توثيق المشايخ وتصحيح مراسيل صفوان والبزنطي وابن أبي عمير من منظور الأستاذ الشهيدي

الملخص

ورد كلام للشيخ الطوسي في توثيق مشايخ صفوان والبزنطي وابن أبي عمير وتصحيح مراسيلهم، وقد وقع الخلاف في مفاده ودلالته. ففي حال ثبوت دعوى الشيخ في توثيق مشايخ هؤلاء الرواة الثلاثة وتصحيح مراسيلهم، فإن كثيراً من رواة الحديث سيوثّقون، كما ستكتسب أعداد كبيرة من الروايات المرسلة الحجية. ونظراً لأهمية الموضوع، تتناول هذه المقالة هذه المسألة بالدراسة وفق منهج تحليلي-نقدي من خلال كتاب «المباحث الأصولية» لآية الله الشهيدي. وقد طُرحت ثلاثة إشكالات رئيسة حول شهادة الشيخ الطوسي: ١. كون شهادة الشيخ الطوسي حدسية؛ ٢. استناد العمل بالمراسيل إلى أصالة العدالة؛ ٣. كون رواية هؤلاء الرواة الثلاثة المتعددة عن أشخاص غير ثقات موهناً لهذه الشهادة. وتُظهر هذه الدراسة أن هذه الإشكالات الثلاثة وغيرها من الإشكالات المطروحة يمكن الرد عليها، وأن شهادة الشيخ الطوسي بوثاقة مشايخ صفوان والبزنطي وابن أبي عمير وتصحيح مراسيلهم مقبولة ما لم يوجد دليل على خلافها.

مقدمة

للتوثيقات العامة عادةً تأثير كبير في توثيق رواة الحديث، وسبب ذلك هو أثرها الجماعي في هذا المجال؛ إذ قد يكتسب مئات الرواة الحجية بتوثيق عام واحد؛ لذا فإن دراسة وبحث أدلة حجيتها تحظى بأهمية بالغة. ويعدّ مشايخ أصحاب الإجماع، ومشايخ جعفر بن بشير، ورواة كامل الزيارات، ورواة تفسير علي بن إبراهيم، ومشايخ الإجازة، من بين التوثيقات العامة التي ذكرها علماء الرجال. ومن التوثيقات العامة التي قد تؤدي إلى توثيق عدد كبير من الرواة، اعتبار مشايخ صفوان والبزنطي وابن أبي عمير. ففي حال تأييد هذا التوثيق، سيكتسب مشايخ وأساتذة هؤلاء الرواة الثلاثة الحجية في نقل الحديث. ولتوضيح أثر هذا التوثيق، يكفي أن نعلم أن ابن أبي عمير وحده قد روى في الكتب الأربعة ووسائل الشيعة عن أكثر من أربعمائة راوٍ، ليس لكثير منهم توثيق خاص. ووفقاً لهذا التوثيق، فإن الأساتذة المجهولين لهؤلاء الرواة الثلاثة سيُعدّون معتبرين أيضاً. إن أصل نشأة احتمال وثاقة هؤلاء الرواة الثلاثة يعود إلى كلام الشيخ الطوسي؛ حيث أذعن بأن الأصحاب الإمامية وثّقوا مشايخ صفوان والبزنطي وابن أبي عمير، وأن مراسيلهم معمول بها كغيرها من المسانيد (الطوسي، ١٤١٧، ج ١، ص ١٥٤). وهذا الكلام للشيخ الطوسي، الذي سيأتي تفصيله لاحقاً، هو منشأ تكوّن هذا التوثيق، ومحل النقض والإبرام والحوار بين خبراء علمي الرجال والفقه (راجع: الخوئي، ١٤٠٩، ج ١، ص ٦١؛ النوري، ١٤٢٩، ج ٢٣، ص ١٢٠؛ السبزواري، د.ت، ج ٢، ص ٥١٤؛ الحكيم، ١٤١٦، ج ١، ص ٤٢٥؛ الخميني، ١٤٢١، ج ٣، ص ٣٤٢). إن وجود هذه الأبحاث لم يغننا عن مزيد من البحث في هذا المجال؛ إذ إن القاعدة وإشكالاتها لم تُنقّح جيداً في معظم هذه الأبحاث، ولم يتناول أي منها جميع الإشكالات والردود المطروحة بشكل كامل؛ كما أن الأبحاث الموجودة تناولت الموضوع في الغالب من منظور مباني مؤلفيها. أما بحث حجية مراسيل هؤلاء الثلاثة، على الرغم من أثره الكبير في البحث، فلم يتم تقييمه بشكل مستوفٍ ومن منظور أصولي. في هذه المقالة المستلهمة من كتاب «المباحث الأصولية» لآية الله الشهيدي، سنقوم أولاً بذكر كلام الشيخ الطوسي لدراسة التوثيق العام لمشايخ صفوان والبزنطي وابن أبي عمير، ثم نطرح الإشكالات الواردة وندرسها. وفي الختام، سنبين اعتبار مرسلاتهم.

١. عبارة الشيخ الطوسي

إن دليل ومنشأ توثيق مشايخ الثقات الأولي هو عبارة الشيخ الطوسي في كتاب «عدة الأصول». حيث كتب في بحث تعارض الخبر الواحد: «إذا كان أحد الراويين مسنداً والآخر مرسلاً، نظر في حال المرسل، فإن كان ممن يُعلم أنه لا يُرسل إلا عن ثقة موثوق به فلا ترجيح لخبر غيره على خبره، ولأجل ذلك سوّت الطائفة بين ما يرويه محمد بن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، وأحمد بن محمد بن أبي نصر وغيرهم من الثقات الذين عُرفوا بأنهم لا يروون ولا يُرسلون إلا عمن يوثق به وبين ما أسنده غيرهم، ولذلك عملوا بمراسيلهم إذا انفردوا عن رواية غيرهم» (الطوسي، ١٤١٧، ج ١، ص ١٥٤)؛ أي إذا كان سند رواية مسنداً وسند أخرى منقطعاً، يُنظر في حال راوي السند المنقطع؛ فإن كان ممن لا يروي عن غير الثقة، فلا ترجيح للخبر المسند على خبره، ولهذا السبب سوّى علماء الشيعة بين مرسلات محمد بن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، وأحمد بن محمد بن أبي نصر، وغيرهم من الذين عُرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلا عن الثقات، وبين مسانيد غيرهم، وعملوا بمرسلاتهم إذا انفردوا بها في الرواية. وفقاً لكلام الشيخ الطوسي، من وجهة نظر أصحاب الإمامية، فإن ابن أبي عمير وصفوان والبزنطي لا ينقلون الرواية أو يرسلونها إلا عن الثقات، ومن وجهة نظرهم لا فرق من حيث الاعتبار بين روايات هؤلاء الثلاثة المرسلة وروايات غيرهم المسندة. وهذه الشهادة تدل عند عدد من الأكابر على توثيق الرواة وتصحيح روايات هؤلاء الثلاثة (الأنصاري، ١٤١٥، ج ١، ص ٤٦؛ الخميني، ١٤٢١، ج ٢، ص ٢٧٥؛ الحائري اليزدي، ١٤٢٦، ج ١، ص ٤٣٧ و ٤٤٤، وج ٢، ص ١٥٤؛ الزنجاني، ١٤١٩، ج ٩، ص ٢٩٢٩، وج ١٧، ص ٥٣٦٣؛ الصدر، ١٤٠٨، ج ٣، صص ٣٣٤ و ٣٥٦).

