الملخص: إن من المباني المهمة في معرفة وتفسير القرآن والتوراة والإنجيل، الاعتقاد بالعصمة وعدم الخطأ في ألفاظ وقضايا هذه الكتب السماوية. فلو كانت آيات وعبارات القرآن الكريم والعهدين قد اعتراها الاختلاف والتعارض في سياق نزولها ومرور الزمن، لما أمكن الاعتماد عليها بعد ذلك؛ إذ إن من وجوه أصالة واعتبار النصوص الوحيانية صيانتها من كل خطأ وعدم انسجام واختلاف. ومتى ما أقبل امرؤ على فهم الآيات بهذا المبنى، فإنه لن يتوقع من الآيات سوى الانسجام، وسيبذل قصارى جهده لإدراك هذا التوافق والتناغم بين الآيات. في هذا المقال، وبعد عرض الآراء المختلفة في هذا المجال ودراستها، تم التوصل إلى نتيجة مفادها أن عصمة النصوص الوحيانية هي الرأي السائد لدى المسلمين والتقليد اليهودي، ولكن يوجد اختلاف في وجهات النظر بين المسيحيين. ويعود السبب الرئيس في ذلك إلى نوع النظرة التي يحملها المسلمون واليهود والمسيحيون تجاه الوحي.
طرح المسألة
يعتقد المسلمون والمسيحيون واليهود بأن الله قد بعث أنبياء لهداية البشر، وأوصل رسالته إليهم عن طريق الوحي. وقد تشكلت مجموعة هذه الرسائل الوحيانية في قالب الكتاب المقدس المشتمل على العهد القديم والعهد الجديد، والقرآن الكريم، وهي مرجع لمليارات المؤمنين بالله. ولا شك في أن تمسك المتدينين بالتعاليم الوحيانية لا يوصلهم إلى السعادة إلا إذا كانت في نهاية المطاف من الاعتبار.
يتفق المسلمون على انتفاء وجود الخطأ في القرآن. وبحسب اعتقاد اليهود وعدد من المسيحيين، فإن وجود الخطأ في العهدين محال. ويرجع اختلاف وجهات النظر هذا بين أتباع الديانات الإبراهيمية حول عصمة نصوصهم المقدسة إلى اختلافهم في ماهية الوحي ودوره في حياة البشر؛ حيث أكد غالبية المسلمين واليهود وأقلية من المسيحيين على إلهية ألفاظ الكتاب المقدس.
إن هذا الموضوع يُعد من الموضوعات الأساسية في فهم النصوص الدينية؛ فلو كان مبنى فكر المفسر هو قابلية النصوص المقدسة للخطأ، فإنه في الحالات التي تتعارض فيها هذه النصوص مع العلم أو التاريخ، لا يعود ملزماً بتأويلها؛ لأنه يتقبل هذه الأخطاء. أما إذا كان مبناه عدم قابلية النصوص المقدسة للخطأ، فإنه في مثل هذه الحالات يضطر إلى التفكير في حل التعارض الظاهري والاستعانة بالتأويل. وفي هذا المقال، تم السعي لدراسة هذه المسألة بناءً على ما ورد في هذه الكتب المقدسة.
يمكن دراسة هذا الموضوع في القرآن والعهدين بمعايير متعددة. وأهم معايير عصمة أي نص يمكن تلخيصها في موردين:
أ) مدى سلامة النص من مخالفة الواقع. ب) مدى سلامة النص من التعارض والتناقض.
