الفروق الفردية الناشئة عن العوامل الوراثية من منظور القرآن وروايات المعصومين (ع)

الملخص: إنّ وجود الفروق الفردية بين البشر أمرٌ واضحٌ لا يُنكر. وكثيرٌ من هذه الفروق ينشأ عن عوامل وراثية أو بيئية. يتناول هذا المقال الفروق الفردية الناشئة عن العوامل الوراثية من منظور القرآن وروايات أهل البيت (ع). وقد خَلُص هذا البحث، الذي أُجري بالمنهج الوصفي التحليلي، بعد استخراج وتصنيف الآيات والروايات في إطار الفروق الفردية، والتشابهات والاختلافات الجينية، والشبهات والحِكَم الكامنة وراء هذه الفروق، إلى أن الإسلام قد أقرّ مبدأ توارث الصفات وأمضاه. كما أن الإسلام يقرّ بمسألة الفروق الفردية، ويرى أن هذه الفروق ضرورية للحياة الاجتماعية البشرية، ويمكن دراستها في بُعدين: جسدي وأخلاقي. والنقطة المهمة هي أنه من منظور إسلامي، تُعدّ العوامل الوراثية من الأسباب الرئيسة لوجود الفروق بين الناس، ورغم كونها جبرية، فإنها لا تتعارض مع الحكمة الإلهية من وجهة نظر التعاليم الإسلامية.

بيان المسألة

إن من أغمض أسرار الخلق، التشابهات والاختلافات الموجودة بين الكائنات، سواء كانت نباتات أم حيوانات أم بشراً. وقضية الفروق الفردية أمر واضح ومقبول لدى الجميع، حتى إن البشر الأوائل كانوا يوزعون الأعمال فيما بينهم بناءً على وعيهم بوجود مثل هذه الفروق. والمقصود بالفروق الفردية هي تلك الاختلافات القائمة بين أفراد البشر من حيث الخصائص الجسدية (الطول، الوزن، لون الشعر، إلخ) والسمات النفسية (المواهب والشخصية). وللوراثة والبيئة دور أساسي في تحديد الفروق الفردية؛ ففي بعض الحالات يكون تأثير الوراثة أكبر، وفي حالات أخرى يغلب تأثير البيئة. وفي تبيين ظهور الفروق الفردية الناشئة عن العوامل الوراثية، يمكن القول إنه على الرغم من تشابه الأفراد ظاهرياً مع آبائهم، فإنهم لا يُخلط بينهم وبين آبائهم أبداً، بل يكتسبون شخصية مستقلة ومختلفة تماماً. وحتى الإخوة والأخوات من أب وأم واحدة، يختلفون اختلافاً كبيراً في جوانب عدة؛ لأن الوالدين لا ينقلان أبداً عوامل وراثية متطابقة إلى أبنائهم، والأبناء لا يتلقون سوى نسبة معينة من جينات والديهم المتشابهة. ومن هنا، فإن أحد أسباب الاختلافات الظاهرية بين الأفراد هو تنوع المادة الوراثية التي تلقوها من والديهم. وكثير من هذه الاختلافات، سواء كانت ناجمة عن عوامل وراثية أو بيئية أو كليهما، هي حتمية وضرورية لحياة الإنسان الاجتماعية.

إن ضرورة وأهمية هذا البحث، الذي أُنجز بالمنهج الوصفي التحليلي وجُمعت بياناته عبر الدراسات المكتبية من خلال تدوين الملاحظات من المصادر التي تمحورت حول القرآن والأحاديث، تكمن في تبيين هذه المسألة، وهي أنه على الرغم من الطبيعة الجبرية للفروق الفردية الناشئة عن الوراثة والجينات، فإن القرآن الكريم وأهل البيت (ع) لا يرون هذه المسألة مخالفة للحكمة الإلهية والفطرة البشرية فحسب، بل ينسبون إليها حِكَماً أيضاً. وفي هذا السياق، سيتم أولاً توضيح الفروق والتشابهات الوراثية من منظور علم الوراثة بشكل موجز، ثم سيتم بحث الفروق الفردية من منظور القرآن والروايات، والفروق والتشابهات الوراثية من وجهة نظر القرآن والأحاديث، والشبهات وفلسفة وجود هذه الاختلافات.

١. الفروق والتشابهات الوراثية من منظور علم الوراثة

من منظور علم الوراثة، كل كائن حي، رغم تشابهه مع أبناء نوعه، هو كائن فريد من نوعه. فالمخزون الجيني للأفراد هو ما يحدد فردية كل شخص، ويُعد من أهم عوامل وجود الفروق الفردية. وبناءً على اكتشافات خبراء الوراثة، يوجد في بنية جينات الإنسان ثلاثة مليارات قطعة صغيرة تسمى النيوكليوتيدات (nucleotid). هذه النيوكليوتيدات تشكل كتاب التعليمات لبنية الجسم ووظائفه، وتؤدي إلى تميز البشر عن بعضهم البعض وتفردهم. ولكن بشكل عام، يمكن القول إن البشر يتشابهون أكثر مما يختلفون. ويوضح علماء الوراثة، في معرض تبيين كيفية تشابه البشر الكبير رغم امتلاك كل منهم جينوماً فريداً، أن تسلسل القواعد الموجودة في نيوكليوتيدات الحمض النووي (DNA) لكل فرد من البشر فريد من نوعه، مما يبرر تنوعهم الوراثي. وهذا التسلسل متشابه بنسبة ٩٩.٩٪ بين أفراد الكرة الأرضية، وفقط عُشر بالمائة من الاختلاف هو ما يسبب التنوع الوراثي. وهذا يعني أن جزيء الحمض النووي لدينا جميعاً يشبه بنسبة ٩٩.٩٪ أشخاصاً مثل ابن سينا، وكذلك أشخاصاً مثل هتلر. لكن هذا التشابه بنسبة ٩٩.٩٪ لا يعني التشابه الكامل بنسبة مئة بالمئة، وربما هذا العُشر بالمائة من الاختلاف في الحمض النووي هو ما يسبب كل هذا التفاوت بين الأفراد. ومن المثير للاهتمام أن الحمض النووي للإنسان والحمض النووي للشمبانزي يتشابهان بنسبة ٩٨٪ على الأقل. لا يوجد فردان يمتلكان جينوماً متطابقاً تماماً؛ حتى التوائم المتماثلة ليست متطابقة تماماً، لأن عملية انقسام بويضة واحدة إلى قسمين لا تؤدي بالضرورة إلى انقسام مواد البروتوبلازم، وقد يكونان غير متوافقين من حيث الطفرات الوراثية، أو قد يظهران تفاوتاً ملحوظاً في تجلي مرض وراثي معين رغم إصابتهما به. إذا تمت مقارنة منطقتين متطابقتين من جينوم فردين مختلفين، فسيُلاحظ وجود اختلاف يقارب عُشر بالمائة في المتوسط بين التسلسلين، وهو ما قد يبدو ضئيلاً، ولكن بالنظر إلى حجم الجينوم، فإن هذه النسبة تخلق حوالي ثلاثة ملايين اختلاف وراثي في مجموعة الكروموسومات الأمومية أو الأبوية لفرد ما مقارنة بفرد آخر.

