بعمل المشهور’. (العاملي، 1419، ج10، ص159؛ التبريزي، 1369، ص419؛ الرشتي، 1401، ج1، ص232؛ المامقاني، 1316، ج1، ص31؛ الشهيدي، 1375، ج2، ص357؛ الخوئي، 1418، ج12، ص435). والمقصود هو أنه إذا لم تكن دلالة رواية ما تامة عند المجتهد، ولم يقبل بظهور النص في المعنى الذي استظهره المشهور، فهل يكون استظهار المشهور جابرًا لضعف الدلالة أم لا؟
كذلك العنوان الذي ذُكر للصورة الثانية هو ‘تضعيف أو وهن دلالة الرواية بإعراض المشهور’ (الاشتهاردي، 1417، ج29، ص339؛ الخلخالي، 1427، ج2، ص107؛ الميلاني، 1395، ص186)؛ بمعنى أنه إذا كانت دلالة الرواية على أمر ما تامة عند المجتهد، ورأى المجتهد أن الرواية ظاهرة في معنى ما، بينما كان للمشهور استنباط مختلف عن استنباط المجتهد، فهل هذا الاختلاف في الاستظهار يؤدي إلى زوال حجية استظهار المجتهد أم لا؟ بحثنا في هذا التحقيق يتعلق بالصورة الأخيرة، أي تضعيف ووهن دلالة الرواية بإعراض المشهور.
وتجدر الإشارة إلى أن الأصوليين قد طرحوا مباحث في كتبهم حول جبران ضعف سند الرواية بعمل المشهور وتضعيفه بإعراض المشهور (الآخوند الخراساني، 1409، ص332)؛ ولكن يجب العلم أن هذه الموضوعات تختلف عن موضوع بحثنا الحالي؛ لأن الموضوع الرئيسي في بحث جبران أو تضعيف السند هو إثبات حجية أو وهن وتضعيف سند الرواية بعمل أو إعراض المشهور؛ أما في بحثنا الحالي، فإن حجية سند الرواية (الصدور) مفروضة ومسلم بها، والبحث في ناحية الدلالة، حيث يُدرس ارتباط الحجية بالإعراض أو عمل المشهور؛ أي أن الذين يتعبدون بظهور الكلام تمسكًا بفهم المشهور، يجب عليهم إثبات سند وجهة صدور الرواية من طريق آخر، والذين يتخلون عن حجية استظهارهم بسبب إعراض المشهور، لا يزال بإمكانهم التعبد بصدور الرواية.
منهج البحث
بناءً على ما سبق، ما يجب بحثه هو: هل لمخالفة المشهور مع فهم المجتهد تأثير في شمولية أدلة حجية الظواهر بالنسبة للمورد، أم لا؟ بعبارة أخرى، على الرغم من أن استظهار الفقيه في حد ذاته وبدون النظر إلى مخالفة المشهور مشمول بأدلة حجية الظواهر؛ إلا أنه في موارد المخالفة، يجب البحث فيما إذا كانت هذه الأدلة تشمل موارد المخالفة مع المشهور وتتحمل المقاومة أمامه أم لا.
نظرًا لهذا الأمر، لا بد أولاً من دراسة أدلة حجية الظواهر وشموليتها بالنسبة لموارد مخالفة المشهور.
ومن الضروري التذكير بأنه في فرض سقوط حجية استظهار المجتهد بسبب مخالفته لاستظهار المشهور، يجب أيضًا بحث هذا الموضوع، وهو أنه في موارد عدم حجية استظهار المجتهد بسبب المخالفة مع المشهور، هل يكون فهم المشهور حجة في حق المجتهد، ويمكن للفقيه أن يستند في حكمه إلى هذا الاستظهار أم لا؟ هذه المسألة خارجة عن موضوع بحثنا الحالي، وترتبط أكثر بموضوع جبران ضعف الدلالة بواسطة فهم المشهور.
أدلة حجية الظواهر
في علم الأصول، أقيمت أدلة متعددة على حجية الظواهر، والتي سيتم بحثها فيما يلي بشكل مستقل ومختصر. وكما ذُكر، فإن ضرورة بحث أدلة حجية الظواهر تأتي من وجوب تحقيق ودراسة مدى حجية هذه الأدلة بالنسبة لموارد المخالفة مع المشهور.
اليقين
حجية القطع والعلم واليقين من مسلمات علم أصول الفقه. وبما أن القطع واليقين هما الحجتان الذاتيتان الوحيدتان، فلا بد أن تنتهي سائر الحجج إلى اليقين والقطع. (الآخوند الخراساني، 1409، ص 258؛ الأنصاري، 1428، ج1، ص29). على هذا الأساس، ما دام اليقين موجودًا، فإن حجيته ذاتية ولا يتصور وجه لعدم حجيته. ولهذا السبب، إذا كان المجتهد متيقنًا من استظهاره وحجيته، فلا يمكن لأي قرينة أو شاهد، بما في ذلك إعراض المشهور، أن يمنع حجيته. بالطبع، قد يؤدي أمر مثل إعراض المشهور إلى اضمحلال اليقين وإزالته، وفي هذه الحالة لا يبقى موضوع للحجية.
بالنسبة لموضوع البحث، يجب القول إنه في فرض عدم مخالفة المشهور، يكون لدى المجتهد يقين بحجية الاستظهار؛ ولكن هل يبقى هذا اليقين بعد فرض المخالفة؟ يجب العلم أن الاستظهار يكون حجة عندما تثبت حجيته في مقامين:
1. أن تكون كبرى بحث حجية الظواهر ثابتة، وقد أقيم عليها الدليل والحجة.
