الملخص
يُعدّ العقل أحد الأدلة الأربعة في الفقه، وحجيته أمرٌ مسلّم به في فقه الشيعة. وقد جرت مباحث مستفيضة من قبل الأصوليين حول حدود حجية العقل وتعيين مرز العقل الحجة من غير الحجة، إلا أنه لم تتبلور بعدُ نظريةٌ جامعة وكاملة تستقصي جميع طبقات البحث وتقدم صورة شاملة. يتناول الكاتب في هذه المقالة بالنقد اثنتين من النظريات المشهورة، إحداهما نظرية «انحصار حجية العقل في المدركات القريبة من الحس»، والأخرى نظرية «انحصار حجية العقل في الآراء المحمودة».
حجية العقل
إن أصل حجية العقل من المسلّمات لدى فقهاء الشيعة، ولم يشكك أحد منهم في أصل حجيته. ذلك لأن العقل هو السبيل الأساسي والأكثر وثوقًا لمعرفتنا بالإنسان والعالم، وبسلب حجيته يُسدّ باب المعرفة من أساسه، مما يعني توقف مسيرة الإنسان الكمالية وعبثية خلقه. والأدلة النقلية، من آيات وروايات، في باب حجية العقل متواترة، ولكني سأشير، تجنبًا للإطالة، إلى رواية معروفة واحدة فقط، تضع العقل في مصاف الوحي وتعتبره حجة الله الباطنة على الإنسان:
«يَا هِشَامُ إِنَّ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حُجَّتَيْنِ حُجَّةً ظَاهِرَةً وَ حُجَّةً بَاطِنَةً فَأَمَّا الظَّاهِرَةُ فَالرُّسُلُ وَ الْأَنْبِيَاءُ وَ الْأَئِمَّةُ وَ أَمَّا الْبَاطِنَةُ فَالْعُقُولُ» (الكليني، الكافي: ١/ ١٦).
أما بعد تثبيت أصل حجية العقل، فالأهم هو تبيين حدود حجيته. ويمكن دراسة حدود حجية العقل من عدة زوايا: من حيث كلية المدرَكات أو جزئيتها، ومن حيث بداهتها ووضوحها أو نظريتها، ومن حيث قطعيتها أو ظنيتها، وغير ذلك.
وعليه، فإن أحد ميادين البحث في حجية العقل هو دراسة حجيته من زاوية كون مدرَكاته بديهية أو نظرية. يعتقد بعض فقهاء الشيعة أن مدرَكات العقل حجة فقط في الأمور الواضحة وغير القابلة للخطأ، فإذا أراد العقل أن يدخل في مجال النظريات والمسائل الاستدلالية، سقطت حجيته. كان مؤسس هذا الفكر والرأي فقيهين، أحدهما من الأخبارية والآخر من الأصولية. ففي الأخبارية، كان مؤسس هذا المبنى الفكري هو المرحوم الملا أمين الأسترآبادي، وفي الأصولية هو المرحوم الشيخ محمد حسين الغروي الأصفهاني. والفارق بينهما أن المرحوم الأسترآبادي يرى أن «قرب المعقول من الحس» هو السبيل لتجنب خطأ العقل، بينما يرى المرحوم الأصفهاني أن «بداهة وعمومية الآراء المحمودة» هي ملاك عدم الخطأ. والآن، ينبغي أن نرى هل لدى معتقدي هذه النظرية دليل واضح ومحكم على مدعاهم.
سنقوم بطرح كلتا النظريتين ونقدهما ودراستهما ضمن قولين.
القول الأول: نظرية المرحوم الأسترآبادي
يعتقد المرحوم الأسترآبادي أن العلوم النظرية تنقسم إلى قسمين: قريب من الحس وبعيد عن الحس. ثم يقول إنه في القضايا القريبة من الحس لا يوجد خلاف ولا يخطئ الذهن، أما في القضايا الأخرى فيوجد خطأ ويقع الخلاف. ولهذا السبب، فإن أحكام العقل في هذا المجال لا مشروعية لها، ودخولها في هذا الميدان يؤدي إلى الخلاف، وهو ما يدل على عدم كفاءة العقل؛ لأنه لو كان للعقل البشري القدرة على تمييز مثل هذه القضايا، لما وقع في الخلاف. وأصل كلامه مع شيء من الاختصار هو كما يلي:
«والدليل التاسع، مبني على نكتة دقيقة تنبهت لها بتوفيق من الله. العلوم النظرية قسمان. قسم تكون مادته قريبة من الإحساس كالهندسة والحساب وأغلب أبواب المنطق، وفي هذا القسم لا يقع خلاف بين العلماء ولا تخطئ الأفكار في نتائجها، لأن الخطأ في الفكر إما من جهة الصورة أو المادة، والخطأ في الصورة لا يقع من العلماء لعلمهم بصورها في أذهان أصحاب العقول السليمة، ولكونهم على علم بقواعد المنطق الذي يحفظهم من الخطأ في الصورة. أما الخطأ من جهة المادة فغير متصور في هذه العلوم لقرب مادتها من الحس. وقسم ينتهي إلى مادة بعيدة عن الإحساس كالفلسفة الإلهية والطبيعية وعلم الكلام وأصول الفقه والمسائل الفقهية النظرية وبعض من قواعد المنطق، كـ«الماهية لا تتركب من شيئين متساويين» و«نقيضا المتساويين متساويان»، فهذه من هذا القسم. ولهذا السبب وقع الخلاف والمشاجرات بين الفلاسفة في الفلسفة الإلهية والطبيعية، وبين علماء الإسلام في أصول الفقه ومسائله وعلم الكلام وغيره. وذلك لأنه بناء على ما قلناه من أن المنطق يحفظ من الخطأ في الصورة لا المادة، فإن غاية ما يُستفاد من المنطق في أبواب مواد الأقيسة هو تقسيمها على وجه كلي، ولا توجد في المنطق قاعدة تخص كل مادة بالقسم الذي تنتمي إليه. بل من الواضح لدى أصحاب العقول أن مثل هذه القاعدة غير ممكنة…» (الأسترآبادي، الفوائد المدنية ١٤٢٦: ٢٥٦).