٢. دراسة الإشكالات الواردة على اعتبار المشايخ

إن دلالة كلام الشيخ الطوسي على المدعى محل البحث تعتريها إشكالات من وجهة نظر بعض الفقهاء؛ لذا فإن التوثيق العام بعنوان «وثاقة مشايخ صفوان والبزنطي وابن أبي عمير» غير مقبول عند البعض (الخوئي، ١٤٠٩، ج ١، ص ٦١). وفيما يلي سنستعرض الإشكالات المطروحة حول دلالة كلام الشيخ على المدعى المذكور.

١-٢. كون شهادة الشيخ حدسية

إن احتمال كون شهادة الشيخ حول أداء الفقهاء في توثيق مشايخ الرواة الثلاثة وتصحيح مراسيلهم اجتهادية وحدسية، هو أحد الانتقادات التي طُرحت على حجية شهادته. ويُصاغ هذا الإشكال في قالب قياس منطقي على النحو التالي: إن رأي الشيخ في كتاب «العدة» مبني على الحدس والاجتهاد، والكلام الرجالي إذا كان مبنياً على الحدس والاجتهاد فهو فاقد للحجية. بالنظر إلى أن كبرى هذا الأمر مسلّم بها لدى المحقق الخوئي، فقد تعرض في كتابه لبحث الصغرى وقال: لو كانت مرسلات هؤلاء الثلاثة مساوية لمسانيد غيرهم على نحو قطعي وإجماعي، لكان يجب ذكر ذلك في كلام قدماء الأصحاب؛ في حين لا يوجد أي أثر لهذا المطلب في غير كلام الشيخ. بالطبع، نقل النجاشي عن ابن أبي عمير أنه كان يروي من حفظه بسبب تلف كتبه، وأن الأصحاب وثقوا بمراسيله؛ ولكن لم يُعثر على مثل هذا المطلب بخصوص الأشخاص الآخرين. ونتيجة هذا المطلب هي أننا نطمئن بأن منشأ دعوى الشيخ الطوسي هو دعوى الكشي بخصوص أصحاب الإجماع1، وبما أن وثاقة جميع مشايخ أصحاب الإجماع هي إحدى الاستنباطات من هذا الكلام، فيبدو أن الشيخ أيضاً قد قبل بهذا الاستنباط، وفي كتاب «العدة» ذكر هؤلاء الثلاثة الذين هم جميعاً من أصحاب الإجماع، واكتفى بالإشارة إلى الآخرين. إن قرينة اجتهاد الشيخ في استنباطه من كلام الكشي حول أصحاب الإجماع هي أن الشيخ قد وصف أشخاصاً آخرين –دون أن يذكر أسماءهم– بهذا الوصف؛ في حين لم يُعرف أحد غير أصحاب الإجماع بهذا الأمر. وبناءً على ذلك، فإن شهادة الشيخ على توثيق مشايخ الرواة الثلاثة فاقدة للحجية.

١-٢-١. نقد ودراسة كون الشهادة حدسية

إن القول بأن عبارة الشيخ هي استنباط واستظهار منه لعبارة الكشي حول أصحاب الإجماع2، هو خلاف الظاهر وبعيد. وتوضيح المطلب هو أن جماعة من العلماء قد استظهروا من تعبير الكشي حول أصحاب الإجماع أن كل رواية تصل بسند صحيح إلى أحد أصحاب الإجماع، يُحكم بصحتها. هذا الاستظهار غير مقبول، وأقصى ما يُستفاد من عبارة الكشي هو الإجماع على فقاهة ووثاقة وصدق هؤلاء الأشخاص، وهذا المطلب يختلف عن كونهم لا يروون عن غير الثقة. والشاهد على هذا الأمر هو أن تعبير «تصحيح ما يصح» لم يُستخدم بخصوص الستة الأوائل من أصحاب الإجماع، وإنما قيل فقط: «أجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأولين من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام)» (الكشي، ١٣٤٨، ص ٢٣٨)، وظاهره أن هؤلاء الأشخاص مصدَّقون. وظاهر عبارات الكشي يدل على أن مقصوده من عباراته بخصوص الستة الثواني والثوالث هو نفس ما قاله بخصوص الستة الأوائل؛ لأنه قال في العبارة الثانية: «من دون أولئك الستة الذين عددناهم وسميناهم» (الكشي، ١٣٤٨، ص ٢٣٨)، وقال في العبارة الثالثة: «دون الستة نفر الذين ذكرناهم في أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام)» (الكشي، ١٣٤٨، ص ٢٣٨)؛ لذا فإن مفاد كلام الشيخ يختلف عما قيل بخصوص أصحاب الإجماع؛ ونتيجة لذلك فإن دعوى المحقق الخوئي في اجتهاد الشيخ من نص كلام الكشي هي دعوى بلا دليل. وفيما يتعلق بدليل المحقق الخوئي3 يجب القول: أولاً، إن كتب الرجال، بل كتب فقه القدماء، باستثناء حالات قليلة، قد فُقدت ولم تصل إلينا؛ لذا فإن عدم ذكر الموارد المذكورة أمر طبيعي. ثانياً، كيف أن المحقق الخوئي نفسه لم يطرح مثل هذا الإشكال في حالات مشابهة وقبل بشهادة الشيخ؛ على سبيل المثال، دعواه بخصوص عمل الأصحاب بروايات حفص بن غياث، وغياث بن كلوب، ونوح بن دراج، والسكوني، حيث لم تُنقل هذه الإجماعات المدعاة في أي مكان آخر (الخوئي، ١٤٠٩، ج ٣، ص ١٠٦)، وكذلك الإجماع المدعى في بحث أصحاب الإجماع الذي لا أثر له في مكان آخر يمكن أن يكون نقضاً آخر عليه. الشاهد الآخر للمحقق الخوئي على كون كلام الشيخ اجتهادياً هو وجود دعوى عدم رواية جماعة عن غير الثقة، وحصرها في أصحاب الإجماع، وهي دعوى محل تردد؛ إذ قيل بخصوص علي بن الحسن الطاطري: «وله كتب في الفقه رواها عن الرجال الموثوق بهم وبرواياتهم» (الطوسي، ١٣٥٦، ص ٩٢)؛ وكذلك بعض الرواة مثل جعفر بن بشير ومحمد بن إسماعيل بن ميمون الزعفراني، الذين لا يمكن نفي احتمال شهرتهم بعدم الرواية عن غير الثقات، وقيل عنهم: «روى عن الثقات ورووا عنه» (النجاشي، ١٤٠٧، صص ١١٩ و ٣٤٥)؛ ولكن ظهورها في عدم الرواية عن غير الثقة ليس بمسلّم. وقد استظهر المحقق الخوئي من عبارة علي بن إبراهيم في مقدمة تفسيره أنه لا يروي عن غير الثقة (الخوئي، ١٤٠٩، ج ١، ص ٤٩)؛ كما أنه قال بعدم رواية النجاشي عن غير الثقات (الخوئي، ١٤٠٩، ج ١، ص ٥٠)، وبخصوص كامل الزيارات فقد قال أولاً بعدم الرواية عن غير الثقات ولو بواسطة4 (الخوئي، ١٤٠٩، ج ١، ص ٥٠).