١. العصمة أو عدمها في قضايا القرآن
من الأصول والمباني المسلمة والمشهورة التي أجمع عليها المسلمون كافة، وأقيمت عليها أدلة كثيرة، هي تنزيه القرآن المطلق عن أي نوع من الخطأ. فبحسب آيات القرآن، لا يمكن لأي عامل أرضي من إنس أو جن (شيطان)، ولا حتى الوجود المبارك للرسول ﷺ (الحاقة: ٤٥-٤٦)، أن يتدخل في نزول الوحي الإلهي؛ سواء في مرحلة تلقي جبريل للوحي إلى إيصاله للنبي، أو في مرحلة إبلاغه الكامل من قِبَل النبي لجميع المسلمين. وبناءً على ذلك، فقد أنكر مفكرو الفريقين بشدة تسرب أي خطأ أو تناقض إلى آيات القرآن. وقد روى ناقلون كثر جميع آيات القرآن مشافهة عن النبي الأكرم ﷺ للأجيال اللاحقة حتى يومنا هذا. وكما كتب آية الله الخوئي حول تواتر القرآن: «اتفق المسلمون جميعًا على أن طريق ثبوت القرآن منحصر بالتواتر، وحكموا بأن القرآن هو كلام الله الذي ثبت عن طريق الخبر المتواتر» (الخوئي، ١٣٦٤: ١٢٤). إن السلسلة التاريخية لتوفر الدواعي وتواتر الضبط في القرآن ليس فيها حلقة مفقودة. فالإلقاء والضبط كانا منذ بداية الوحي حتى زماننا يجريان بصورة توفر الدواعي في إشراف الضبط الكتابي على الإلقاء الشفاهي والعكس صحيح. أما في حالة التوراة والإنجيل، فتوجد حلقة مفقودة؛ سواء من حيث الفاصل الزمني بين عهد النزول وعهد التدوين، أو من حيث عدم عمومية توفر الدواعي، وكذلك ضعف الضبط الكتابي والشفاهي له.
إن نص القرآن يتمتع بهوية وأصالة إلهية؛ ورغم أن بعض الحوادث والظروف قد تكون مؤثرة في تكوّن ونزول الآيات تدريجيًا كأسباب للنزول، فإن كل ما فيه من لفظ ومعنى هو سماوي بالكامل؛ فذهن النبي ﷺ وذهنيته أو العوامل الأخرى لم تؤثر في هوية القرآن. وقد وردت في القرآن آيات تؤكد على عدم قابليته للخطأ (النساء: ٨٢؛ فصلت: ٤١-٤٢).
١.١. سلامة نص القرآن من مخالفة الواقع
“مخالفة الواقع” مفهوم عام يشمل أطيافًا مختلفة، منها مخالفة الوقائع التاريخية، والأخطاء التاريخية والجغرافية، والأخطاء النسخية، والافتراءات المنسوبة إلى الله والأنبياء. ورغم أنه يمكن الاستفادة من آية “التدبر” و”نفي الباطل” لإثبات سلامة القرآن من مخالفة الواقع، فإن الله قد أثبت في آيات عديدة مطابقة القرآن للواقع، وبيّن أن هذا القرآن لم ينزل إلا للحق وإحيائه (البقرة: ١٧٦؛ النساء: ١٠٥؛ الإسراء: ١٠٥). وقد وردت هذه النقطة في الروايات على هذا النحو: «إن القرآن حق لا ريب فيه عند جميع أهل الفرق» (بحار الأنوار، ١٣٨٥، ج ٥: ٦٨، ٩٥). وعليه، فإن القرآن خالٍ من أي مخالفة للواقع، ولا يوجد فيه إلا الصدق والحقيقة. وفيما يلي ندرس بعض هذه الموارد:
١.١.١. الافتراء والتهمة
خلافاً للصورة المرسومة للأنبياء في الكتاب المقدس، يقدم القرآن صورة جميلة وواقعية عن الأنبياء. فالقرآن يعتبر الأنبياء عباد الله المصطفين، الذين يتمتعون بالعصمة ومنزهون عن القبائح (ص: ٤٥-٤٨؛ البقرة: ١٢٤؛ الأنعام: ٨٤-٩٠؛ النساء: ٦٩ و٨٠؛ النجم: ٣-٤). ومن وجهة نظر أئمة الدين (عليهم السلام) أيضاً، فإن عصمة الأنبياء من الأصول المسلمة والقطعية التي يصرون عليها ويتحدثون عنها في المجالس العلمية. وتعتبر مسألة عصمة الأنبياء في الإسلام أساساً للمسائل الاعتقادية، وهي التي تضمن صحة رسالة الأنبياء؛ إذ إن الأنبياء كانوا يدعون البشرية إلى الطهارة، فلو كانوا هم أنفسهم ملوثين بالذنب، لما أثمرت دعوتهم ولما كان لها أثر (الصف: ٢-٣). بالإضافة إلى ذلك، فإن فلسفة بعثة الأنبياء هي تكميل القيم الأخلاقية، حيث يقول النبي الأكرم ﷺ: «إني بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
