استكشاف تأثر شروح “الكافي” ببعضها البعض في العصر الصفوي؛ دراسة حالة “مرآة العقول” وحاشية الميرزا رفيعا النائيني

المستخلص

كل نص يتأثر بمصادر متنوعة. معرفة هذه المصادر وتأثيراتها لها فوائد خاصة. لهذا السبب، نهدف من خلال كشف ودراسة تأثير وتأثر شرحين لكتاب “الكافي” على بعضهما البعض، واللذين كُتبا في العصر الصفوي، إلى المساهمة في فهم أفضل لهذين الأثرين. النتيجة هي أن “مرآة العقول” استفاد كثيرًا من حاشية الميرزا رفيعا. استخدم المجلسي حاشية الميرزا في مجالات متنوعة مثل تبيين معنى المفردات، والمباحث الصرفية والنحوية والبلاغية، واختلاف النسخ، وتحليل الروايات. يدل نقل المجلسي الواسع على المكانة الرفيعة لحاشية الميرزا لديه. من الأسباب الأخرى لهذا النقل الواسع يمكن الإشارة إلى أمور مثل نزعة المجلسي النقلية والاحتياطية وميله إلى نقل الأقوال المختلفة، وكثرة اشتغالات المجلسي، واختصار حاشية الميرزا، وكون الميرزا من مشايخ المجلسي ومن العلماء البارزين في العصر الصفوي، والقرب الفكري للمجلسي من الميرزا. على الرغم من أن المجلسي اكتفى في بعض الحالات بنقل كلام الميرزا، إلا أنه أولى اهتمامًا كبيرًا أيضًا للجوانب والأقوال الأخرى. كما أن المجلسي أبدى رأيه في بعض الحالات ورجّح بعض الجوانب، وفي بعض الحالات أورد إشكالات على الميرزا. هذه الأمور تدل على أن المجلسي لم يكن ناقلاً محضًا.

  1. طرح المسألة

كل نص يستفيد من مصادر متنوعة. استخدام الكاتب لمصدر خاص بشكل كبير يدل على أهمية ذلك المصدر لديه. من ناحية أخرى، عدم استخدام مصدر ما، بشرط توفره، أو استخدامه بشكل قليل، يدل على عدم أهمية أو قلة أهمية ذلك المصدر للكاتب. كمية وكيفية النقل من مصدر ما يمكن أن تدل أيضًا على نقاط جديرة بالاهتمام. على سبيل المثال، النقل الكثير من مصدر ما يمكن أحيانًا أن يدل على تعلق الكاتب الشديد بالمصدر المعني. فإذا قبل الكاتب جميع هذه المنقولات وصدّق عليها ولم يوجه إليها أي إشكال، فقد يدل ذلك على توافق فكري أو قرب فكري بين الكاتب وصاحب المصدر، أو يدل على تقليد الكاتب الأعمى. وإذا اهتم الكاتب بنقد جميع تلك المواد أو غالبها، فيمكن بشكل خاص استنتاج موقفه النقدي تجاه ذلك المصدر، وبشكل عام روحه النقدية. وأحيانًا أيضًا، لفهم أفضل أو أسهل للمادة المنقولة، يلزم الرجوع إلى النص الأصلي.

في هذه الدراسة، نعتزم من خلال دراسة تأثير وتأثر شرحين لكتاب “الكافي” على بعضهما البعض، المساهمة في فهم أفضل لهذين الأثرين. هذان الشرحان هما: “الحاشية على أصول الكافي” للميرزا رفيعا النائيني (المتوفى 1082هـ)، و”مرآة العقول” لمحمد باقر المجلسي (المتوفى 1111هـ). كُتب هذان الشرحان في العصر الصفوي. الميرزا رفيعا من العلماء البارزين في العصر الصفوي، وكان متكلمًا وفيلسوفًا وفقيهًا. وهو من مشايخ محمد باقر المجلسي. طُبع شرحه بعنوان “الحاشية على أصول الكافي” في مجلد واحد. اقتصر الميرزا رفيعا في هذا الشرح على شرح قسم “أصول الكافي”، ومن هذا القسم أيضًا لم يوفق إلا لشرح كتاب “الحجة”، باب “أَنَّ الْمُتَوَسِّمِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ هُمُ الْأَئِمَّةُ (ع) وَ السَّبِيلَ فِيهِمْ مُقِيمٌ”، الحديث الثالث. من الأمور التي تدل على المكانة الرفيعة لهذا الشرح أن الملا خليل القزويني (المتوفى 1089هـ)، صاحب شرحين فارسي وعربي على كتاب “الكافي”، كان من ناسخي شرح الميرزا رفيعا.

من الأمور الأخرى التي تدل على أهمية هذا الشرح، استفادة الشارحين الآخرين منه. أشار محقق “الكشف الوافي” للشريف الشيرازي (المتوفى 1081هـ) إلى أن الشريف الشيرازي استفاد كثيرًا في شرحه من الميرزا رفيعا. الملا صالح المازندراني (المتوفى 1081هـ) بتعبير “قال بعض المحققين رفع الله تعالى قدره”، والمجذوب التبريزي (المتوفى 1093هـ) بتعبير “قال السيد الأجل النائيني رحمه الله”، والجيلاني بتعبير “في حواشي السيد الجليل الرفيع رفع الله شأنه” و “في حاشية السيد الجليل الرفيع” نقلوا في شروحهم على “الكافي” عن الميرزا رفيعا.

“مرآة العقول” لمحمد باقر المجلسي، المحدث غزير الإنتاج والشهير الشيعي. هذا الشرح من الشروح القليلة لـ “الكافي” التي وُفّقت لشرح كتاب “الكافي” بالكامل – أصولاً وفروعًا وروضة. حظي هذا الأثر باهتمام كبير من دارسي الحديث، لدرجة أن البعض اعتبره أفضل شرح لكتاب “الكافي”، والبعض الآخر اعتبره، إلى جانب “ملاذ الأخيار” – شرح المجلسي على “تهذيب الأحكام” للشيخ الطوسي – أكبر خطوة في تفسير الحديث.

استفاد المجلسي في “مرآة العقول” من مصادر كثيرة، من بينها الشروح المكتوبة على “الكافي” للكليني. استفاد المجلسي من شروح مثل “الحاشية على أصول الكافي” للاسترآبادي، و”التعليقة على أصول الكافي” للميرداماد، وشرح “أصول الكافي” للملا صدرا: “فقيل: معناه أن العقل والوهم… حقيقة الأمر فيها”، و”الكشف الوافي” للشريف الشيرازي: “قيل: قوله: من نظر برأيه هلك… من نظر برأيه كفر”، وشرح “الكافي” للملا صالح المازندراني: “قوله تعالى {يريكم البرق}: الفعل مصدر بتقدير… كلمة شفاها”، و”الوافي” للفيض الكاشاني: “قيل أي بما استدل… غير السمع”.

كما نقل المجلسي حجمًا كبيرًا من “الحاشية على أصول الكافي” لأستاذه الميرزا رفيعا في “مرآة العقول”. لم يذكر المجلسي اسم الميرزا رفيعا في “مرآة العقول”، ونقل عنه بتعابير “قال بعض الأفاضل”، و”قال بعض المحققين”، و”قيل”. وفي موضع واحد، نقل المجلسي عنه بتعبير “قال بعض مشايخنا”. وفي بعض الحالات، ينقل المجلسي عن الميرزا دون أن يشير إليه. استخدم المجلسي أحيانًا تعابير دعائية مثل “رفع الله مقامه”، و”قدس الله روحه”، و”ره” للميرزا. لمزيد من الإلمام بكيفية تأثير شرح الميرزا رفيعا على “مرآة العقول” وفهم أفضل لهذين الشرحين، نستكشف بالتفصيل الأنواع المختلفة لهذا التأثير، ونحاول ضمن ذلك إظهار طرق تعامل المجلسي مع أقوال الميرزا.

  1. أهمية مصادر “مرآة العقول” في تصحيح سهو الأقلام

ليس خافيًا على أهل التحقيق أنه وقع في “مرآة العقول” سهوات كثيرة، سواء تلك التي تؤدي إلى إبهام النص أو التي لا تؤدي إليه. هذه السهوات قد تكون وقعت أحيانًا مباشرة من قبل المجلسي نفسه؛ وأحيانًا أخرى قد تكون وقعت من قبل الناسخين. في الحالة الأخيرة، من المحتمل أن يكون الخطأ قد وقع في بعض النسخ، وأن البعض الآخر قد سجل النص بشكل صحيح. فإذا كان الأمر كذلك، يمكن استخدام النسخة الصحيحة لتصحيح النص. وأحيانًا أخرى، قد يكون السهو قد وقع أثناء الطباعة والتنضيد. في هذه الحالة، توجد نسخة صحيحة ويمكن تصحيح الخطأ بها. في الحالة الثانية، في حال توفر النسخة الصحيحة، وفي الحالة الثالثة، يمكن استخدام النسخة الصحيحة لتصحيح نص “مرآة العقول”. أما إذا كان السهو قد وقع من قبل المجلسي، وسرى هذا السهو إلى جميع النسخ، أو كان السهو من آخرين ولكن النسخة الصحيحة غير متوفرة، فيجب استخدام طرق أخرى لتصحيح النص. إحدى هذه الطرق هي الرجوع إلى المصادر التي نقل عنها المجلسي.