ومن وجهة نظره، فإن منشأ كل الأخطاء العلمية، ومنها اختلاف الأقوال في الفقه، هو وجود مقدمات عقلية فاسدة.
«فإن قلت: لا فرق في هذا بين الأمور العقلية والنقلية، والشاهد على ذلك كثرة الاختلافات الواقعة بين أهل الشرع في أصول الدين وأصول الفقه وفروع الفقه. قلنا: إنما نشهد هذه الاختلافات لأن مقدمة عقلية باطلة قد أُضيفت إلى مقدمة نقلية ظنية أو قطعية» (المصدر نفسه).
نقد ودراسة
جوابنا على المرحوم الأسترآبادي يكون نقضيًّا وحلّيًّا.
الجواب النقضي
جوابنا النقضي هو ما ورد في كلامه نفسه، ونحن لا نقبل جوابه على الإشكال النقضي؛ فالحقيقة أن معظم الاختلافات التي وقعت في المباحث الفقهية والأصولية بين أهل العلم لم تكن بسبب تدخل العقل وإضافة قضية عقلية إلى الاستدلالات، بل بسبب الاختلاف في فهم الأدلة النقلية. ففي أغلب الموارد، وخاصة في المسائل الفقهية، لم يعتنِ العلماء بالعقل إلا قليلًا. وكان منشأ هذا عدم الاعتناء إما لخروج الموضوع عن نطاق إدراكات العقل، كالعبادات؛ وفي غير العبادات أيضًا، يجب أن نقول ببالغ الأسف إن عنصر العقل في مباحث الفقهاء الفقهية والأصولية لم يكن له مكانة واضحة ومعتبرة ليُستند إليه. يقول المرحوم المظفر عن عدم وضوح الدليل العقلي لدى علماء الشيعة:
«فإنه لم يظهر لي بالضبط ما كان يقصد المتقدمون من علمائنا بالدليل العقلي، حتى أنّ الكثير منهم لم يذكره من الأدلة، أو لم يفسّره، أو فسره بما لا يصلح أن يكون دليلاً في قبال الكتاب و السنّة» (مظفر، أصول الفقه ١٣٨٧: ٤٧٤).
ثم يشرع في ذكر تاريخ مكانة هذا الدليل الشريف في كتب وآثار الفقهاء والأصوليين الشيعة على مر التاريخ، مما يظهر بوضوح عدم جلاء مرادهم من الدليل العقلي في كتاباتهم بشكل لا يقبل الإنكار. وكمثال على ذلك، ينقل عن المرحوم البحراني قوله:
«و يجلى لنا عدم وضوح المقصود من الدليل العقلى ما ذكره الشيخ المحدّث البحراني في حدائقه، و هذا نص عبارته: «المقام الثالث: في دليل العقل. و فسره بعض بالبراءة الأصلية و الاستصحاب. و آخرون قصروه على الثاني. و ثالث فسّره بلحن الخطاب و فحوى الخطاب، ودليل الخطاب. و رابع بعد البراءة الأصلية و الاستصحاب بالتلازم بين الحكمين، المندرج فيه مقدّمة الواجب، و استلزام الأمر بالشيء النهى عن ضدّه الخاص، و الدلالة الالتزامية». ثم تكلّم عن كلّ منها في مطالب عدا التلازم بين الحكمين لم يتحدث عنه» (المصدر نفسه: ٤٧٧).
إذن، جوابنا النقضي على المرحوم الأسترآبادي هو: إذا كنتم تريدون منع العقل من دخول ساحة النظريات وسلب حجيته بسبب وجود الاختلاف وإمكانية الخطأ، فيجب عليكم بنفس الدليل أن تغضوا الطرف عن الأدلة النقلية ولا تعتبروها حجة، فالاختلافات والأخطاء التي وقعت في الفهوم المختلفة للأدلة النقلية ليست أقل من أدلة العقل، بل أكثر.1 فمنشأ هذه الاختلافات والأخطاء ليس إضافة قضايا عقلية، بل الاختلاف في تحليل النصوص الدينية؛ سواء في تفسير واستظهار كل رواية على حدة بناءً على اللغة والقرائن اللفظية والتاريخية و…، أو في الجمع بينها من حيث العام والخاص والمطلق والمقيد، أو في الانتباه للقرائن العامة وجهات صدورها، أو في كيفية الترجيح والتعديل بين الروايات في موارد التعارض. وكل فقيه يعلم أن جميع الموارد المذكورة تستلزم إعمال الدقة، ومن الواضح أنه لا يوجد أي ضمان لفهم موحد للروايات في هذه المجالات. ولهذا السبب، لم يتمكن علماء الأخبارية أنفسهم، رغم ادعائهم هذا، من الوصول إلى وحدة وتوافق في فهم النصوص الدينية وإصدار فتاوى موحدة، أو حتى جمع الروايات في موارد التعارض بشكل متماثل. بل إنهم بناءً على فهمهم للروايات لم يتمكنوا من التوصل إلى قول واحد بشأن العقل. فبعض هؤلاء العلماء يعتبرونه كاشفًا، لكنهم لا يقبلون ملازمته للحكم الشرعي. وبعضهم يقبل الملازمة، ولكن فقط في العقل الفطري الذي لا يوجد إلا عند أفراد خاصين. وبعضهم الآخر، مثل الملا أمين الأسترآبادي، يعتبر العقل حجة فقط في المسائل القريبة من الحس. مع أن جميعهم يدعون أنهم استنبطوا حجية العقل وعدم حجيته من النصوص الروائية.