إن الحساب التقريبي لعدد الحالات الممكنة للبويضة الملقحة يوضح كيفية نشوء التنوع الوراثي. فعدد التراكيب الممكنة التي يمكن لـ ٢٣ زوجاً من الكروموسومات أن تكوّنها في الأمشاج يساوي ٢^٢٣ (أكثر من ٨ ملايين). وبناءً على ذلك، إذا كان عدد أنواع الحيوانات المنوية ٢^٢٣ وعدد أنواع البويضات أيضاً ٢^٢٣، فبالنظر إلى التزاوج العشوائي لحيوان منوي مع بويضة في عملية الإخصاب، فإن عدد أنواع البويضات الملقحة التي قد تنتج سيكون ٢^٤٦، أي حوالي ٦٤ تريليوناً. بعبارة أخرى، من أب وأم واحدة، هناك احتمال لتكوين ٦٤ تريليون بويضة ملقحة مختلفة، يولد من كل منها فرد بخصائص ظاهرية وأخلاقية مختلفة. وبالطبع، توجد آليات أخرى تفسر سبب وجود الاختلاف بين الأفراد، ولكن نظراً لتعقيدها وتخصصها، تم الامتناع عن طرحها، مع الاكتفاء بذكر هذه النقطة: كل إنسان فريد من الناحية الوراثية.

٢. الفروق الفردية من منظور القرآن وروايات المعصومين (ع)

لقد تحدث القرآن الكريم والمعصومون (ع) عن اختلاف المظاهر الطبيعية، وعلى رأسها الإنسان، وهذه البيانات تدل على قبول الفروق الفردية. ومن المحاور الهامة للفروق الفردية، الاختلاف في الخصائص الجسدية والشخصية للأفراد. فهناك طائفة من المستندات تشير إلى الاختلاف في البعد الجسدي والظاهري، وطائفة أخرى تؤيد وجود الاختلاف في البعد الشخصي والأخلاقي، وسنتناول كلاً منهما على حدة.

١.٢. أصل وجود الفروق الفردية

يمكن استنباط قبول الإسلام لمسألة الفروق الفردية من بعض الآيات والروايات. ومن هذه الآيات والروايات ما يلي: يقول القرآن الكريم: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} (نوح: ١٤). أي والحال أنه خلقكم في مراحل مختلفة. للمفسرين آراء مختلفة في تفسير هذه الآية، منها أن الآية تشير إلى الاختلاف بين الناس. فبناءً على رأي العلامة الطباطبائي، تبين الآية أن الله خلق الإنسان في أطوار وأحوال متنوعة؛ أولاً من نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم جنين، ثم طفل، ثم شاب، ثم كهل، ثم شيخ. وهذا يتعلق بكل فرد من الأفراد. كما أنه خلق جميع الأفراد مختلفين من حيث الذكورة والأنوثة، واللون، والهيئة، وغير ذلك. وقد تشير الآية إلى مراحل تكون الجنين وكذلك مراحل نمو الإنسان من الطفولة إلى الشيخوخة، وربما يكون المراد من تعدد الأطوار، تعدد الأشخاص من حيث اختلاف الألوان واللغات والتنوع الجسدي.

نُقل عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: “لو علم الناس كيف خلق الله تبارك وتعالى هذا الخلق لم يلم أحد أحدا، فقلت: أصلحك الله وكيف ذاك؟ فقال: إن الله تبارك وتعالى خلق أجزاء بلغت تسعة وأربعين جزءا، ثم جعل كل جزء عشرة أبعاش، ثم قسمها بين الخلق، فجعل في رجل عشر جزء، وفي آخر عشري جزء، حتى تمت له جزء، وفي آخر جزء وعشر جزء، وفي آخر جزء وعشري جزء، وفي آخر جزء وثلاثة أعشار جزء، حتى بلغ به جزأين، ثم على هذا الحساب حتى يتم لأرفعهم تسعة وأربعين جزءا، فمن لم يجعل فيه إلا عشر جزء لم يقدر على ما يقدر عليه صاحب العشر ين، وصاحب العشرين لا يقدر على ما يقدر عليه صاحب الثلاثة أعشار”. وإذا علم الناس أن الله عز وجل خلق هذا الخلق على هذا النحو، لما لام أحد أحداً.

طُرح موضوع اختلاف الناس وتفاوتهم في حضرة أمير المؤمنين (ع)، فقال: “إنما فرق بينهم مبادئ طينهم، وذلك أنهم كانوا فلقة من سبخ أرض وعذبها، وحزن تربة وسهلها. فهم على حسب قرب أرضهم يتقاربون، وعلى قدر اختلافها يتفاوتون، فتام الروى ناقص العقل، وماد القامة قصير الهمة، وزاكي العمل قبيح المنظر، وقريب القعر بعيد السبر، ومعروف الضريبة منكر الجليبة، وتائه القلب متفرق اللب، وطليق اللسان حديد الجنان”.

وروي أن النبي (ص) سُئل: لم سمي آدم آدم؟ فقال: “لأنه خلق من أديم الأرض وصحفتها”. ثم سُئل: أمن طينة واحدة خلق آدم أم من طين شتى؟ فقال: “بل من طين شتى، ولو خلق من طينة واحدة لما عرف الناس بعضهم بعضا، وكانوا على صورة واحدة”. ثم سُئل: فهل لذلك في الدنيا مثل؟ فقال: “التراب فيه الأبيض والأخضر والأشقر والأحمر الخفيف والأسود، وفيه العذب والملح والخشن واللين، فلذلك صار في الناس اللين والخشونة، والأبيض والأصفر والأحمر والأسود على ألوان التراب”.