أحد المصادر التي نُقل عنها في “مرآة العقول” هو حاشية الميرزا رفيعا. ومن قبيل الصدفة، وقعت في “مرآة العقول” سهوات في بعض الحالات عند النقل من حاشية الميرزا، نذكر فيما يلي أمثلة عليها:

  • يقول المجلسي في توضيح “الخُلُق”: “الخُلُقُ بِالضَّمِّ وَ بِضَمَّتَينِ: الهَيْئَةُ الحاصِلَةُ للنفس بصفاتها، وَيُقالُ لَها السَّجِيَّةُ، وَيَدُلُّ عَلَيْها الآثارُ وَالأفعالُ الدَّالَّةُ عَلَيْها تسمية للدال باسم المدلول”. نقل المجلسي هذه التوضيحات من الميرزا رفيعا؛ يوجد سقط في نص “مرآة العقول”، والذي من المحتمل أن يكون قد وقع من قبل الناسخين أو أثناء الطباعة والتنضيد. في حاشية الميرزا رفيعا، بعد عبارة “يُقالُ لها السجيَّةٌ”، جاء ما يلي: “وَ يَدُلُّ عَلَيْهَا الآثارُ وَ الأفعال. وَقَد يُطلَقُ عَلَى الآثارِ وَ الأفعال الدَّالَّة عَلَيْها تسميةً لِلدّال باسم المدلول”. العبارة التي تحتها خط سقطت في “مرآة العقول” وأبهمت النص.
  • ينقل المجلسي بتعبير “قيل” عن الميرزا ما يلي: “يَحتَمِلُ أن يكونَ المُراد بالأمر الذي كانَ مَعَ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهَ وَآلِهِ وَسَلَّمَ والأَئِمَّةِ عَلَيْهِمُ السَّلام كَما قَالَ تعالى {وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا}”. هنا سقطت كلمة “الروح” قبل “الذى كان”، وهذه الكلمة موجودة في شرح الميرزا. هذا السقط قد يبهم الكلام للوهلة الأولى لبعض القراء.
  • في عبارة “و نَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ لا يُمكنُ أنَّ الفاعِلَ المُختار لها هُوَ المَوصوفُ بِالذَّهَابِ و الرجوع، وَ بِقَولِهِ : القَومُ مَضطَرُونَ، أي في الذهاب و الخروج مِنَ الوُجودِ وَ الرجوع و الدخول فيهِ”، حرف “و” قبل “بقوله” زائد، ولا يوجد في حاشية الميرزا. إضافة هذا الحرف في “مرآة العقول” أحدثت بعض الإبهام، ولكن بحذفه يزول الإبهام ويتضح أن “بقوله” متعلق بالفعل “نبه”.
  • في “مرآة العقول”، جاءت عبارة “وَ مُشاركة للكل فيها” وعبارة “وَ كُلَّما يَكُونُ كَذلِكَ يَكُونُ محتاجاً إلى مبدء مُغايِرٍ لَه” متتاليتين. أما في حاشية الميرزا، فبين هاتين العبارتين جاءت عبارة “وَ كُلّ ما يَكونُ كَذلِكَ يَكُونُ ذا مَهَيْهِ وَ وجود يَصِحُ عَلَيْهَا الخُلُو عَنهُ”. من المحتمل أن تكون هذه العبارة قد سقطت في “مرآة العقول” ولم يكن حذفها عمديًا.

يقول المجلسي في التوضيح النحوي لعبارة “فَقَدْ بَانَ لَنَا بِإِقْرَارِ الْعَامَّةِ مُعْجِزَةُ الصِّفَةِ أَنَّهُ لَا شَيْءٍ قَبْلَ اللَّهِ وَ لَا شَيْءَ مَعَ اللَّهِ فِي بَقَائِهِ”: “و قال بَعضُ الأفاضل: المُراد بقوله: إقرار العامة إذعانهم، أو الإثبات، وَعَلَى الأول … و أما عَلَى الثَّانِي فَمُعْجِزَةِ الصَّفَةِ مِن إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الصفة التي هِيَ مُعجِزَةٌ لَهُم …”. المراد بـ “بعض الأفاضل” هو الميرزا رفيعا، وهذه المواد منقولة عنه. الجدير بالذكر أنه في كلام الميرزا، بين تعبير “على الثاني” و “فَمُعجزة الصَّفَةِ مِن إضافةِ الصَّفَةِ إلى الموصوف” جاء ما يلي: “فَمُعجزة الصَّفَةِ مفعول الإقرار، أو صِفَةٌ للإقرارِ، أَو بَدَلْ عَنهُ وَ المَفعول محذوفٌ، وَ عَلى تقدير كَوْنِهِ مفعولاً”. هذه العبارة موجودة في “بحار الأنوار”. وليس واضحًا ما إذا كان المجلسي قد حذف هذه العبارة عمدًا في “مرآة العقول” أم أن حذفها ناتج عن سهو الناسخين.

الجدير بالذكر أنه في بعض الحالات، لم يقع سهو في المصدر الذي نقل عن مصدر آخر، ولكن لسبب ما واجهت المادة المنقولة إبهامًا قليلاً أو كثيرًا، ويمكن إزالة الإبهام بالرجوع إلى المصدر الأصلي. ربما يمكن أن نضرب لهذا المورد هذا المثال: أورد المجلسي في توضيح “مَجْلَبَة” في عبارة “حُسْنُ الْخُلُقِ مَجْلَبَةٌ لِلْمَوَدَّة” ما يلي: “هي إما مصدر ميمي حمل مُبالَغَةً، أو اسم مكان أو اسم آلَةٍ وَ الأَوَّلُ أوفَقُ بنظائره”. يقول الميرزا رفيعا في هذا الصدد: “المَجْلَبَةُ إِمَّا مَصْدَرُ ميمي حَمَلَهُ عَلَى حُسنِ الخُلقِ، كَمَا حَمَلَ سائِرَ المَصادِرِ السَّابِقَةِ عَلَى سَائِرِ الصَّفاتِ مُبالِغَةً، أو اسم مَكانٍ وَ الأَوَّلُ أوفَقُ بِنَظَائِره”.

تطابق عبارة “وَ الأَوَّلُ أوفَقُ بِنَظَائِره” في كلام الميرزا والمجلسي يقوي احتمال أن المجلسي في التوضيح الذي قدمه قد التفت إلى كلام الميرزا. الجدير بالذكر أنه قد يبدو مراد “نظائر” في كلام المجلسي مبهمًا لبعض القراء، ولكن بالرجوع إلى كلام الميرزا يتضح أن المراد بها هو سائر المصادر التي حُملت سابقًا في هذه الرواية على صفات أخرى. بناءً على ذلك، فإن معرفة مصادر “مرآة العقول” مهمة في تصحيحها وفهم أفضل للمواد التي نقلها عن مصادر أخرى.

  1. تبيين معنى المفردات

نقل المجلسي في مواضع متعددة توضيحات الميرزا رفيعا اللغوية. يقول المجلسي في توضيح كلمة “نكراء” في إحدى الروايات: “يعني الدهاء والفطنة، وَهِيَ جودة الرَّأْيِ وَ حُسنُ الفَهم، وإذا استعملت في مُسْتَهَياتِ جُنودِ الجَهْلِ يُقالُ لَهَا الشَّيْطَنَةُ وَ نَبَّهَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِ بِقَولِهِ : تِلكَ الشَّيْطَنَةٌ بَعدَ قَولِهِ: تِلك النكراء”. يبيّن المجلسي هذه التوضيحات دون أن يشير إلى مصدر ما. هذه التوضيحات هي بيانات الميرزا رفيعا بنفس ألفاظه. اعتبر بعض الشارحين مثل الميرزا رفيعا “نكراء” بمعنى الذكاء، ولكن البعض الآخر اعتبر معناها الأمر المنكر. اتبع المجلسي في معنى هذه الكلمة الميرزا رفيعا واكتفى بذكر توضيحاته.