٢-٢. امتناع الشيخ الطوسي عن العمل بمرسلات ابن أبي عمير

إن الشيخ الطوسي في «التهذيب» و«الاستبصار»، عند طرح الإشكال حول مرسلات ابن أبي عمير، لا يعتبرها معتبرة في تعارضها مع الروايات المسندة (الطوسي «أ»، ١٤٠٧، ج ٨، ص ٢٥٧؛ الطوسي، ١٣٩٠، ج ٤، ص ٢٧).

١-٢-٢. نقد إشكال امتناع الشيخ الطوسي

قُدّمت ثلاثة أجوبة على هذا الإشكال: الجواب الأول: أن تأليف كتاب «العدة» كان متأخراً عن تأليف كتابي «التهذيب» و«الاستبصار»؛ والشاهد على ذلك أن الشيخ الطوسي يكتب في «العدة»: «وقد ذكرت ما ورد عنهم (عليهم السلام) من الأحاديث المختلفة التي تختص بالفقه في كتابي المعروف بالاستبصار وتهذيب الأخبار ما يزيد على خمسة آلاف حديث» (الطوسي، ١٤١٧، ج ١، ص ١٣٧-١٣٨). وبالنظر إلى هذا المطلب، يُحتمل أن رأي الشيخ بخصوص الأمر المذكور قد تغير بعد اطلاعه على عمل الأصحاب في زمن تأليف كتاب «العدة». الجواب الثاني: أن بناء الشيخ في «التهذيب» و«الاستبصار» كان على رفع الاتهام العقائدي ورفع الإشكالات التي طُرحت على الإمامية بسبب اختلاف الروايات، وهذا الاحتمال يرجح أنه كان بصدد بيان وجوه لرفع التعارض بين الروايات المذكورة (الطوسي «أ»، ١٤٠٧، ج ١، ص ٢)؛ حتى بالجمع التبرعي أو بالحلول التي لم تكن مقبولة لديه؛ والشاهد على هذا الأمر أنه في «الاستبصار» بعد نقل رواية عمار الساباطي يكتب: «إنه ضعيف فاسد المذهب، لا يُعمل على ما يختص بروايته» (الطوسي، ١٣٩٠، ج ١، ص ٣٧٢)؛ في حين أنه قال في «التهذيب»: «إنه قد ضعّفه جماعة من أهل النقل وذكروا أن ما ينفرد بنقله لا يُعمل به لأنه كان فطحياً، غير أنا لا نطعن عليه بهذه الطريقة لأنه وإن كان كذلك فهو ثقة في النقل، لا يُطعن عليه» (الطوسي «أ»، ١٤٠٧، ج ٧، ص ١٠١)؛ كما أنه يكتب في كتاب «الفهرست»: «له كتاب كبير جيد معتمد» (الطوسي، ١٣٥٦، ص ١١٧). ويبدو أن هذا الجواب ليس صحيحاً؛ لأن القرائن المذكورة ليست كافية لرفع اليد عن ظهور عبارة الشيخ. الجواب الثالث: أن كلام الشيخ في «التهذيب» و«الاستبصار» يتعارض فقط مع سيرة الأصحاب في العمل بمرسلات هؤلاء الرواة الثلاثة؛ ولكنه لا يضر بتوثيق مشايخهم؛ لذا لا يوجد مانع من قبول شهادة الشيخ الأولى. وسيتم بحث التفكيك بين وثاقة المشايخ وحجية مرسلات هؤلاء الثلاثة في قسم تقييم اعتبار مرسلاتهم.

٣-٢. احتمال عمل الأصحاب على أساس مبنى أصالة العدالة

طرح المحقق الخوئي هذا الاحتمال وهو أنه من المحتمل أن يكون وثوق الأصحاب بمشايخ الرواة الثلاثة مبنياً على أصالة العدالة5، وحتى في حال إثبات وثوق الأصحاب، فإن هناك شكاً في اعتبار عمل الأصحاب (الخوئي، ١٤٠٩، ج ١، ص ٦٢)؛ لذا فإن اعتبار مشايخ هؤلاء الرواة الثلاثة لن يكون قابلاً للإثبات بعمل الأصحاب؛ لأن إحراز وثاقة الراوي شرط في حجية الرواية.

١-٣-٢. نقد احتمال مبنى أصالة العدالة

تَرِد إشكالات على احتمال أصالة العدالة: أولاً: لو كان مبنى مساواة مراسيل هؤلاء الثلاثة لمسانيد غيرهم هو أصالة العدالة، لما كان هناك وجه لتخصيص هذا الأمر بمراسيلهم. ثانياً: شهادة الشيخ تستند إلى أن هؤلاء الثلاثة عُرفوا بعدم النقل عن غير الثقة إرسالاً أو إسناداً؛ لذا فإن مبنى عمل الأصحاب لا يضر بهذه الشهادة.

٤-٢. عدم إمكانية وصول الشيخ الطوسي إلى وثاقة مشايخ الرواة الثلاثة

الإشكال الآخر الذي طُرح على شهادة الشيخ الطوسي هو وجود قرينة تضعف اطمئناننا بهذه الشهادة، وهي أن الشيخ لم يكن لديه سبيل لإحراز وثاقة مشايخ هؤلاء الرواة الثلاثة. وفي هذه الحالة، لا يمكن تصديق دعواه القائمة على كون مشايخهم ثقات؛ إذ لمثل هذه الشهادة، إما أن يكون هؤلاء الأشخاص قد صرحوا بأنفسهم بهذا الأمر، وهو ما لم يُنسب ظاهراً إلى أي منهم، وإما أن يكون هذا الكشف قد تم بطريق آخر؛ في حين لا يوجد طريق آخر، وأقصى ما يمكن قوله هو أنه لم يُعثر على شخص ضعيف بين أساتذتهم؛ ولكن عدم وجود دليل على الضعف ليس دليلاً على عدمه. ثانياً، لا يوجد في مرسلاتهم سبيل لدراسة أساتذتهم؛ على سبيل المثال، بسبب تلف كتب ابن أبي عمير، فإنه هو نفسه لا يعلم بدقة من هو راوي تلك الرواية؛ فكيف يمكن للآخرين تقييم أساتذته (الخوئي، ١٤٠٩، ج ١، ص ٦٣).

