تبيين ماهية قاعدة «عدم الدليل دليل العدم» وانعكاسها في الأبواب الجزائية من كتاب جواهر الكلام

الملخص

تفيد قاعدة «عدم الدليل دليل العدم» بأنه إذا أدى الفحص عن الدليل وعدم الظفر به إلى الظن الغالب بعدم وجوده، فإنه يمكن من خلال هذا الظن استنتاج الظن الغالب بعدم تشريع الحكم والتكليف. وعليه، فإن القاعدة المذكورة هي قاعدة عقلية تفيد الظن، ولا تصلح للاستناد إليها إذا ما تم قبول الأصل الأولي القاضي بحرمة العمل بالظن؛ وذلك لعدم قيام دليل على حجيتها. إن عدم حجية قاعدة عدم الدليل وفقاً للقواعد الأصولية أمر لا يمكن إنكاره؛ ومع ذلك، فإن الاستناد والاحتجاج بها في الكتب الفقهية هو أيضاً أمر لا يمكن إنكاره. ويمكن اعتبار استدلال المجتهدين بهذه القاعدة نوعاً من الابتعاد عن مبانيهم الأصولية في استنباطاتهم الفقهية. وفي الأبواب الجزائية من كتاب «جواهر الكلام» العظيم، تم الاستدلال بهذه القاعدة في مواضع كثيرة. فالقصاص من الجاني في الحرم، وعدم المماثلة في كيفية قصاص العين، والتغليظ في دية الطرف، واشتراك العاقلة في ما زاد عن الدية، وإلحاق البنج بالمواد المسكرة، هي من بين المسائل التي تمسك بها صاحب الجواهر ضمنًا لإثبات وجهة نظره استنادًا إلى قاعدة عدم الدليل دليل العدم. إن التوجيه المناسب في سياق تبيين سبب تمسك صاحب الجواهر بهذه القاعدة هو حصوله على الاطمئنان من خلالها.

المقدمة

الفقه في اللغة يعني مطلق الفهم أو الفهم الدقيق للمسائل النظرية، وفي الاصطلاح هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية (الكرجي، 1421هـ، ص 10). والأدلة التفصيلية عند فقهاء الإمامية هي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل.1 ويُطلق على من يستنبط الأحكام الشرعية ويستخرجها من هذه الأدلة ويكون على علم بها اسم الفقيه. ومن الطبيعي أن يحتاج الفقيه إلى أدوات لإنجاز عمله. ومن أهم هذه الأدوات التي تساعده في استنباط الأحكام الشرعية علم الأصول. فعلم أصول الفقه هو العلم بالقواعد العامة التي إذا انضمت إليها صغرياتها ومصاديقها، كانت النتيجة حكمًا فقهيًا كليًا (الكرجي، 1421هـ، ص 12)؛ ولهذا، فإن للقواعد الأصولية دورًا بالغ الأهمية في عملية التوصل إلى الأحكام الفقهية والشرعية؛ بحيث لو لم تُستخدم هذه القواعد، لكان التوصل إلى الأحكام الشرعية متعذرًا، أو لتزايدت نسبة الخطأ في استنباطات الفقهاء بشكل كبير، ولتعرضت الشريعة لأضرار جسيمة من الانحرافات والاعوجاجات؛ من هنا، فإن هذه القواعد، من خلال توجيه فكر الفقيه، تساعده على الوصول إلى الحكم الصحيح وتحميه من الخطأ في الفهم.2 ويمكن تتبع تجليات استخدام وتطبيق القواعد الأصولية في كتب الفقهاء. ومن أهم كتب الفقه الشيعي، كتاب «جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام» للنجفي الأصفهاني المعروف بصاحب الجواهر، والذي يمكن ملاحظة اهتمام المؤلف بالقواعد الأصولية في كل موضع منه. وإحدى القواعد الأصولية التي استُخدمت بكثرة في هذا الكتاب هي قاعدة «عدم الدليل دليل العدم». ولن يكون من المبالغة القول بأنه على الرغم من استناد الفقهاء المتكرر إلى هذه القاعدة في كتبهم الفقهية، إلا أنه لم يتم حتى الآن تحليل جوانبها وزواياها الظاهرة والخفية بشكل مسهب ودقيق، ولم يتم تمييز حدودها وثغورها؛ بحيث لم يُنجز أي بحث مستقل في هذا المجال يمكن اعتباره خلفية للموضوع؛ ولهذا، فإن ضرورة البحث في هذه القاعدة واضحة لكل باحث؛ خاصة إذا اقترن ذلك ببيان مصاديق جريانها في الاستدلالات والاستنباطات الفقهية. يهدف هذا البحث إلى تتبع انعكاس جريان قاعدة عدم الدليل في كتاب جواهر الكلام من خلال دراسة دقيقة لماهيتها؛ ولكن نظرًا لأن تناول جميع مواضع تطبيق هذه القاعدة في كتاب جواهر يخرج عن نطاق هذا المقال ويتطلب أبحاثًا أخرى، فإنه يقتصر على بيان تطبيق هذه القاعدة في الأبواب الجزائية من الكتاب المذكور. وتشمل هذه الأبواب كتب «الحدود» و«القصاص» و«الديات»، والتي تغطي مجلدين من مجلدات كتاب جواهر. في ما يلي، سيتم أولاً تبيين ماهية القاعدة المذكورة بدقة، مع الالتفات إلى بعض جوانبها الماهوية؛ ثم يتم تحليل عدد من المواضع التي تمسك بها صاحب الجواهر بهذه القاعدة.