١.١.٢. الأخطاء التاريخية والجغرافية
لا يوجد كذب أو افتراء في تقارير القرآن التاريخية أو الجغرافية. وقصص القرآن مبنية على حقائق وأحداث تاريخية؛ والقرآن نفسه يصرح بذلك فيقول: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ (آل عمران: ٦٢). ويرى المحققون أنه على الرغم من أن القرآن استخدم الأسلوب الأدبي في أبدع صوره لترويج دعوته الحقة، إلا أنه حافظ على الواقعية في سرد القصص لتأكيد تأثيرها. وبما أن القرآن كتاب هداية، فقد تجنب ذكر القصص الخيالية لعدم حاجته إلى الأمور الوهمية والخيالية. إن من الأساليب الفريدة للقرآن في عرض سير الأولين هو الواقعية والموضوعية في التاريخ؛ بمعنى أن القرآن يتعامل مع وقائع التاريخ تعاملاً واقعياً وموضوعياً (Objective)، لا خيالياً ومثالياً (Subjective). وبعبارة أخرى، يُبحث التاريخ كعلم في القرآن، وتختلف حدوده عن الأسطورة والخرافة؛ لأنه لو كانت قصص القرآن خيالية أو غير واقعية، لما كان لها تأثير بنّاء، وهذا يتنافى مع هدف القرآن.
وقد انتقد الشهيد المطهري التفسير الرمزي للقصص القرآنية، واستناداً إلى أن الغاية لا تبرر الوسيلة، نفى استخدام القرآن للأمور غير الواقعية والكاذبة. وفي مقابل هذا الرأي، يعتقد البعض أن جميع أو معظم القصص القرآنية مستقاة من القصص المعروفة لدى أهل ذلك العصر أو أنها ذات طابع تمثيلي. يقول محمد أحمد خلف الله إن القرآن في أسلوبه البياني سار على وفق تصورات العرب، لا على وفق الحقائق العقلية أو الوقائع العينية والعملية. ولكن الله صراحةً اعتبر نقل قصص القرآن مبنياً على الواقع وعن علم، ورفض شبهة أي تصورات غير واقعية وذهنية في تقاريره: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ﴾ (الأعراف: ٧).
١.١.٣. الأخطاء النسخية
أما بشأن الأخطاء النسخية والأغلاط الإملائية، فيجب القول إنه في نظر بعض باحثي القرآن، تُلاحظ حالات من هذا القبيل في القرآن، وإن لم تكن بالشكل الواسع الموجود في التوراة والإنجيل.
يعتقد بعض باحثي القرآن المعاصرين أن الكتابة تمثل اللفظ الذي يعبر عن المعنى والمفهوم المقصود؛ وعليه، يجب أن تتطابق الكتابة تماماً مع اللفظ الذي يُنطق به، ليكون الخط مقياساً للفظ دون أي نقص أو زيادة. ومن جهة أخرى، لا يتطابق أسلوب الكتابة والخط مع هذه القاعدة تماماً، ولكن ما دامت هذه الحالات من الاختلاف مصطلحاً عليها، فلا يقع خلل في بيان المقصود. ويكتب آية الله معرفت حول رسم المصحف: «أما رسم مصحف عثمان فهو خلاف المصطلحات العامة، وفيه أغلاط إملائية كثيرة واختلاف في كيفية كتابة الكلمات، بحيث لو لم يُضبط القرآن عن طريق السماع والتواتر في القراءة، ولم يرث المسلمون هذه الطريقة عن أسلافهم، ولم يسعوا إلى حفظه بكل دقة واهتمام، لكانت القراءة الصحيحة لكثير من الكلمات محالة». والسبب في ذلك من وجهة نظره هو عدم معرفة العرب بفنون الخط وأساليب الكتابة في ذلك الزمان؛ بحيث لم يكن يعرف الكتابة إلا عدد قليل منهم، وكان الخط المستخدم خطاً بدائياً، بالإضافة إلى أن كتّاب مصحف عثمان كانوا غير مطلعين على أسلوب الكتابة. بالطبع، وجود مثل هذه الأخطاء في القرآن، كما يؤكد الكاتب نفسه، لم يخل بأصالته؛ لأنه ما دام القرآن يُقرأ وفق القراءة الصحيحة والشائعة، فلا يطرأ عليه إشكال. بالإضافة إلى ذلك، حافظ المسلمون منذ صدر الإسلام حتى الآن على نص القرآن، لدرجة أنهم امتنعوا عن إصلاح هذه التغييرات حفاظاً على سلامة القرآن، وبهذه الطريقة سدوا باب أي تحريف أو تغيير في القرآن.