مثال آخر يتعلق بعبارة “إِنَّ الْكَيْسَ لَدَى الْحَقِّ يَسِير”. تناول المجلسي، بتعبير “قالَ بَعضُ الأفاضل” الذي يقصد به الميرزا رفيعا، تبيين معنى “كيس” و “يسير” وشرح العبارة المذكورة. بناءً على ما نقله المجلسي عنه، فإن “كيس” و “كياسة” بمعنى الذكاء، و”كيس” (بتشديد الياء) بمعنى الغلبة بالذكاء. أحد الاحتمالات هو أن “يسير” بمعنى القليل، و”كيس” (بتخفيف الياء) بالمعنى الأول. الاحتمال الثاني هو أن “يسير” بمعنى السهل، و”كيس” (بتخفيف الياء) بأحد المعنيين المذكورين. بناءً على ذلك، مراد العبارة المذكورة هو أنه عند ظهور الحق، يكون إدراكه ومعرفته سهلاً بالذكاء، أو المراد هو أنه عند قول الحق والإقرار به، يكون الغلبة بالذكاء سهلاً. الاحتمال الآخر هو أن “كَيِّس” (بتشديد الياء) وبهذا المعنى هو أن الشخص الذكي وصاحب الكياسة الذي يظهر ذكاءً عند ظهور الحق ويقر به قليل.

نقل المجلسي هذه المواد من الميرزا. لم يكتفِ المجلسي بهذه المواد للميرزا، وطرح احتمال كون “يسير” فعلاً أيضًا. كما نقل تبيينًا آخر للعبارة المذكورة عن آخرين. بالإضافة إلى ذلك، أشار إلى أنه في بعض النسخ استُخدمت “أسير” بدلاً من “يسير”، وكذلك في بعض النسخ كُتبت “لذى الحق”. ذكر الشريف الشيرازي والملا خليل القزويني لـ “يسير” معنى الذليل أيضًا، ولكن المجلسي لم يهتم بذكر هذا المعنى.

مثال آخر؛ نقل المجلسي في توضيح مفردات “غطاء”، و”ستير”، و”فضل”، و”جمال” عن الميرزا رفيعا دون أن يشير إليه. بالطبع، في توضيح معنى “الستير”، أشار النائيني فقط إلى معنى “المستور”، ولكن المجلسي بالإضافة إلى ذلك ذكر معنى “ساتر” أيضًا. كما أضاف المجلسي في توضيح “الفضل” معنى “خصوص الإحسان إلى الخلق” إلى كلام النائيني. وأورد المجلسي بعد ذلك توضيحات حول الرواية، وهي في الواقع منقولة أيضًا عن الميرزا.

مثال آخر؛ نقل المجلسي عن الميرزا رفيعا فيما يتعلق بمعنى “جند” ولماذا أُطلق في الرواية على كل من تلك الأمور الخمسة والسبعين “جند”، كما يدل على ذلك تطابق عباراتهما.

مثال آخر؛ في عبارة من الحديث الرابع عشر من كتاب العقل والجهل، جاء: “الرَّأْفَةٌ وَ ضِدَّهَا الْقَسْوَةَ وَ الرَّحْمَةُ وَ ضِدَّهَا الْغَضَبَ”. يعتقد المجلسي أنه بسبب قرب معنى “رحمة” من معنى “رأفة”، من المحتمل أن تكون كلمة “رحمة” قد تكررت. كما يحتمل أن يكون المقصود بـ “رأفة” الحالة والمقصود بـ “رحمة” نتيجتها؛ أي أن الرأفة حالة تكون نتيجتها الرحمة. يتناول المجلسي بعد ذلك، بتعبير “قال بعض الأفاضل” الذي يقصد به الميرزا رفيعا، نقل تبيين “رأفة” و “رحمة”.

مثال آخر؛ نقل المجلسي ظاهراً توضيح “رفق” من الميرزا رفيعا.

مثال آخر؛ عرّف المجلسي في إحدى الروايات “الاستسلام” بمعنى طاعة أوامر الله ونواهيه، و”التسليم” بمعنى طاعة الأئمة الحق والإذعان لما يصدر عنهم وقبوله وإن كان صعبًا. ويتناول المجلسي في هذا الصدد أيضًا نقل قول آخر لـ “بعض الأفاضل” الذي يقصد به الميرزا رفيعا.

مثال آخر؛ في عبارة من الحديث الرابع عشر من كتاب العقل والجهل، جاء: “الْقُنُـوعُ وَضِدَّهُ الْحِرْص”. أورد المجلسي عن القنوع والحرص ما يلي: “الْقُنُوعُ : هُوَ الرّضا بِالكَفافِ وَعَدَمُ طَلَبِ الزيادَةِ، وَ لما كانَ الحِرص زيادة السعي في الطَّلَبِ، وَ يَسْتَمِلُ عَلَى شَيئين الإفراط في الطَّلَبِ، والاعتمادِ عَلَى الطَّلَبِ الَّذِي يُلازِمُهُ جَعَلَهُ بِاعتبارِ اسْتِمَالِهِ عَلى الأول مقابل القنوع، وباعتبار اشتماله على الثاني مقابل التوكل”. نقل المجلسي هذه المواد من الميرزا رفيعا.

مثال آخر؛ في عبارة من الحديث الرابع عشر من كتاب العقل والجهل، جاء: “الْمَوَدَّةُ وَ ضِدَّهَا الْعَدَاوَة”. يقول المجلسي في توضيح “مودة” و “عداوة”: “قيلَ هِيَ الإتيانُ بِمُقْتَضَياتِ المَحَبَّةِ وَ الأُمورِ الدَّالَّة عَلَيْهَا وَ مُقابلها العَداوَةُ، وَ هي الإتيان بِمُقْتَضَياتِ المُباغَضَةِ، وَ فِعل ما يَتَّبِعُها”. نقل المجلسي هنا بتعبير “قيل” عن الميرزا رفيعا. يحتمل المجلسي بعد ذلك، فيما يتعلق بهذه التوضيحات، أن القائل قد أوضح بهذا الشكل فقط للتمييز بين المودة والعداوة والحب والبغض – اللذين ذُكرا أيضًا كمتضادين في هذه الرواية نفسها. يحتمل المجلسي أن يكون الفرق بينهما بتخصيص أحدهما للخالق والآخر للمخلوقات، أو بتخصيص أحدهما للأشخاص والآخر للأعمال. كما يحتمل المجلسي أن تكون إحدى العبارتين، المودة والعداوة أو الحب والبغض، قد تكررت ولا يوجد اختلاف معنوي بينهما.

مثال آخر؛ نقل المجلسي توضيح “خضوع” و “تطاول” من الميرزا رفيعا.

مثال آخر؛ نقل المجلسي ظاهراً توضيح كلمتي “حباء” و “أدب” من الميرزا رفيعا؛ خاصة وأن التوضيحات التي أوردها المجلسي بعد ذلك منقولة عن الميرزا رفيعا.

مثال آخر؛ يقول المجلسي في توضيح “خُلُق”: “الخُلقُ بِالضَّمِّ وَ بِضَمَّتَينِ: الهَيْئَةُ الحاصلة لِلنَّفس بِصِفاتِها، وَيُقالُ لَها السَّجِيَّةُ، وَيَدُلُّ عَلَيْها الآثارُ وَالأفعالُ الدَّالَّة عَلَيْها تسميةً لِلدّال باسم المدلول”. نقل المجلسي هذه التوضيحات من الميرزا رفيعا. بالطبع، كما قلنا سابقًا، يوجد سقط في نص “مرآة العقول”. كما أشار المجلسي، بعد ذكر توضيحات الميرزا رفيعا، إلى أن “خُلُق” يُطلق غالبًا على حسن المعاشرة.