٢.٢. الفروق الظاهرية والجسدية

تشمل هذه الفروق الاختلافات الجسدية والبيولوجية، والتي تعتبر في معظمها جبرية، ولا يؤثر فيها سلوك الفرد الاختياري. بالطبع، قد تقع بعض أسباب هذه الفروق، إلى حد ما، في نطاق اختيار الإنسان. على سبيل المثال، يمكن علاج بعض حالات التخلف الجسدي والذهني والتعويض عنها إلى حد ما من خلال تناول الأدوية، واتباع برامج غذائية خاصة، وممارسة تمارين محددة. جاء في سورة فاطر: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ} (فاطر: ٢٧-٢٨).

البشر، رغم أنهم جميعاً من أب وأم واحدة، إلا أنهم ينتمون إلى أعراق وألوان مختلفة، وحتى داخل العرق الواحد، هناك تنوع كبير في الألوان. وإلى جانب المظهر الخارجي، فإن طباعهم الباطنية وأخلاقهم وصفاتهم ومواهبهم وأذواقهم متنوعة ومختلفة تماماً، لتشكل مجتمعة وحدة متكاملة بكل احتياجاتها. في هذه الآية، يدور الحديث عن اختلاف الألوان، وقد تكرر ثلاث مرات: اختلاف ألوان الثمار، واختلاف ألوان الجبال، واختلاف ألوان الناس والدواب والأنعام. ويبدو أن المراد هو بيان سعة قدرة الله، التي أظهرت اختلاف الألوان في الكائنات.

وفي آية أخرى جاء: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ} (الروم: ٢٢). ظاهراً، المراد من اختلاف الألسن هو اختلاف اللغات، فهذا عربي، وذاك فارسي، وآخر لغة أخرى. والمراد من اختلاف الألوان هو اختلاف الأعراق من حيث اللون، فهذا أبيض البشرة، وذاك أسود، وآخر أصفر، وغيره أحمر. وبالطبع، قد يشمل اختلاف الألسن اختلاف اللهجات ونبرات الصوت أيضاً. ومن الآيات الإلهية اختلاف اللغات، رغم أنهم جميعاً بشر ومن جنس واحد. كذلك، المقصود باختلاف الألوان وجود أفراد باللون الأسود، وآخرين باللون الأبيض، وبعضهم باللون الأحمر والأصفر. بالإضافة إلى ذلك، لا يوجد فردان يتشابهان من جميع النواحي، حتى لو كانا أخوين أو أباً وابنه، أو أماً وابنتها، أو أختين.

ويوجه القرآن الانتباه إلى الاختلاف بين بصمات الأصابع، فيقول: {بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ} (القيامة: ٤). بصمة الإصبع هي بطاقة الهوية البيولوجية للإنسان، وهي شكل ينتج عن بروزات أطراف الأصابع ويمكن رؤيتها بالعين. لا يحدث تغيير في هذه البروزات ما لم تُقطع أو تُجرح، وتحتفظ بخصائصها الأولية. وهذا الثبات والتفرد في بصمة الإصبع يجعلها أداة لتحديد الهوية. تحتوي أطراف الأصابع على خطوط بارزة، وتظل أنماط هذه الخطوط ثابتة ومستقرة من الولادة حتى الوفاة. وبسبب هذا التصميم على الأصابع، يوجد تنوع واسع بين البشر، لدرجة أن احتمال العثور على شخصين لهما بصمات أصابع متطابقة يقدر بحوالي واحد من كل ٦٤ ملياراً.

ومن وجهة نظر المفسرين، أشار القرآن الكريم قبل قرون إلى اختلاف بصمات الأصابع. كلمة “بنان” تعني أطراف الأصابع، أو الأصابع نفسها حسب قول البعض. وتسوية البنان هي تصويرها على الهيئة التي تُرى عليها. ولعل ذكر الأصابع من بين أعضاء الجسم يرجع إلى الإشارة إلى خلقتها العجيبة بأشكالها المختلفة وخصائص تركيبها وعددها، والفوائد الكثيرة المترتبة عليها. فلأطراف الأصابع حركات دقيقة وأعمال بالغة الدقة تميز الإنسان عن سائر الحيوانات، بالإضافة إلى الأشكال المتنوعة والخطوط التي تُكتشف أسرارها باستمرار للإنسان. كلمة “بنان” في اللغة تعني الأصابع وتعني أيضاً أطراف الأصابع. وفي كلتا الحالتين، تشير إلى أن الله لا يجمع العظام ويعيدها إلى حالتها الأولى فحسب، بل يضع عظام الأصابع الصغيرة والدقيقة في مكانها، والأهم من ذلك أنه يعيد حتى أطراف أصابعه بشكل متناسق إلى هيئتها الأولى، وهي إشارة لطيفة إلى الخطوط الدقيقة والمعقدة المنقوشة على أطراف أصابع كل إنسان، والتي تُعرِّف شخصه.

يقول القرآن الكريم في شأن هلاك قوم عاد: {تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} (القمر: ٢٠). إنها تقتلع الناس كما لو كانوا جذوع نخل منقعرة. كان قوم عاد يتمتعون بأجسام ضخمة بطول أشجار النخيل. وقيل إن تشبيه قوم عاد بالنخل كان لأنهم كانوا طوال القامة كشجر النخيل وأقوياء. في هذه الآية إشارة ضمنية إلى ضخامة قوم عاد واختلاف أجسادهم عن سائر الأقوام.