2. من الناحية الصغروية أيضًا، يجب بحث صغرى المسألة وتحديد ما إذا كان هناك مصداق لكبرى حجية الظواهر أم لا.
في بحث الكبرى، يُقال إن الفهم والاستنباط العرفي من كلام في عصر صدور اللفظ حجة، إما بسبب اليقين أو لوجود سيرة العقلاء. وفي مورد الصغرى، يُبحث كيف يمكن كشف الفهم والاستنباط العرفي من هذا الكلام الخاص في عصر صدور النص.
بناءً على ما تقدم كمقدمة، بالنسبة لمسألة اليقين كأحد أدلة حجية الظواهر، يجب الآن بحث ما إذا كان إعراض المشهور يمكن أن يكون مانعًا من أي من الجانبين الصغروي والكبروي.
في الإجابة، يجب القول إنه في حالة قبول مانعية إعراض المشهور، فإنه سيؤثر على الجانب الأول، أي صغرى الظهور؛ فبما أن موضوع الحجية هو الفهم والاستنباط العرفي في زمن صدور النص، فإن إعراض المشهور عن فهم النص واستظهار المجتهد قد يواجه إحراز الصغرى بإشكال؛ أي في فرض إعراض المشهور، لا يمكن بعد ذلك إحراز ما كان عليه الفهم العرفي في زمن الصدور.
أما بالنسبة للجانب الثاني المتعلق ببحث كبرى الحجية (مع فرض إحراز أن الفهم العرفي في زمن صدور النص كان مطابقًا لرأي المجتهد، وأن المجتهد يرى أن المشهور قد أخطأ)، فيجب القول إنه لا يوجد وجه لعدم الحجية. بعبارة أخرى، إذا كان دليل حجية الظهور هو القطع واليقين، فإن إعراض المشهور يؤثر فقط على إحراز صغرى الظهور، ويمكن أن يواجهه بمشكلة.
النتيجة النهائية هي أنه إذا كان المجتهد بعد اطلاعه على مخالفة المشهور بشأن استظهاره، لا يزال قاطعًا ومتيقنًا من استظهاره، فإن استظهاره حجة، ولا اعتبار لمخالفة المشهور ولا أثر لها؛ أما إذا أدى إعراض المشهور وإنكار ظهور النص إلى زوال اليقين والقطع بالدلالة، وشك المجتهد في أن النص المعني كان له ظهور في المطلوب في زمن صدوره، فعندئذ لا يبقى موضوع للحجية.
موضوع اليقين النوعي هو أمر آخر يجب بحثه ودراسته. إذا كان المجتهد فاقدًا لليقين الشخصي، وكان اليقين يصدق في حقه فقط بشكل نوعي؛ أي أن الأمر المعني يكون موجبًا لليقين نوعًا للأفراد، فهل هو حجة لمن يفتقر إلى اليقين الشخصي أم لا؟
سيرة العقلاء هي الدليل الوحيد الذي يمكن إقامته على حجية اليقين النوعي. فإذا كانت سيرة العقلاء قائمة على حجية اليقين النوعي ولم يوجد ردع من الشارع بشأن هذه السيرة، فإن حجية اليقين النوعي ستكون قابلة للإثبات.
يعتقد الكاتب أن دليل حجية اليقين النوعي تام وهو حجة كاليقين الشخصي؛ بالطبع يوجد فرق بين اليقين الشخصي والنوعي، وهو أن الحجية في اليقين الشخصي ذاتية ولا يدخل فيها أي جعل، بخلاف اليقين النوعي الذي تكون حجيته بجعل الشارع، وهذا الجعل يُكتشف من خلال عدم ردع سيرة العقلاء من قبل الشارع. اكتشاف رضا الشارع وجعله من هذا السكوت يمكن طرحه بصور مختلفة؛ مثلاً، أن هذه السيرة كانت بمرأى ومسمع من الشارع، وبالنظر إلى اتساع هذه السيرة، فإن سكوت الشارع في فرض عدم الرضا يُعتبر نقضًا للغرض.
(1. حول حجية اليقين النوعي، انظر: الخوئي، 1422، ج1، ص240؛ الإجتهادي، 1400، ج2، ص171؛ الحسيني الشيرازي، 1427، ج2، ص152).
الاطمئنان
إن بحث كبرى دليل حجية الاطمئنان في حجيته للظواهر أمر ضروري؛ بخلاف اليقين الذي حجيته ذاتية. وفي هذا الصدد، يجب العلم بأن الاطمئنان حجة عند مشهور الأصوليين. ودليل حجية الاطمئنان هو سيرة العقلاء التي أقرها وأمضاها الشارع بعدم الردع. (روحاني، 1413، ج4، ص32؛ الخميني، 1423، ج2، ص17 و87؛ القمي، ص42).
حجية الاطمئنان وبحث حدوده وثغوره يتطلب بحثًا مفصلاً ومستقلاً لا يتسع له هذا المقال؛ ولكن من الضروري ذكر أن الاطمئنان ينقسم إلى قسمين: شخصي ونوعي. وقد فرّق بعض الأصوليين في حجية القسمين المذكورين وقائلون بالتفصيل. (الخوئي، 1417، ج1، ص279).
أما بالنسبة لكبرى المسألة، أي حجية الاطمئنان، فيجب القول إن كلا قسمي الاطمئنان حجة، ودليلهما سيرة العقلاء التي لم يردع عنها الشارع. وبالطبع، الموارد التي يحصل فيها الشخص على الاطمئنان بشكل غير متعارف، ويُصطلح عليه بسريع الاطمئنان، تخرج عن النطاق العرفي لحجية الاطمئنان. كما أن الوسواس والشك غير العقلائي في موارد الحصول العرفي والعقلائي على الاطمئنان، لن يكون لهما أثر في حجية وصحة التمسك بالاطمئنان.