مثال آخر؛ يقول المجلسي في توضيح “فلاح”: “الفلاح: الفوز والنجاة”. ما يدل على أن المجلسي نقل هذه المادة من الميرزا رفيعا هو أنه يتابع المجلسي بنقل توضيحات ذكرها الميرزا في حاشيته؛ بالطبع، أضاف احتمالات أخرى إلى كلام الميرزا. كما يقول المجلسي في توضيح “سَوفَ يَنجُب”: “النَّجيب الفاضِلُ النَّفيس في نَوعِهِ، وَ المُرادُ أَنَّهُ مَن يَكُونُ ذا فهم فَهُوَ قَريبٌ مِن أن يَصيرُ عالماً، وَ مَن صار عالِماً فَقَريبٌ مِن أن يستولي عقلُهُ عَلى هوى نفسه”. هذه المواد منقولة أيضًا عن الميرزا رفيعا. أورد المجلسي في توضيح “الْعِلْمُ جُنَّةٌ” ما يلي: “أي وقاية من غَلَبَةِ القُوَى الشَّهوانِيَّةِ وَالغَضَبِيَّةِ وَالدَّواعِي النَّفْسَانِيَّةِ وَ مِن أن يَلتَبْسَ عَلَيْهِ الأمرُ وَ تَدْخُلُ عَلَيْهِ الشُّبهة”. هذه المواد منقولة أيضًا عن الميرزا؛ بالطبع، أضاف المجلسي بعد ذلك وجهًا آخر في توضيح “الْعِلْمُ جُنَّةٌ” أيضًا. يكتب المجلسي في توضيح “الصِّدْقُ عِزّ”: “أي شَرَفَ أو قُوَّةً وَ غَلَبَة، وَقِيلَ : المُراد بالصدق هنا الصدق في الاعتقادِ وَ لِذا قابَلَهُ بِالجَهل، فإنَّ الاعتقاد الكاذِبَ جَهل، كما أن الاعتقاد الصَّادِقَ عِلم”. تعبير “قيل” يشير إلى الميرزا رفيعا، بالطبع، عبارة “أي شَرَفٌ أو قُوَّةً وَ غَلَبَة” منقولة أيضًا عن الميرزا، ولم يشر المجلسي إليه. يقول المجلسي في توضيح “مجد”: “المجد نيلُ الشَّرَفِ وَالكَرَم”، وفي توضيح “نجح” يكتب: “النجحُ بالضَّمِّ الظَّفَرُ بِالحَوائِج”. هذه التوضيحات منقولة أيضًا عن الميرزا رفيعا.

مثال آخر؛ يقول المجلسي في توضيح كلمة “ختور”: “هُوَ مِنَ الخَتْرِ بِمَعْنَى المَكْرِ و الخديعة، وقِيلَ: بِمَعْنَى خَبَاثَةِ النَّفْسِ وَ فَسادها، قال الفيروزآبادي: الخترُ : الغَدرُ وَ الخَدِيعَةُ، وَ خَتِرَت نَفْسُهُ خَبُثَت وَ فَسَدَت”. ظاهراً يشير المجلسي بتعبير “قيل” إلى الميرزا النائيني. المعنى الذي يسبقه ظاهراً منقول أيضاً عن الميرزا. النقل عن الفيروزآبادي ليس في حاشية الميرزا، وقد أورده المجلسي لتوثيق المعنيين اللذين ذكرهما.

مثال آخر؛ أشار المجلسي بعد توضيح “خاطر” بتعبير “كذا قيل” الذي ذكره في نهاية المادة إلى الميرزا رفيعا.

مثال آخر؛ في عبارة من إحدى الروايات، جاء: “تَحْتَ الْجِلْدِ الرَّقِيقِ ذَهَبَةٌ مَائِعَةٌ وَ فِضَّةٌ ذَائِبَةٌ”. في هذه العبارة، استُخدمت صفة “مائعة” للذهب، وصفة “ذائبة” للفضة. يقول المجلسي في توضيح هذه الصفات: “الذوب ضدّ الجُمودِ وَ يُقارِبُهُ المَيَعان… فَلِذا خَصَّ الذوبَ بِها”. هذه المواد منقولة عن الميرزا رفيعا.

مثال آخر؛ يقول المجلسي في توضيح “يُعاني الأشیاء”: “مُعاناة الشَّيءِ مُلابَسَتُهُ وَ مُباشَرَتُهُ، وَ تَحَمُّلُ التَّعَبِ في فعله”. ظاهراً نقل المجلسي هذا التوضيح من الميرزا رفيعا، خاصة وأن تتمة توضيحات المجلسي منقولة أيضاً عن الميرزا.

من الواضح أن المجلسي استفاد كثيراً من الميرزا رفيعا في تبيين معنى المفردات. بالطبع، أشار المجلسي في بعض الحالات، بالإضافة إلى كلام الميرزا، إلى بعض الجوانب الأخرى. الجدير بالذكر أن نقل معنى المفردات عن الميرزا لا يعني أن المجلسي لم يكن يعرف معنى هذه المفردات أو لم يكن لديه القدرة على الرجوع إلى مصادر اللغة، بل من المحتمل أن المجلسي، لأسباب مثل توفير الوقت، قد نقل كلام الميرزا.

  1. المباحث الصرفية والنحوية والبلاغية

استفاد المجلسي من الميرزا في المباحث الصرفية والنحوية والبلاغية. نتناول أولاً المباحث الصرفية. يقول المجلسي في توضيح “فَلا تُباهوا به”: “مِنَ المُباهاة بِمَعْنَى المُفاخَرَةِ، وَقالَ بَعضُ الأفاضل: يَحْتَمِلَ أن يَكُونَ مِنَ المهموز فَخُفِّفَ، أي لا تُؤَانِسوا بِهِ حتَّى تَنظُرُوا كَيفَ عَقلُهُ، قال الجوهري بَهَاتَ بِالرَّجُلِ وَ بَهَنتَ بِهِ بِالفَتح وَ الكَسرِ بهاءً و بهوءاً: أنست به”. احتمل المجلسي للكلمة المعنية جذرين، وبيّن معنى الكلمة وفقًا لكل منهما. نسب المجلسي الاحتمال الثاني إلى “بعض الأفاضل” الذي يقصد به ظاهراً الميرزا رفيعا، على الرغم من أن الاحتمال الأول موجود أيضًا بنفس الألفاظ في حاشية الميرزا رفيعا. نقطة أخرى هي أنه لم يُستشهد بالجوهري في حاشية الميرزا، ولكن المجلسي فضّل توثيق الاحتمال الثاني بالإشارة إلى الجوهري.

مثال آخر؛ ذكر المجلسي في توضيح “مَجْلَبَة” في عبارة “حُسْنُ الْخُلُقِ مَجْلَبَةٌ لِلْمَوَدَّة” ثلاثة احتمالات: 1. أن تكون مصدرًا ميميًا وللمبالغة. 2. أن تكون اسم مكان. 3. أن تكون اسم آلة. اعتبر المجلسي الاحتمال الأول أكثر توافقًا مع نظائره في الرواية المعنية. احتمل الميرزا رفيعا لهذه الكلمة وجهين: 1. أن تكون مصدرًا ميميًا وللمبالغة. 2. أن تكون اسم مكان. وهو أيضًا اعتبر الاحتمال الأول أكثر توافقًا مع نظائره في الرواية المعنية. يقول: “المَجْلَبَةُ إما مصدر ميمى حَمَلَهُ عَلى حُسن الخُلقِ، كَما حَمَلَ سائِرَ المَصادِرِ السَّابِقَةِ عَلَى سَائِرِ الصفاتِ مُبالِغَة، أو اسم مكان. والأول أوفَقُ بِنَظَائِرِهِ”. تطابق عبارة “وَ الأَوَّلُ أوفَقُ بِنَظَائِرِهِ” في كلام الميرزا والمجلسي يقوي احتمال أن المجلسي في التوضيح الذي قدمه قد التفت إلى كلام الميرزا.

مثال آخر؛ اعتبر المجلسي “مساءة” في عبارة “الحزمُ مَساءَةُ الظَّنَّ” مصدرًا ميميًا. من المحتمل أن المجلسي في نقل هذا التوضيح قد نظر إلى كلام الميرزا رفيعا، لأن المادة التي تسبق هذه العبارة وتليها في “مرآة العقول” موجودة في كلام الميرزا.

مثال آخر؛ ذكر المجلسي في إحدى الروايات وجهين لـ “ها”: الوجه الأول أن تكون “ها” حرف تنبيه وتشير إلى السكوت. الوجه الثاني، وهو منقول بتعبير “قيل” عن الميرزا رفيعا، أن تكون “ها” اسم فعل بمعنى “خذ”، ومعنى الرواية هو أنه عند مواجهة ما لا تعرفونه، خذوه من أفواهنا. اعتبر المجلسي الوجه الأول أظهر ورجّحه على الوجه المنقول عن الميرزا. كما أُشير في الكلام المنقول عن الميرزا إلى أن حرف الباء في “بيده” استُخدم للتعدية.

مثال آخر؛ طرح المجلسي حول فعل “عرفناه” في إحدى الروايات احتمالي كونه مجردًا أو مزيدًا من باب التفعيل، وبيّن الرواية وفقًا لهذين الاحتمالين. هذا التوضيح والمواد التي تسبقه منقولة عن الميرزا رفيعا. بالطبع، طرح الميرزا هذين الاحتمالين بشكل متساوٍ ولم يرجح أيًا منهما على الآخر، ولكن المجلسي، بالإشارة إلى أن هذا الفعل مجرد ظاهراً، رجّح الوجه الأول.