١-٤-٢. نقد عدم إمكانية الوصول للشيخ الطوسي

إن إشكال عدم إمكانية إحراز وثاقة مشايخ هؤلاء الرواة الثلاثة لا يرد على الشيخ الطوسي؛ لأن الطريق الوحيد للوصول إلى وثاقة مشايخهم ليس تصريح هؤلاء الأكابر؛ بل من الممكن أن يكون قد اتضح للآخرين بسبب معاشرتهم لهؤلاء الأفراد أنهم لا ينقلون عن غير الثقة، وأن هذا الدأب والمنهج كان معروفاً بين الأصحاب، ومن الممكن أنه مع شهرة هؤلاء الأشخاص بعدم الرواية عن غير الثقة، وبسبب عدم وصول كتب القدماء إلينا، قد وصل هذا المطلب إلينا فقط بواسطة الشيخ الطوسي؛ كما أن كثيراً من مباحث علم الرجال مثل بحث أصحاب الإجماع لا يوجد إلا في مصدر واحد، وبالنظر إلى عدم وصول كتب الرجال القديمة وعدم كون الكتب الفقهية استدلالية، فإن كثيراً من المطالب الرجالية تعاني من قلة المصادر. كما أن هذا الأمر، وهو أن ابن أبي عمير نفسه لم يتذكر أسماء مشايخه، ولهذا السبب روى مرسلاً، لا يتنافى مع الاطمئنان بوثاقة مشايخه؛ إذ ربما كان ذلك لأنه كان لا يروي مطلقاً عن غير الثقة، وكان هذا الأمر مسلّماً به؛ لذا فإن نسيان الأستاذ وراوي الحديث لا يضر بهذه الدعوى. بالطبع، إن القول بأن عدم وجود ضعيف بين مشايخهم لا يمكن أن يكون منشأ هذا الأمر صحيح؛ لأنه لا يوجد سبيل لدراسة الذين أُخذت المرسلات عنهم؛ ولكن ليس من المعلوم أن دعوى الشيخ كانت قائمة على مثل هذا الاستدلال.

٥-٢. النقل المتعدد لصفوان والبزنطي وابن أبي عمير عن الرواة الضعاف

طرح المحقق الخوئي حالات كثيرة من روايات هؤلاء الرواة الثلاثة التي نقلوها عن ضعفاء كإشكال نقضي (الخوئي، ١٤٠٩، ج ١، ص ٦٣)، وهي كالتالي: ١. علي بن أبي حمزة البطائني الذي قال عنه علي بن الحسن بن فضال: «كذاب ملعون» (الكشي، ١٣٤٨، صص ٤٠٤ و ٥٥٢). وقد روى صفوان بن يحيى وابن أبي عمير كتابه عنه (الطوسي، ١٣٥٦، ص ٩٦-٩٧)، وفي حالات كثيرة روى عنه صفوان (الكليني، ١٤٠٧، ج ١، ص ١٠٤) وابن أبي عمير (الكليني، ١٤٠٧، ج ٣، ص ٢٥٥). ٢. يونس بن ظبيان الذي ضعّفه النجاشي (النجاشي، ١٤٠٧، ص ٤٤٨)، وقد روى عنه صفوان وابن أبي عمير (الطوسي، ١٣٩٠، ج ٢، ص ١٥٧؛ الطوسي، ١٤٠٧، ج ٥، ص ٣٢). ٣. أبو جميلة المفضل بن صالح الذي ضعّفه النجاشي. وقد روى عنه صفوان (الكليني، ١٤٠٧، ج ٦، ص ٤٧٩) والبزنطي في حالات كثيرة (الكليني، ١٤٠٧، ج ٤، ص ١٨٨ وج ٦، ص ١٩٩). ٤. عبد الله بن خداش الذي ضعّفه النجاشي (النجاشي، ١٤٠٧، ص ٢٢٨)، وقد روى عنه صفوان (الكليني، ١٤٠٧، ج ٧، ص ٨٧). ٥. حسين بن أحمد المنقري الذي ضعّفه النجاشي (النجاشي، ١٤٠٧، ص ٥٣)، وقد روى عنه ابن أبي عمير (الكليني، ١٤٠٧، ج ٢، ص ٦٢٣). ٦. علي بن حديد الذي ضعّفه الشيخ الطوسي في حالات كثيرة (الطوسي، ١٣٩٠، ج ١، صص ٤٠ و ٩٥)، وقد روى عنه ابن أبي عمير (الطوسي «أ»، ١٤٠٧، ج ٧، ص ٢٧٦؛ همو، ١٣٩٠، ج ٣، ص ١٥٩). ٧. عبد الله بن محمد الشامي الذي فيه ضعف (النجاشي، ١٤٠٧، ص ٣٤٨)، وقد روى عنه البزنطي (الكليني، ١٤٠٧، ج ٦، ص ٣١٩). ٨. الحسن بن علي بن أبي حمزة الذي هو ضعيف (النجاشي، ١٤٠٧، ص ٣٦؛ ابن الغضائري، د.ت، ص ٥١)، وقد روى عنه البزنطي (الطوسي «أ»، ١٤٠٧، ج ٨، ص ٢٦٢). إن القضايا المذكورة هي فقط بعض الحالات التي روى فيها هؤلاء الثلاثة عن رواة ضعفاء، وهناك حالات أخرى كثيرة لا يتسع المجال لذكرها في هذه المقالة.