كل ما ورد في قسم اليقين (اليقين بالصغرى واليقين بالكبرى) يجري في هذا القسم أيضًا؛ أي أن إعراض المشهور يمكن أن يزيل اطمئنان المجتهد بظهور واستظهار نفسه ويرفع موضوع الحجية.
النقطة الوحيدة التي تختلف عن مسألة اليقين في مورد الاطمئنان هي أنه إذا بقي اطمئنان المجتهد حتى بعد إعراض المشهور، ولكن لم يكن هذا الاطمئنان عرفيًا، فلا يمكن القول إن هذا الاطمئنان حجة. وتوضيح ذلك أن حجية الاطمئنان، بخلاف اليقين، ليست ذاتية، وكما ذُكر، دليل حجيته هو السيرة. وبناءً على ذلك، الموارد التي يكون فيها اطمئنان المجتهد غير عقلائي وغير عرفي، لا يوجد دليل على حجية هذا الاطمئنان.
بالنسبة لبحث الظهور أيضًا، يُعتبر إعراض المشهور قرينة عرفية وعقلائية، بحيث لا يكون الاطمئنان بخلافه عقلائيًا. ولهذا السبب، فإن هذا الاطمئنان فاقد للحجية؛ بالطبع، سيُبيَّن في نهاية المباحث وفي قسم التعميق أن موارد اختلاف استنباط المجتهد عن المشهور مختلفة، وفي الفرض الذي يخطّئ فيه المجتهد المشهور باستنباط عرفي موجه، يكون اطمئنانه حجة.
الانسداد
من الأدلة التي يمكن إقامتها على حجية الظواهر، دليل الانسداد. في بحث الانسداد، قد يكون المراد من الحجية خصوص الظواهر (الانسداد الصغير) أو مطلق الظنون (الانسداد الكبير). على أي حال، يمكن التمسك بالظن الحاصل من الظواهر وفقًا لمقدمات الانسداد وفي فرض عدم حصول علم أو علمي بالنسبة لأحكام الشريعة.
مع حفظ هذا التوضيح، يجب القول في موضوع البحث إنه إذا كان إعراض المشهور سببًا في زوال الظن الحاصل من الظواهر، فلن يبقى موضوع للحجية؛ أما إذا لم يكن من حيث القوة بالحد الذي يتمكن من إزالة الظن الحاصل من الظواهر، فإن الظن الحاصل من الظواهر يبقى على حجيته.
وجدير بالذكر أن بقاء أو زوال الظن الحاصل من الظواهر يختلف باختلاف الموارد، وسيكون مختلفًا بالنظر إلى الظهور نفسه وكيفية الإعراض.
فيما يتعلق بالجانب الكبروي للموضوع، وأن إعراض المشهور يمكن أن يسقط الحجية، فإن المسألة تكون على هذا النحو: إذا كان دليل حجية الظواهر هو الانسداد، فإن ما يُستفاد من مقدمات الانسداد هو أن العقل، إما بحكمه الخاص أو بكشفه عن حكم الشارع، يثبت حجية الظنون؛ ولكن دائرة حكم أو كشف العقل محدودة بالمقدار الذي تقتضيه المقدمات؛ أي المقدار الذي يحل مشكلة انسداد باب العلم والعلمي.
وعليه، فإن الظنون تكون حجة على نحو الأقوى فالأقوى. والآن إذا وُجد ظهور كان موردًا للإعراض، فيجب أن نرى هل يقع في دائرة الحجية أم لا؟ إذن، كل القضية تكمن في مشاهدة دليل الانسداد لمعرفة مقدار ما يقتضيه من الحجية.
سيرة العقلاء
تُطرح سيرة العقلاء كأهم دليل على حجية الظواهر. (الخوئي، 1422، ج2، ص117؛ الصدر، 1417، ج4، ص249؛ الخميني، 1423، ج2، ص163). في حالة عدم الردع من جانب الشارع، لا إشكال في كبرى حجية السيرة. وصغراها أيضًا تُقرّب على هذا النحو: أن السيرة قائمة على التمسك بالظواهر في جميع شؤون الحياة، خاصة في العلاقات بين العبيد والموالي، وكذلك في جميع الموارد التي يُطرح فيها بحث الاحتجاج.
بالنسبة لما نحن فيه، يجب البحث هل تشمل سيرة العقلاء الموارد التي يكون فيها استظهار المجتهد مخالفًا لرأي المشهور أم لا؟ قد يُدّعى أنه إذا كان للمجتهد استظهار يخالف رأي المشهور، فإن العرف والعقلاء لا يعتبرون هذا الاستظهار حجة في حقه، ويذمّون استبداده بالرأي، ولا يعتبرون استنباط المجتهد معذِّرًا ومنجِّزًا. بعبارة أخرى، ما يُعتبر حجة في السيرة هو الاستظهارات النوعية.
لتوضيح كيفية حجية الاستظهار في السيرة، يمكن دراسة الوقفيات والوصايا. إذا كان لشخص استنباط خاص من عبارة يخالف استظهار وفهم النوع، بحيث لا يُعتبر استنباطه صحيحًا نوعًا، فإنه في نظر العقلاء ملزم بالرعاية والعمل بناءً على فهم واستظهار الأكثرية.
إن ملاحظة المباني في حجية الظواهر لنقد ودراسة هذا الدليل تبدو ضرورية. على هذا الأساس، على الرغم من عدم وجود تردد في كبرى السيرة في حالة عدم الردع من جانب الشارع بالنسبة لحجية الظواهر، إلا أن هناك مبانٍ مختلفة في بحث حجية الظواهر تنشأ من الاختلاف في تفسير السيرة.