مثال آخر؛ اعتبر المجلسي فعل “يُعبد” في إحدى الروايات مبنيًا للمعلوم، ثم أشار بتعبير “قيل” إلى أن احتمال كونه مبنيًا للمجهول قد طُرح أيضًا، واعتبره بعيدًا. نظرًا لأن احتمال كون هذا الفعل مبنيًا للمجهول قد طُرح بالإضافة إلى شرح الميرزا رفيعا في بعض الشروح الأخرى مثل شرح الملا صالح المازندراني، فلا يمكن الجزم بأن تعبير “قيل” يشير إلى الميرزا، ولكن يمكن افتراض أن المجلسي قد نظر إلى الميرزا وغيره. على أي حال، لم يقبل المجلسي هذا الاحتمال للميرزا واعتبره بعيدًا ولم يتردد في مخالفته.

مثال آخر؛ نقل المجلسي عن آخرين، بتعبير “قيل”، حول فعل “تَعَمَّد” في إحدى الروايات احتمالي كونه مجردًا أو مزيدًا من باب الإفعال. يقول: “قیل: یجوز أن یکونَ مِنَ المُجَرَّدِ یُقالُ : عَمَدتَ الشَّيءَ فَانعَمَدَ ، أي أقَمتَهُ بِعِمَادٍ مُعْتَمَدٍ عَلَيْهِ، أَو مِن باب الأفعال یُقالُ أعمَدتَهُ أي جَعَلتَ تَحتَهُ عِماداً ، وَ المَعنى في الصورتین أَفَتَضمُّ إِلَيْهِ شیئاً من عِندِكَ تُقِیمُهُ وَ تُصْلِحُهُ بِهِ، كَما یُقامُ الشَّيءُ بِعِمادٍ یُعتَمَدُ عَلَيْهِ”.

هذه المواد هي أقوال الميرزا في حاشيته. أورد الملا صالح المازندراني أيضًا هذه المواد في شرحه. نقل المجلسي في الواقع هذه المواد للميرزا عن الملا صالح. حتى تعبير “قيل” موجود أيضًا في كلام الملا صالح. مؤيد أن المجلسي نقل هذه المواد عن الملا صالح هو أن المجلسي نقل المواد التي تسبق هذه المادة أيضًا عن الملا صالح، وكذلك كلمتي “فَانعَمَدَ” و “مُعْتَمَدٍ عَلَیهِ” ليستا في كلام الميرزا ولكنهما موجودتان في نقل المجلسي والملا صالح. من المحتمل أن الملا صالح أضاف هاتين الكلمتين بالرجوع إلى كتاب اللغة “الصحاح” للجوهري الذي يحتوي على هذه الإضافات. كما أنه في كلام الميرزا، بدلاً من “و المعنى فِي الصّورَتين” الموجودة في كلام المجلسي والملا صالح، جاء تعبير “و يكون المعنى بدون إضافة في الصورتين”، أي أنه على الرغم من أن المعنى واحد، إلا أن ألفاظ المجلسي والملا صالح اختلفت قليلاً، واتبع المجلسي الملا صالح. بالطبع، من الممكن أن يكون المجلسي قد رأى هذه المادة في حاشية الميرزا ولكنه فضّل نقلها عن الملا صالح.

من الواضح أن المجلسي استفاد من الميرزا حتى في المباحث الصرفية. بالطبع، نقل المجلسي أحيانًا احتمالين عن الميرزا ورجّح أحدهما، وأحيانًا رجّح بعض الجوانب على قول الميرزا، وأحيانًا اعتبر قول الميرزا بعيدًا. هذا الأمر يدل على أن المجلسي لم يكن مجرد ناقل، وكان يعتبر لنفسه حق إبداء الرأي.

أما المباحث النحوية؛ طرح المجلسي حول “باطناً” في إحدى الروايات احتمالي كونه مصدرًا أو تمييزًا: “باطناً إمّا بِمَعْنَى المَصْدَرِ كَقَولِكَ قُمتُ قائماً، أو تميز من يَتَرَوْحُ، أي كونُهُ روحاً صرفاً، مِن جِهَة أَنَّهُ بَاطِنٌ مَخفي”. نقل المجلسي هذه المواد من الميرزا رفيعا. بالطبع، طرح المجلسي بعد ذلك احتمالات أخرى وأشار إلى أن احتمال كونه حالاً قد يكون أظهر.

مثال آخر؛ يقول المجلسي في التوضيح النحوي لنعت “الله” و “الرحمن” في إحدى الروايات: “فَقَولُهُ: وَنَعتُ، مُبتَدَأَ مُضافٌ إلى قَوْلِهِ هَذِهِ، وَ خَبَرُهُ الحُروفُ، وَ المعنى أَنَّ نعت هذِهِ الحُروف التي في اللهِ وَ رَبِّ إِنَّها حُروفٌ، وَ أَنَّها ألف، لام، هاء، راء، باء، وَ هُوَ أي المقصود إثباته المعنى سُمِّيَ بِهِ أَي سُمِّيَ المَعنى بالاسم الذي هُوَ هَذِهِ الحُروف فتذكير الضمير باعتبار الاسم، وَ قَولُهُ: اللهُ وَ الرَّحْمنُ ، مُبْتَدَأَ خَبَرُه مِن أسمائِهِ”. نقل المجلسي هذه المواد من الميرزا رفيعا. بالطبع، طرح المجلسي بعد ذلك جوانب أخرى أيضًا.

مثال آخر؛ يقول المجلسي في التوضيح النحوي لعبارة “فَقَدْ بَانَ لَنَا بِإِقْرَارِ الْعَامَّةِ مُعْجِزَةُ الصَّفَةِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ قَبْلَ اللَّهِ وَلَا شَيْءَ مَعَ اللَّهِ فِي بَقَانِهِ”: “و قالَ بَعضُ الأفاضل: المراد بقوله : إقرار العامة إذعانهم، أو الإثباتُ، وَ عَلَى الأَوَّلِ مُتَعَلَّقُ الإذعان إما مُعجِزَةُ الصَّفَةِ بِحَذفِ الصَّلَةِ، أو محذوف، أي إقرار العامَّةِ بِأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَ مُعجِزَةُ الصِّفَةِ صِفَةٌ للإقرار، أو بَدَلْ عَنهُ أي إقرار العامَّةِ بِأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مُعجِزَةُ الصَّفَةِ، أي صفة الخالِقيَّةِ لِكُلِّ شَيْءٍ، أو صِفَةُ القِدم، لا يَسَعُ أحداً أن يُنكِرَهُ، وَ أَمَّا عَلَى الثَّانِي فَمُعْجِزَةٌ الصَّفَةِ مِن إضافَةِ الصَّفَةِ إلى الموصوف، أي الصِّفَةُ الَّتِي هِيَ مُعجِزَةٌ لَهُم عَن أن لا يُثبتوا لَهُ خَالِقيَّةَ كُلِّ شَيْءٍ أَوِ المُعجِزَةُ بِمَعناهُ المُتَعارف و الإضافة لامية، أي إثباتهم الخالقية للكل مُعجِزَةُ هَذِهِ الصَّفَةِ، حَيثُ لا يَسَعُهُم أن يُنكروها و إن أرادوا الإنكار، وَ يَحْتَمِلُ أن يكون مُعجِزَةُ الصِّفَةِ فَاعِلُ بانَ وَيَكُونَ قَولُهُ: أَنَّهُ لا شَيْءَ قَبلَ الله، بياناً أو بَدَلاً لِمُعجِزَةِ الصَّفَةِ”. المراد بـ “بعض الأفاضل” هو الميرزا رفيعا، وهذه المواد منقولة عنه. بالطبع، أشار المجلسي قبل النقل عن الميرزا إلى بعض الجوانب الأخرى أيضًا.

بناءً على ذلك، أشار المجلسي في المباحث النحوية، بالإضافة إلى قول الميرزا، إلى بعض الجوانب الأخرى، وأحيانًا طرح احتمال رجحان بعض الجوانب على وجه الميرزا. هذا الأمر يدل على أن المجلسي في مثل هذه المباحث أيضًا، إلى جانب الاهتمام بقول الميرزا، لم يغفل عن الجوانب الأخرى، وكذلك كان يعتبر لنفسه حق إبداء الرأي.

أما المباحث البلاغية؛ نقل المجلسي في إحدى الروايات، بتعبير “قيل” قبل آخرين، أن كلمة “لي” في تلك الرواية استُخدمت باعتبار تضمين معنى الثبوت أو ما شابه ذلك. تعبير “قيل” يشير إلى الميرزا رفيعا. كما أن المادة التي تسبق هذا التوضيح منقولة أيضًا عن الميرزا. بالطبع، أشار المجلسي بعد هذا التوضيح للميرزا إلى احتمال آخر، ثم عاد لنقل أقوال الميرزا.

مثال آخر؛ أشار المجلسي إلى تضمين معنى الشيوع في “بينهم” في إحدى الروايات. من المحتمل أن المجلسي نقل هذه المادة من الميرزا رفيعا.