يصف أحد المفكرين نص القرآن قائلاً: «الإسلام، على عكس المسيحية، يمتلك نصاً مثبتاً ومعاصراً. فالقرآن هو بيان وحي نزل بواسطة الملاك المقرب جبريل، ودُوّن فوراً من قبل المؤمنين، وحُفظ في الصدور، وكان يُتلى في الصلوات، خاصة في شهر رمضان، وصُنف في سور في عهد النبي. أما الوحي المسيحي، فإنه يعتمد فقط على شهادات متعددة وغير مباشرة، إذ لا نملك أي شهادة وصلتنا من شاهد عيان على حياة السيد المسيح، على عكس ما يتصوره الكثير من المسيحيين». وهو في موضع آخر يرى أن لنص القرآن أصالة لا تقبل الجدال، مما يمنحه مكانة ومنزلة منفصلة بين الكتب الوحيانية، منزلة لا يشاركه فيها لا العهد القديم ولا العهد الجديد.
١.٢. سلامة نص القرآن من التناقض
يُستفاد من المسار التاريخي لمنشأ ومسائل الادعاء الموهوم بوجود تناقض في القرآن الكريم، أن هذا الادعاء لم يُصرح به من قبل أي شخص في زمن النبي. وإذا كان عدد من المسلمين يجادلون في بعض الحالات، فغالباً ما كان ذلك في مسائل لا تشكل تهديداً للأصول الاعتقادية، بل في مسائل فرعية وجزئية كانوا يرجعون فيها إلى الرسول ﷺ ليوضح لهم المسألة. وفي عهد الصحابة أيضاً، لم يطرح أحد ادعاء وجود تناقض في القرآن؛ وإن كانت تُطرح أسئلة حول آيات القرآن الكريم توهم التناقض للوهلة الأولى، لكن هذه الأسئلة كانت كلها من باب فهم الآيات.
في نظر بعض باحثي القرآن، يعود تاريخ هذا الموضوع إلى صدر الإسلام، حيث تروي المصادر الحديثية أن زنديقاً أتى إلى الإمام علي (عليه السلام) وتحدث عن شكه في القرآن. وقد ذكر هذا الشخص للإمام ما توهمه اختلافاً في القرآن، فأجابه الإمام واعتبر أن آيات القرآن يصدق بعضها بعضاً.
إن وجود التناقض في آيات القرآن، وإن بدا أمراً جديداً في الظاهر، إلا أنه ليس جديداً في ماهيته وموضوعه. ومع ذلك، فقد هيأ البعض على مر التاريخ، عمداً أو عن غير عمد، أرضية لمثل هذه المباحث؛ ومن هؤلاء المستشرقون مثل “غولدزيهر” الذي أخذ هذا الادعاء الباطل عن الملحدين والمعاندين السابقين. يرى غولدزيهر أن القرآن، وهو المعقل الأول والكتاب المقدس للمسلمين، مزيج من الإشكالات والاختلافات، ويكتب: «من الصعب جداً استخلاص عقيدة دينية متجانسة وخالية من التناقض من القرآن». ويضيف قائلاً إن القرآن في حياة النبي كان عرضة للنقد، وأن مثل هذه الانتقادات كانت موجودة بين الجيل الأول بعد ظهور الإسلام إلى حد لم تكن هناك حاجة إلى خصوم الإسلام لكشف مواضع ضعف القرآن، بل كان وضع النقاش حول تناقضات القرآن واضحاً وجلياً لدرجة أن مثل هذه النقاشات والمجادلات كانت موجودة حتى بين المؤمنين أنفسهم.