في حجية الظهور، يمكن تصور وجوه تكون فيها الحجية مشروطة بأمر ما. هذه الموارد هي: اشتراط الحجية بالوثوق والاطمئنان الشخصي، اشتراطها بالوثوق والاطمئنان النوعي، اشتراطها بالظن الشخصي، اشتراطها بالظن النوعي، اشتراطها بعدم الظن الشخصي بالخلاف، اشتراطها بعدم الظن النوعي بالخلاف (مع الأخذ في الاعتبار أن حجية الاطمئنان ثابتة، فإن اشتراط الظهور بعدم الاطمئنان بالخلاف واضح، ولهذا السبب لم يُذكر ضمن الموارد المذكورة). المباني المذكورة لها تأثير كبير على البحث الجاري في هذا المقال.
يعتقد البعض، مثل الآخوند الخراساني، أن الظواهر حجة بشكل مطلق. ويشمل هذا الإطلاق الموارد التي يوجد فيها ظن بالخلاف. (الآخوند الخراساني، 1409، ص 281). هذا في حين يعتقد المحقق النائيني أنه يجب التفصيل بين مقام الاحتجاج والأغراض الشخصية. وبناءً على ذلك، فإن وجود ظن غير معتبر بالخلاف في مقام الاحتجاج لا ينفي الحجية. (النائيني، 1352، ج2، ص94).
ويعتقد البعض أن الظواهر تكون حجة فقط في حالة حصول الاطمئنان. (الشبیري الزنجاني، 1419، ج20، ص6340). وفي رأي بعض الأصوليين، المراد من حصول الاطمئنان هو القسم النوعي. (المنتظري، 1409، ج3، ص395؛ الشبیري الزنجاني، 1419، ج11، ص4027). مبنى هذا القول هو أن العقلاء في حالة عدم حصول الاطمئنان بالظهور لا يعتبرونه حجة، ويعملون بالظواهر فقط إذا كانت باعثة على الاطمئنان. والنقطة الهامة في هذه النظرية هي رجوع سيرة العقلاء في العمل بالظواهر إلى الاطمئنان، وهو ما تم بيانه بالتفصيل في المباحث السابقة.
(1. انظر: النائيني، فوائد الأصول، ج3، ص195).
التحقيق والقول الصحيح في المسألة هو أن الملاك في مقام الاحتجاج (المعذرية والمنجزية) هو الفهم العقلائي. وبناءً على ذلك، فإن فهم واستظهار المجتهد في حالة تخطئته من قبل العقلاء وعدم وجود حجة أخرى مثل القطع، فإن مثل هذا الاستظهار والفهم يكون فاقدًا للحجية. والنقطة هي أن موارد الإعراض مختلفة، وكما سيأتي في بحث التعميق، إذا خطّأ الشخص رأي المشهور بقرائن عرفية، فإن استظهاره يكون حجة، وفي غير هذه الصورة، لن يكون هناك وجه لحجية هذا الاستظهار.
سيرة المتشرعة
سيرة المتشرعة دليل آخر يُستند إليه في حجية الظهورات. يعتقد البعض، مثل الشهيد الصدر، أن عمل علماء زمن المعصومين (ع) بالظواهر قطعي؛ لأنه في حالة عدم وجود مثل هذا البناء من قبل علماء زمن المعصومين (ع) واستخدام قواعد أخرى في مقام استنباط الحكم الشرعي، لكان هذا الأمر قد بُيِّن قطعًا وانتقل إلى الأجيال الأخرى؛ بينما لم يحدث ذلك فحسب، بل العكس هو الصحيح، وقد قبل جميع العلماء في جميع العصور حجية الظواهر، ولم يشكك أحد في حجيتها.
من الجدير بالذكر أنه لا يوجد مجال لطرح هذا التوهم بأنه في معظم الموارد كان يُحصل على الاطمئنان من الظواهر؛ لأنه بسبب احتمال المجاز والتقدير والتقية والاعتماد على القرائن المنفصلة وغيرها، فإن معظم مراتب الظهور لن تكون باعثة على الاطمئنان. (الصدر، 1417، ج4، ص249).
بالبحث والتحقيق في المسألة، يتضح أن فصل هذه السيرة عن سيرة العقلاء واعتبارها دليلاً مستقلاً ليس أمرًا محرزًا ولا يبدو صحيحًا. على هذا الأساس، ترجع سيرة المتشرعة إلى سيرة العقلاء؛ مع هذا الفارق أنه عندما يُشاهد العمل بالظواهر بشكل واسع بين المتشرعة، يُحصل على القطع برضا الشارع بالعمل بالظواهر.
الروايات والآيات
تم التمسك بمجموعة من الآيات والروايات لإثبات حجية الظواهر، ومن الواضح أنه لتجنب إشكال الدور في الاستناد إلى هذه الأدلة، يجب أن تكون الآيات والروايات المستند إليها إما نصًا أو باعثة على الاطمئنان؛ بالطبع، تعدد هذه الأدلة يصل إلى حد يُحصل منه على الوثوق والاطمئنان. وفيما يلي يتم دراسة بعض هذه الأدلة.
في صحيحة زرارة، لإثبات عدم وجوب مسح تمام الرأس والقدمين، تم التمسك بظاهر الآية الشريفة (الكليني، 1407، ج3، ص30)؛ على الرغم من وجود اختلاف في وجه دلالة حرف ‘الباء’ في الآية الشريفة بالنسبة للحكم المذكور في الرواية (عدم لزوم مسح تمام الرأس والقدمين)؛ ولكن على أي حال، من الواضح جدًا أن الإمام (ع) في هذه الرواية تمسك بظاهر القرآن الكريم. ومن الواضح تمامًا أن الآية الشريفة ليست نصًا في المطلوب، بل هي مجرد ظهور.