الجواب الحلّي
من يتأمل ويتفكر قليلًا في كلام وعبارات المرحوم الأسترآبادي، يدرك أنه يعتقد بأصل أساسي يُعدّ ركيزة لسائر أفكاره ومعتقداته. هذا الفكر الأساسي هو أن الإنسان يمكنه الوصول إلى جميع قضايا الدين دون أي نقص أو خطأ، بشرط أن يتوسل بالمعصومين (عليهم السلام) ويأخذ دينه منهم فقط. ولهذا السبب، لا يقبل العمل بخبر الواحد الظني، ولا يعتبر حجة إلا الخبر قطعي الصدور. بل إنه شبّه عدم حجية الخبر الظني بضرورة عصمة الأولياء الإلهيين، ويعتقد أنه كما يجب أن يكون النبي والإمام معصومين من الخطأ، ولا يتعبدنا الله تعالى ويجعلنا طائعين لمن يُحتمل الخطأ في كلامه أو عمله، فمن غير المعقول أن يتعبدنا بخبر ظني يُحتمل فيه الكذب!
وكما يدرك القارئ الكريم، فإن النقطة الأساسية التي سببت خطأ المرحوم الأسترآبادي وجعلته يعتقد بهذا المبنى غير الصائب هي إغفاله لمقتضى عالم المادة وحتمية قبول النقص المعرفي والعملي في هذا العالم الترابي. بعبارة أخرى، لقد أغفل المرحوم الأسترآبادي مادية العالم والنقص الموجود فيه، وتصور أنه يمكننا الوصول إلى تمام الدين المبين دون أي نقص أو خطأ، وأن الشيء الوحيد الذي يمنعنا ويجب أن نزيله من طريقنا هو هذا العقل الذي يوقعنا في الخطأ. بل إنه لم يلحظ حتى مقتضيات عصر الغيبة، التي بسبب غيبة الإمام (عجل الله فرجه)، نضطر للعمل بهذه الأخبار التي صدر الكثير منها في ظروف التقية، وفاتنا الكثير من القرائن المؤثرة في فهمها، وفي الحقيقة مع وجود هذا النقص، لا نحصل في الغالب إلا على الظن الذي يُحتمل فيه الخطأ. فادعاء العلمية في الروايات الموجودة أمر فاضح لدرجة لا يستحق الجواب. والآن إذا أردنا أن نضع هذه النعمة جانبًا بحجة احتمال الخطأ والكذب، فإننا نكون قد حرمنا أنفسنا فقط. فالأفضل، ولو من باب الاضطرار، ومع قبول النقص الموجود، أن نغتنم هذه الروايات ونعمل بها.
وحال الدليل العقلي ليست مختلفة عن هذا، أي بنفس القدر الذي يُعفى فيه عن النقص المعرفي الناتج عن الروايات ولا مفر منه، يجب أيضًا قبول النقص الناتج عن الاستدلالات العقلية في المجالات التي يمكن للعقل أن يدخلها ويدرك مناطاتها، ولا مفر من ذلك؛ لأننا بتعطيل العقل في هذه المجالات، نكون قد قطعنا أيدينا عن دليل محكم، فلا يبقى لنا في الغالب إلا الرجوع إلى الأصول العملية، التي لا تفيد إلا في الخروج من الحيرة ولا تكشف عن شيء. بينما إذا استخدمنا الدليل العقلي استخدامًا صحيحًا، فإننا غالبًا ما نستطيع أن نحصل على علم بمقتضيات الأشياء، فلا تبقى حيرة تضطرنا إلى التمسك بالأصول العملية.
طبعًا، إذا كان مقصود المرحوم الأسترآبادي هو النهي عن الإفراط في استخدام العقل والركون إليه، أو جعل العقل هو الأصل وتهميش الروايات، فهذا كلام حق، ونحن نوافقه في هذا الجزء.
والكلمة الأخيرة هي أن أصل كلام المرحوم الأسترآبادي كلام حق، ولا يحق لنا أن نثق بالعقل البشري الناقص الذي جربنا أخطاءه مرارًا في مجال النظريات والأمور غير البديهية، ونتحدث عن حجيته. النقطة الوحيدة التي تميز رؤيتنا عن رؤيته هي غفلته عن مقتضيات عالم المادة، وخاصة مقتضيات عصر الغيبة. حقًا، لو لم تكن غيبة الإمام (عجل الله فرجه) قائمة، وكان بإمكاننا التشرف والاستفادة من فيوضات الإمام المعصوم، لكان الحديث عن حجية العقل النظري والاعتماد عليه أمرًا في غاية السخف. أما الآن، وبسبب ذنوب أمتنا، حُرمنا من فيض حضور الإمام والتشرف بخدمته، فلا خيار لنا إلا أن نستخدم العقل النظري في الحالات الضرورية، وأن نعتبره حجة مع قبول احتمال خطئه.
القول الثاني: نظرية المرحوم المحقق الأصفهاني
نظرية المرحوم المحقق الأصفهاني هي تقييد حجية العقل بالآراء المحمودة أو المشهورات العامة التي «لا يختلف فيها اثنان». وقد طرح هذه النظرية لأول مرة حول حدود حجية الدليل العقلي، ثم قام اثنان من كبار تلامذته، المرحوم المظفر والمرحوم الحكيم، بالترويج لها. من المناسب أولًا أن نعرض أصل كلامه ثم ننتقل إلى نقده ودراسته. يقول المرحوم الأصفهاني:
«عرفت أن التحسين و التقبيح العقليين مما توافقت عليه آراء العقلاء للمصلحة العامة أو للمفسدة العامة فلا محالة لا يعقل الحكم على خلافه من الشارع، إذ المفروض انه مما لا يختص به عاقل دون عاقل و انه بادئ رأى الجميع لعموم مصلحته، و الشارع من العقلاء بل رئيس العقلاء، فهو بما هو عاقل كسائر العقلاء و إلا لزم الخلف من كونه بادئ رأى الجميع، فالعدل بما هو عدل حسن عند جميع العقلاء ومنهم الشارع، والظلم بما هو ظلم قبيح عندهم و منهم الشّارع» (الأصفهاني، نهاية الدراية ١٤٢٩: ٢/ ٣٢٠).