٢.٣. الفروق الأخلاقية والشخصية

كما ذُكر، أحد جوانب الفروق الفردية هو الاختلاف في الخصائص النفسية للأفراد، سواء في مواهبهم أو شخصياتهم. من الناحية اللغوية، تعادل كلمة “الشخصية” كلمة (Personality)، وكلمة (Persona) كانت قناعاً يضعه الممثلون في اليونان وروما القديمة على وجوههم. وبناءً على ذلك، الشخصية هي القناع الذي يضعه الفرد على وجهه ليتكيف مع البيئة ويلعب دوره في مسرح الحياة. ولكن في الاصطلاح، هي مجموعة من الخصائص الجسدية والنفسية والسلوكية التي تميز كل فرد عن غيره. شخصية كل فرد هي نتاج التفاعل والتأثير المتبادل بين عاملين: الوراثة والبيئة. من وجهة نظر علم النفس، تعني الموهبة الاستعداد الطبيعي أو المكتسب للقيام ببعض الأعمال. ومواهب كل فرد خاصة به. الأخلاق، جمع “خُلُق” و “خَلْق”، وتُستخدم في اللغة بمعنى الطبيعة والسجية، وهي من نفس جذر كلمة “خَلْق”. والمقصود بالخُلُق الصفات الباطنية، بينما الخَلْق يحكي عن الصفات الظاهرية. والاستخدام الاصطلاحي الأكثر شيوعاً للأخلاق هو: الصفات والهيئات الراسخة في النفس التي تؤدي إلى صدور أفعال متناسبة معها بشكل تلقائي ودون الحاجة إلى تفكير وتأمل من الإنسان. وبالنظر إلى التعريفات المذكورة، يُفهم أن الأخلاق تشمل الصفات الباطنية للفرد، بينما الشخصية تحدد أسلوب الفرد وطريقته في التفاعل مع بيئته الاجتماعية. أشار المعصومون (ع) إلى اختلافات موجودة في صفات وحالات النفس لدى الأفراد. قال الإمام الصادق (ع): “إن الخُلُق منيحة يمنحها الله عز وجل خلقه، فمنه سجية ومنه نية. فقلت: فأيتهما أفضل؟ فقال: صاحب السجية هو مجبول لا يستطيع غيره، وصاحب النية يصير على الطاعة تصبراً فهو أفضلهما”. الخُلق عطية إلهية يهبها الله لمن يشاء من خلقه، فبعض الأخلاق فطرية وطبيعية، وبعضها الآخر يصدر عن قصد. قال الراوي: أيتهما أفضل؟ فقال الإمام: الشخص الذي جُبلت طبيعته على خُلق معين، لابد له من فعله ولا يستطيع تغييره، أما الذي يفعل شيئاً عن نية، فعليه أن يجاهد نفسه ويصبر ويتحمل لأداء ذلك، فهو الأفضل.

وفي رواية أخرى عن الإمام (ع) أنه قال: “الشجاعة في أهل خراسان، والباه في أهل بربر، والسخاء والحسد في العرب، فتخيروا لنطفكم”. وكتب الإمام علي (ع) في عهده إلى والي مصر: “… ثم الصق بذوي الأحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة؛ ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة، فإنهم جماع من الكرم وشعب من العرف…”. ولاختيار الموظفين، يأمر ذلك الإمام الهمام أيضاً بما يلي: “… وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام المتقدمة، فإنهم أكرم أخلاقاً وأصح أعراضاً وأقل في المطامع إشرافاً وأبلغ في عواقب الأمور نظراً…”.

٣. الفروق الوراثية من منظور القرآن وروايات المعصومين (ع)

علم الوراثة (Genetics) هو العلم الذي يبحث في الفروق والتشابهات بين الآباء والجيل التالي، ويدرس ظروف وكيفية انتقال هذه الخصائص إلى الجيل اللاحق. من منظور علم الوراثة، تعني الوراثة (Heredity) إملاء صفات الوالدين على نسلهم. تتحدد صفات الفرد الجديد بالجينات التي يرثها من أبيه وأمه. الجينات هي عامل انتقال الصفات والخصائص الوراثية من الوالدين إلى الأبناء؛ كل جين يسبب ظهور سمة معينة.

الوراثة والبيئة هما سببان مهمان لحدوث الاختلاف بين الأفراد، لكن تأثيرهما يختلف حسب كل سمة. على سبيل المثال، تتأثر السمات الذهنية بالبيئة أكثر من السمات الجسدية. وللوراثة دور في انتقال السمات النفسية والأخلاقية وسمات الشخصية، لكن دورها ليس حاسماً. وقد لوحظ أنه عندما لا يكون هناك تشابه بين الأفراد من حيث الوراثة والبيئة، فإنهم يظهرون أكبر قدر من الاختلاف فيما بينهم. كما أنه كلما قلت درجة القرابة، زادت الفروق الفردية. والجدير بالذكر أن هذا المقال يتناول دور الجينات في النمط الظاهري (phenotype). والمقصود بالنمط الظاهري هو الخصائص المرئية أو الخارجية أو الطبيعة الفيزيائية والكيميائية الحيوية والفسيولوجية للفرد، والتي يحددها نمطه الجيني (genotype) وتعدلها البيئة، أي أنها تنشأ من تفاعل البيئة والنمط الجيني. والنمط الجيني هو المجموعة المحددة من الجينات التي تحملها خلية أو كائن حي.

من المنظور الإسلامي أيضاً، تعد العوامل الوراثية من الأسباب الهامة لوجود الاختلاف بين الناس. ومن البديهي أنه لم تُستخدم كلمة “جين” و “وراثة” في القرآن الكريم والنصوص الروائية، ولكن وردت إشارات إلى مسألة وراثة الصفات، والتي تُستفاد من سياق الكلام، وفي بعض الحالات تم التصريح بها. ومن الروايات التي يُستند إليها في مجال التوارث وكذلك الفروق الوراثية بين البشر، الروايات المنقولة عن أهل البيت (ع) التي تنبه إلى أهمية مسألة اختيار الزوجة بسبب تأثير “العرق”، وتلفت الانتباه إلى ضرورة التدقيق في موضع استقرار النطفة. قال النبي (ص): “تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس”. وفي رواية أخرى عنه (ص) نقرأ: “انظر في أي نصاب تضع ولدك فإن العرق دساس”. وقال الإمام الصادق (ع): “تزوجوا في الحجز الصالح فإن العرق دساس”. “العرق” يعني الوريد الذي يجري فيه الدم، وجمعه “عروق” و “أعراق” و “عراق”. ويُطلق “العرق” أيضاً على أصل كل شيء. وقال الإمام الصادق (ع): “إنما المؤمنون إخوة بنو أب وأم، وإذا ضرب على رجل منهم عرق سهر له الآخرون”. بالطبع، “العرق” في الروايات المذكورة أعلاه يفيد مفهوماً آخر، يُستفاد بالنظر إلى كلمة “دساس”. فـ “الدس” يعني إدخال الشيء في التراب وإخفاءه، و “الدساس” يُطلق على حية قصيرة تختبئ تحت التراب. و “العرق دساس” يعني أن أخلاق الآباء تنتقل إلى الأبناء. وبما أن “العرق دساس”، وكلمة “دساس” تشير إلى هذه الحقيقة وهي أن النطفة تنقل الأخلاق والطباع إلى الأبناء، فإن النبي (ص) يقول إنه يجب النظر في أي محل يُختار للنطفة.