صحيحة عبد الله بن سنان، رواية أخرى تم التمسك بها في هذا المجال. في هذه الرواية، استند حكم كيفية قراءة إمام الجماعة إلى آية من القرآن الكريم. (الكليني، 1407، ج3، ص317).
رواية عبد الأعلى، هي الرواية الثالثة في إثبات حجية الظواهر. هذه الرواية تتعلق بوضوء الجبيرة. وقد بيّن الإمام (ع) في هذه الرواية بوضوح أن مثل هذه الأحكام تُستفاد من القرآن الكريم. (الكليني، 1407، ج3، ص33).
آخر رواية هي صحيحة محمد بن مسلم. في هذه الرواية، استُند في حكم حرمة الزواج من ابنة جارية أعتقها شخص إلى آيات من القرآن الكريم. (الحر العاملي، 1409، ج20، ص458).
دراسة ونقد
في حال كان مستند حجية الظواهر هو الآيات والروايات التي تأمر بالعمل بالظواهر وتؤاخذ على ترك العمل بها، فإن التحقيق هو أن ظاهر هذه الأدلة هو لزوم العمل بالظواهر في الموارد التي توجد فيها السيرة. بعبارة أخرى، هذه الأدلة هي تأييد وإمضاء للسيرة. على هذا الأساس، تتكرر جميع المباحث السابقة.
ولكن إذا اعتُبر العمل بالظواهر أمرًا تعبديًا، وحتى في المواضع التي لا تعمل بها السيرة، اعتُبر العمل بالظواهر لازمًا، ففي هذه الحالة يجب العمل بالظواهر تعبدًا. وهذا اللزوم بالعمل يجري حتى في موارد إعراض المشهور. فقط إذا حصل في مورد ما اطمئنان بالخطأ والخلاف، ففي هذه الحالة يحدث تنافٍ بين الاطمئنان وظاهر الدليل، يجب رفعه.
أما بالنسبة للروايات المذكورة، فإن ما يبدو صحيحًا هو أن جميع هذه الروايات هي إمضاء للسيرة ولا تدل على أكثر من ذلك؛ بالطبع، تعتبر هذه الروايات شاهدًا جيدًا على عدم لزوم وجود الاطمئنان لحجية الظواهر.
العلم الإجمالي
دليل آخر يمكن إقامته على وهن وتضعيف دلالة الرواية بمخالفة المشهور هو القول بوجود علم إجمالي بأنه ضمن الروايات التي يعتقد المجتهد، خلافًا للمشهور، بتمامية دلالتها، ويعتقد المشهور بعدم تمامية دلالتها، توجد موارد لم يكن لها ظهور تام وقت صدور النص. بعبارة أخرى، يوجد علم إجمالي بأن استظهار وفهم المشهور صحيح في بعض الموارد، وأن فهم واستظهار المجتهد خاطئ، وهذا العلم الإجمالي سيكون مانعًا من حجية فهم المجتهد في جميع الموارد.
بالتدقيق في هذا التقريب، يتضح عدم تماميته. هناك ثلاثة أدلة على عدم تمامية هذا التقريب:
1. حصول هذا العلم الإجمالي محل تردد؛ لأن العلم الإجمالي يكون منجزًا للتكليف فقط عندما يكون هناك علم فعلي بالتكليف. بعبارة أخرى، يكون للعلم الإجمالي منجزية إذا علم المجتهد بوجود تكاليف واقعية بشكل إجمالي في موارد الخلاف مع فهم المشهور واستظهار الترخيص من قبل المجتهد، بحيث يكون فهم المجتهد قاصرًا عنها، وتكون تلك التكاليف فاقدة لأي منجز ودليل آخر. الموارد التي يستظهر فيها المجتهد حكمًا إلزاميًا لا تمنع من العمل بهذا الاستظهار؛ لأنها لا تؤدي إلى مخالفة الحكم الواقعي، وفقط الموارد التي تواجه مشكلة هي تلك التي يستظهر فيها المجتهد حكمًا ترخيصيًا مع علمه بوجود تكليف (حكم إلزامي) في الواقع.
2. بعبارة أخرى، الموارد التي يستظهر فيها المجتهد، خلافًا للمشهور، حكمًا إلزاميًا، بالإضافة إلى الموارد التي يوجد فيها دليل آخر غير النص محل الخلاف، تخرج من محل البحث. بناءً على ذلك، تبقى فقط الموارد التي يستظهر فيها المجتهد، خلافًا للمشهور، حكمًا ترخيصيًا. وعليه، فإن حصول مثل هذا العلم الإجمالي محل تردد ومناقشة.
3. في حالة قبول وجود مثل هذا العلم الإجمالي وقبول حصوله، فإن كلية التقريب المذكور ستكون موضع خدش. وسبب كون كلية التقريب مخدوشة هو أن مقدار الظن الحاصل من الفهم والاستظهار المشهور ليس متساويًا في جميع الموارد، ويختلف باختلاف الموارد. على هذا الأساس، ينحل العلم الإجمالي الكبير إلى علم إجمالي صغير، وتنجز فقط الظنون الأقوى.
4. هذا الدليل يثبت فقط لزوم الاحتياط، لا عدم الاعتناء باستظهار المجتهد بشكل مطلق. ولهذا السبب، تبقى موارد استظهار الحكم الإلزامي على حجيتها.