مثال آخر؛ أشار المجلسي في توضيح إحدى الروايات إلى أن “توهم” قد عُدّي بحرف “على” لتضمين معنى الكذب والافتراء. ظاهراً هذا التوضيح منقول عن الميرزا رفيعا.

مثال آخر؛ اعتبر المجلسي حرف “إلى” في إحدى الروايات بمعنى “لام” أو “مِن”. ظاهراً هذه المادة منقولة عن الميرزا رفيعا.

  1. التصحيف واختلاف النسخ

أشار المجلسي إلى أن كلمة “تستعلقها” في بعض النسخ استُخدمت بصيغة “تستقلقها”، وفي بعضها الآخر بصيغة “تَستَغلِقُها”، وتناول توضيح كل منها. نظرًا لتشابه التوضيح الذي قدمه المجلسي لكل من هذه الحالات مع التوضيح الذي قدمه الميرزا رفيعا، وأن التوضيحات التي ذكرها المجلسي قبل هذه المواد منقولة أيضًا عن الميرزا، فمن المحتمل أن المجلسي نقل هذه الاختلافات في النسخ عن الميرزا. الجدير بالذكر أيضًا أن الميرزا اعتبر وجه “تستقلقها” هو الأصل، ثم أشار إلى وجود وجوه أخرى في نسخ أخرى، ولكن المجلسي اعتبر وجه “تستَعلِقها” هو الأصل. بعبارة أخرى، على الرغم من أنه من المحتمل أن المجلسي نقل اختلاف النسخ عن الميرزا، إلا أنه في تحديد أي وجه هو الأصل لم يتبع الميرزا.

مثال آخر؛ اعتبر المجلسي في إحدى الروايات “تقولون” بصيغة الخطاب، ثم أشار إلى أن “بعض الأفاضل” قرأوها بصيغة الغيبة، ونقل توضيح “بعض الأفاضل” بناءً على هذا الوجه. المراد بـ “بعض الأفاضل” هو الميرزا رفيعا.

مثال آخر؛ أشار المجلسي في توضيح إحدى الروايات إلى أنه في بعض النسخ استُخدمت “أقرب ما تكون” بلفظ الخطاب، وبيّن العبارة وفقًا لذلك. نقل المجلسي هذا الاختلاف في النسخة وتبيينه عن الميرزا رفيعا. المواد التي أوردها المجلسي قبل هذه المادة منقولة أيضًا عن الميرزا، وهذا شاهد آخر على أن المجلسي نقل اختلاف النسخة عن الميرزا.

مثال آخر؛ اعتبر المجلسي في إحدى الروايات تعبير “يُشَدِّده” هو الأصل، وشرح العبارة وفقًا لذلك، ثم أشار إلى أنه في بعض النسخ جاء “يُسَدِّدُه”، وبيّن العبارة وفقًا لهذا الوجه. نقل المجلسي التوضيحات التي أوردها في تبيين كل من هذين الوجهين عن الميرزا رفيعا، وليس بعيدًا أن يكون في ذكر اختلاف النسخ متأثرًا أيضًا بالميرزا. بالطبع، اعتبر المجلسي “يُشَدِّده” هو الأصل، والميرزا “يُسَدِّدُه”؛ بعبارة أخرى، لم يتبع المجلسي الميرزا في اعتبار “يُسَدِّدُه” هو الأصل.

مثال آخر؛ اعتبر المجلسي في إحدى الروايات “جَلاؤُهُ الحديد” هو الأصل، وأشار إلى أنه في بعض النسخ جاء “جَلاؤُهَا الحديث”، واعتبره أظهر. اعتبر الميرزا أيضًا “الحدید” هو الأصل، وأشار إلى أنه في بعض النسخ استُخدم بدلاً منه “الحدیث”. من المحتمل أن المجلسي نقل هذا الاختلاف في النسخة عن الميرزا؛ لأن المجلسي نقل المواد التي تسبق هذه المادة عن الميرزا. بالطبع، لم يحدد الميرزا الوجه الأظهر؛ ولكن المجلسي حدده. الجدير بالذكر أيضًا أنه على الرغم من أن المجلسي اعتبر “الحدیث” هو الوجه الأظهر؛ إلا أنه، مثل الميرزا، لم يعتبره هو الأصل.

مثال آخر؛ أشار المجلسي في توضيح إحدى الروايات إلى أنه في بعض النسخ استُخدم “يُسَخَّی” وهو فعل مزيد من باب التفعيل، وفي بعضها الآخر جاء فعل “تسخی” وهو مجرد. ثم قدم توضيحات نحوية وفقًا لكل من هاتين النسختين. ظاهراً نقل المجلسي هذه المواد من الميرزا رفيعا.

مثال آخر؛ أشار المجلسي في إحدى الروايات إلى أنه في معظم النسخ استُخدم “يجتاز”، وأشار إلى أنه في بعض النسخ جاء “يَحتازُ” وفي بعضها الآخر “يختار”. اعتبر الميرزا رفيعا “يختار” هو الأصل، وأشار إلى أنه في بعض النسخ جاء “يَحتازُ”، ولم يذكر شيئًا عن وجه “يجتاز”. لا يمكن الجزم بأن المجلسي نقل هنا بعض اختلاف النسخ عن الميرزا؛ ولكن كون المجلسي اعتبر “يَجتاز” هو الأصل ولم يتبع الميرزا في هذا المورد جدير بالاهتمام.

مثال آخر؛ أشار المجلسي إلى أن كلمة “نجس” في عبارة “حَيُّهُمْ أَعْمَى نَجِس” جاءت في بعض النسخ بصيغة “نحس”، وربما تُقرأ هذه الكلمة بصيغة “بخس”، واعتبر الوجه الأخير تصحيفًا. أورد الميرزا رفيعا هذه الكلمة بصيغة “بخس” ولم يشر إلى اختلاف النسخ. لا يمكن القول إن المجلسي نقل هذا الوجه عن الميرزا؛ ولكن كون المجلسي اعتبر الوجه الذي أورده الميرزا تصحيفًا ولم يتبع الميرزا في هذا الصدد جدير بالاهتمام.

استفاد المجلسي في بحث اختلاف النسخ أيضًا من الميرزا، ولكنه أحيانًا لم يتفق معه في تحديد أي كلمة هي الأصل، وأحيانًا رجّح أحد اختلاف النسخ، وأحيانًا اعتبر الوجه الذي استخدمه الميرزا بعيدًا.

  1. تحليل الروايات

استفاد المجلسي كثيرًا من الميرزا في تحليل الروايات. نشير فيما يلي إلى بعض هذه الموارد:

في عبارة من الحديث الثاني عشر من كتاب العقل والجهل، أُشير إلى ثلاث خصال للفرد العاقل. تناول المجلسي في توضيح هذه العبارة، بتعبير “قيل”، النقل عن الميرزا رفيعا. اكتفى المجلسي في تبيين هذه العبارة بالنقل عن الميرزا فقط ولم يذكر قولًا آخر.

رُوي عن الإمام الصادق (ع): “ضَلَّ عِلْمُ ابْنِ شُبْرُمَةَ عِنْدَ الْجَامِعَةِ إِمْلَاءِ رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَ خَطْ عَلِيٌّ (ع) بِيَدِهِ”. تناول المجلسي في تبيين هذه الرواية، بتعبير “قيل”، النقل عن الميرزا رفيعا. اكتفى المجلسي في شرح هذه الرواية بنقل هذا التبيين للميرزا فقط ولم يذكر قولًا آخر.

أشار المجلسي في توضيح المعاني الاصطلاحية للعقل إلى ستة معانٍ. يبدو أن المجلسي نقل المعنيين الأول والثاني من الميرزا؛ بالطبع، المعنى الأول الذي نقله المجلسي هو المعنى الثاني الذي نقله الميرزا، والمعنى الثاني للمجلسي هو المعنى الأول للميرزا.

أشار المجلسي في توضيح مراد “عزيمة” في إحدى الروايات إلى احتمالين: 1. الرسوخ في الدين. 2. الاعتقاد اليقيني بالإمامة الناشئ عن دليل وبرهان. الاحتمال الثاني منقول عن الميرزا رفيعا.

نقل المجلسي عن “بَعضُ الأفاضل”، الذي يقصد به الميرزا رفيعا، توضيح سبب وجود حرف العطف “و” في عبارة “وَ الآخِرَةَ طَالِبَةٌ وَ مَطْلُوبَةٌ” وتركه في عبارة “الدُّنْيَا طَالِبَةٌ مَطْلُوبَةٌ” في إحدى الروايات.

نقل المجلسي عن “بَعضُ المُحَقِّقين”، الذي يقصد به الميرزا رفيعا، تبيين مراد “أحكم” و “أكبر”.

نقل المجلسي عن “بَعضُ الأفاضل”، الذي يقصد به الميرزا رفيعا، تبيين استدلال الإمام (ع) في الرواية الثانية من باب حدوث العالم وإثبات المحدث.