لا شك أن الساحة المقدسة للقرآن الكريم بعيدة عن كل تناقض واختلاف، وأن كلام الله الحكيم لا يحتوي إلا على الحكمة والصدق والحقيقة، وهو منزه عن كل اعوجاج وخطأ، ولا سبيل لأي باطل أو شك أو شبهة إليه (البقرة: ٢؛ فصلت: ٤١-٤٢).
وقد أكد العلامة الطباطبائي في مواضع شتى من تفسير الميزان على واقعية القرآن وصدقه؛ وله كلام حول أحد أبعاد إعجاز القرآن، وهو خلوه من الاختلاف والتناقض، الوارد في آية “التدبر”، يمكن اعتباره تأييداً لهذا المطلب: «إذا كان كلام ما قائماً على أساس الحقيقة ومنطبقاً تماماً على الواقع، فإن قضاياه لا يكذب بعضها بعضاً؛ لأن الاتحاد والانسجام لا يوجد إلا بين أركان وأجزاء الحق (الأمر المطابق للواقع)؛ فلا تبطل حقيقةٌ حقيقةً أخرى، ولا يكذب قولٌ صادقٌ قولاً صادقاً آخر؛ وإنما الباطل هو الذي ينافي الباطل الآخر والحق ويعاديه. تأمل في مضمون قول الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (يونس: ٣٢). فقد جعل الله الحق واحداً غير متفرق ولا متشتت، وجعل الباطل متفرقاً ومشتتاً. يقول الله تعالى في هذا الصدد: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام: ١٥٣) … فإذا كان كلام ما يتمتع بمثل هذه الخصائص -أي مطابقاً للواقع- فلا يوجد أي اختلاف أو تناقض في أجزائه؛ بل يسود بين أجزائه منتهى الانسجام والتأييد».
يتفق علماء الإسلام على عدم قبول التناقض في القرآن؛ لأنهم يعتقدون أن القرآن كلام الله، ويستحيل أن يجد التعارض الحقيقي سبيلاً إليه، وأن القرآن في بيانه ذو قوة ومتانة. وينقل السيوطي عن الكرماني أن الاختلاف نوعان: الأول، اختلاف تناقض، وهو أن يكون أحد الشيئين على خلاف الآخر، وهذا النوع ممتنع على القرآن. والثاني، اختلاف تلازم، وهو ما يوافق كلا الجانبين، مثل الاختلاف في أحجام السور والآيات و…
عندما سُئل الغزالي عن معنى آية ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، أجاب قائلاً: «”الاختلاف” لفظ له معانٍ مشتركة، والمراد بنفي الاختلاف في القرآن ليس ألا يختلف الناس فيه؛ بل المراد نفي الاختلاف في ذات القرآن؛ فعندما يقال: “هذا الكلام مختلف”، يعني أن أوله وآخره لا يشبه أحدهما الآخر في الفصاحة، أي أن قسماً منه يدعو الناس إلى الدين وقسماً آخر إلى الدنيا… وكلام الله تعالى منزه عن مثل هذه الاختلافات؛ لأنه منظم على نسق واحد في أوله وآخره بمنتهى الفصاحة، ولا يشتمل على صحيح وباطل، وجميع آياته تدور حول موضوع واحد وهو دعوة الإنسان إلى الله وصرفه من الدنيا إلى الدين. في حين أن كلام البشر والشعراء عادة ما تعتريه هذه الاختلافات؛ … ومنشأ هذا الاختلاف هو اختلاف الأغراض والميول الذي يسبب تفاوتاً في أقوالهم. والنبي ﷺ بشر أيضاً؛ ولو كان القرآن كلامه هو وأمثاله، لما خلا من هذه الاختلافات والتناقضات؛ ولكن القرآن نزل على مدى ثلاث وعشرين سنة من النبوة على أساس هدف ومنهج واحد». والنتيجة هي أن القرآن في حد ذاته لا يوجد فيه اختلاف أو عدم تجانس، وأن هذه المسائل ناتجة عن اختلاف الناس في آرائهم ونظراتهم.
١.٢.١. عوامل توهم التعارض والتناقض في القرآن
القرآن كتاب سماوي وكلام الله، لا يُرى فيه نقص أو تناقض حقيقي. وقد ذكر باحثو القرآن عوامل مختلفة لهذا الموضوع؛ على سبيل المثال، يرى “الزركشي” أن أسباب التعارض في القرآن خمسة، وقد أجاب عليها أيضاً. أو أن طه الديواني بيّن علل توهم التعارض في نصوص القرآن في أصلين كليين.