تعميق وبيان التحقيق
في المطالب السابقة، تم بيان مقتضى التحقيق تحت كل دليل؛ ولكن النقطة المهمة التي أُغفلت في الكلمات ولم يتطرق إليها أحد هي أنه من الضروري واللازم للمجتهد أن يبحث ويفحص عن علة ومنشأ اختلاف فهم المشهور مع فهمه، وألا يعتمد على الاستظهار البدوي.
في حالة فحص المجتهد لمنشأ وعلة اختلاف استظهاره والمشهور، توجد عدة احتمالات:
1. أن يخطّئ المجتهد المشهور ويجد علة خطأ المشهور أيضًا. مثلاً، يدرك المجتهد أن الرواية قد قُطّعت وحُذفت قرينة كانت موجودة في الجزء المقطوع. في هذه الحالة، لا يبقى شك ولا تردد بالنسبة لحجية استظهار وفهم المجتهد، ويكون فهم المشهور فاقدًا للحجية. هذا الاستظهار شخصي ومن قبل المجتهد؛ ولكنه عقلائي ونوعي أيضًا؛ لأن المراد من الاستظهار النوعي هو أن يكون مورد تأييد عند عرضه على نوع الأشخاص، لا أن يكون الاستظهار المعني موجودًا بالفعل.
2. ألا يخطّئ المجتهد المشهور؛ أي مع أن استظهار المشهور ليس تامًا عند المجتهد، إلا أن المجتهد لا يصل إلى علة ومنشأ خطأ المشهور بشكل تفصيلي. هذه الصورة لها احتمالاتها الخاصة.
3. احتمال نقل المعنى: من التحديات المهمة أمام الاستنباط احتمال تغيير المعاني. وتوضيح ذلك أن ما يُبيَّن في علم الأصول كحجة هو المتفاهم العرفي وظهور الكلام في عصر صدور النص. ولهذا السبب، اختار الفقهاء لحل هذه المشكلة وكشف معنى الكلام في عصر صدور النص، طرقًا مختلفة. مثلاً، في المواضع التي يعرفون فيها المعنى اللغوي ويحتملون أن هذا المعنى قد تحول إلى اصطلاح شرعي، طرحوا بحث الحقيقة الشرعية والمتشرعية، أو في المواضع التي يكون فيها المجتهد في زمن متأخر عن زمن صدور النص ويريد الاستفادة من فهم زمنه لكشف معنى زمن صدور النص، اختاروا بحث أصل الثبات وعدم النقل. وما يتعلق ببحثنا هو أنه يجب الأخذ في الاعتبار أنه كلما زادت المسافة بين زمن صدور النص وزمن المجتهد، زاد احتمال تغيير المعنى. ولهذا السبب، إذا كان المشهور، الذين كان لهم فهم مختلف عن المجتهد، أقرب إلى عصر صدور النص، فإن المجتهد يحتمل أن علة هذا الاختلاف في الفهم هي تغيير المعنى. بالطبع، بالنظر إلى زمن صدور النص والمسافة الزمنية للمجتهد عن زمن الصدور ونوع اللغة، فإن مقدار احتمال نقل المعنى يختلف أيضًا؛ لأن احتمال النقل والتغيير في بعض اللغات أكثر من غيرها.
4. احتمال حذف القرائن الخاصة: من الاحتمالات لعلة اختلاف الفهم من نص ما هو أن يحتمل المجتهد وجود قرائن حالية أو مقالية لم تصل إليه؛ ولكن المشهور الذين كانوا على علم بتلك القرائن، قد كان لهم فهم مختلف اعتمادًا عليها. بالطبع، من الناحية الأصولية، عندما ينقل راوٍ ثقة خبرًا، فإذا كانت هناك قرائن حالية ومقالية مؤثرة في المعنى، فإن الراوي مكلف بنقل تلك القرائن. بناءً على ذلك، على الرغم من أن هناك احتمالًا ثبوتيًا لوجود قرينة لم تصل إلينا، إلا أن عدم نقل القرائن من قبل الراوي يُعتبر شهادة منه على عدم وجود مثل هذه القرائن، وهذه الشهادة حجة لنا. بالطبع، يوجد أيضًا احتمال الخطأ أو الحذف وعدم وصول القرينة إلى الراوي، وهذه الاحتمالات تُرفع بالأصول العقلائية.
5. احتمال وجود قرائن متصلة عامة: بالنسبة للقرائن الخاصة، ذُكر أن الراوي مكلف بنقل جميع القرائن المؤثرة في المعنى، ولكن هذه الوظيفة لا توجد في مورد القرائن المتصلة العامة، وعدم نقل هذه القرائن لا يخدش في وثاقة الراوي. على هذا الأساس، نظرًا لعدم تكليف الراوي بنقل هذا النوع من القرائن، لا يوجد دليل على نفي وجود هذه القرائن، ومن الممكن أن يكون لهذه الموارد دور في بروز الاختلاف. بناءً على المطالب المذكورة، يتضح أنه من اللازم إجراء تحقيق حول منشأ اختلاف الاستظهار والفهم بين المجتهد والمشهور. فإذا حصل اطمئنان بمنشأ الاختلاف، يُعمل وفقه. وفي غير هذه الصورة، يكون فهم المشهور فاقدًا لدليل موجه للحجية.