طرح المجلسي في شرح إحدى الروايات سبعة وجوه نقلها عن آخرين. نقل الوجه الأول عن الميرزا.

أشار المجلسي، فيما يتعلق بمراد “الأبواب الأربعة” في الحديث السادس من باب معرفة الإمام والرد إليه، إلى خمسة وجوه، ونقل الوجهين الرابع والخامس عن الميرزا رفيعا.

نقل المجلسي في بعض الحالات، في تبيين الرواية، احتمالات مختلفة عن الميرزا رفيعا، لم يرجح الميرزا أيًا منها على الآخر، ولكن المجلسي رجّح بعضها. على سبيل المثال، في إحدى الروايات، يسأل السائل الإمام (ع) بتعبير “فأخبرني متى كان؟” عن زمن وجود الله تعالى. طرح الميرزا رفيعا في تبيين مراد السائل احتمالين ولم يرجح أيًا منهما؛ طرح المجلسي أيضًا هذين الاحتمالين ولكنه ذكر الوجه الأول بتعبير “ظاهر هذا هو” وبهذه الطريقة رجّحه.

مثال آخر؛ تناول المجلسي في تبيين الرواية الحادية والعشرين من كتاب العقل والجهل، بتعبير “كذا قيل”، نقل احتمالين عن الميرزا رفيعا، لم يفضل الميرزا أيًا منهما على الآخر، ولكن المجلسي بعد نقلهما اعتبر الوجه الأول أظهر.

مثال آخر؛ طرح الميرزا رفيعا في شرح الحديث الأول من باب “أنهُ لا يُعرَفُ إِلَّا بِهِ” أربعة احتمالات ولكنه لم يرجح أيًا منها على الآخر. ذكر المجلسي أيضًا هذه الاحتمالات الأربعة. بالطبع، لم يقل المجلسي عند ذكر الوجه الرابع إنه الوجه الرابع، واكتفى بذكره بعد الوجه الثالث. استند الميرزا في الوجه الرابع إلى الشيخ الصدوق وأورد عليه إشكالاً، ثم ذكر بنفسه توجيهًا له. نقل المجلسي أيضًا هذا الإشكال والتوجيه للميرزا واعتبره “تحقيق بعض الأفاضل” الذي يقصد به الميرزا رفيعا. لم يرجح الميرزا أيًا من هذه الوجوه، ولكن المجلسي اعتبر الوجه الثالث أقرب وأيّد ذلك بخبر ابن حازم ورواية الشيخ الصدوق في “التوحيد”.

نقل المجلسي في بعض الحالات، بعد نقل قول الميرزا رفيعا وبعض الأقوال الأخرى، قولاً يرجحه. على سبيل المثال، ذكر المجلسي في شرح الرواية الثامنة عشرة من كتاب العقل والجهل، بعد أن ذكر قول الميرزا رفيعا – بالطبع دون الإشارة إلى كونه قولاً منقولاً – وجهاً آخر بتعبير “قيل”، ولكنه اعتبر القول الأول، وهو قول الميرزا، أظهر.

مثال آخر؛ يتناول المجلسي في شرح الحديث الثاني من باب “الرَّدُّ إِلَى الكِتابِ وَ السُّنَّه”، بتعبير “قيل”، نقل توضيح الميرزا رفيعا، ثم يتناول نقل وجه اعتبره أظهر، ورجّحه على قول الميرزا.

مثال آخر؛ ذكر المجلسي في تبيين جواب الإمام الصادق (ع) حول ما إذا كان الله يستطيع أن يضع الدنيا في بيضة دون أن تكبر البيضة وتصغر الدنيا، أربعة وجوه، الوجه الأول منها للميرزا. اعتبر المجلسي الوجه الرابع أظهر. الوجه الرابع ظاهراً قول الملا صالح المازندراني. أورد الملا صالح أيضًا هذه الوجوه الأربعة، بالطبع ذكر وجهه أولاً ووجه الميرزا في آخر وجه، في شرحه.

مثال آخر؛ أشار المجلسي في توضيح استدلال الإمام الصادق (ع) في الحديث الأول من باب حدوث العالم وإثبات المحدث إلى وجهين؛ اعتبر الوجه الثاني “أَظهر معنى” والوجه الأول “أَظهَرُ لفظاً”، وتناول ذكر توضيح الوجه الأول نقلاً عن “بعض المُحَقِّقين” الذي يقصد به الميرزا رفيعا.

مثال آخر؛ اعتبر المجلسي الحديث الرابع من باب “الإضطرارُ إِلَى الحُجه” دالاً على أن الكلام الذي ليس مستمدًا من القرآن والسنة باطل، وأن الاعتماد على الأدلة العقلية في أصول الدين غير جائز. وهو يتابع، بتعبير “قيل” نقلاً عن الميرزا رفيعا، بأن الإمام (ع) قال ذلك لأن المناظرة كانت حول الإمامة. كما يحتمل المجلسي أن يكون كلام الإمام (ع) حول الكلام في الفروع مثل الفقه والإرث؛ ولكنه في النهاية يعتبر التعميم أظهر.

مثال آخر؛ ذكر المجلسي ذيل الحديث الثاني من باب بذل العلم وجهين، الوجه الثاني المنقول بتعبير “قيل” منقول عن الميرزا رفيعا. اعتبر المجلسي بعد نقل هذين الوجهين الوجه الأول أرجح.

كما أورد المجلسي في بعض الحالات إشكالاً على قول الميرزا. بالطبع، إشكالات المجلسي مختصرة ومجملة. على سبيل المثال، تناول المجلسي في شرح الحديث الثاني عشر من كتاب العقل والجهل، بتعبير “قالَ بَعضُ مَشايِخِنا قَدَّسَ الله روحه”، النقل عن الميرزا رفيعا، وفي النهاية اعتبر كلام الميرزا مشتملاً على إشكال واضح. وكذلك، في الحديث الرابع من باب “الفَرقُ بَيْنَ الرَّسولِ وَ النَّبِيِّ وَ المُحَدِّثِ”، تناول بتعبير “قيل” النقل عن الميرزا رفيعا، وفي النهاية اعتبره مشتملاً على إشكال. تناول المجلسي في شرح الحديث السادس من باب “معرفة الإمام والرد إليه” النقل عن الميرزا واعتبر كلامه متكلفًا. اعتبر المجلسي في بعض الحالات كلام الميرزا رفيعا غير راسخ إلا بتكلف بعيد. كما اعتبر في بعض الحالات كلام الميرزا رفيعا بعيدًا.

في مثال آخر، نقل المجلسي في تبيين الحديث العاشر من باب اختلاف الحديث، بتعبير “قالَ بَعضُ الأفاضل”، عن الميرزا، وفي النهاية اعتبره متينًا ولكنه رأى إمكانية المناقشة في كثير من أقسامه، وأخبر عن عزمه على بيان تحقيق المسألة المعنية في رسالة منفصلة.

مثال آخر؛ نقل المجلسي وجوهاً في تبيين مسألة “البداء”، أورد أحدها بتعبير “ما ذَكَرَهُ بَعضُ المُحَقِّقين” نقلاً عن الميرزا رفيعا. يعتقد المجلسي أن بعض هذه الوجوه بعيدة عن معنى “البداء”، وبعضها مبني على مقدمات لم تثبت في الدين، بل ادُّعي أن إجماع المسلمين على خلافها. يعتبر المجلسي جميع هذه الوجوه مشتملة على تأويل غير ضروري لنصوص كثيرة، ويشير إلى أن تفصيل الكلام حول كل من هذه الوجوه يؤدي إلى الإطناب، ثم يبيّن وجهة نظره.

مثال آخر؛ في الحديث الأول من باب “الفَرقُ بَينَ الرَّسولِ وَ النَّبِيِّ وَ المُحَدِّثِ”، بعد آية “{وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيَّ}” (الحج: 52)، أُضيف تعبير “وَ لا مُحَدَّث”. يطرح المجلسي، بتعبير “قيل” – الذي يشير ظاهراً إلى الميرزا رفيعا – احتمال أن تكون هذه الإضافة لبيان مراد الآية. يعتبر المجلسي هذا الاحتمال بعيدًا جدًا. وهو يشير إلى أنه على الرغم من أن هذا الاحتمال قابل للتوجيه، إلا أنه أورد في “بحار الأنوار” روايات أصرح من هذه الرواية في وجود هذه الكلمة في القرآن، وأنه لا بُعد في سقوط جزء من القرآن من جمع عثمان.