ويوضح المرحوم المظفر مراده من الدليل العقلي ببيان أوضح. فهو يقسم الدليل العقلي إلى مستقلات وغير مستقلات، ويعتقد أنه في المستقلات العقلية يجب أن يكون المدرَك العقلي من الآراء المحمودة.
«إننا نقصد من الدليل العقلى حكم العقل النظرى بالملازمة بين الحكم الثابت شرعا أو عقلا و بين حكم شرعى آخر، كحكمه بالملازمة في مسألة الإجزاء، و مقدّمة الواجب، ونحوهما، وكحكمه باستحالة التكليف بلا بيان، اللازم منه حكم الشارع بالبراءة، وكحكمه بتقديم الأهم في مورد التزاحم بين الحكمين المستنتج منه فعلية حكم الأهم عند الله (تعالى)، و كحكمه بوجوب مطابقة حكم الله (تعالى) لما حكم به العقلاء في الآراء المحمودة؛ فإنّ هذه الملازمات و أمثالها أمور حقيقية واقعية يدركها العقل النظرى بالبداهة، أو بالكسب؛ لكونها من الأوليات و الفطريات التي قياساتها معها؛ أو لكونها تنتهى إليها، فيعلم بها العقل على سبيل الجزم. و إذا قطع العقل بالملازمة – و المفروض أنه قاطع بثبوت الملزوم – فإنّه لا بد أن يقطع بثبوت اللازم و هو – أي اللازم – حكم الشارع، و مع حصول القطع، فإنّ القطع حجّة يستحيل النهى عنه، بل به حجية كلّ حجّة كما سبق بيانه» (مظفر، المصدر نفسه: ٤٧٩).
ويرى المرحوم الحكيم أيضًا أن لازم إدراك الحسن والقبح، أي المصالح والمفاسد، بواسطة العقل، هو تطابق آراء العقلاء.
«ان موضع الخلاف في معنى الحسن و القبح هو المعنى الثالث، و هو إدراك العقل أن هذا الشيء مما ينبغي أن يفعل أو لا ينبغى، و مدح الفاعل أو ذمه على ذلك. و لازم هذا الإدراك الصادر منه – بما أنه عقل- هو تطابق العقلاء- بما أنهم عقلاء – على ذلك بما فيهم الشارع المقدس» (الحكيم، الأصول العامة في الفقه المقارن ١٤١٨: ٢٧٦).
إن طريقة استدلال هؤلاء الأعلام الثلاثة، والتي تتجلى أكثر في كلام المرحوم الأصفهاني، تظهر أنهم قصروا أحكام العقل على الآراء المحمودة أو المشهورات العامة، ولا يعتبرون ما هو أبعد من ذلك حجة؛ لأن الحد الأوسط في استدلال المرحوم الأصفهاني هو «وإلا لزم الخلف من كونه بادئ رأي الجميع». ويمكن تبيين الاستدلال في كلامه على النحو التالي:
١) الشارع واحد من العقلاء، بل هو أعظمهم.
٢) الآراء المحمودة تكون في نظر عموم العقلاء، بحيث يدركون صحتها بأول التفاتة ويحكمون وفقًا لها. أي أن منشأ عمومية الحكم هو وضوحه في الالتفاتة الأولى.
٣) إذن، عندما يصبح حكم ما عامًّا بسبب وضوحه، فإن جميع العقلاء، والشارع منهم، سيدركونه ويحكمون وفقه. وإلا، فلو أن الشارع، مع كونه من العقلاء، لم يحكم وفقًا لحكم العقلاء، فهذا يعني أن الحكم لم يكن في معرض الفهم العام، ولم يكن عامًّا، حتى نتمكن من استنتاج موافقة الشارع من هذه العمومية.
وبهذا التوضيح، فإن عمومية وشهرة حكم العقل تلعب دورًا في إثبات أصل حجيته، وفي نظرهم لا تكون حجة إلا مثل هذه الأحكام.
نقد ودراسة
هذه النظرية – التي نحصر بموجبها حجية المدركات العقلية في الأمور التي يفهمها الجميع والمشهورات العامة، أما حيث تأخذ المسألة طابعًا تخصصيًّا ولا يتمكن إلا أهل الفن كالفقهاء من إثبات مصلحة أو مفسدة شيء بالاستدلال العقلي، فإن إدراك العقل في هذه الحالة فاقد للحجية – لها جذور في بعض معتقدات أصحابها، والتي إذا غفلنا عنها لا يمكننا نقد ودراسة فكرهم أو الوصول إلى نتيجة موثوقة.
بعد التأمل والتفكير في كلام أصحاب هذا الفكر، اتضح لنا أن جذر ومنشأ الاعتقاد بحصر حجية العقل في المشهورات العامة هو حصر حجية الدليل العقلي في موارد حصول القطع العقلي، ولأن مثل هذا القطع لا يمكن تحصيله إلا في المشهورات العامة، فإن حجية مدركات العقل في غير المشهورات العامة فاقدة للملاك. يقول المرحوم المظفر:
«لقد انتهى الأمر بنا في البحث السابق إلى أنّ الدليل العقلى ما أوجب القطع بحكم الشارع، و إذا كان الأمر كذلك فليس ما وراء القطع حجّة؛ فإنّه تنتهى إليه حجية كلّ حجّة؛ لأنّه – كما تقدّم – هو حجة بذاته، و لا يعقل سلخ الحجية عنه» (مظفر، المصدر نفسه: ٤٨١).
ويقول المرحوم الحكيم في بيان أوضح:
«و إذا صح ما عرضناه من إمكان إدراك العقل للحسن و القبح – بما أنه عقل – الملازم لإدراكه – لتطابق العقلاء عليه – بعد تأدبه بذلك – بما فيهم سيدهم فقد أدركنا قطعا حكم الشارع فيها، و ليس وراء القطع حجة كما سبق التأكيد على ذلك و لا حاجة لإعادة الكلام فيه» (الحكيم، المصدر نفسه: ٢٨٤).