(1. يقول المرحوم الخوئي في هذا الصدد: نعم هنا شيء وهو انه إذا حمل جماعة من العلماء اللفظ على معنى لم يكن ظاهراً فيه في نظرنا مع كونهم من أهل اللسان العربي ومن أهل العرف يستكشف بذلك ان اللفظ ظاهر في هذا المعنى الذي حملوه عليه، إذ المراد من الظهور هو الذي يفهمه أهل العرف من اللفظ، والمفروض انهم فهموا ذلك المعنى وهم من أهل اللسان. ولكن يختص ذلك بما إذا أحرز ان حملهم اللفظ على هذا المعنى انما هو من جهة حاق اللفظ. واما إذا احتمل ان حملهم مبني على قرائن خارجية مستكشفة باجتهاداتهم، فلا يكون حجة لعدم الظهور العرفي حينئذ. واجتهادهم في ذلك ليس حجة لنا وكذا الحال في طرف الاعراض، فان كان اللفظ ظاهراً في معنى في نظرنا، وحملها جماعة من العلماء على خلافه، وأحرز ان حملهم مستند إلى حاق اللفظ لا إلى ظنونهم واجتهاداتهم يستكشف بذلك ان اللفظ ليس ظاهراً في المعنى الذي فهمناه، بل هو خلاف الظاهر، فان خلاف الظاهر هو ما يفهم العرف خلافه من اللفظ. (الخوئي، 1422، ج1، ص242)).
الاستنتاج
من المطالب السابقة، تُستخلص النتائج التالية:
1. إذا كان المجتهد، بعد اطلاعه على مخالفة المشهور بالنسبة لاستظهاره، لا يزال قاطعًا ومتيقنًا من استظهاره، حتى لو كان هذا اليقين نوعيًا، فإن استظهاره حجة، ولا اعتبار لمخالفة المشهور ولا أثر لها.
2. بعد ملاحظة المشهور، إذا كان لدى المجتهد اطمئنان عقلائي بفهمه، فإن هذا الاطمئنان حجة؛ بالطبع، بما أن إعراض المشهور يُعتبر قرينة عرفية وعقلائية على خطأ المجتهد، فإن الاطمئنان بخلافه ليس عقلائيًا. ولهذا السبب، فإن هذا الاطمئنان فاقد للحجية؛ نعم، في الفرض الذي يخطّئ فيه المجتهد المشهور ويكشف أن علة اختلاف فهم المشهور هي خطأهم، وكان له هو نفسه استنباط عرفي موجه، فإن اطمئنانه حجة.
3. إذا كانت حجية الظواهر لدى المجتهد من باب الانسداد، وتسبب إعراض المشهور في زوال الظن الحاصل من الظواهر، فلن يبقى موضوع للحجية؛ أما إذا لم يكن من حيث القوة بالحد الذي يتمكن من إزالة الظن الحاصل من الظواهر، فإن الظن الحاصل من الظواهر يبقى على حجيته.
4. أهم دليل على حجية الظواهر هو سيرة العقلاء. شمول السيرة للموارد التي يختلف فيها فهم المجتهد عن فهم المشهور يختلف باختلاف المباني. اشتراط حجية الظهور بالوثوق والاطمئنان الشخصي، أو بالوثوق والاطمئنان النوعي، أو بالظن الشخصي، أو بالظن النوعي، أو بعدم الظن الشخصي بالخلاف، أو بعدم الظن النوعي بالخلاف، هي مبانٍ محتملة في المسألة، يمكن لإعراض المشهور من خلال إزالة شرط الحجية، أن يسقط فهم المجتهد عن الحجية. القول الصحيح في المسألة هو أن الملاك في مقام الاحتجاج (المعذرية والمنجزية) هو الفهم العقلائي. وبناءً على ذلك، فإن فهم واستظهار المجتهد في حالة تخطئته من قبل العقلاء وعدم وجود حجة أخرى مثل القطع، يكون فاقدًا للحجية. بالطبع، إذا خطّأ المجتهد رأي المشهور بقرائن عرفية، فإن استظهاره سيكون حجة؛ وفي غير هذه الصورة، لن يكون هناك وجه لحجية هذا الاستظهار.
5. سيرة المتشرعة في العمل بالظواهر ليست دليلاً مستقلاً في مقابل سيرة العقلاء، بل ترجع إليها.
6. الآيات والروايات التي أمرت بالعمل بالظواهر وآخذت على تركه هي تأييد وإمضاء للسيرة، لا أنها تثبت أمرًا تعبديًا.
7. في مورد العلم الإجمالي بعدم مطابقة استظهارات المجتهد التي تخالف فهم المشهور، أولاً، حصول مثل هذا العلم الإجمالي المنجز محل تردد. ثانيًا، ينحل العلم الإجمالي الكبير إلى علم إجمالي صغير. وثالثًا، يثبت هذا الدليل فقط لزوم الاحتياط، لا عدم الاعتناء باستظهار المجتهد بشكل مطلق. ولهذا السبب، تبقى موارد استظهار الحكم الإلزامي على حجيتها.
8. في حالة فحص المجتهد لمنشأ وعلة اختلاف استظهاره والمشهور، إما أن يخطّئ المجتهد المشهور ويجد علة خطأه أيضًا، وفي هذه الحالة لا يبقى شك ولا تردد بالنسبة لحجية استظهاره وفهمه، أو ألا يخطّئ المجتهد المشهور، وفي هذه الحالة توجد عدة احتمالات:
1. احتمال نقل المعنى، الذي يجب لرفعه التمسك بأصل عدم النقل، والذي بالطبع لا يجري في مثل هذه الموارد لكون هذا الأصل عقلائيًا.
2. احتمال حذف القرائن الخاصة، والذي يمكن نفيه بالنظر إلى عدم نقل القرائن من طرف الراوي وشهادته على عدم وجود مثل هذه القرائن.
3. احتمال وجود قرائن متصلة عامة، والذي بالنظر إلى عدم تكليف الراوي بنقل هذا النوع من القرائن، لا يوجد دليل على نفي وجود هذه القرائن.