1. ماهية قاعدة «عدم الدليل دليل العدم»

لدراسة قاعدة عدم الدليل بدقة، من المناسب أن يتم تحليل هذه القاعدة في المحاور التالية:

1-1. دراسة مفهوم القاعدة

إن الأحكام الشرعية تدور مدار الدليل؛ بمعنى أنه إذا أقيم على حكم شرعي دليل وبرهان كافٍ من الأدلة الأربعة، أمكن للمجتهد أن يفتي على أساسه؛ وإلا، فإذا لم يوجد أو لم يُعثر على دليل بشأن حكم تكليفي أو وضعي، فلا يمكن للمجتهد أن يطرحه للمكلف كحكم إلهي. كلمة «دليل» على وزن «فعيل» بمعنى فاعل، وتعني المرشد والشيء الذي يُستخدم لإثبات أمر ما (الزمخشري، 1419هـ، ج1، ص 295)، وفي اصطلاح علم الأصول، هو ما يُستدل به لإثبات حكم شرعي، ويشمل الأدلة العقلية والنقلية، وكذلك الأدلة الاجتهادية والفقاهتية (المشكيني، 1386ش، ص 134). وبناءً على هذا، فنحن بحاجة إلى دليل لإثبات الأحكام الشرعية، وبدون دليل لا يمكن القول بأي حكم أو مسألة أو موضوع؛ بل أكثر من ذلك، في الفقه الإسلامي، يُعتبر عدم وجود الدليل نفسه دليلاً على عدم وجود حكم للمكلفين. وقد أدرج علماء الفقه والأصول مجموعة هذه الاستدلالات في العبارة البليغة «عدم الدليل دليل العدم» لكي يُردّ بها أي شك في وجود حكم شرعي حيثما لا يوجد دليل. هذه القاعدة، بناءً على ما ذكره علماء الأصول، هي من الأدلة العقلية لنفي الحكم (الملكي الأصفهاني، 1379ش، ج1، ص 380)، ومفادها أنه «متى ثبت تكليف عن طريق الأدلة الشرعية، يكون الشخص مكلفًا به؛ أما متى لم يُعثر على دليل على التكليف، فهذا دليل على أنه لا يوجد تكليف موجه إلى الشخص» (مركز المعلومات والوثائق الإسلامية، 1389ش، ص 609). النقطة الأساسية بخصوص هذه القاعدة هي كونها ظنية؛ بمعنى أن ما يحصل من جريانها هو الظن الغالب بعدم الحكم والتكليف؛ ولذلك تُعد من الأمارات الظنية، وتقريرها الدقيق هو كما يلي:

الصغرى: بعد البحث المستفيض عن الدليل، فإن عدم وجوده يؤدي إلى الظن الغالب بعدم الدليل.

الكبرى: الظن بعدم الدليل يستلزم الظن بعدم الحكم؛ لأنه لو كان الحكم الشرعي ثابتًا مع عدم وجود دليل عليه، لكان ذلك مستلزمًا لتكليف الغافل، وهو قبيح عقلاً.

النتيجة: عدم وجود الدليل يستلزم الظن بعدم الحكم. والعمل بمثل هذا الظن واجب (هلال، 1424هـ، ص 202).

وعليه، يمكن تعريف قاعدة عدم الدليل بشكل موجز كما يلي: «هي قاعدة عقلية من زمرة الأمارات الظنية، يُحصل بجريانها على الظن بانتفاء الحكم من الظن بعدم الدليل».

1-2. مستندات القاعدة

كما يتضح مما سبق، فإن أهم مستند يمكن التمسك به لقاعدة عدم الدليل هو حكم العقل. وتوضيح ذلك أنه بما أن إثبات أي شيء يحتاج إلى دليل، وتوقف الأحكام والتكاليف على وجود الدليل أمر أوضح،3 فإن العقل يحكم بأنه إذا لم يكن هناك دليل على حكم أو تكليف، فبالضرورة لن يكون هناك ذلك الحكم والتكليف؛ لأن علة وجود الأحكام والتكاليف هي إرادة الشارع المبرزة،4 وعندما لا يصدر مثل هذا الإبراز من جانبه، فإن معلول هذه الإرادة المبرزة، وهو الحكم والتكليف، لن يتحقق. وهذا المناط نفسه يجري في حالة حصول الظن الغالب بعدم الدليل، ومن هذا الظن الغالب يُستنتج الظن بعدم الحكم بلا شك؛ وكما هو واضح، فإن صحة الاستدلال بهذا الدليل منوطة بأن يكون الظن بحد ذاته منشأ للمشروعية، وأن يُعمل بمؤداه كحكم شرعي.

1-3. شروط جريان القاعدة

شروط جريان قاعدة عدم الدليل هي كما يلي:

1-3-1. كون الشارع في مقام البيان

من شروط جريان قاعدة عدم الدليل أن يتم إحراز أن الشارع كان في مقام بيان المسألة وجوانبها، ومع ذلك لم يقدم بيانًا؛ لأنه لو لم يكن في مقام البيان، كأن يكون هناك مانع من إبداء رأيه، فإن عدم البيان هذا لا يمكن أن يكون دليلاً على عدم وجود الحكم أو التكليف. وقد ذكر بعض العلماء فرعًا من هذه المسألة تحت عنوان «الإطلاق المقامي».5 يُطرح الإطلاق المقامي في حالة الشك في الجزئية أو الشرطية؛ على سبيل المثال، إذا شككنا في شرطية قصد القربة في الصلاة، وأحرزنا أن المولى في مقام يريد فيه بيان جميع الأمور التي لها مدخلية في حصول الغرض وتحقق الهدف، ولكنه في الوقت نفسه لم يأتِ على ذكر لزوم قصد القربة، يمكننا التمسك بالإطلاق المقامي والقول بأن قصد القربة غير معتبر في المأمور به؛ وعليه، إذا أحرزنا أن الشارع بصدد تعريف صلاة تكون «قربان كل تقي» و«معراج المؤمن» ولا يعتني بتحديد أي قسم من أجزاء وشروط الصلاة يمكن أن يكون متعلقًا للأمر الواقعي وأي قسم لا يمكن، ولم يذكر شيئًا عن قصد القربة، في حين لم يكن لديه مانع من التعرض لمسألة قصد القربة، في هذه الحالة يمكن التمسك بالإطلاق المقامي للمولى والقول بأن قصد القربة غير معتبر. وإذا كان قصد القربة معتبرًا، لكان من واجب الشارع في مقام البيان أن يذكره (فاضل اللنكراني، 1385ش، ج2، ص 59-60). أما قاعدة عدم الدليل فلا تقتصر على الشك في الجزئية أو الشرطية؛ بل تشمل الشك في أصل التكليف والحكم أيضًا؛ بمعنى أنه إذا شُك في أن أمرًا ما هل شُرّع أساسًا أم لا، ففي حالة عدم وجود دليل على تشريعه، يُنتفى وجوده. على أي حال، بناءً على هذا الشرط، لا يمكن إعمال قاعدة عدم الدليل إلا إذا أحرزنا أن الشارع كان في مقام البيان. وكون بعض علماء الأصول (الأنصاري، 1416هـ، ج1، ص 358) قد اشترطوا لجريان عدم الدليل الظن بعدم المانع من بيان الحكم، فهو ناظر إلى هذه المسألة نفسها.