١-٥-٢. نقد إشكال النقل عن الضعفاء

يجب العلم بأن الإشكال النقضي يرد في حال ثبت أن هؤلاء الثلاثة قد رووا عن شخص كان ضعيفاً عندهم وقت ضعف الرواية؛ أي أولاً يجب إثبات أن هؤلاء الثلاثة كانوا قائلين بضعف ذلك الشخص، وثانياً أنهم رووا عنه وقت ضعفه، وهذان الأمران لم يثبتا في أي من الحالات المطروحة. إضافة إلى هذين الإشكالين اللذين يردان في جميع الحالات المطروحة، هناك إشكالات أخرى بخصوصها تُطرح في ما يلي: ١. علي بن أبي حمزة: إضافة إلى الإشكالات المذكورة، يُحتمل أن يكون هؤلاء الرواة الثلاثة قد رووا عنه في زمن استقامته. ٢. يونس بن ظبيان: بما أن النقل عن يونس يكون دائماً مع النقل عن بريد (راجع: الطوسي «أ»، ١٤٠٧، ج ٥، ص ٣٢)، فبفرض ثبوت ضعف يونس، لا يمكن طرحه كنقض؛ لأن الرواية تُصحح بسند آخر، وفي المجمل فإن الرواية ليست مستندة إلى سند ضعيف، ويمكن القول بأن ظاهر شهادة الشيخ هو أن هؤلاء الرواة الثلاثة لا ينقلون حديثاً ضعيفاً، ومن الواضح أنه إذا وجد راويان في طبقة واحدة، فإن وثاقة أحدهما كافية لصحة الرواية. ٣. أبو جميلة المفضل بن صالح: ليس من المعلوم أن ضعف هذا الشخص كان واضحاً لصفوان والبزنطي وابن أبي عمير وقت نقل الرواية؛ بل أقصى ما يمكن قوله هو أن النجاشي وابن الغضائري قد ضعّفاه، وبين تضعيفهما وتوثيق مشايخ هؤلاء الرواة الثلاثة يقع تعارض؛ لذا فإن التضعيف ليس دليلاً على رد دعوى الشيخ الطوسي. ٤ و ٥. عبد الله بن خداش والحسين بن أحمد المنقري: الجواب عن هذين الموردين كجواب المفضل بن صالح. ٦. علي بن حديد: أولاً، يرد هنا نفس الإشكال الذي ورد في نقض أبي جميلة المفضل بن صالح. ثانياً، في السند المنقول، وقع تصحيف، والصحيح هو «ابن أبي عمير وعلي بن حديد عن جميل». والقرينة على هذا المطلب هي أن جميلاً من مشايخ ابن أبي عمير ويروي عنه كثيراً، وهو مع علي بن حديد في طبقة واحدة؛ كما يؤيد هذا الأمر كلام صاحب «المعالم» في مقدمة «منتقى الجمان» ومضمونه أنه في نسخة من «التهذيب» كانت بخط الشيخ نفسه لديه، في مواضع متعددة كتب كلمة «عن» بدل «الواو»، وبما أن هاتين الكلمتين كانتا متشابهتين في الخط القديم، وقام الشيخ بتوصيل رأسي العين ببعضهما للإصلاح، فقد اشتبه الأمر على بعض النساخ ووقعوا في خطأ في كتابته (العاملي، ١٣٦٢، ج ١، ص ٢٦). ٧. عبد الله بن محمد الشامي: التضعيف الوحيد الذي لهذا الشخص هو أنه من مستثنيات الصدوق وابن الوليد من كتاب «نوادر الحكمة» (النجاشي، ١٤٠٧، ص ٣٤٨). ويجب الانتباه إلى أن استثناء هذين الشخصين ليس حجة علينا؛ إذ ربما كانا يشترطان في وثاقة الشخص أمراً لا نشترطه نحن. ثانياً، يبدو أن هناك شخصين باسم عبد الله بن محمد الشامي، أحدهما هو الذي يروي عنه محمد بن أحمد بن يحيى في «نوادر الحكمة» (الحر العاملي، ١٤٠٩، ج ٢٧، ص ٣١٣)، وهو نفسه الذي روى عنه أحمد بن محمد بن عيسى الحديث، والآخر هو الذي يروي عنه البزنطي (الكليني، ١٤٠٧، ج ٦، ص ٣١٩)، ومن الواضح أن هذين الشخصين يعيشان في طبقتين مختلفتين. ٨. الحسن بن علي بن أبي حمزة: الرواية المذكورة غريبة جداً. الرواية هي كالتالي: «أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الحسن بن علي بن أبي حمزة عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: قلت له إن أبي هلك وترك جاريتين قد دبرهما وأنا ممن أشهد لهما وعليه دين كثير فما رأيك؟ فقال: رضي الله عن أبيك ورفعه مع محمد (صلى الله عليه وآله) وأهله، قضاء دينه خير له إن شاء الله» (الحر العاملي، ١٤٠٩، ج ٢٣، ص ١٢٨). بالنظر إلى ما ورد في الرواية من أن والد الحسن قد توفي، وأن علي بن أبي حمزة توفي في زمن الإمام الرضا (عليه السلام)، يجب أن يكون المقصود بأبي الحسن في الرواية هو الإمام الرضا أو الإمام الهادي (عليهما السلام)، وبالنظر إلى العداوة الشديدة للحسن بن علي بن أبي حمزة مع الأئمة بعد الإمام الكاظم (عليه السلام) (النجاشي، ١٤٠٧، ص ٣٧)، فإن روايته عن هؤلاء الأئمة (عليهم السلام) بعيدة جداً؛ بل هي عادةً غير محتملة؛ لأن البزنطي كان من خواص أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام)، وبالنظر إلى عداوة الحسن بن علي مع الإمام (عليه السلام)، فإنه لم يكن يروي عنه. وكما كتب المحقق الخوئي، يمكن العثور على نقوض أخرى؛ منها رواية صفوان عن محمد بن سنان، ولكن أولاً ليس من المعلوم أن ضعف ابن سنان كان بدرجة من الوضوح بحيث يكون الأمر واضحاً لصفوان؛ ثانياً، يبدو أن المراد بمحمد بن سنان في الرواية المستشهد بها هو أخو عبد الله بن سنان، وليس محمد بن سنان الزاهري الذي توفي بعد ٧٢ سنة من وفاة الإمام الصادق (عليه السلام) (النجاشي، ١٤٠٧، ص ٣٢٨)، وروايته عن الإمام الصادق (عليه السلام) بلا واسطة بعيدة؛ كما أنه يروي عادة عن أبي بصير بواسطة عبد الله بن مسكان؛ لذا فإن روايته عن أبي بصير عن الإمام الصادق (عليه السلام) ليست صحيحة6. النقض الآخر هو وهب بن وهب أبي البختري. هناك رواية لابن أبي عمير عن وهب بن وهب نُقلت ويمكن اعتبارها نقضاً (الحر العاملي، ١٤٠٩، ج ٨، ص ١١). يقول النجاشي عنه: «كان كذاباً» (النجاشي، ١٤٠٧، ص ٤٣٠)، ويكتب الشيخ: «ضعيف وهو عامي المذهب» (الطوسي، ١٣٥٦، ص ١٧٣). ومع هذا، يُحتمل أن ضعفه لم يكن واضحاً لابن أبي عمير، وأنه كان قائلاً بوثاقته وقت تلقي الحديث منه.