من وجهة نظر المفسرين، فإن بعض التناقضات التي تبدو في ألفاظ ومعاني القرآن ظاهراً، ليست تناقضاً في الحكم، بل هي اختلاف في التعبير لوجود تفاوت في المصالح والحكم، ولا تُعد عند أهل التدبر اختلافاً وتناقضاً.
إن الذين يدعون وجود تعارض في القرآن قد استشهدوا بنماذج من آيات القرآن التي يزعمون أن التناقض فيها يُدرك بسهولة. يجب القول إن هؤلاء لم يدركوا معنى التعارض بشكل صحيح، وأبدوا آراء غير صحيحة دون الالتفات إلى الضوابط والمنهج الصحيح في الاستنباطات القرآنية. ومن العوامل الأخرى لمثل هذا الادعاء غير الصحيح -عمداً أو عن غير عمد- عدم إحاطتهم بالمقدمات العلمية والمعارف الضرورية لتفسير القرآن. يمكن تقسيم متطلبات التفسير المسبقة إلى بعدين رئيسيين: علمي وروحي. في البعد العلمي، ووفقاً لكتب علوم القرآن، يجب أن يكون لدى المفسر معارف عامة وتخصصية وفيرة ليصل إلى فهم صحيح للقرآن. ومن الشروط الأخرى للمفسر التمتع بقلب وروح طاهرة وباطن نوراني، ليتمكن من إدراك حقائق كلمات الله تعالى.
١.٢.٢. أدلة رد ادعاء التناقض في القرآن الكريم
من أهم الآيات التي يُثبت بها عدم وجود تناقض في القرآن، آية “التدبر”: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (النساء: ٨٢).
تبين هذه الآية الشريفة أنه لو كان القرآن كتاباً غير إلهي وصادراً من البشر، لكان فيه حتماً تناقض وعدم انسجام؛ خاصة لو أُعد في ظروف مشابهة لظروف نزول القرآن، لكان عرضة للتغيير والتناقض. ولكن القرآن كلام إلهي؛ ولهذا، ليس فقط لا يوجد فيه اختلاف، بل إن عباراته ومطالبه مرتبطة ببعضها البعض وموزونة، ونزلت على نسق وسياق متناغم مع بعضها. وآيات القرآن، على الرغم من تعددها وتنوعها في طرح الموضوعات، ليست فقط متناغمة ومتوافقة، بل يؤيد بعضها صدق بعض؛ كما نشهد مضمونه في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام): «وينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض».
من الآيات الأخرى التي يُستشهد بها لرد هذا الادعاء، آية “نفي الباطل”: ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: ٤١-٤٢).
إذا توجه النفي في كلام ما إلى الطبيعة والماهية، فإنه يشمل جميع مصاديقها، وهذه الآية أيضاً قد نفت طبيعة الباطل، وبالتالي التناقض الذي يعد من مصاديقه، عن ساحة القرآن الكريم.
خلاصة القول إن أكثر الذين نسبوا إلى القرآن نسبة التناقض الجائرة، كان ذلك بسبب عدم إلمامهم بكلام العرب وأساليبه البيانية المتنوعة، خاصة عدم التفاتهم إلى استخدام المجاز والكنايات ونظائرها.