1-3-2. كون المسألة المشكوكة مما تعم به البلوى

اعتبر بعض العلماء، مثل المحدث الأسترآبادي، كون المسألة المشكوكة مما تعم به البلوى أحد شروط جريان القاعدة المذكورة؛ بمعنى أننا لا نصل إلى عدم الحكم والتكليف من عدم الدليل إلا إذا كانت المسألة المشكوكة من المسائل التي يكثر ابتلاء الشيعة وعامة الناس بها في عصر الشارع؛ لأنه في هذه الحالة يكون الداعي لبيان المسألة وكذلك لضبطها وحفظها قويًا، ومن عدم وجود بيان الآن وفي عصرنا هذا، يمكن استنتاج عدم وجوده أصلاً. وفي الموضع الذي يتعذر فيه تحصيل العلم، يكون الظن حجة؛ أما إذا كانت المسألة نادرة الوقوع، فإن جريان القاعدة غير صحيح؛ لأنه ربما لم تُبيَّن لكونها غير عامة البلوى، أو ربما بُيِّنت ولكنها لم تصل إلينا لكونها غير عامة البلوى؛ وبالتالي، من خلال عدم الدليل، لا ينشأ ظن بالعدم، والظن الذي لا وجود له ليس له قيمة قانونية (محمدي، 1387ش، ج2، ص 388).

1-4. الفرق بين أصل البراءة وقاعدة عدم الدليل

ميز الفاضل التوني بين قاعدة عدم الدليل والبراءة على النحو التالي: «أن الفقهاء يستدلون بهذه الطريقة على نفي الحكم الواقعي وبأصالة البراءة على عدم تعلق التكليف وإن كان هناك حكم في نفس الأمر» (التوني، 1415هـ، ص 199)؛ بناءً على هذا الرأي، فإن عدم الدليل ينفي وجود الحكم الواقعي؛ بينما أصل «البراءة» لا ينفي وجود الحكم الواقعي؛ بل يُستدل به فقط على عدم تعلق التكليف بالإنسان؛ وإن كان الحكم ثابتًا في الواقع (راجع: الملكي الأصفهاني، 1379ش، ج1، ص 381)؛ ولكن الحق أن هذا التمييز غير مقبول؛ لأن عدم الدليل أيضًا لا ينفي وجود الحكم الواقعي؛ بل يبحث أساسًا في حيز الحكم والتكليف الظاهري، سواء كان هناك حكم واقعي أم لا؛ وبعبارة فنية أدق، ما هو مهم ونتيجة هذه القاعدة تنفيه هو الحكم الواصل، لا الحكم الصادر. يكتب الشيخ الأنصاري في هذا الصدد: «المراد بالدليل المصحح للتكليف حتى لا يلزم التكليف بما لا طريق للمكلف إلى العلم به هو ما تيسر للمكلف الوصول إليه والاستفادة منه فلا فرق بين ما لم يكن في الواقع دليل شاف أصلاً أو كان ولم يتمكن المكلف من الوصول إليه أو تمكن لكن بمشقة رافعة للتكليف أو تيسر ولم يتم دلالته في نظر المستدل فإن الحكم الفعلي في جميع هذه الصور قبيح» (الأنصاري، 1416هـ، ص 357). بناءً على هذا، فإن القاعدة المذكورة تكون نافعة حتى لو كان هناك حكم واقعي لم يصل إلى المكلفين، وهي ليست مختصة بنفي الحكم الواقعي. وبناءً على هذه المباحث، فإن عدم الدليل من حيث لحاظ انتفاء الحكم الظاهري والواقعي، ليس قاعدة مستقلة وفي عرض أصل البراءة؛ بل كلاهما يجري في سياق نفي الحكم الظاهري؛ لكن الفرق الذي يبدو موجودًا بين أصل البراءة وقاعدة عدم الدليل هو أن مؤدى جريان البراءة هو اليقين بعدم تعلق التكليف؛ بينما مؤدى جريان عدم الدليل هو الظن بعدم وجود الدليل. ومن هنا، فإن عدم الدليل دليل مفيد للظن، وأصل البراءة دليل مفيد للقطع، ولهذا السبب تحديدًا ردّ كثير من العلماء قاعدة عدم الدليل على الرغم من قبولهم لأصل البراءة؛ لأن الظن من جهة ليس حجة بذاته، ومن جهة أخرى لم يقم دليل على حجية هذا الظن لكي يُستند إليه (البدري، 1428هـ، ص 220).

1-5. الفرق بين قاعدة عدم الدليل وأصل الاستصحاب

للوهلة الأولى، قد يُشعر بوجود فارق كبير بين الاستصحاب وقاعدة عدم الدليل بحيث تبدو المقارنة بينهما غير ضرورية؛ ولكن بالنظر إلى أن بعض العلماء اعتبروا هذه القاعدة قسمًا من أقسام الاستصحاب (الحلي، 1407هـ، ج1، ص 32)، فإن دراستها تكتسب أهمية. اعتبار هذه القاعدة استصحابًا هو نتيجة لنوع من التشابه في الاستدلال بهذين الدليلين؛ فكما أن أساس الاستصحاب هو الحكم على أساس الحالة السابقة عند الشك، ففي حالة جريان قاعدة عدم الدليل أيضًا، نحكم في النهاية وفقًا للحالة السابقة، أي براءة الذمة؛ ولكن الحكم في الاستصحاب يتم بلحاظ الحالة السابقة؛ أي بواسطة إبقاء ما كان؛ أما في عدم الدليل، فعلى الرغم من أن الحكم يكون وفقًا للحالة السابقة، إلا أن ذلك لا يرجع إلى إبقاء ما كان؛ بل بسبب عدم الدليل (الأنصاري، 1416هـ، ص 358)، ولهذا لا يمكن بأي وجه من الوجوه اعتبار عدم الدليل قسمًا من الاستصحاب؛ لأن الركن الأساسي للاستصحاب الذي يقوم على إبقاء الحالة السابقة لا يمكن تحصيله في مسار جريانها، وأساسًا الحالة السابقة، وإن كانت قد تتوافق مع الحكم الناتج عن عدم الدليل، إلا أنها لا موضوعية لها فيه ولا تُعد من أركانه.