٢-٥-٢. توسعة إشكال النقل عن غير الثقة من قبل المحقق الزنجاني والرد عليه

استنتج المحقق الزنجاني بالنظر إلى قرائن أن مراد الشيخ الطوسي في كتاب «العدة» هو أن هؤلاء الرواة الثلاثة لا ينقلون الحديث إلا عن الثقة الإمامي الاثني عشري. واستدلاله على مدعاه هو أن ظهور لفظ «ثقة» في كلام الشيخ في «العدة» هو في الشيعي الاثني عشري العادل؛ لأنه بحسب قول الشيخ، فإن علماء الشيعة كانوا قائلين بالتساوي بين مرسلات هؤلاء الثلاثة ومسانيد غيرهم؛ في حين أنه هو نفسه قد كتب قبل ذلك في نفس الكتاب: «إذا كان الراوي من فرق الشيعة كالفطحية والواقفية والناووسية، ففي حال وجود خبر آخر من جهة من يوثق بهم، وجب العمل بروايتهم، ولكن إذا وجد خبر معارض من جهة من يوثق بهم، وجب طرح رواية هؤلاء (الفرق المنحرفة من الشيعة) والعمل برواية الثقة (الشيعي الاثني عشري)» (الطوسي، ١٤١٧، ج ١، ص ١٥٠). لذا فإن رواية الشيعي الاثني عشري تُقدَّم على رواية غيره عند التعارض، والآن بما أنه حكم بتساوي مراسيل هؤلاء الثلاثة مع مسانيد غيرهم، فلا شك أن مرادهم من الثقة يجب أن يكون الشيعي الاثني عشري. وبناءً على هذا المبدأ، فإن عدد النقوض التي ترد على التوثيق العام لمشايخ هؤلاء الرواة الثلاثة يكون أكبر بكثير؛ لأن روايات هؤلاء الثلاثة عن غير الشيعة الاثني عشرية تُعد نقضاً على هذا المبدأ. وقد تعرض المحقق الزنجاني لبيان كل نقض على حدة، وحاول الرد عليها. النقوض التي ذكرها هي: جعفر بن سماعة (الطوسي «أ»، ١٤٠٧، ج ٣، ص ٨٥)، الحسن بن علي بن فضال (الطوسي «أ»، ١٤٠٧، ج ١، ص ١٣٧)، الحسين بن قياما (ابن بابويه، ١٣٧٨، ج ٢، ص ٢٠٩)، زياد بن المنذر، أبي الجارود الزيدي (ابن بابويه، ١٣٧٦، ص ١٢٨)، محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (ابن بابويه، ١٣٧٦، ص ٢٠٥)، صباح بن يحيى (ابن بابويه، ١٣٨٥، ج ٢، ص ٣١٢)، إسماعيل بن عمار (الكليني، ١٤٠٧، ج ٢، ص ٣٥٦)، أمية بن علي (ابن طاووس، ١٤٠٦، ص ٢٢١)، أبان بن عثمان (الكليني، ١٤٠٧، ج ٢، ص ١٥)، إسحاق بن عمار إبراهيم بن عبد الحميد الأسدي (الطوسي، ١٣٥٦، ص ٧-٨)، إسحاق بن جرير (النجاشي، ١٤٠٧، ص ٧١)، حسين بن مختار (الحر العاملي، ١٤٠٩، ج ٧، ص ١٦٥؛ همو، ج ١٢، ص ٢١٧؛ همو، ج ٢٤، ص ٣٤٩؛ ابن بابويه، ١٣٧٨، ج ١، ص ٣٠)، حسين بن مهران عن الرضا (عليه السلام) (الطوسي «أ»، ١٤٠٧، ج ٨، ص ٢١)، المفضل بن عمر (ابن بابويه، ١٣٧٦، ص ٦٠٩)، مالك بن أنس (ابن بابويه، ١٣٧٦، ص ٧٠). كما يمكن إضافة أشخاص آخرين إلى النقوض التي ذكرها وأجاب عنها، وأسماؤهم هي: محمد بن يحيى الخثعمي7 (الحر العاملي، ١٤٠٩، ج ١١، ص ٣٤؛ همو، ج ١٤، ص ٤٧؛ همو، ج ١٦، ص ١٩٦) الذي اعتبره الشيخ في «الاستبصار» عامياً (الطوسي، ١٣٩٠، ج ١، ص ٣٠٥)، وحنان بن سدير (الطوسي، ١٤٠٧، ص ٣٣٤)، وداود بن حصين (الطوسي «ب»، ١٤٠٧، ص ٣٣٦)، ودرست بن أبي منصور (الطوسي «ب»، ١٤٠٧، ص ٣٣٦)، وسماعة بن مهران (الطوسي «ب»، ١٤٠٧، ص ٣٣٧)، ومنصور بن يونس (الطوسي، ١٤٠٧، ص ٣٤٣)، وموسى بن بكر (الطوسي، ١٤٠٧، ص ٣٤٣) الذين اعتبرهم الشيخ واقفيين. وكذلك زكريا المؤمن الذي اعتبره النجاشي واقفياً (النجاشي، ١٤٠٧، ص ١٧٢)، وعثمان بن عيسى الذي كتب عنه النجاشي: «شيخ الواقفة» (النجاشي، ١٤٠٧، ص ٣٠٠)، وسيف بن عميرة الذي عرّفه ابن شهرآشوب في «معالم العلماء» بأنه واقفي (ابن شهرآشوب، ١٣٨٠، ج ١، ص ٥٦)، وزياد بن مروان القندي الذي هو من رؤساء الواقفة (الكشي، ١٣٤٨، ص ٤٦٦). ومن الأفراد الآخرين محمد بن إسحاق بن عمار الذي يُعتبر واقفياً بناءً على رواية «عيون أخبار الرضا (عليه السلام)» (ابن بابويه، ١٣٧٨، ج ٢، ص ٢١٣)، وعبد الله بن بكير الذي هو من الفطحية.

٣-٥-٢. نقد توسعة الإشكال

الجواب الذي يمكن تقديمه على الإشكال أعلاه هو أنه في كثير من هذه الحالات، لم يكن فساد المذهب ثابتاً وقت تلقي ابن أبي عمير الرواية، ويُحتمل أن ابن أبي عمير قد تلقى الروايات من هؤلاء قبل انحرافهم. كما يُحتمل أنهم قد استبصروا في أواخر حياتهم، وعندها أخذ ابن أبي عمير الروايات عنهم. ويجب الانتباه أيضاً إلى أنه إذا ثبت في حالة ما أن هؤلاء الثلاثة قد رووا عن شخص واضح الضعف أو فاسد المذهب، وليس من البعيد أن يحصل الاطمئنان بهذا الأمر في الجملة، بالنظر إلى أن شهادة الشيخ بوثاقة جميع مشايخ هؤلاء الأشخاص تنحل إلى عدد مشايخهم، فبمقدار ما يثبت خلافه، نرفع اليد عنه؛ ولكن في باقي الحالات، تبقى شهادة الشيخ على حجيتها. بالطبع، في غير الحالات التي يكون فيها فساد المذهب أو عدم الوثاقة واضحاً وجلياً، سيحدث تعارض بين هذا التوثيق والتضعيف الوارد.