ولهذا السبب بالضبط، يعتبر المرحوم الحكيم فهم العقل وإدراكه بالنسبة للمقتضيات فاقدًا للحجية، بسبب عدم القطع به وعدم إحراز عدم المانع.
«و ما كان فيه اقتضاء التأثير أو ليس فيه حتى الاقتضاء لا طريق له غالباً إلى إحراز عدم المانع فيه أو إحراز عروض بعض العناوين الملزمة عليه، و مع عدم الإحراز لا يحصل له القطع فلا يسوغ له الاعتماد عليه لعدم توفر عنصر الحجية فيه» (المصدر نفسه: ٢٦٨).
إن تأكيدهم على لزوم تحصيل «القطع» وحصره في «الآراء المحمودة» وعدم اعتبار غيرها حجة هو بسبب «إمكانية الخطأ» في سائر المدركات؛ ورغم أنهم لم يصرحوا بهذا المعنى، إلا أن في كلام المرحوم المظفر، الذي تعرض لإنكار الملازمة من قبل صاحب الفصول وأبدى استغرابه من هذا الإنكار، وردت نكتة توصلنا إلى هذا الفهم. فهو يقول إنه إذا كان مقصود صاحب الفصول من إنكار الملازمة هو إنكار الملازمة بين المدركات الشخصية، أي المدركات التي ليست من الآراء المحمودة وتوصل إليها الفقيه بنفسه بالاستدلال، فإن إنكاره في محله ونحن نوافقه؛ لأن العقل لا يشرف على جميع ملاكات الأحكام، وإمكانية الخطأ في الاستدلالات العقلية موجودة. ونتيجة لذلك، فإن الملازمة مع الحكم الشرعي منتفية (مظفر، المصدر نفسه: ١/ ٢٣٩).
من هذا البيان للمرحوم المظفر، تظهر نقطة اشتراك مثيرة للاهتمام بين رؤيته ورؤية علماء الأخبارية، وهي «انحصار حجية العقل في الموارد التي لا يمكن أن يوجد فيها خطأ بأي حال من الأحوال». غاية ما في الأمر أن المرحوم الأسترآبادي وجد طريق الوصول إلى هذا الهدف في «قرب المدركات العقلية من الحس»، بينما وجد المرحوم المظفر وأستاذه ذلك في «كونها من المشهورات العامة أو من الآراء المحمودة». وبالطبع، هم لا يترددون في إظهار هذا الاشتراك ويصرحون بأنه إذا كان الأخبارية أيضًا يبحثون عن عقل خالٍ من الخطأ، وكان قلقهم هو تسرب الخطأ إلى مدركات العقل، ولذلك يقبلون الملازمة فقط في هذا النطاق، فإننا نعطيهم الحق:
«و على هذا التقدير فان كان ما انكره صاحب الفصول و الاخباريون من الملازمة هي الملازمة في مثل تلك المدركات العقلية التي هي ليست من المستقلات العقلية التي تطابقت عليها آراء العقلاء بما هم عقلاء فان انكارهم في محله» (المصدر نفسه: ٢٤٠).
إضافة إلى ذلك، فإن نفس الإشكال المبدئي الذي ورد في الجواب الحلّي على المرحوم الأسترآبادي، وهو «عدم صحة حصر الحجية في موارد القطع المئة بالمئة في هذا العالم المادي المليء بالنقائص، وسلب الحجية عن كل ما يمكن أن يقع فيه الخطأ»، يمثل بمجموعه أربعة إشكالات على هذه النظرية.
١. ملاك الحجية: الكشف عن الواقع
لم يقدم أصحاب هذه النظرية دليلًا واضحًا على حصر حجية العقل في الأمور التي يفهمها الجميع أو الآراء المحمودة. بل إنهم لم يقدموا تبيينًا واضحًا للملاك الأصلي في حجية العقل.
الحقيقة هي أن العقل حجة إلى الحد الذي يتمكن فيه من الإحاطة بخصائص ظاهرة ما، وبالاستدلال وتحليل جوانبها المختلفة، يصل إلى قطع أو اطمئنان واضح بشأن اقتضائها لمصلحة أو مفسدة. وإثبات هذه الملازمة يكون على النحو التالي: إذا كان الله تعالى هو خالق العقل، وقد وهبنا نعمة العقل كحجة باطنة لكشف حقائق الوجود، فكل ما يدركه أي إنسان عاقل بوضوح هو نفس الشيء الذي خلقه الله تعالى سابقًا أو أدركه، والاشتراك في إدراك الله تعالى مع الآخرين لا يقتصر على الأمور التي يفهمها الجميع، لأننا جميعًا نعلم بالوجدان أن في العالم الخارجي حقائق كثيرة ليست مفهومة للجميع. بعبارة أخرى، إذا كنا نحن وجميع عقلاء العالم على يقين بوجود الشمس والمصالح المترتبة على وجودها، فهذا يعني أن الله تعالى أيضًا عالم بهذه الحقائق. وبالمثل، بالنسبة لمن يثبت لأول مرة وبالاستدلال الواضح وغير المبهم ظاهرة ما على وجه اليقين ويدرك مصالحها ومفاسدها، فإن تلك الظاهرة واقتضاءها للمصلحة أو المفسدة هي حقيقة خارجية وحاضرة في علم الله تعالى أيضًا.
٢. قبول الخطأ: لازم الحياة في الدنيا المادية
الإشكال الآخر على أصحاب النظرية المذكورة هو نفس الإشكال الذي ورد على المرحوم الأسترآبادي، وهو إغفال النقائص الموجودة في عالم المادة واضطرار البشر للقبول بها.