1-6. حجية قاعدة عدم الدليل

بناءً على التوضيحات التي قُدمت بخصوص قاعدة عدم الدليل، اتضح أن هذه القاعدة من الأمارات الظنية وتفيد الظن. وبناءً على هذا، ومع الأخذ في الاعتبار أن الأصل الأولي في باب الظنون هو حرمة العمل بالمظنة (راجع: الأنصاري، 1416هـ، ص 49-54)، فإن هذه القاعدة محل تشكيك؛ وعليه، إذا أردنا تصحيحها وتقويتها، يجب أن نستند بهذا الظن غير الحجة إلى شيء حجة، كالقطع. بعبارة أخرى، إذا أريد لهذا الظن أن يكون مستندًا، وبالتالي تكون قاعدة عدم الدليل حجة، فيجب أن يقوم دليل خاص على حجيتها لتكون بذلك في زمرة الظنون الخاصة؛ لكن وجود مثل هذا الدليل قد أُنكر، وتحدث العلماء عن عدم وجوده؛ ولهذا السبب لا يمكن لقاعدة عدم الدليل أن تكون حجة ولا تملك قابلية الاعتماد والاتكاء. ورغم هذا البيان المستدل الذي يُرى في كتب علماء الأصول، فقد استُدل بهذه القاعدة في ثنايا المسائل الفقهية من قبل كبار الفقهاء. ورغم أنه قد يكون استدلالهم بقاعدة عدم الدليل لمجرد إيراد مؤيد لنظريتهم؛ إلا أنه لا يمكن إنكار الاتكاء على هذه القاعدة في المباحث الفقهية من قبلهم. على أي حال، لن يكون من قبيل الخروج عن الأدب إذا قلنا إن الاستدلال بقاعدة عدم الدليل من قبل الفقهاء، رغم اعتبارها مخدوشة في علم الأصول، هو من المواضع التي تصور لنا التفكيك بين مقام «النظر» و«العمل» أو «المبنى» و«البناء» في فكر المجتهدين من أصحاب الرأي.

2. قاعدة «عدم الدليل دليل العدم» في كتاب جواهر الكلام

«جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام» موسوعة فقهية كتبها الشيخ محمد حسن النجفي الأصفهاني (المتوفى 1266هـ) المعروف بـ«صاحب الجواهر» على أساس الفقه الإمامي. هذا الكتاب، بسبب شموليته من حيث اشتماله على أقوال العلماء والفقهاء السابقين، وكذلك لتقريره للأدلة ومنهجه الاجتهادي، يُعتبر بلا شك نادر المثال بين كتب الفقه الإمامي (راجع: جماعة من المؤلفين، د.ت، ج2، ص 207). وصاحب الجواهر، الذي يُعد من كبار فقهاء عصره، قد استفاد مرارًا من قاعدة عدم الدليل في كتابه. ومن المحتمل جدًا أن يكون استخدام هذه القاعدة في كتاب جواهر الكلام نابعًا من قطع واطمئنان المؤلف بالنتيجة التي تحصل في فرض إجراء القاعدة؛ بمعنى أنه بسبب عدم وجود الدليل، حصل لديه قطع بعدم تشريع الحكم، ومن الاطمئنان الحكمي الذي حدث له بواسطة قطعه، ذكر القاعدة المذكورة. لذا، يمكن لهذا الموضوع أن يبرر استخدام صاحب الجواهر لقاعدة عدم الدليل. على أي حال، فإن دراسة جميع المواضع التي استُخدمت فيها قاعدة عدم الدليل في جواهر الكلام تتطلب كتابة عدة أبحاث مستقلة؛ ولهذا السبب، سيتم في هذا البحث الاكتفاء ببيان تطبيق هذه القاعدة في الأبواب الجزائية من هذا الكتاب.

2-1. قصاص الجاني في حُرمة الحرم

القصاص هو عقوبة القتل العمد والجرح العمد. معنى القصاص هو أن يُعاقب الجاني بمثل جنايته؛ فإذا قتل، يُقتل، وإذا جرح، يُجرح (الفيض، 1389ش، ص 487)؛6 وعليه، وبناءً على الشريعة الإسلامية المقدسة، إذا ارتكب شخص مثلاً جريمة قتل عمدي وتوفرت شروط إجراء القصاص، فإنه يجب قصاص القاتل بناءً على طلب أولياء الدم؛ أي يُقتل؛ ولكن في بعض الحالات، قد تمنع مصلحة أهم من تنفيذ هذا الحكم أو تؤدي إلى تأخيره. ومن هذه الحالات أن يلجأ الجاني إلى حرمة بيت الله الحرام. في هذه الحالة، وبسبب شأنية ومكانة الحرم الإلهي الآمن، لا يمكن قصاصه ما دام لاجئًا في الحرم؛ ولكن يمكن منع وصول الماء والغذاء إليه ليضطر إلى الخروج؛ ولكن على أي حال، ما دام في ذلك المكان المقدس، فالاعتداء عليه حرام (الطوسي، 1387هـ، ج7، ص 177). الآن، إذا لم يراعِ شخص هذا الحكم وقص الجاني في حرمة الحرم، فعلى الرغم من أنه ارتكب فعلاً حرامًا وعصيانًا، فلا ضمان عليه (النجفي، 1404هـ، ج42، ص 299). كل هذه المباحث تتعلق بحالة ارتكب فيها الجاني جنايته خارج حرمة الحرم ثم لجأ إليه؛ أما إذا ارتكب الجاني في الحرم جناية توجب القصاص، فيمكن قصاصه في المكان نفسه ولا يترتب على ذلك أي إثم أو معصية. والسؤال الذي يُطرح هنا هو: ماذا لو كان الجاني محرمًا؟ هل يُقتص منه أيضًا أم يؤخر قصاصه حتى يخرج من إحرامه؟ بناءً على رأي صاحب الجواهر، لا يؤخر القصاص، ولا يمكن للإحرام أن يكون سببًا لتأخير القصاص.7 ومستند هذه الفتوى من جانبه هو قاعدة عدم الدليل (النجفي، 1404هـ، ج42، ص 300)؛ ذلك أن لزوم تأخير القصاص حتى الخروج من الإحرام هو حكم شرعي يتطلب ثبوته دليلاً، وحيث لم يرد دليل على هذا الحكم في أي من الأدلة الأربعة، فمن عدم الدليل هذا يُستدل على عدم وجود مثل هذا الحكم.