٣. دراسة اعتبار المرسلات

الإشكال الذي يُطرح على شهادة الشيخ الطوسي في عمل الأصحاب بالمرسلات هو أن إثبات ضعف بعض مشايخ هؤلاء الأفراد يمنع من الاعتماد على مرسلات هؤلاء الرواة الثلاثة؛ فعندما يروي هؤلاء الأشخاص رواية مرسلة، ونحتمل أنهم قد رووها عن مشايخهم الضعفاء، فلا يمكن اعتبار مراسيل هؤلاء الأشخاص حجة. وقد التزم المحقق الحلي بهذا الإشكال (الحلي، ١٤٠٧، ج ١، ص ١٦٥)8. وقد قُدّم جوابان على هذا الإشكال.

١-٣. الجواب الأول

عندما نقارن نسبة الأفراد الضعفاء إلى جميع أساتذة ابن أبي عمير، يتضح أن هذه النسبة هي تقريباً خمسة أشخاص من أربعمائة؛ أي في حال كانت الرواية مرسلة، فإن احتمال أن يكون الشخص الذي روى عنه ابن أبي عمير هو أحد هؤلاء الخمسة، وليس أياً من الأربعمائة الآخرين، هو واحد من ثمانين أو ١.٢٥ بالمائة، وهذا الاحتمال ضئيل جداً بحيث لا يعتني به العقلاء ويطمئنون بخلافه.

١-١-٣. دراسة الجواب الأول

أولاً، إن القول بأن تعابير مثل «عن رجل» و«عن بعض أصحابه» ناتجة عن درجة من عدم الاعتناء هو خلاف الظاهر. وهذا الخلاف في الظهور أقوى في حالة ابن أبي عمير؛ لأن النجاشي نقل أن أخته قد دفنت كتبه أثناء حبسه أو وضعتها في غرفة، وهذه الكتب تلفت، وكان هو يروي من حفظه بسبب تلف كتبه، أو مما بقي لدى الآخرين، ولهذا السبب قبل الأصحاب مراسيل ابن أبي عمير (النجاشي، ١٤٠٧ق، ص ٣٢٦)؛ لذا فإن تعبيره لا يدل على ضعف الراوي؛ بل هو بشكل عام ناتج عن نسيان اسم الراوي أو وجود دافع لعدم التصريح باسمه. ثانياً: لحساب احتمال الرواية عن الضعيف، يجب أخذ عدد روايات كل شخص في الاعتبار؛ أي في البيان الذي ذُكر، افتُرض أن احتمال الرواية من جميع الأشخاص متساوٍ؛ في حين من الممكن أن يكون ابن أبي عمير قد روى عن شخص عشرات الروايات، وعن شخص آخر رواية واحدة فقط. ثالثاً: الإنصاف هو أنه لا يحصل وثوق نفسي بأن الواسطة في مرسلات ابن أبي عمير ليس من الضعفاء، وهذا الاحتمال معتبر عند العقلاء.

٢-٣. الجواب الثاني

مشايخ ابن أبي عمير الذين ثبت ضعفهم ينقسمون إلى مجموعتين: إما أن ضعفهم واضح، بحيث كان ضعفهم جلياً لابن أبي عمير؛ أو لم يكن كذلك. إذا كان الراوي واضح الضعف، وابن أبي عمير قد روى عنه مع علمه بضعفه، فإنه قد عدل عن التزامه بعدم الرواية عن الضعفاء بخصوص تلك الرواية9؛ ولكن هذا المطلب لا يعني عدوله عن هذا الالتزام في الروايات الأخرى، أو عدوله عن مبدأ عدم الرواية عن الضعفاء في المرسلات، وتبقى شهادة الشيخ على حجيتها ويمكن الأخذ بها في المرسلات. أما إذا لم يكن الشخص واضح الضعف، فإن شهادة الشيخ بعدم الرواية عن غير الثقة تبقى محفوظة، ومعناها سيكون أن هذا الشخص كان ثقة بنظر ابن أبي عمير. وهنا يتعارض هذا التوثيق مع التضعيف الوارد في حق الراوي، ولا يجري أصل عدم الخطأ في كلامه، ويتعارض قول ابن أبي عمير مع قول من ضعّف الراوي ويتساقطان10؛ ولكن عندما يروي ابن أبي عمير عن شخص مرسلاً، فإنه يشهد بوثاقته، وليس لدينا دليل على إسقاط هذه الشهادة عن الحجية، ومجرد احتمال أن يكون هو نفس الشخص الذي ثبت ضعفه لا يمكن أن يكون مانعاً من الحجية. هذا المطلب يشبه إقامة بينة على عدالة أهل قرية، ونحن نعلم أن هذه البينة خاطئة، ثم تشهد نفس البينة بعدالة زيد، ونحتمل أن منشأ هذه الشهادة هو نفس الشهادة الأولى، وأن الشهادة بعدالته كانت من باب أنه من أهل تلك القرية. في هذا المثال، لا يعذر العقلاء المكلف في ترك العمل بهذه الشهادة الثانية.

الاستنتاج

إن دراسة كلام الشيخ الطوسي في كتاب «العدة» وكذلك دراسة الأدلة والإشكالات حول توثيق مشايخ صفوان والبزنطي وابن أبي عمير تُظهر أن الادعاء بأن عبارة الشيخ هي اجتهاد واستنباط منه لعبارة الكشي حول أصحاب الإجماع ليس صحيحاً، وأن احتمال كون عمل الأصحاب بالروايات مبنياً على أصالة العدالة غير مقبول. والموارد النقضية التي طُرحت بخصوص رواة هؤلاء الثلاثة لا تضر بهذا التوثيق العام؛ لأن هذا الإشكال يرد عندما يثبت أن هؤلاء الثلاثة قد رووا عن راوٍ ضعيف وقت ضعفه؛ أي أولاً يجب إثبات أن هؤلاء الثلاثة كانوا قائلين بضعف ذلك الشخص، وثانياً أنهم رووا عنه وقت ضعفه؛ وهذان الأمران لا يمكن إثباتهما في أي من موارد النقض. وبناءً على ذلك، يمكن القول إن شهادة الشيخ الطوسي في كتاب «العدة» بوثاقة مشايخ صفوان والبزنطي وابن أبي عمير معتبرة، وإذا ثبت أن هذه الشخصيات الثلاث قد روت عن شخص ما، فسيكون ذلك الشخص ثقة. كما اتضح أنه إذا ثبت في حالة ما أن هؤلاء الثلاثة قد رووا عن شخص واضح الضعف أو فاسد المذهب، فبالنظر إلى أن شهادة الشيخ بوثاقة جميع مشايخ هؤلاء الأشخاص تنحل بعدد مشايخهم؛ فبمقدار ما يثبت خلافه يُرفع اليد عنه؛ ولكن في باقي الحالات تبقى شهادة الشيخ على حجيتها، وفي غير الحالات التي يكون فيها فساد المذهب أو عدم الوثاقة واضحاً، يقع تعارض بين هذا التوثيق والتضعيف الوارد. كما اتضح أن مرسلات صفوان والبزنطي وابن أبي عمير معتبرة؛ حتى لو ثبت أن بعض مشايخ هؤلاء الثلاثة ضعفاء.