الحقيقة أننا أحيانًا ننخدع بالعناوين الجميلة، بينما تخفي في طياتها مفاسد كثيرة لا تحصى. فـ«نفي احتمال الخطأ عن المعارف العقلية» له ظاهر جميل وخادع. أن ندعي في المباحث العلمية ومحافل أهل العلم أننا لا نعتد إلا بالمعارف التي لا يحتمل فيها أي خطأ أو اشتباه ونعتبرها حجة، فهذا له ظاهر جميل وجذاب، ولكن حقيقة هذه النظرية مساوية لاشتراط المعارف العقلية في حالات نادرة الحصول؛ أو بعبارة أفضل، هذه النظرية تستلزم نفي حجية المعرفة العقلية! لأن الخطأ والاشتباه في عالم المادة جزء من حياتنا. عالم المادة هو في الأساس عالم الكسر والانكسار والنقص، ونحن حتى في أفضل الظروف لسنا بمأمن من الخطأ والاشتباه. إذن، لا ينبغي أن نبحث عن طريقة نخلص بها أنفسنا من هذا النقص، ونسعى لما يسمى بـ«عصمة الفكر البشري»، لأن هذا العمل بمثابة محاربة للسنن الإلهية، ويتنافى مع روح المادية والحجاب الموجود في العالم الترابي. يجب أن نلتفت إلى أن حتى الناس الذين كانوا في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام) ويتلقون المعارف الوحيانية مباشرة منهم، لم يكونوا بمنأى عن هذا النقص. فظواهر الكلام، والظروف والقرائن الحالية، والنقل بالمعنى، والنقص الطبيعي الناتج عن ذلك، وسوء الفهم الطبيعي لدى بعض المخاطبين والرواة، وغير ذلك، كانت وسائط بينهم وبين حقيقة الوحي، وكانت تفرض عليهم أخطاء. كل هذا بغض النظر عن كل الأخطاء التي تقع فيها الحواس الخمس. لذا، يجب أن نقول حقًا إن هذا النوع من النظرة إلى المعرفة ليس إلا نفيًا للمعرفة.
لازم مبنى المرحوم الأصفهاني وتلامذته هو أنه إذا لم يكن حكم ما شاملًا ومفهومًا للجميع، ولم يتمكن إلا العلماء والفقهاء من إدراكه بالاستدلال والتحليل العقلي، فإنه ليس بحجة. حجية العقل تشمل مسائل مثل حسن العدل والصدق والشجاعة والإحسان والشكر، وقبح الظلم والكذب والجبن ومنع الإحسان والكفران، ولكن إذا ثبتت ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بدليل عقلي غير بديهي، أو ثبتت ضرورة ظاهرة تسمى التأمين باستدلال عقلي مطمئن، أو ثبتت ضرورة ولاية الفقيه في عصر غيبة الأئمة المعصومين ولم تنتشر بين الناس، فهي ليست بحجة ويجب البحث عن دليل نقلي. بكل أسف ومع الاعتذار لهؤلاء الأعلام، يجب القول إن تقييد حجية العقل بالأمور التي يفهمها الجميع وسلب حجيته في سائر الموارد، هو من الأمور التي يبعث طرحها على الخجل في فقه الشيعة.
٣. التناقض في المبنى والعمل
الإشكال الآخر الذي يرد على أصحاب نظرية الآراء المحمودة هو أنهم لم يلتزموا بمبناهم، وفي الحقيقة وقعوا في تناقض واضح في مباحثهم العلمية. فمن جهة، قيدوا حجية الدليل العقلي بالمسائل المفهومة للجميع وحصروها في جدار المشهورات العامة الضيق، ومن جهة أخرى، استخدموا في كثير من المباحث الأصولية استدلالات عقلية معقدة لدرجة أن بعض الخواص والطلاب الحاضرين في دروسهم يجدون صعوبة في فهمها؛ استدلالات نظرية دقيقة جدًا، لا نجرؤ على الخوض في مجالها بسبب انزلاق فضاء الاستدلال وعدم كفاية وضوح المطلب. إشكالنا عليهم هو: أنتم الذين لا تعتبرون الدليل العقلي حجة إلا في المشهورات العامة، كيف طرحتم في مباحثكم الأصولية مباحث نظرية ومعقدة جدًا مثل مقدمات المفوتة، والشرط المتأخر، واجتماع الأمر والنهي، والصحيح والأعم، والترتب، وغيرها؟ إذا كنتم تجيزون هذا النوع من الاستدلالات المعقدة في الأصول، فيجب أن تلتزموا به في الفقه أيضًا، لأن مسائل العلمين من سنخ واحد وقريبة جدًا من بعضها، كالمنطق والفلسفة.
والأعجب هو المرحوم المحقق الأصفهاني، فقد كان من أهل المعقول أيضًا، والحاشية التي بقيت منه على كفاية الأصول للمرحوم الآخوند تعد من أثقل الحواشي، بحيث لا يمكن فهم كثير من مطالبها دون الإحاطة بالمباني الفلسفية.
٤. التناقض في المباني
الإشكال الآخر يتعلق بمبانيهم في وجه حجية كل من العقل وبناء العقلاء. فهم يعتقدون أن القضية المستنبطة من الدليل العقلي حجة ولا تحتاج إلى تقرير من الشارع، لأن العقل نفسه يكشف عن الواقع بالاستدلال ويحيط بالمصالح والمفاسد الموجودة في الظاهرة المدروسة، أما سيرة العقلاء فلا تكشف عن شيء، بل هي سلوك أعمى وخالٍ من أي كشف عن الواقع، لذا فهي ليست بحجة بدون تقرير وتأييد من الشارع المقدس. يقول المرحوم الحكيم:
«و الفرق بينه و بين حكم العقل، أن حكم العقل فيما يمكنه الحكم فيه وليد اطلاع على المصلحة أو المفسدة الواقعية، كما يأتي بيانه، و هذا البناء لا يشترط فيه ذلك لكونهم يصدرون عنه – كما قلنا – صدورا تلقائيا غير معلل، فهو لا يكشف عن واقع متعلقه من حيث الصلاح و الفساد، ولعل قسما كبيرا من الظواهر الاجتماعية منشؤه هذا النوع من البناء. و مع عدم كشفه عن الواقع فهو لا يصلح للاحتجاج به على المولى لكونه غير ملزم له» (الحكيم، المصدر نفسه: ١٩٢).