٢. العصمة أو عدمها في قضايا العهدين
بحسب اعتقاد التقليد اليهودي وعدد من المسيحيين، فإن وجود الخطأ في الكتاب المقدس محال. أما النقاد المسيحيون الجدد فلا يعتقدون بذلك، ويعترفون بوجود حالات مخالفة للواقع أو تناقض في العهدين. وكما يكتب توماس ميشيل: «يرفض معظم الباحثين المسيحيين في العصر الحاضر نظرية عصمة الكتاب المقدس، ولكن جميع المسيحيين يعتقدون أن أصل الرسالة من الله، وبالتالي فهي حق؛ أما شكل الرسالة فلا يتعلق بالله وحده، بل يرتبط بالعامل البشري أيضاً. ووفقاً لعقيدة الكنيسة الكاثوليكية، فإننا بقراءة رسالة الله نصل إلى الأشياء التي أراد الله أن يعلمنا إياها عن طريق الكاتب البشري. وأحياناً يكون لدى هذا الكاتب البشري نظريات خاطئة أو معلومات مغلوطة يبقى أثرها في نص الكتاب. إلا أن هذا الأمر يتعلق بشكل الرسالة ولا يؤثر على أصلها». وبالطبع، لا يعتقد جميع المسيحيين بأن مشاركة البشر في ظهور الكتب المقدسة تستلزم تسرب الخطأ إليها، بل إن الكثير من المسيحيين، وحتى البروتستانت، يؤكدون على عصمة الكتاب المقدس وعدم قابليته للخطأ. وكلتا الرؤيتين تؤديان إلى نتيجة واحدة؛ إذ إن وجود مثل هذه الأخطاء لا يخدش أصالة الكتاب المقدس. على أي حال، هذا الادعاء يستدعي التأمل، وقد أبدى بعض العلماء المسلمين وغير المسلمين في مؤلفاتهم نظرات متشككة تجاه سلامة نص الكتاب المقدس.
٢.١. مدى سلامة نص العهدين من مخالفة الواقع
على الرغم من وجود نماذج كثيرة لمخالفة الواقع في العهدين، إلا أننا لا نهدف بذكرها إلى التشكيك في سلامة العهدين؛ خاصة وأن هذه المباني نفسها مبنية على مبانٍ أخرى لا يوجد إيمان موحد بها في اليهودية والمسيحية والإسلام. وبالنظر إلى محتويات الكتاب المقدس والتناقضات الموجودة فيه، يتضح أن بعض مطالب الكتاب المقدس تخالف هذا المعيار ولا يمكن قبولها بأي وجه.
قد يُتصور لبعض مطالب العهدين تبرير باطني؛ ولكن ما لم توجد قرينة، فإنها تُحمل على المعنى الظاهر، وفي هذه الحالة تجلب المحذور.
٢.١.١. الافتراء والتهمة
في التوراة والإنجيل، وُجهت تهم ونسب جائرة إلى الله والأنبياء. ففي النصوص المقدسة اليهودية والمسيحية، الله تعالى هو إله تجسيمي، وتلقي الوحي والنبوة وهداية الناس لا يستلزم أي شروط أو كفاءات بارزة. بعض النصوص الواردة في العهد القديم والجديد تصف الله وأنبياءه بصفات لا تليق بشأنهم، ونشير إلى نماذج منها أدناه:
٢.١.١.١. العهد القديم
ما ورد في سفر التكوين قد يؤيد الكلام السابق: «وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل. فبارك الله اليوم السابع وقدسه، لأنه فيه استراح من جميع عمله الذي عمل الله خالقاً» (التكوين، ٢: ٢-٣). أما حقيقة الأمر في القرآن فهي على هذا النحو: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ (ق: ٣٨).
في نظر ابن ميمون، كلمة “استراح” لها معنى مجازي واستعاري؛ لا أن الله تعب من عمل الخلق ثم استراح، بل بمعنى أن عمل الخلق قد انتهى، وهذا مثل “كف عن الكلام”؛ لأن هذه الكلمة تُستخدم عندما يكون الشخص قد قال ما عنده ولم يعد لديه ما يقوله. أو أن المراد هو نفس ما يقوله الحكماء، وهو أن العالم وخلقه قد اكتمل واستراح، لا الله. بالإضافة إلى ذلك، إذا اعتبرنا “استراح” فعلاً معتل الفاء أو معتل اللام، فإنه يصبح بمعنى “استقر الأمر”، أي أن العالم استقر واستمر على الوضع الذي خُلق عليه. وفي النهاية يستنتج أن المراد من هذا الوصف هو بيان كمال إرادة الله وتحقق مشيئته.