2-2. عدم المماثلة في كيفية قصاص العين

كتب المحقق الحلي في شرائع الإسلام: إذا قلع شخص عين آخر، فهل للمجني عليه أن يقلع عين الجاني بيده كقصاص، أم يجب أن ينفذ القصاص بطريقة أخرى؟ الأولى أن يتم قلع عين الجاني بحديدة معوجة؛ لأن القصاص بهذه الطريقة يكون أسهل (أسهل من الجناية) (الحلي، 1408هـ، ج4، ص 220). وقد رفض بعض الفقهاء هذا الرأي؛ لأن الشريعة المقدسة لم تعين طريقة خاصة ومميزة لتنفيذ قصاص العين؛ بل ما يغير وجهات النظر هنا هو السهولة والصعوبة؛ لأن المجني عليه يمكنه القصاص بالطريقة الأسهل؛ ولكنه لا يستطيع معاقبة الجاني بالطريقة الأشد (الأصعب)؛ ولهذا، حيثما كانت السهولة متوفرة بأي طريقة كانت – حتى لو كان بقلع عين الجاني باليد – فهي الأقرب لاختيار الطريقة الأسهل؛ لذا فإن قول المحقق الحلي بأن الأولى القصاص بالحديدة ليس خاليًا من المسامحة؛ لأنه في الموضع الذي تكون فيه الطريقة الأسهل هي القلع باليد، تكون الأولوية لقلع العين باليد؛ لا أن تكون الأولوية دائمًا لاستخدام حديدة معوجة (الفاضل الهندي، 1416هـ، ج11، ص 207). الصورة المذكورة ناظرة إلى حالة قلع فيها الجاني عين المجني عليه بيده. والفرع الفقهي الآخر الذي أشار إليه صاحب الجواهر هو أنه إذا فعل الجاني ذلك بحديدة، فمما لا شك فيه أنه إذا اعتبر استخدام الحديدة هو الطريقة الأسهل، فإن الأولوية تكون بمراعاة المماثلة في الأداة المذكورة؛ ولكن إذا لم يراعِ هذه المماثلة، فهل ارتكب جرمًا ومعصية أم لا؟ على سبيل المثال، إذا استخدم الجاني حديدة، وكان استخدامها في القصاص هو الطريقة الأسهل؛ ولكن المجني عليه قلع عينه بيده، فهل المجني عليه مجرم أو عاصٍ؟ هنا انقسم الفقهاء إلى فريقين: فريق يرى أنه يستحق التعزير؛ لأنه ظلم الجاني وارتكب معصية، وفريق لا يرى للمجني عليه الذي لم يراعِ المماثلة في القصاص أي تعزير. ومن أهم أدلة الفريق الأخير، قاعدة عدم الدليل. بناءً على هذه القاعدة، بما أنه لا يوجد أي دليل يدل على حرمة عدم مراعاة المماثلة في الفرض المذكور، فلا يمكن تحميل هذا الفعل حكم الحرمة ليوجب ثبوت التعزير؛ وعليه، من عدم الدليل يُستدل على عدم حكم الحرمة، وبالتالي عدم ثبوت القصاص. صاحب الجواهر، وإن كان يميل إلى ثبوت التعزير، إلا أن نظريته لا ترجع إلى خدش قاعدة عدم الدليل؛ بل يعتقد أن عدم مراعاة المماثلة في الفرض المذكور يستلزم إيلامًا، وبالتالي ظلمًا للجاني، وهذا بحد ذاته دليل يثبت الحرمة، ولهذا السبب يجب الحكم بالتعزير؛ وعليه، فإن الاستدلال بقاعدة عدم الدليل بسبب ضعف صغراها، أي عدم تحقق الظن الغالب بعدم وجود الدليل، لن يكون جاريًا (النجفي، 1404هـ، ج42، ص 361).

2-3. التغليظ في دية الطرف

إذا ارتكب شخص جريمة قتل في الأشهر الحرم، يُضاف إلى مقدار الدية التي يجب أن يدفعها؛ وهذا الزيادة في مقدار الدية تسمى «تغليظ الدية». حكم تغليظ الدية في الأشهر الحرم متفق عليه بين الفقهاء؛ ولكن هل القتل في حرمة الحرم يستلزم تغليظ الدية أيضًا أم لا؟ هنا أيضًا، ذهب كثير من الفقهاء إلى القول بالتغليظ (راجع: العاملي، 1413هـ، ج15، ص 320). النقطة المهمة هنا هي أن التغليظ لا يُطرح بالنسبة لعقوبات وديات الأطراف؛ بمعنى أنه خلافًا لفقهاء أهل السنة الذين يجيزون تغليظ دية الأطراف بناءً على القياس والاستحسان، يعتقد فقهاء الإمامية أن التغليط لا مجال له في هذا المورد؛ أي في حالة وقوع جرح في الأشهر الحرم، فإن هذا لا يوجب تغليظ الدية (العاملي، 1413هـ، ج15، ص 321). يذكر صاحب الجواهر دليلين رئيسيين على رأي فقهاء الإمامية: الأول هو الأصل العدمي؛ لأنه عندما نشك في ثبوت التغليظ بخصوص الأطراف، يجري أصل عدم التغليظ، ولا مكان للقياس والاستحسان في المسائل الفقهية والشرعية المقدسة؛ أما الدليل الثاني الذي يذكرونه فهو قاعدة عدم الدليل التي بناءً عليها، بما أنه لم يصلنا دليل من الشارع على ثبوت التغليظ، وبعد فحص كثير لم يوجد مثل هذا الدليل، فمن عدم وجود هذا الدليل يمكن إدراك أن حكم التغليظ في الأطراف لم يُشرّع (النجفي، 1404هـ، ج43، ص 30).