“العرق” بمعنى أصل وأساس الظاهرة، وأساس خلق الإنسان هو “النطفة”. و “دساس” بمعنى القيام بعمل خفي، لذا فالمقصود من كون العرق دساساً هو أن الصفات الموروثة تنتقل عن طريق النطفة بشكل غير ظاهر إلى الولد. إن رسول الله (ص) والمعصومين (ع)، الذين كانوا يرون الحقائق بنور الوحي، أولوا اهتماماً كاملاً لهذا القانون العظيم في الخلق (الوراثة)، وكشفوا في رواياتهم عن هذا السر العظيم، وجعلوا كلمة “عرق” تعبيراً عن عامل الوراثة (الجين). بعبارة أخرى، نفس المعنى الذي تريده الأوساط العلمية اليوم من كلمة “جين”، يُستفاد من كلمة “عرق”. فالأحاديث المذكورة تتحدث بصراحة تامة عن قانون الوراثة، وعبرت عن عامله بكلمة “عرق”، وتوصي بعدم الغفلة عن قانون الوراثة، والانتباه إلى أن تكون الأرضية طاهرة حتى لا يرث الأبناء صفات ذميمة. وبالنظر إلى الروايات المذكورة والآراء المطروحة، يبدو أن الإسلام قد أقر قانون الوراثة، وأن كلمة “عرق” في طائفة من الروايات تعبر عن “الجين” كعامل للوراثة. والجدير بالذكر أن كلمة “عرق” ومشتقاتها لم ترد في القرآن.

قال الإمام علي (ع): “حسن الأخلاق برهان كرم الأعراق”. حسن الخلق دليل على كرامة الأصول والأعراق (الجينات). يعتبر الإسلام أن طبيعة الإنسان وخلقته الخاصة مؤثرة في كيفية ظهور وبروز المسائل الأخلاقية، ويعتبر الخُلق نوعاً من المنحة الإلهية التي وُضعت في فطرة وطبيعة البشر، ويميلون إليها طبعاً. كما قال الإمام (ع): “أطهر الناس أعراقاً أحسنهم أخلاقاً”. بناءً على رواية، كان محمد بن الحنفية حامل لواء الجيش في معركة الجمل، ولكنه يبدو أنه خاف، إذ تباطأ في الهجوم على جيش العدو. فسأله الإمام علي (ع) عن سبب عدم هجومه، فأجاب: لا أرى أمامي سوى الرماة الذين يرمون السهام. فضربه الإمام علي (ع) بقبضة سيفه وقال: “ما أدركك عرق من أبيك”. وقد نُقل كلام الإمام (ع) بصيغة أخرى: “أدركك عرق من أمك”. في هذا الحديث، تم تعريف “الخوف”، الذي يعد اضطراباً نفسياً، كصفة وراثية. حتى الأفراد الذين يشتركون في صفات، يختلفون من حيث درجة تلك الصفات.

٤. التشابهات الوراثية

بالإضافة إلى الفروق الوراثية، تظهر التشابهات الوراثية للأفراد أيضاً في كلام المعصومين (ع). يروي الإمام الرضا (ع) عن آبائه أن النبي (ص) قال لرجل: “فمن يشبه؟ قال: يشبه أمه أو أباه. فقال (ص): لا تقل هكذا، إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم، أما قرأت هذه الآية: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ}…” (الانفطار: ٨). يبدو أنه في كلام النبي (ص) إشارة إلى مسألة التشابه الوراثي بين الأفراد، وبناءً على ذلك، لا ينبغي توقع أن يشبه الولد أباه وأمه فقط.

نُقل عن الإمام الباقر (ع) أنه قال: “جاء رجل من الأنصار إلى النبي (ص) فقال: يا رسول الله، هذه ابنة عمي وامرأتي، وأنا أعرفها، ولكنها أتتني بولد شديد السواد، منفتح المنخرين، جعد الشعر، أفطس الأنف، لم أرَ مثله في أخوالي وأجدادي. فسأل النبي (ص) المرأة: ما تقولين؟ قالت: والذي بعثك بالحق نبياً، ما جامعت أحداً منذ أن تزوجني. فطأطأ النبي (ص) رأسه، ثم رفعه وقال: ليس من إنسان إلا وبينه وبين آدم تسعة وتسعون عرقاً كلها تضرب في النسب، فإذا وقعت النطفة في الرحم اضطربت تلك العروق، وسألت الله الشبه لها. وهذا من تلك العروق التي لم تضرب في أجدادك وأجداد أجدادك، فخذه فهو ابنك”. فقالت المرأة: يا رسول الله، فرجت عني. يتضمن الحديث المذكور النقاط التالية: ١. سُمي الجين في بعض الروايات “عرقاً”. قد يكون المقصود بالعدد ٩٩ العروق المسؤولة عن الصفات العرقية الخاصة كلون الشعر ولون العينين وسائر المميزات، أو قد يكون المقصود بالتعبير ٩٩ بيان الكثرة لا العدد نفسه. ٢. أن انتقال ٩٩ عرقاً من آدم (ع) إلى الأفراد، قد يكون إشارة إلى مسألة التشابهات الوراثية بين الناس. ومثل هذه التشابهات واضحة تماماً في مظهر وهيئة الأفراد، وقد يتشابه إنسانان من جنسيتين مختلفتين ودون أي صلة قرابة.

قال الإمام الصادق (ع): “إن الله تبارك وتعالى إذا أراد أن يخلق خلقاً جمع كل صورة بينه وبين أبيه إلى آدم ثم خلقه على صورة أحدهم، فلا يقولن أحد: هذا لا يشبهني ولا يشبه شيئاً من آبائي”. نُقل عن النبي (ص) أنه قال: “من نعمة الله على الرجل أن يشبهه ولده”. وقال الإمام الباقر (ع): “من سعادة الرجل أن يكون له الولد يعرف فيه شبهه، خلقه وخلقه وشمائله”. تدل هذه الرواية على وراثة الجينات؛ لأن الجين هو عامل انتقال التشابهات الظاهرية والأخلاقية.