الهوامش

١. المقصود بهذا الجزء العبارة: «أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح».

٢. «أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عن هؤلاء».

٣. الشاهد المطروح هو أنه لو وجد مثل هذا الإجماع على مساواة مراسيل هؤلاء الثلاثة بمسانيد غيرهم، لكان يجب أن يكون هذا الأمر معروفاً ومشهوراً بين العلماء، وأن يذكره قدماء الأصحاب؛ في حين لا يوجد أثر لهذا الأمر في كلامهم.

٤. المقصود الرواية مع واسطة.

٥. أصالة العدالة تعني العمل برواية كل إمامي لم يظهر منه فسق.

٦. عنه عن حماد بن عيسى عن يعقوب بن شعيب عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) أيتوضأ من ألبان الإبل؟ قال: لا ولا من الخبز واللحم. عنه، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى وعبد الله بن المغيرة، عن محمد بن سنان، مثله. عنه، عن الوشاء عن محمد بن سنان، مثله. (البرقي، ١٣٧١، ج ٢، ص ٤٢٧-٤٢٨).

٧. ذُكر في الفهرست أن لمحمد بن يحيى الخثعمي له كتاب رويناه بهذا الإسناد عن ابن أبي عمير عنه (الطوسي، ١٣٥٦، ص ١٤١-١٤٢).

٨. بالطبع، المحقق الحلي في المجلد الأول من كتاب «المعتبر» (ج ١، ص ٤٧) قد ذكر خلاف هذا المطلب.

٩. هذا العدول كان لعلة خفيت علينا.

١٠. إلا إذا ثبت ضعف الشخص من طريق علمي غير قول الرجاليين، ففي هذه الحالة نتيقن أن ابن أبي عمير قد أخطأ في توثيق هذا الشخص.

قائمة المصادر

١. ابن بابويه، محمد بن علي (١٣٧٦). الأمالي. طهران: كتابجي.

٢. ابن بابويه، محمد بن علي (١٣٧٨ق). عيون أخبار الرضا (عليه السلام). طهران: نشر جهان.

٣. ابن بابويه، محمد بن علي (١٣٨٥ش). علل الشرائع. قم: داوري.

٤. ابن شهر آشوب، محمد بن علي (١٣٨٠ق). معالم العلماء. النجف: مطبعة حيدرية.

٥. ابن طاووس، علي بن موسى (١٤٠٦ق). فلاح السائل ونجاح المسائل. قم: بوستان كتاب.

٦. ابن غضائري، أبو الحسن، أحمد بن أبي عبد الله (د.ت). كتاب الضعفاء – رجال ابن الغضائري. قم: بي نا.

٧. الأنصاري، مرتضى بن محمد أمين (١٤١٥ق). كتاب الصلاة. قم: مؤتمر تكريم الشيخ الأعظم الأنصاري العالمي.

٨. البرقي، أحمد بن محمد بن خالد (١٣٧١ق). المحاسن. قم: دار الكتب الإسلامية.

٩. الحائري اليزدي، مرتضى بن عبد الكريم (١٤٢٦ق). شرح العروة الوثقى. قم: دفتر انتشارات إسلامي.

١٠. الحر العاملي، محمد بن حسن (١٤٠٩ق). وسائل الشيعة. قم: مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

١١. الحلي، جعفر بن حسن (١٤٠٧ق). المعتبر في شرح المختصر. قم: مؤسسة سيد الشهداء (عليه السلام).

١٢. الخميني، سيد روح الله (١٤٢١). كتاب الطهارة. طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.

١٣. الخوئي، سيد أبو القاسم (١٤٠٩ق). معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرجال. قم: مدينة العلم.

١٤. السبزواري (المحقق)، محمد باقر (د.ت). ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد. قم: مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

١٥. الشبيري الزنجاني، سيد موسى (١٤١٩ق). كتاب نكاح. قم: مؤسسة پژوهشي راي پرداز.

١٦. الصدر، سيد محمد باقر (١٤٠٨ق). بحوث في شرح العروة الوثقى. قم: مجمع الشهيد آية الله الصدر العلمي.

١٧. الطباطبائي الحكيم، سيد محسن (١٤١٦ق). مستمسك العروة الوثقى. قم: مؤسسة دار التفسير.

١٨. الطوسي، محمد بن حسن (١٣٥٦ق). الفهرست. النجف: المكتبة الرضوية.

١٩. الطوسي، محمد بن حسن (١٣٩٠ق). الاستبصار فيما اختلف من الأخبار. طهران: دار الكتب الإسلامية.

٢٠. الطوسي، محمد بن حسن (١٤١٧ق). العدة في أصول الفقه. قم: مطبعة ستاره.

٢١. الطوسي «أ»، محمد بن حسن (١٤٠٧ق). تهذيب الأحكام. طهران: دار الكتب الإسلامية.

٢٢. الطوسي «ب»، محمد بن حسن (١٤٠٧ق). رجال الطوسي. قم: انتشارات جامعة مدرسين قم.

٢٣. العاملي، حسن بن زين الدين (١٣٦٢ش). منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.

٢٤. عرفانيان اليزدي، غلام رضا (١٤١٩ق). مشايخ الثقات: الحلقة الأولى. قم: دفتر تبليغات إسلامي حوزه علميه قم.

٢٥. الكشي، أبو عمرو، محمد بن عمر بن عبد العزيز (١٣٤٨ق). رجال الكشي – اختيار معرفة الرجال. مشهد: مؤسسة نشر دانشگاه مشهد.

٢٦. الكليني، محمد بن يعقوب بن إسحاق (١٤٠٧ق). الكافي. طهران: دار الكتب الإسلامية.

٢٧. المامقاني، عبد الله (١٤٣١ق). تنقيح المقال في علم الرجال. قم: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.

٢٨. النجاشي، أبو الحسن، أحمد بن علي (١٤٠٧ق). رجال النجاشي. قم: دفتر انتشارات إسلامي.

٢٩. النوري، حسين بن محمد تقي (١٤٢٩ق). مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل. بيروت: مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث.

Scroll to Top