2-4. اشتراك العاقلة في ما زاد عن الدية

من منظور علم الجريمة، تتكون الجريمة من ثلاثة عناصر: قانوني، ومادي، ومعنوي. اعتبار العنصر المعنوي في تحقق الجريمة يعني أن مخالفة أوامر ونواهي المشرع ليست كافية بحد ذاتها؛ بل يجب أن يكون فعل أو ترك الفعل الإجرامي نتيجة لإرادة وقصد الفاعل. ارتكاب الجريمة هو مظهر للنية السيئة أو خطأ المجرم؛ بشرط أن يريد الفاعل مثل هذا الفعل أو على الأقل يحتمل وقوعه ويكون عالمًا بمخالفة أوامر ونواهي المشرع. ومن هذا المنطلق، ينشأ تقسيم الجريمة إلى عمد وخطأ وشبه عمد. متى قصد الفاعل الفعل وقصد نتيجته، يُعتبر «عامدًا»؛ وإلا، فإذا قصد الفاعل الفعل دون أن يطلب النتيجة الإجرامية المترتبة عليه، ولم يكن ترتب هذه النتيجة على الفعل المرتكب محتملاً ومتوقعًا، ولكنه لم يتجنب ارتكاب الفعل، فهو «خاطئ». وأحيانًا يكون عامدًا في فعله، ولكنه مخطئ في نتيجته، وفي هذه الحالة يكون مرتكبًا لجريمة «شبه عمد» (الأردبيلي، 1392ش، ص 336-337). ومن ثمرات تقسيم الجريمة إلى عمد وشبه عمد وخطأ، أن المسؤولية الجنائية للمجرم تختلف باختلاف نوع الجريمة المرتكبة. ولهذا السبب، في حالة ارتكاب جريمة القتل، إذا كان عمدًا، يُقتص من القاتل، وإذا كان شبه عمد، يجب عليه دفع الدية، وإذا كان القتل خطأ، فإن دفع الدية يكون على «العاقلة». «العاقلة هم الأب وأقارب الأب والأم أو الأب من جانب الجاني؛ مثل الإخوة وأبنائهم وكل من ينزل، والأعمام وأبنائهم بنفس الترتيب. وهل الآباء كلما علوا والأبناء كلما نزلوا جزء من العاقلة أم لا، ففيه خلاف بين الفقهاء» (الفيض، 1389ش، ص 519). ويُشترط في العاقلة أمور مثل العقل والبلوغ والذكورة وعدم الفقر. كما أن الدية تكون على العاقلة في حالة ثبوت الجناية بالبينة، لا بإقرار الجاني. وكيفية أخذ الدية تكون على مدى ثلاث سنوات، وفي نهاية كل سنة يُؤخذ ثلث الدية كاملة. والنقطة الجديرة بالاهتمام هي أن حكم توزيع الدية على مدى ثلاث سنوات ثابت في مطلق الدية الخطأ، سواء في النفوس أو في الجناية على الأعضاء – بناءً على القول الصواب – (الفيض، 1389ش، ص 519-520). وفيما يتعلق بكيفية تقسيم الدية بين أفراد العاقلة، يوجد قولان: الأول أن يدفع الأغنياء والموسرون عشرة قراريط والفقراء خمسة قراريط. والقول الآخر هو أن الإمام أو الحاكم الإسلامي – بما يتناسب مع أحوال أفراد العاقلة – يقوم بالتقسيم حسب ما يراه صلاحًا. وقد اعتُبر القول الثاني أقرب إلى الصواب (الحلي، 1408هـ، ج4، ص 273). وبناءً على هذا، إذا قبلنا القول الثاني، يطرح سؤال مهم وهو: إذا كان عدد أفراد العاقلة أكثر من المقدار الذي تقتضيه الدية، فماذا يجب أن يُفعل؟ هل يخصص الإمام أو الحاكم الإسلامي دفع الدية لعدد معين من هؤلاء الأفراد، أو ما يسمى بـ«تخصيص» الأفراد لدفع الدية، أم أنه يقسمها، وإن كان بمقدار ضئيل، ولكنه يقدر لكل أفراد العاقلة دفع مقدار من الدية؟ انقسم الفقهاء في الإجابة على هذا السؤال إلى فريقين: فريق قال بلزوم التخصيص من جانب الإمام، وفريق آخر قبل القول بالتقسيط. وقد استدل كل من هذين الفريقين بأدلة لإثبات نظريته. فأنصار نظرية التخصيص استدلوا بأنه بما أن تقسيط الدية على جميع أفراد العاقلة يستلزم توزيع الحصص وتقسيم المبلغ اللازم، وهذا العمل يوجب تحمل المشقة، فإن الإمام بنفسه يختار بعض أفراد العاقلة حسب ما يراه صلاحًا ويلزمهم بالدفع. ومن ناحية أخرى، قال أنصار نظرية التقسيط بأنه بما أن الدية لازمة على جميع أفراد العاقلة أساسًا، فإن تخصيص دفعها لعدد محدود يحتاج إلى دليل، في حين أن مثل هذا الدليل ليس في أيدينا (العاملي، 1413هـ، ج15، ص 522). وقد اكتفى الشهيد الثاني في مسالك الأفهام بهذا المقدار من بيان الاستدلالات. وكما يظهر من استدلال أنصار نظرية التقسيط، فإن أساس استدلالهم هو قاعدة عدم الدليل. وهذا الاستظهار يؤكده صاحب الجواهر بإدراجه عنوان قاعدة عدم الدليل ضمن الاستدلال. ويقدم ثلاثة استدلالات مختلفة لنظرية التقسيط: أولاً: التقسيط والابتعاد عن التخصيص هو مقتضى العدل والعدالة، ذلك أن العدالة تقتضي أن يدفع جميع أفراد العاقلة الدية؛ لا أن يخصص دفعها لعدد منهم. ثانيًا: النصوص الشرعية لها إطلاق يشمل جميع أفراد العاقلة، لا بعضهم. ثالثًا: مقتضى قاعدة «عدم الدليل دليل العدم» هو أنه عندما لا يكون هناك دليل على التخصيص، ينتفي حكمه أيضًا. بناءً على هذا، فإننا من الظن بعدم وجود دليل على التخصيص، نصل إلى الظن الغالب بعدم لزومه (النجفي، 1404هـ، ج43، ص 439). والنقطة المثيرة للاهتمام هي أن عبارة صاحب الجواهر توحي بأن الاستدلال بقاعدة عدم الدليل لإثبات نظرية التقسيط وفي الواقع لرد نظرية التخصيص، هو أكثر فاعلية من الاستدلال بالدليلين الآخرين، حيث يقول: «لا ريب أن الأول أي التقسيط أنسب بالعدل وأوفق بإطلاق تعلقها بالجميع بعد عدم الدليل إلى التخصيص» (النجفي، 1404هـ، ج43، ص 439). ومن الواضح أن عبارة «بعد عدم الدليل إلى التخصيص» بعد بيان الدليلين الأولين، في العرف الكتابي والأدبيات العلمية للفقهاء، تشير إلى قوة وأصلية الدليل الذي يأتي بعد كلمة «بعد».