والإشكال الآن هو: أنتم الذين تعتبرون الحجية الذاتية للعقل بسبب علمه بالمصالح والمفاسد، لماذا تكررون في مبحث حجية العقل نفس كلام المرحوم الأصفهاني وتحبسونه في الدائرة الضيقة للمشهورات العامة؟ إذا كان ملاك الحجية هو هذا حقًا، كما قلتم في بحث بناء العقلاء، فلا فرق بين المشهورات العامة وغيرها.
نكتة مهمة: نظرية مشهور الأصوليين
قد يتصور القارئ الكريم أن نظرية تقييد حجية العقل بالآراء المحمودة هي النظرية المشهورة لدى فقهاء الشيعة. ولكن الحق أن هذا التصور غير صحيح، وهذه الشبهة لم تقع إلا لبعض المعاصرين، وهم المرحوم الأصفهاني وبعض أتباعه. أما مشهور الأصوليين والفقهاء الأجلاء من الشيعة (المتقدمين والمتأخرين)، مع أنهم لم يقدموا في مباحثهم الأصولية بيانًا واضحًا للدليل العقلي وحدود حجيته، إلا أنه يمكن من خلال طريقة استدلالاتهم الفقهية وسائر مباحثهم أن نفهم أنهم لم يكن لديهم أبدًا مثل هذه النظرة الضيقة تجاه حدود حجية العقل. وقد طرحوا العقل في كثير من فروع الفقه النظري كأحد الأدلة. ونذكر الآن بعض الموارد على سبيل المثال:
أولاً: دليل الشيخ الطوسي في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
يرد المرحوم الشيخ الطوسي في البداية على من يعتبر وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عقليًّا، فيكتب:
«و الذي يدل على الاول، انه لو وجبا عقلا لكان في العقل دليل على وجوبهما وقد سبرنا ادله العقل فلم نجد فيها ما يدل على وجوبهما، و لا يمكن ادعاء العلم الضرورى فى ذلك لوجود الخلاف» (الطوسي، الاقتصاد الهادي الى طريق الرشاد ١٣٧٥: ١٤٧).
لا يتهم الشيخ القائلين بعقلية وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأن أدلتهم غير بديهية، بل يدعي أنه لا يجد دليلًا من العقل، ثم يصرح بأن المسألة ليست ضرورية، لأنه لو كانت ضرورية لما وقع فيها خلاف. وهو في تتمة كلامه يتراجع عن رأيه الأول، وفي إثبات عقلية وجوب الأمرين يكتب:
«و يقوى في نفسي انهما يجبان عقلا الامر بالمعروف و النهي عن المنكر لما فيه من اللطف، و لا يكفي فيه العلم باستحقاق الثواب والعقاب لانا متى قلنا ذلك لزمنا ان تكون الامامة ليست واجبة، بان يقال: يكفي في العلم باستحقاق الثواب والعقاب و ما زاد عليه في حكم الندب و ليس بواجب فاليق بذلك انه واجب» (المصدر نفسه: ١٤٧).
نحن لسنا في مقام الحكم على دليل المرحوم الشيخ الطوسي، بل الغرض هو أن الشيخ يستدل بقاعدة اللطف لإثبات وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعتبر مثل هذا الاستدلال جائزًا لإثبات فرع فقهي، وهذا الدليل العقلي النظري لا يقصره على الآراء المحمودة.
ثانياً: الشيخ الطوسي وموارد تفاصيل العقل والشرع
يقول في مقام بيان تفاصيل موارد العقل والشرع:
«و أما ما يقبح من البياعَاتِ و غيرها: فما يقف التمليك فيها على شروط لا تعرف إلا بالشرع فشرعي، و ما لم يكن كذلك فهو مما يعلم بالعقل و بالعادة» (الطوسي، العدة ١٤١٧: ٢/ ٧٦١).
إذن، يرى المرحوم الشيخ الطوسي أن بعض شروط صحة المعاملات عقلية. ومن الواضح أن تبيين الشروط العقلية للصحة في بعض المعاملات هي أمور تحتاج إلى استدلال، ولا تُحسب من الأمور المفهومة للجميع أو الآراء المحمودة.
ثالثاً: تصريح الشهيد الأول بحجية العقل النظري
الشهيد الأول من الذين صرحوا بحجية العقل النظري في إثبات الفروع الفقهية، إلى جانب العقل الضروري. وهو في بيان أقسام الدليل العقلي يكتب:
«الأول: ما يستفاد من قضية العقل؛ كوجوب قضاء الدين، ورد الوديعة، وحرمة الظلم، واستحباب الإحسان، وكراهية منع اقتباس النار، وإباحة تناول المنافع الخالية عن المضار، سواء علم ذلك بالضرورة أو النظر – كالصدق النافع و الضار، و ورود السمع في هذه مؤكد» (الشهيد الأول، ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة ١٤١٩: ١/ ٥٢).
رابعاً: المقدس الأردبيلي وحجية العقل النظري
من الذين يعتبرون العقل حجة أبعد من المشهورات هو المرحوم المقدس الأردبيلي. وهو يستند إلى الدليل العقلي في مواضع كثيرة من أثره القيم «مجمع الفائدة والبرهان». وأحيانًا يذكره كمؤيد، ونورد أمثلة على ذلك.
يقول في بحث استحباب الطهارة عند تلاوة القرآن:
«و لعل في قراءة القرآن أيضا خبرا و ما رأيته أو الإجماع … و لان العقل يجد حسنه» (الأردبيلي، مجمع الفائدة و البرهان في شرح إرشاد الأذهان ١٤٠٣: ١/ ٦٩).