٥. شبهات حول الفروق الفردية

قد تثير مسألة الفروق الفردية بعض التصورات الخاطئة التالية: ١. العنصرية: قد يُعتبر إقرار مسألة الفروق الفردية بمثابة قبول التمييز بين البشر من قبل الإسلام، في حين أن الإسلام يرفض أي تمييز بين الناس، وعارض كل أشكال العنصرية والتعصب الجاهلي، وأقرّ أصلاً واحداً لجميع البشر. يقول القرآن الكريم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ…} (الحجرات: ١٣). الناس جميعاً متساوون، ولا فضل لأحد على آخر، وهذا الاختلاف إلى شعوب وقبائل إنما وُجد ليتعارفوا، حتى ينتظم المجتمع الذي انعقد بينهم، ويكتمل الائتلاف بينهم، فلو لم يكن هناك تعارف لما كان هناك تعاون ولا ائتلاف. توبخ الآية البشر على إظهار التفوق والفخر على بعضهم البعض. لقد خلق الخالق كل فرد من أب وأم، وبسبب كثرة النسل البشري وانتشاره، تشعب وتكونت القبائل من هذه الشعوب. لذا، فالمجتمع البشري في تزايد مستمر، واختلاف الأفراد وتميزهم كان نتيجة مشيئة الله التي قدرها لكل فرد حسب النظام، وهو خارج عن إرادة ورغبة البشر. والارتباط والانتماء إلى قوم أو عشيرة لا يسبب فخراً وتفوقاً لأفراد البشر على بعضهم البعض. يقول القرآن: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً…} (النساء: ١). من ظاهر السياق، يُفهم أن المراد بالنفس الواحدة هو آدم (ع)، والمراد بـ “زوجها” هو حواء، وهما أبوا النسل البشري. وكما يُفهم من ظاهر القرآن، فإن جميع أفراد النوع الإنساني ينتهون إلى هذين الشخصين. ويعتقد كثير من المفسرين، منهم البلاغي والآلوسي، أن المقصود بالنفس الواحدة هو آدم (ع).

٢. تأييد الاستعمار والاستغلال: قد يُعتبر قبول الإسلام لمسألة الفروق الفردية بمثابة تأييد للاختلاف بين الأفراد لأي سبب كان، في حين أن بعض الاختلافات بين الأفراد ليست طبيعية، بل تنشأ عن تقصير فردي أو مظالم اجتماعية، وهي مرفوضة تماماً من قبل الإسلام. لا شك أن هناك سلسلة من الفروق المصطنعة بين البشر، وهي نتيجة ظلم بعضهم لبعض، كالاختلاف في الثروة والفقر، والعلم والجهل، والصحة والمرض. ومن الواضح أن الاختلاف الناشئ عن الاستعمار والاستغلال والظلم الظاهر والباطن لا يمكن أن يُنسب إلى نظام الخلق.

٣. عدم تناسب الفروق الفردية مع تكاليف الأفراد: إن اختلاف الأفراد في جوانب متعددة مع كونهم جميعاً مسؤولين ومكلفين، قد يُعتبر بمثابة تكاليف تفوق طاقة فئة منهم، وتكون سهلة على فئة أخرى. والحال أن الله الحكيم قد حدد تكاليف ووظائف الأفراد مع الأخذ في الاعتبار وجود الفروق الفردية في أبعاد مختلفة، مثل القدرات الجسدية، والمواهب العقلية، والطاقات النفسية، وعبء مسؤولية كل فرد يتناسب مع قواه ومواهبه. يقول الله تعالى: {لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (المؤمنون: ٦٢). المقصود من الآية أن كل شخص يُكلّف بحسب عقله وطاقته. وهذا التعبير يدل على أن الواجبات والأحكام الإلهية في حدود قدرة الإنسان، وفي كل حالة تتجاوز فيها مقدار القوة والقدرة، فإنها تسقط. وبتعبير علماء الأصول، هذه القاعدة حاكمة على جميع الأحكام الإسلامية ومقدمة عليها.

٦. حكمة الفروق الفردية

الحكمة الأولى هي أن هذه الفروق ضرورية لحياة البشر. بما أن الفروق الفردية هي إحدى الاحتياجات الاجتماعية للإنسان، فيجب أن توجد دائماً بين أفراد البشر. ووفقاً للتعاليم الإسلامية، لو كان جميع الأفراد متساوين، لما احتاج أحد إلى الآخر، وبالتالي لما كان للحياة الاجتماعية البشرية معنى، لدرجة أنه لو زالت الفروق الفردية لأدى ذلك إلى هلاكهم. يقول القرآن الكريم: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} (هود: ١١٨). هناك نوع من الاختلاف هو اختلاف الطبائع، وهو أمر لا مفر منه، ويؤدي إلى اختلاف البنى الجسدية. واختلاف تراكيب أبدان الأفراد يسبب اختلافاً في المواهب الجسدية والروحية، وبانضمام اختلاف البيئة، ينشأ اختلاف في الأذواق والسنن والآداب والمقاصد والأعمال النوعية والشخصية في المجتمعات الإنسانية. ولو لم تكن هذه الاختلافات موجودة، لما استطاع البشر أن يعيشوا ولو طرفة عين. وقد نسب الله هذا الاختلاف إلى نفسه في سورة الزخرف. في القرآن، ذُمّت الاختلافات الناشئة عن الأهواء النفسية، كالاختلاف في الدين، لا الاختلافات الطبيعية التي لا مفر منها في حياة النوع الإنساني. وفي سورة الزخرف نقرأ: {…نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا…} (الزخرف: ٣٢). من منظور الإسلام، لا تُنكر الفروق الطبيعية ولا الفروق الاجتماعية الناشئة عن الفروق الطبيعية، بل إن وجود هذين النوعين من الفروق مقبول ومبرر. فهذه الفروق تجعل تقسيم العمل ممكناً، ولو لم تكن موجودة لما استطاع الأفراد أن يستخدم بعضهم بعضاً، وبالتالي لما دارت عجلة النظام الاجتماعي. والآية ٣٢ من سورة الزخرف تبين هذه المسألة. وخاطب الإمام الصادق (ع) المفضل مبيناً سبب اختلاف وجوه الناس، على عكس الحيوانات والطيور، فقال: “اعتبر لم لا يوجد في أنواع الحيوان كلها شخصان متشابهان في خلقة واحدة، ولكن يوجد ذلك في الناس؟ فإنك ترى السرب من الظباء والقطا متشابهة، حتى لا يفرق بين واحد منها وبين الآخر. والناس مختلفة صورهم وخلقهم، حتى لا يكاد يوجد منهم اثنان متشابهان في كل شيء. والحكمة في ذلك أن الناس محتاجون إلى أن يتعارفوا بأعيانهم وحلاهم لما يجري بينهم من المعاملات… فأما سائر الحيوان فليس يجري بينها من المعاملات ما تحتاج معه إلى معرفة كل واحد منها بحليته وخاص صورته”. فلو تشابه توأمان تشابهاً كبيراً، لواجه الناس صعوبة في التعامل معهما، حتى يُعطى لأحدهما ما هو للآخر، أو يعاقب أحدهما بدلاً من الآخر.