2-5. إلحاق البنج بالمواد المسكرة

المسؤولية الجنائية قد تزول كليًا أو تنقص أحيانًا بسبب عوارض. وقد درس محققو القانون الإسلامي تلك العوارض بدقة. يمكن القول إن العوارض التي تطرأ على المسؤولية نوعان: عوارض طبيعية لا دخل للإنسان في حدوثها، وعوارض كسبية يتسبب الإنسان نفسه في حدوثها (الفيض، 1389ش، ص 285). السكر، إذا أدى إلى رفع المسؤولية الجنائية، يُعتبر عارضًا كسبيًا. وفيما إذا كان الشخص السكران فاقدًا للمسؤولية الجنائية – لأنه فاقد للقصد والاختيار – أم أنه مسؤول، ففيه خلاف بين الفقهاء ورجال القانون. فبعضهم يرى مسؤوليته بل وادعى الإجماع على ذلك. واستدلالهم هو أن الشخص السكران نفسه، بدون عذر شرعي، شرب الخمر وبهذا قد أفسد قصده وإدراكه باختياره، ولهذا، بحكم القاعدة العقلية المعروفة «الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار»، فإنه مسؤول كالأشخاص غير السكارى ويستحق العقاب؛ ولكن بعض الفقهاء يعتبرونه فاقدًا للقصد، وبالتالي لا يرون له مسؤولية جنائية. ومستند قول هذا الفريق من الفقهاء هو أنه على الرغم من عدم وجود عذر شرعي لشرب الخمر، إلا أنه يجب القول بأن سكر الجاني قد أخرجه عن العمد والاختيار، وهذا بحد ذاته كافٍ لعدم تحميله المسؤولية الجنائية (الفيض، 1389ش، ص 307-308). وبناءً على الرأي الثاني القائل بأن الشخص السكران لا مسؤولية جنائية عليه، ففي حالة ارتكاب القتل، لن يُقتص منه؛ بل تكون الدية عليه؛ وعليه، فإن السكر هو أحد أهم عوامل رفع المسؤولية الجنائية؛ ولكن في تحديد المواد التي تلحق بالمسكرات، يوجد اختلاف في وجهات النظر. من هنا، ففيما إذا كان الشخص الذي تعاطى البنج أو المواد المنومة يلحق بالسكران أم لا، خلاف. ففريق من العلماء ألحقوا مثل هذا الشخص بالسكران؛ لأنهما كلاهما أزالا قصد نفسيهما باختيارهما. وفي المقابل، رفض فقهاء آخرون مثل هذا الإلحاق وأكدوا على الفرق بينهما (الفاضل الهندي، 1416هـ، ج11، ص 104). صاحب الجواهر، بعد بيان قول المحقق الحلي بالتردد في المسألة، تبنى القول الثاني؛ أي أنه لا يلحق الشخص الذي تعاطى البنج والدواء المنوم بالسكران. وأقام على قوله أدلة مختلفة؛ حيث بيّن أن الفارق بين البنج أو الأدوية المنومة والمسكرات هو كونها مسكرة، واعتبر هذا الفارق مبينًا لعدم الإلحاق. والمثير للاهتمام أن إيشانه قد بيّن أن دليله الأول على عدم الإلحاق هو قاعدة عدم الدليل (النجفي، 1404هـ، ج42، ص 187). وتقرير هذا الدليل هو أنه بما أن كل شخص يرتكب جناية يجب أن يكون مسؤولاً عن جنايته أساسًا ويُعاقب عليها، إلا إذا كان هناك دليل على رفع مسؤوليته الجنائية، ففي خصوص المسألة محل البحث، حيث نشك في الشخص الذي تعاطى البنج والأدوية المنومة هل يلحق بالسكران أم لا، يجب أن نفحص الأدلة الشرعية، وعندما نيأس من الحصول على دليل ويحصل الظن الغالب بعدم وجود الدليل، فمن هنا يمكن استنتاج عدم وجود حكم الإلحاق، وبالتالي اعتبار مثل هذا الشخص مسؤولاً عن جنايته.

النتائج

1. للقواعد الأصولية تطبيق واسع في الاستنباطات الفقهية، وفي كثير من الحالات تمنع الخطأ في مقام استخراج الحكم الشرعي. قاعدة «عدم الدليل دليل العدم» من القواعد التي أُشير إليها في بعض كتب الأصول، واستُند إليها في مواضع كثيرة في كتب الفقه.

2. قاعدة عدم الدليل هي قاعدة عقلية يُستنتج على أساسها من الظن بعدم وجود الدليل، الذي يحصل بعد الفحص في الأدلة، الظن الغالب بعدم تشريع الحكم والتكليف؛ وعليه، فإن القاعدة المذكورة تُعد من الأمارات الظنية التي في حالة قبول أصل حرمة العمل بالظنون، لا يبقى مجال للعمل بها.

3. قاعدة عدم الدليل من حيث إنها لا تلحظ الرجوع إلى الحالة السابقة، لا يمكن أن تكون فرعًا من أصل الاستصحاب؛ وإن كان مؤدى جريان كليهما قد يكون واحدًا ويتطابق مع الحالة السابقة. كما أنها، بما أنها تفيد الظن وتُعتبر من الأمارات الظنية، تختلف عن البراءة وتقع في عرضها، لا في طولها.

4. على الرغم من كون قاعدة عدم الدليل مخدوشة بناءً على المباني الأصولية، إلا أن الاستدلال بها شائع في كتب الفقه، وقد استند الفقهاء إليها في مواضع كثيرة؛ ولهذا يمكن اعتبار التمسك بهذه القاعدة من المواضع التي سلك فيها المجتهدون في مقام الفتوى والاستنباطات الفقهية طريقًا غير الذي قبلوه في المباني الأصولية.