المصادر والمراجع
1. الإجتهادي، محمد علي (1400هـ). نهاية المأمول في شرح كفاية الأصول. الطبعة الأولى. قم.
2. الاشتهاردي، علي بناه (1417هـ). مدارك العروة (للإشتهاردي). الطبعة الأولى. طهران: دار الأسوة للطباعة والنشر.
3. الأنصاري، مرتضى (1428هـ). فرائد الأصول. الطبعة التاسعة. قم.
4. الآخوند الخراساني، محمد كاظم بن حسين (1409هـ). كفاية الأصول. الطبعة الأولى. قم.
5. البحراني، آل عصفور يوسف بن أحمد بن إبراهيم. الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة. الطبعة الأولى. قم: مكتب النشر الإسلامي التابع لجماعة المدرسين بقم.
6. البهبهاني، محمد باقر بن محمد أكمل (1417هـ). حاشية مجمع الفائدة و البرهان. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة العلامة المجدد الوحيد البهبهاني.
7. البهبهاني، محمد باقر بن محمد أكمل (1419هـ). الحاشية على مدارك الأحكام. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة آل البيت.
8. البهبهاني، محمد باقر بن محمد أكمل (1424هـ). مصابيح الظلام. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة العلامة المجدد الوحيد البهبهاني.
9. التبريزي، موسى بن جعفر بن أحمد. أوثق الوسائل. الطبعة الأولى. قم: مكتبة كتبي النجفي.
10. الحائري، سيد علي بن محمد الطباطبائي (1418هـ). رياض المسائل. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة آل البيت.
11. الحسيني الشيرازي، صادق (1427هـ). بيان الأصول. الطبعة الثانية. قم.
12. الخلخالي، سيد محمد مهدي (1427هـ). فقه الشيعة-كتاب الخمس و الأنفال. الطبعة الأولى. قم: دار البشير.
13. الخميني، روح الله (1421هـ). كتاب البيع (للإمام الخميني). الطبعة الأولى. طهران: مؤسسة تنظيم و نشر آثار إمام خميني.
14. الخميني، روح الله (1423هـ). تهذيب الأصول. الطبعة الأولى. طهران.
15. الخوئي، أبو القاسم (1422هـ). مصباح الأصول. الطبعة الأولى. قم.
16. الخوئي، سيد أبو القاسم (1418هـ). موسوعة الإمام الخوئي. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي.
17. الرشتي النجفي، ميرزا حبيب الله (1401هـ). كتاب القضاء (للميرزا حبيب الله). الطبعة الأولى. قم: دار القرآن الكريم.
18. الروحاني، محمد (1413هـ). منتقى الأصول. الطبعة الأولى. قم.
19. السبزواري، ملا هادي (1247هـ). ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة آل البيت.
20. الشبیري الزنجاني، سيد موسى (1419هـ). كتاب نكاح (زنجاني). الطبعة الأولى. قم: مؤسسة پژوهشي رای پرداز.
21. الشهيدي، ميرزا فتاح (1375هـ.ش). هداية الطالب إلى أسرار المكاسب. الطبعة الأولى. تبريز: چاپخانه اطلاعات.
22. الصدر، محمد باقر (1417هـ). بحوث في علم الأصول. الطبعة الثالثة. قم.
23. الحر العاملي، محمد بن حسن (1409هـ). وسائل الشيعة. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة آل البيت.
24. العاملي (الشهيد الثاني)، زين الدين بن علي (1413هـ). مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة المعارف الإسلامية.
25. العاملي، سيد جواد بن محمد حسيني (1419هـ). مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة. الطبعة الأولى. قم: مكتب النشر الإسلامي التابع لجماعة المدرسين بقم.
26. الكليني، أبو جعفر محمد بن يعقوب (1407هـ). الكافي. الطبعة الرابعة. طهران: دار الكتب الإسلامية.
27. الجيلاني، ميرزاي قمي أبو القاسم بن محمد حسن (1417هـ). غنائم الأيام في مسائل الحلال و الحرام. الطبعة الأولى. قم: منشورات مكتب الإعلام الإسلامي بقم.
28. الجيلاني، ميرزاي قمي أبو القاسم بن محمد حسن (1420هـ). مناهج الأحكام في مسائل الحلال و الحرام. الطبعة الأولى. قم: مكتب النشر الإسلامي التابع لجماعة المدرسين بقم.
29. المامقاني، محمد حسن (1316هـ.ش). غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب. الطبعة الأولى. قم: مجمع الذخائر الإسلامية.
30. المجلسي، محمد تقي (1406هـ). روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه. قم: مؤسسة فرهنگي اسلامي كوشانبور.
31. المراغي، سيد مير عبد الفتاح بن علي حسيني (1417هـ). العناوين الفقهية. الطبعة الأولى. قم: مكتب النشر الإسلامي التابع لجماعة المدرسين بقم.
32. الميلاني، سيد محمد هادي حسيني (1395هـ.ق). محاضرات في فقه الإمامية-صلاة المسافر و قاعدتي الصحة و اليد. الطبعة الأولى. مشهد: مؤسسة چاپ و نشر دانشگاه فردوسي.
33. النائيني، محمد حسين (1352هـ.ش). أجود التقريرات. الطبعة الأولى. قم.
34. النائيني، محمد حسين (1376هـ.ش). فوائد الأصول. الطبعة الأولى. قم.
35. النجف آبادي، حسين علي منتظري (1409هـ). كتاب الزكاة (للمنتظري). الطبعة الثانية. قم: مركز جهاني مطالعات اسلامي.
36. النجفي، محمد حسن (1404هـ). جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام. الطبعة السابعة. بيروت: دار إحياء التراث العربي.