  1. أسباب نقل المجلسي الواسع عن الميرزا

من المناسب هنا الإشارة إلى بعض الأسباب التي يمكن ذكرها لنقل المجلسي الواسع عن الميرزا. يُظهر استكشاف “مرآة العقول” أن المجلسي في هذا الشرح نقل كثيراً عن أقوال العلماء المختلفة، ويمكن اعتبار “مرآة العقول” موسوعة لأقوال وآراء المفكرين. في الواقع، يمكن القول إن آثار نزعة المجلسي النقلية تظهر من ناحية في تمسكه بالروايات، ومن ناحية أخرى في نقل وجمع أقوال وآراء الآخرين. كما أن المجلسي في تبيين الروايات يستفيد كثيراً من الاحتمالات المختلفة وقيود التردد، وهذا الأمر يُرى بوضوح في “مرآة العقول” ويعكس نزعة المجلسي الاحتياطية. هذه النزعة الاحتياطية أيضاً كانت تدفع المجلسي إلى نقل الأقوال والجوانب المختلفة. بناءً على ذلك، يمكن اعتبار نزعة المجلسي النقلية والاحتياطية وميله إلى نقل الأقوال المختلفة من بين أسباب نقل المجلسي الواسع عن العلماء المختلفين – بشكل عام، وعن الميرزا رفيعا – بشكل خاص. الجدير بالذكر أن الملا خليل القزويني أشار في شروحه إلى أن التوضيح الذي يبيّنه حول الآيات المتشابهة إما منقول عن آخرين أو مجرد إبداء احتمال، لأن معناها لا يعلمه إلا الله تعالى والنبي (ص) والأئمة (ع). وهو يشير إلى أن بيان توضيح الأحاديث كذلك.

بناءً على ذلك، فإن إحدى طرق رفع المسؤولية عن النفس هي النقل عن الآخرين، ومن الممكن أن المجلسي أيضاً، في بعض الحالات، قد نقل عن آخرين لهذا السبب. كما يبدو أن أحد الأسباب المهمة لاهتمام المجلسي الكبير بنقل أقوال الآخرين هو إطلاع المخاطب على الأقوال المختلفة؛ كما أن المجلسي، ذيل إحدى الروايات، بعد نقل بعض الأقوال حول الآلام واستحقاق العوض، اعتبر سبب نقلها هو إطلاع المخاطب على الأقوال التي بيّنها أصحاب الإمامية تبعاً لأصحاب الاعتزال.

أشار المجلسي في بعض الحالات إلى كثرة اشتغالاته واستعجاله، وهو ما يمكن اعتباره من الأسباب الأخرى لنقله الواسع عن الميرزا وغيره. مؤيد هذا السبب هو أنه في بعض الحالات، ليس من الصعب الإلمام بالمواد التي ينقلها المجلسي عن الميرزا، ويمكن أن يكون سبب ذلك هو توفير الوقت. كون الميرزا من مشايخ المجلسي ومن العلماء البارزين في العصر الصفوي يمكن أن يكون له تأثير أيضاً في نقل المجلسي الواسع عنه. علمية وقوة شرح الميرزا من الأسباب الأخرى. كما أن اختصار شرح الميرزا قد يكون أحد أسباب رغبة المجلسي الكبيرة في هذا الشرح، لأن المجلسي أشار في مقدمته على “مرآة العقول” إلى أنه يقصد الاختصار في شرح الروايات، على الرغم من أن المجلسي يولي اهتماماً كبيراً أيضاً للشروح المفصلة مثل شرح الملا صدرا والملا صالح المازندراني. يمكن اعتبار السبب الآخر هو قرب فكر ورأي المجلسي من الميرزا، على الرغم من وجود اختلافات بينهما أيضاً.

الجدير بالذكر أيضاً هو لماذا كانت إشكالات المجلسي على الميرزا مختصرة وليست تفصيلية؟ الإجابة هي أنه، كما قال المجلسي في مقدمة “مرآة العقول”, لم يكن في صدد نقد أقوال حاشية نگاران ومشايخه الذين نقل عنهم.

  1. الخلاصة

1- استفاد المجلسي في “مرآة العقول” كثيراً من حاشية الميرزا رفيعا.

2- استخدم المجلسي الميرزا في مجالات مختلفة مثل تبيين معنى المفردات، والمباحث الصرفية والنحوية والبلاغية، واختلاف النسخ، وتحليل الروايات.

3- يدل نقل المجلسي الواسع على المكانة الرفيعة لحاشية الميرزا لديه. كما يمكن اعتباره دالاً على قرب فكر ورأي المجلسي من الميرزا، على الرغم من وجود اختلافات بينهما.

4- بالإضافة إلى المكانة الرفيعة لحاشية الميرزا لدى المجلسي وغيره من المفكرين، يمكن ذكر أسباب أخرى لنقل المجلسي الواسع عن الميرزا، وهي: نزعة المجلسي النقلية والاحتياطية وميله إلى نقل الأقوال المختلفة، وكثرة اشتغالات المجلسي، واختصار حاشية الميرزا، وكون الميرزا من مشايخ المجلسي ومن العلماء البارزين في العصر الصفوي، والقرب الفكري للمجلسي من الميرزا.

5- على الرغم من أن المجلسي اكتفى في بعض الحالات بنقل كلام الميرزا، إلا أنه أولى اهتمامًا كبيرًا أيضًا للجوانب والأقوال الأخرى، وفي الحالات التي رآها ضرورية، كان يتناول ذكر الأقوال والجوانب الأخرى أيضًا. كما أن المجلسي أبدى رأيه في بعض الحالات ورجّح بعض الجوانب، وفي بعض الحالات أورد إشكالات على الميرزا؛ بالطبع، إشكالاته مختصرة، وسبب ذلك هو أن المجلسي لم يقصد أن يتناول بالتفصيل نقد أقوال مشايخه وغيرهم من كتاب الحواشي.

6- وجود سهو أقلام كثيرة في “مرآة العقول” يدل على لزوم تصحيح هذا الشرح مجدداً وبشكل محقق.

المصادر

القرآن الكريم.

الاسترآبادي، الملا محمد أمين. الحاشية على أصول الكافي. تصحيح: المولى خليل القزويني وعلي فاضلي. قم: دار الحديث، 1430ق.

الجوهري، إسماعيل بن حماد. الصحاح: تاج اللغة وصحاح العربية. تصحيح: أحمد عبد الغفور عطار. بيروت: دار العلم للملايين، 1407ق.

الجيلاني، رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن. الذريعة إلى حافظ الشريعة. تصحيح: محمد حسين درايتي. قم: دار الحديث، 1429ق.

رباني، محمد حسن. أصول وقواعد فقه الحديث. قم: مؤسسة بوستان كتاب، 1383ش.

الشريف الشيرازي، محمد هادي بن معين الدين محمد آصف الشيرازي. الكشف الوافي في شرح أصول الكافي. تصحيح: علي فاضلي. قم: دار الحديث، 1430ق.

الفيض الكاشاني، محمد محسن. الوافي. أصفهان: مكتبة الإمام أمير المؤمنين علي (ع)، 1406ق.

القزويني، الملا خليل بن غازي. صافي در شرح كافي. تصحيح: محمد حسين درايتي وحميد أحمدي جلفائي. قم: دار الحديث، 1429ق.

القزويني، الملا خليل بن غازي. الشافي في شرح الكافي. تصحيح: محمد حسين درايتي. قم: دار الحديث، 1429ق.

الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي. تصحيح: علي أكبر غفاري ومحمد آخوندي. طهران: دار الكتب الإسلامية، 1407ق.

المازندراني، محمد صالح بن أحمد. شرح الكافي. تصحيح: أبو الحسن شعراني. طهران: المكتبة الإسلامية، 1382ق.

المجذوب التبريزي، محمد. الهدايا لشيعة أئمة الهدى. تصحيح: محمد حسين درايتي وغلام حسين قيصريه ها. قم: دار الحديث، 1387ش.

المجلسي، محمد باقر. بحار الأنوار. بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1403ق.

المجلسي، محمد باقر. مرآة العقول. تصحيح: هاشم رسولي محلاتي. طهران: دار الكتب الإسلامية، 1404ق.

مسعودي، عبد الهادي. روش فهم حديث. طهران: سازمان مطالعه وتدوين كتب علوم انسانى دانشگاه ها (سمت) ودانشكده علوم حديث، 1384ش.

الملا صدرا، محمد بن إبراهيم. شرح أصول الكافي. تصحيح: محمد خواجوي. طهران: مؤسسه مطالعات وتحقيقات فرهنگى، 1383ش.

الميرداماد، محمد باقر بن محمد. التعليقة على أصول الكافي. تصحيح: مهدي رجائي. قم: الخيام، 1403ق.

النائيني، رفيع الدين محمد بن حيدر (الميرزا رفيعا). الحاشية على أصول الكافي. تصحيح: محمد حسين درايتي. قم: دار الحديث، 1382ش.

Scroll to Top