5. استند صاحب الجواهر في الأبواب الجزائية من جواهر الكلام في حالات متعددة إلى قاعدة عدم الدليل، بل وقدمها أحيانًا على أدلة أخرى. وقد احتج في مسائل مثل قصاص الجاني في الحرم، وعدم المماثلة في كيفية قصاص العين، وتغليظ دية الطرف، واشتراك العاقلة في ما زاد عن الدية، وإلحاق البنج بالمواد المسكرة، على أساس هذه القاعدة، وعزز بها وجهة نظره.

6. من المحتمل جدًا أن يكون تطبيق هذه القاعدة في كتاب جواهر الكلام نابعًا من قطع واطمئنان صاحب الجواهر بالنتيجة التي حصلت في فرض إجراء القاعدة؛ بمعنى أنه بسبب عدم وجود الدليل، حصل لديه قطع بعدم تشريع الحكم، ومن الاطمئنان الحكمي الذي حدث له بواسطة قطعه، ذكر القاعدة المذكورة. لذا، يمكن لهذا الموضوع أن يبرر استخدام صاحب الجواهر لقاعدة عدم الدليل.

الهوامش

1. يرى معظم فقهاء أهل السنة حجية القياس في طريق استنباط الأحكام الشرعية بدلاً من الدليل العقلي (الخضري بك، 1389ش، ص 205).

2. يرى الشهيد الصدر أن علم الأصول بمنزلة منطق الفقه الذي يعصم الفقيه عن الخطأ في استنباط الأحكام الشرعية (الصدر، 1395ش، ص 13).

3. لأن التكليف بما لم يبين من قبل الشارع خلاف الحكمة.

4. المراد من الإرادة المبرزة هو أن الشارع بطرحه إرادته القائمة على طلب الفعل أو تركه، يجعلها تكليفاً أو حكماً شرعياً في حق المكلفين. ومن الواضح أن هذا الإبراز يجب أن يكون بنحو يُعدّ إبرازاً عند المكلف؛ وإلا فلو أبرز الشارع إرادته ولكنها بقيت خفية على المكلف لعلة أو مانع، فإن هذا الإبراز يكون كـالعدم؛ لأن المهم هو إبراز الإرادة في قالب يُعتبر إبرازاً بالنسبة للمكلفين، لا فقط بالنسبة للشارع.

5. في مقابل الإطلاق المقامي يوجد الإطلاق اللفظي. في مثال «أعتق رقبة»، لو تمسكنا بالإطلاق اللفظي لنفي قيد «الإيمان»، فالمراد هو التمسك بإطلاق لفظ «رقبة». أما في الإطلاق المقامي، فلا موضوعية لإطلاق الألفاظ، بل بالنظر إلى مقام البيان الذي كان فيه الشارع، ومع ذلك امتنع عن ذكر القيد، نصل إلى عدم شرطية ذلك القيد أو جزئيته.

6. لا يوجد خلاف يُعتد به بين فقهاء الإمامية حول حدود ومسافة الحرم التي تترتب عليها أحكام خاصة، ويكاد الجميع يتفقون على أن حدود الحرم هي بريد في بريد (الحلي، 1414هـ، ج7، ص 375).

7. المادة 16 من قانون العقوبات الإسلامي: القصاص هو العقوبة الأصلية للجرائم العمدية على النفس والأعضاء والمنافع.

قائمة المصادر

1. الأردبيلي، محمد علي (1392ش). حقوق جزاي عمومي. طهران: نشر ميزان.

2. الأنصاري، مرتضى بن محمد أمين (1416هـ). فرائد الأصول. قم: انتشارات إسلامي.

3. البدري، تحسين (1428هـ). معجم مفردات أصول الفقه المقارن. طهران: المشرق للثقافة والنشر.

4. جماعة من المؤلفين (د.ت). تاريخ الفقهاء والرواة المنتخب. بيجا: بينا.

5. الحلي (العلامة)، حسن بن يوسف (1414هـ). تذكرة الفقهاء. قم: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.

6. الحلي (المحقق)، جعفر بن حسن (1407هـ). المعتبر في شرح المختصر. قم: مؤسسة سيدالشهداء.

7. الحلي (المحقق)، نجم الدين جعفر بن حسن (1408هـ). شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام. قم: انتشارات اسماعيليان.

8. الخضري بك، محمد (1389ش). أصول الفقه. القاهرة: المكتبة التجارية الكبرى.

9. الزمخشري، أبو القاسم محمود بن عمرو (1419هـ). أساس البلاغة. بيروت: دار الكتب العلمية.

10. الصدر، سيد محمد باقر (1395ش). المعالم الجديدة للأصول. طهران: مكتبة النجاح.

11. الطوسي، محمد بن حسن (1387هـ). المبسوط في فقه الإمامية. طهران: المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية.

12. العاملي (الشهيد الثاني)، زين الدين بن علي (1413هـ). مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام. قم: مؤسسة المعارف الإسلامية.

13. الفاضل التوني، عبد الله بن محمد (1415هـ). الوافية في أصول الفقه. قم: مجمع الفكر الإسلامي.

14. الفاضل الموحدي اللنكراني، محمد (1385ش). إيضاح الكفاية. قم: نوح.

15. الفاضل الهندي، محمد بن حسن (1416هـ). كشف اللثام والإبهام عن قواعد الأحكام. قم: دفتر انتشارات إسلامي.

16. الفيض، عليرضا (1389ش). مقارنة وتطبيق در حقوق جزاي عمومي إسلام. طهران: سازمان چاپ وانتشارات.

17. الكرجي، أبو القاسم (1421هـ). تاريخ فقه وفقها. طهران: انتشارات سمت.

18. المحمدي، علي (1387ش). شرح رسائل. قم: دار الفكر.

19. مركز المعلومات والوثائق الإسلامية (1389ش). فرهنگ‌نامه أصول فقه. قم: پژوهشگاه علوم وفرهنگ إسلامي.

20. المشكيني، علي (1386ش). اصطلاحات الأصول ومعظم أبحاثها. قم: نشر الهادي.

21. الملكي الأصفهاني، مجتبى (1379ش). فرهنگ اصطلاحات أصول. قم: عالمه.

22. النجفي، محمد حسن (1404هـ). جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام. بيروت: دار إحياء التراث العربي.

23. هلال، هيثم (1424هـ). معجم مصطلح الأصول. بيروت: دار الجليل.

Scroll to Top