نقل عبد العظيم بن عبد الله الحسني أنه طلب من الإمام الجواد (ع) أن يروي حديثاً عن آبائه، فقال الإمام (ع): “قال أمير المؤمنين (ع): لا يزال الناس بخير ما تفاوتوا، فإذا استووا هلكوا”.

الحكمة الثانية هي اختبار البشر: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} (الأنعام: ١٦٥). لا يمكن إنكار أنه مهما روعيت أصول العدالة في المجتمع، فلن يكون جميع البشر متساوين من حيث المواهب والذكاء والفكر وأنواع الأذواق والأمزجة، وحتى من حيث البنية الجسدية. فهل يتنافى وجود مثل هذه الاختلافات مع أصل العدالة، أم أن العدالة بمعنى وضع كل شيء في موضعه تقتضي ألا يكون الجميع متساوين؟ إن أفراد الإنسان يشكلون شجرة كبيرة مثمرة، لكل فئة بل لكل فرد فيها رسالة خاصة في هذا الكيان الكبير، تتناسب مع بنيته الخاصة. ويعتبر القرآن هذه الفروق وسيلة للاختبار، لأن الاختبار في سياق البرامج الإلهية يعني التربية والتنمية. ونتيجة هذه الفروق هي أن يفكر الغني في حال الفقراء ويشكر الله، ويصبر الفقير بمشاهدة الأغنياء، ويتفكر العاقل في دلائل قدرة الله وعظمته ويعمل بعلمه. يقول الإمام الباقر (ع) إنه لما نظر آدم (ع) إلى ذريته وهم كالذر، ورأى أنهم ملأوا السماء، قال: يا رب، ما أكثر ذريتي! لأي شيء خلقتهم؟ وما أردت منهم بأخذ الميثاق؟ قال الله عز وجل: ليعبدوني ولا يشركوا بي شيئاً، وليؤمنوا برسلي ويتبعوهم. … وبعلمي النافذ فيهم فرقت بين صورهم وأجسامهم وألوانهم وأعمارهم وأرزاقهم وطاعتهم ومعصيتهم، فجعلت منهم الشقي والسعيد، والبصير والأعمى، والقصير والطويل، والجميل والذميم، والعالم والجاهل، والغني والفقير، والمطيع والعاصي، والصحيح والسقيم. لينظر الصحيح إلى السقيم فيحمدني على عافيته، وينظر السقيم إلى الصحيح فيدعوني ويسألني أن أعافيه… ولهذا خلقتهم لأبلوهم في السراء والضراء، وفيما عافيتهم وفيما ابتليتهم، وفيما أعطيتهم وفيما منعتهم.

الحكمة الثالثة هي الوصول إلى المعرفة الإلهية، لأن أحد طرق معرفة الله هو التفكر والتأمل في الاختلافات الموجودة في الطبيعة وكذلك تنوع البشر. يقول القرآن الكريم: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ} (الروم: ٢٢). إن اختلاف الأعراق واللغات طريق إلى معرفة الله؛ ولا يحق لأحد أن يحقر الأعراق واللغات الأخرى. فكل لغة لها قيمتها وأصالتها، وتغييرها ليس كمالاً ولا ضرورياً. وتوحيد شكل ولون جميع البشر لا يتوافق مع إبداع الله وابتكاره. ولهذا السبب، يصل الإنسان الفهيم من خلال اختلاف الألوان واللغات إلى معرفة الله، بينما الجاهل يجعل اللون واللغة وسيلة لتحقير الآخرين والتفاخر.

خاتمة

من مجموع المباحث المتقدمة، يمكن استنتاج أن هناك آيات من القرآن وأحاديث للمعصومين (ع) تشير إلى الفروق والتشابهات الوراثية، وأن الإسلام يقر بمسألة الفروق الفردية، التي تقوم على حِكَم منها تقسيم العمل، وكونها وسيلة لاختبار البشر، وإدراك المعرفة الإلهية. ويلعب عاملا الوراثة والبيئة دوراً أساسياً في إيجاد الاختلاف بين الأفراد، وهناك آيات وروايات تشير إلى عامل الوراثة. ومن منظور إسلامي، يمكن بحث الفروق الفردية في محورين: الفروق الظاهرية والأخلاقية. قد يكون هذا المقال أساساً ومساراً جديداً للباحثين في علوم القرآن، وعلم النفس، والعلوم الاجتماعية، والطب… للبحث في حالات مشابهة، لكي يتم، ضمن رفع الشبهات في مجال جبرية الفروق الفردية الناشئة عن الوراثة وتبيين حكمة الاختلافات، إظهار الإعجاز العلمي للقرآن الكريم وعلم أهل البيت (ع) أكثر فأكثر.