من الواضح أن إدراك حسن الطهارة حال تلاوة القرآن ليس من الآراء المحمودة، بل يحتاج إلى استدلال. ولعل رأيه الشريف هو أن الطهارة الشرعية تسبب طهارة روحية وتزيد من الاستعداد للتأثيرات المعنوية. والقرآن أيضًا كتاب طهارة النفس، وقد نزل من عند الله الطاهر على الرسول الطاهر. إذن، قطعًا يمكن للطهارة أن تزيد من أثره المعنوي.
وهو يكتب أيضًا في بحث بطلان الوضوء بسبب الاستعانة بالآخرين:
«و اما دليل تحريم التولية، بل عدم صحة الوضوء معها فالظاهر انه ظاهر المنقول و العقل يساعده» (الطوسي، مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان: ١/ ١٢٠).
مساعدة العقل تكون على هذا النحو: أن العقل يدرك أن الأمر بالوضوء يتعلق بالشخص نفسه. لقد طلب الله تعالى منه أن يقوم به بنفسه. إذن، إذا وكّل إنجاز كله أو بعضه إلى شخص آخر، سقط الأمر عنه. والفرض هو أن الشارع لم يرخص في هذا المجال.
وبهذه الأمثلة يتضح أن هؤلاء الأعلام يعتبرون العقل حجة أبعد من المشهورات وفي نطاق النظريات أيضًا.
النتيجة
١. جميع الفقهاء قائلون بحجية العقل، ولكن المهم هو تبيين حدود حجية العقل، وهو ما قَلَّ الحديث عنه.
٢. بعض الفقهاء قيدوا حجية العقل بإدراك الكليات، واعتبروا أي نوع من الإدراك العقلي في مجال الجزئيات فاقدًا للحجية.
٣. نظرية هؤلاء الفقهاء معيبة ولا يوجد أي دليل على حصر الحجية في مجال الكليات.
٤. بعض آخر من علماء الفقه والأصول حصروا حجية المدركات العقلية في الأمور التي لا يوجد فيها أي إمكان للخطأ. فالمرحوم الأسترآبادي لا يعتبر حجة إلا المدركات العقلية القريبة من الحس، والمرحوم الأصفهاني وتلميذاه المرحوم الحكيم والمظفر لا يعتبرون حجة إلا المدركات العامة أو الآراء المحمودة.
٥. هذه النظرية تواجه إشكالات جدية، وأهم إشكال مبدئي فيها هو عدم مراعاة نقائص عالم المادة، وأن حصر العقل في مجال لا يحتمل فيه أي خطأ، يعني إغفال مقتضيات عالم الدنيا وحصر الحجية في حالات نادرة الحصول، وهو وجه آخر لسلب حجية العقل.
٦. بصرف النظر عن الإشكال المبدئي والأساسي على النظرية المذكورة، توجد عدة إشكالات رئيسية أخرى على نظرية المرحوم الأصفهاني، وهي: ملاك الحجية هو كشف الواقع، والتناقض في المبنى والعمل، والتناقض في المباني.
٧. النظرية المذكورة هي نظرية شاذة بين فقهاء الشيعة. فمشهور فقهاء الشيعة يعتبرون حجية العقل أوسع من المشهورات العامة، واستدلالاتهم النظرية في إثبات القضايا الفقهية خير دليل على هذا المدعى. فالشيخ الطوسي، والشهيد الأول، والمقدس الأردبيلي من الفقهاء البارزين الذين استفادوا من العقل النظري المطمئن به في فقههم.
الهوامش
- هذا الإشكال أورده الشيخ الأنصاري (رحمه الله) عليه أيضاً، حيث قال: «إنك قد عرفت أنه لا فرق فيما يكون العلم فيه كاشفاً محضاً بين أسباب العلم وينسب إلى غير واحد من أصحابنا الأخباريين عدم الاعتماد على القطع الحاصل من المقدمات العقلية القطعية غير الضرورية لكثرة وقوع الاشتباه والغلط فيها فلا يمكن الركون إلى شيء منها. فإن أرادوا عدم جواز الركون بعد حصول القطع فلا يعقل ذلك في مقام اعتبار العلم من حيث الكشف ولو أمكن الحكم بعدم اعتباره لجرى مثله في القطع الحاصل من المقدمات الشرعية طابق النعل بالنعل» (الشيخ الأنصاري، فرائد الأصول ١٤١٦: ١/ ١٥).
المصادر والمراجع
- الأردبيلي، أحمد بن محمد، مجمع الفائدة و البرهان فى شرح إرشاد الأذهان، قم، دفتر انتشارات اسلامی وابسته به جامعه مدرسین حوزه علميه قم، الأول، ١٤٠٣ق.
- الأسترآبادي، محمد أمين؛ العاملي، السيد نورالدين الموسوى، الفوائد المدنية و بذيله الشواهد المكية، قم، دفتر انتشارات اسلامی وابسته به جامعه مدرسین حوزه علميه قم، دوم، ١٤٢٦ق.
- الأصفهاني، محمدحسين، نهاية الدراية فى شرح الكفاية، بيروت، چاپ دوم، ١٤٢٩ق.
- الأنصاري، مرتضى بن محمدأمين، فرائد الاصول، قم، چاپ پنجم، ١٤١٦ق.
- الحكيم، محمدتقي بن محمد سعيد، الأصول العامة في الفقه المقارن، قم، چاپ دوم، ١٤١٨ق.
- الطوسي، أبوجعفر، محمد بن حسن، الاقتصاد الهادى إلى طريق الرشاد، تهران، انتشارات كتابخانه جامع چهل ستون، الأول، ١٣٧٥ش.
- الطوسي، محمد بن حسن، العُدة في أصول الفقه، قم، چاپ أول، ١٤١٧ق.
- العاملي، الشهيد الأول، محمد بن مكى، ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، قم، مؤسسه آل البيت (ع)، الأول، ١٤١٩ق.
- المظفر، محمدرضا، أصول الفقه (با تعليقه زارعى) – قم، چاپ پنجم، ١٣٨٧ش.