المصادر

  • القرآن الكريم.
  • آلبرتس، بروس (١٣٨٧ هـ.ش). مباني زيست شناسى سلولى، ترجمة: حسين بهاروند، طهران: خانه زيست شناسى.
  • الآلوسي، سيد محمود (١٤١٥ هـ.ق). روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، بيروت: دار الكتب العلمية.
  • ابن أبي الحديد، عبد الحميد بن هبة الله (١٤٠٤ هـ.ق). شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، تصحيح محمد أبو الفضل إبراهيم، قم: مكتبة آية الله المرعشي النجفي.
  • ابن الأثير الجزري، مبارك بن محمد (١٣٦٧ هـ.ش). النهاية في غريب الحديث والأثر، قم: مؤسسة مطبوعاتي إسماعيليان.
  • ابن إدريس، محمد (١٤١٠ هـ.ق). السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى (والمستطرفات)، قم: دفتر انتشارات إسلامي.
  • ابن بابويه، محمد بن علي (١٣٧٦ هـ.ش). الأمالي، الطبعة السادسة، طهران: كتابچي.
  • ابن بابويه، محمد بن علي (١٣٨٥ هـ.ق). علل الشرائع، قم: داوري.
  • ابن بابويه، محمد بن علي (١٤١٣ هـ.ق). من لا يحضره الفقيه، الطبعة الثانية، قم: دفتر انتشارات إسلامي.
  • ابن منظور، محمد بن مكرم (١٤١٤ هـ.ق). لسان العرب، تحقيق وتصحيح جمال الدين ميردامادي، بيروت: دار الفكر.
  • الأميني، إبراهيم (١٣٨٤ هـ.ش). إسلام وتعليم وتربيت، قم: بوستان كتاب.
  • بركر، ناميك (١٣٨٤ هـ.ش). زيست شناسى ناميك، ترجمة: آيدا أقصائي، طهران: كانون فرهنگى آموزش.
  • البستاني، فؤاد أفرام (١٣٧٥ هـ.ش). فرهنگ ابجدى، الطبعة الثانية، طهران: إسلامي.
  • البلاغي النجفي، محمد جواد (١٤٢٠ هـ.ق). آلاء الرحمن في تفسير القرآن، قم: بنياد بعثت.
  • بهبودي، محمد باقر (١٣٦٣ هـ.ش). گزيده كافي، الطبعة الأولى، طهران: مركز انتشارات علمى وفرهنگى.
  • بيكر، كاترين (١٣٨٧ هـ.ش). ژنها وانتخابها، ترجمة: خسرو حسيني پژوه، طهران: مركز چاپ ونشر سازمان تبليغات إسلامي.
  • التميمي الآمدي، عبد الواحد (١٤١٠ هـ.ق). غرر الحكم ودرر الكلم، قم: دار الكتب الإسلامي.
  • حجتي، سيد محمد باقر (١٣٥٨ هـ.ش). إسلام وتعليم وتربيت، طهران: دفتر نشر فرهنگ إسلامي.
  • الحسيني الهمداني، سيد محمد حسين (١٤٠٤ هـ.ق). أنوار درخشان، طهران: لطفي.
  • دهقاني، أكرم (١٣٩٠ هـ.ش). روان شناسى شخصيت، طهران: راه.
  • سادلر، توماس (١٣٨٠ هـ.ش). رويان شناسى پزشكى لانگمن، ترجمة: مسلم بهادري وعباس شكوري، طهران: چهر.
  • سبحاني، جعفر (١٣٦٨ هـ.ش). جبر واختيار، تنظيم علي رباني گلپايگاني، قم: مؤسسة تحقيقاتي سيد الشهدا.
  • السيد الرضي، محمد بن الحسين (١٣٧٢ هـ.ش). نهج البلاغة، ترجمة حسين أنصاريان، طهران: شركت سهامى انتشارات.
  • الطباطبائي، سيد محمد حسين (١٤١٧ هـ.ق). الميزان في تفسير القرآن، قم: دفتر انتشارات إسلامي.
  • الطبرسي، فضل بن الحسن (١٣٧٢ هـ.ش). مجمع البيان في تفسير القرآن، طهران: ناصر خسرو.
  • الطيب، سيد عبد الحسين (١٣٧٨ هـ.ش). أطيب البيان في تفسير القرآن، طهران: انتشارات إسلام.
  • علي بور تبريزي، آرش (١٣٩٠ هـ.ش). ژنتيك قانونى اصول وكاربردها، الطبعة الأولى، مشهد: شاملو.
  • فضل الله، سيد محمد حسين (١٤١٩ هـ.ق). من وحي القرآن، بيروت: دار الملاك للطباعة والنشر.
  • فلسفي، محمد تقي (١٣٦٣ هـ.ش). كودك از نظر وراثت وتربيت، طهران: هيأت نشر معارف إسلامي.
  • قرائتي، محسن (١٣٨٣ هـ.ش). تفسير نور، طهران: مركز فرهنگى درسهايى از قرآن.
  • القرشي، سيد علي أكبر (١٣٧٧ هـ.ش). تفسير أحسن الحديث، طهران: بنياد بعثت.
  • كانينگهام، غري (١٣٩٢ هـ.ش). باردارى وزايمان ويليامز، ترجمة: بهرام قاضي جهاني وروشنك قطبي، طهران: شركت گلبان نشر.
  • الكليني، محمد بن يعقوب (١٤٠٧ هـ.ق). الكافي (ط. الإسلامية)، الطبعة الرابعة، طهران: دار الكتب الإسلامية.
  • گنجي، حمزه (١٣٧٥ هـ.ش). روان شناسى تفاوتهاى فردى، طهران: مؤسسه انتشارات بعثت.
  • الليثي الواسطي، علي بن محمد (١٣٧٦ هـ.ش). عيون الحكم والمواعظ، قم: دار الحديث.
  • المتقي الهندي، علاء الدين علي بن حسام الدين (١٤٠٥ هـ.ق). كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، بيروت: مؤسسة الرسالة.
  • المجلسي، محمد باقر (١٤٠٣ هـ.ق). بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
  • محمدي، علي (١٣٨٩ هـ.ش). شبيه سازى انسان ملاحظات علمى، أخلاقى، حقوقى وفقهى، قم: دفتر نشر معارف.
  • المدني، ضامن بن شدقم (١٤٢٠ هـ.ق). وقعة الجمل، قم: محمد.
  • المراغي، أحمد (بدون تاريخ). تفسير المراغي، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
  • مصباح يزدي، محمد تقي (١٣٨١ هـ.ش). فلسفه أخلاق، طهران: شركت چاپ ونشر بين الملل.
  • مصباح يزدي، محمد تقي (١٣٧٢ هـ.ش). جامعه وتاريخ از ديدگاه قرآن، طهران: مركز چاپ ونشر سازمان تبليغات إسلامي.
  • معلوف، لويس (١٤٢١ هـ.ق). المنجد في اللغة، بيروت: دار الفقه للطباعة والنشر.
  • المفضل بن عمر (بدون تاريخ). التوحيد المفضل، تحقيق كاظم مظفر، قم: داوري.
  • مكارم الشيرازي، ناصر (١٣٧٤ هـ.ش). تفسير نمونه، طهران: دار الكتب الإسلامية.
  • مولوي، محمد علي وخاوري، هوشنگ (١٣٦٩ هـ.ش). مشاوره ژنتيك در بيمارى هاى ارثى، طهران: شباهنگ.
  • ناس باوم، رابرت (١٣٩١ هـ.ش). ژنتيك پزشكى تامپسون وتامپسون، ترجمة: مهرداد هاشمي، طهران: آييژ.
  • Turnpenny P., Ellard P (2007). Emery’s Elements of Medical Genetics, Philadelphia: Mosby/Elsevier.
Scroll to Top