في الكتاب المقدس، وخاصة العهد القديم، توجد حالات يعتبر المسلمون مضامينها محرفة بشكل قطعي بالنظر إلى الآيات والروايات؛ على سبيل المثال، في سفر التكوين نفسه، تُعرّف سارة بأنها أخت إبراهيم وزوجته (التكوين ٢٠: ١-٤). أو في العهد القديم، يُنسب إلى سليمان النبي عبادة الأوثان والتمرد على حكم الله (الملوك الأول ١١: ١-١٢). وبالطبع، اضطر المفسرون التأويليون إلى تبرير هذه الحوادث والتأكيد على عدم واقعيتها، وبحثوا فيها عن معانٍ رمزية ومجازية. هذه الحالات وما شابهها غير صحيحة، وساحة الأنبياء الإلهيين مصونة من الذنب.
٢.١.١.٢. العهد الجديد
لقد لوثت الأناجيل الساحة القدسية للسيد المسيح (عليه السلام) بنسبة صفات وأفعال إليه؛ من ذلك مجيء امرأة خاطئة إلى المسيح ووقوفها من ورائه عند قدميه باكية، ومسحها قدميه بشعر رأسها وتقبيلهما ودهنهما بالطيب، ورضا المسيح بهذه الأفعال واستحسانه لها، لدرجة أن الفريسي أنكر هذا العمل واستقبحه… وفضّل المسيح تلك المرأة على الفريسي بسبب أعمالها (لوقا، ٧: ٣٧-٣٨؛ يوحنا، ١٢: ٣٢-٣٦).
وفي بعض الأناجيل، ذُكر أن المسيح كان يشرب الخمر بكثرة (لوقا، ٧: ٣٢-٣٥؛ متى، ١١: ١٧-١٩)، وله كلام عن الخمر يشبه كلام الحريصين على معاقرة الخمر والأسفين على فراقها (متى، ٢٦: ٢٧-٢٩؛ مرقس، ١٤: ٢٣، ٣٧؛ لوقا، ٢٢: ١٧-١٨). أو نُقل عنه كلام يرجع إلى تعدد الآلهة (يوحنا، ١٠: ٣٣-٣٧؛ متى، ٢٢: ٤١-٤٦؛ مرقس، ١٢: ٣٥-٣٨).
٢.١.٢. الأخطاء التاريخية والجغرافية
يعتقد بعض المحققين أن هذا النوع من الأخطاء كثير في الكتاب المقدس؛ على سبيل المثال، لا يوجد في الأناجيل تاريخ واحد أو يوم واحد لا يتعارض مع التاريخ الحقيقي. متى ولد المسيح؟ في الإجابة على هذا السؤال، سيشير كل مؤمن إلى السنة الميلادية الحالية وسيقول: العالم كله يعلم أن مبدأ التاريخ الحالي هو يوم ميلاد المسيح. ومع ذلك، فإن الأمر ليس بهذه البساطة. يكتب متى: أن يسوع ولد في أيام هيرودس الملك (٢: ١). أو في الآية ١٤ من الإصحاح ١٢ من سفر الخروج، حيث أشير إلى أن مدة إقامة بني إسرائيل في مصر كانت ٤٣٠ سنة، فهذا خطأ، لأن هذه المدة كانت ٢١٥ سنة، وقد أقر مفسروهم ومؤرخوهم بأن تلك المدة خاطئة. وقد تم الإبلاغ عن أن عدد هذا النوع من الأخطاء يتجاوز المئة.
٢.١.٣. الأخطاء النسخية
كانت عملية النسخ في الكتاب المقدس عملية تدريجية استغرقت قروناً؛ أما القرآن الكريم فلم يكن كذلك، فقد تحددت نسخته وثبتت في زمن قريب من عصر النبي، في أقل من عقدين.
إن هذه الاختلافات تنشأ أحياناً من أخطاء غير مقصودة؛ على سبيل المثال، قد يسقط الناسخ كلمة أو يكتبها مرتين متتاليتين، وبعض الاختلافات تنتج عن تصحيحات مقصودة. وبما أن الخط العبري كان بدون حركات، فقد وقعت أخطاء كثيرة في هذه النسخ. أنواع الأخطاء التي قد تحدث أثناء النسخ كثيرة، ونشير إلى بعضها: ١. حذف حرف أو كلمة أو سطر. ٢. أخطاء بصرية. ٣. أخطاء سمعية. ٤. أخطاء ذاكرة.
السؤال الذي يطرح هنا هو: لماذا يسمح الله بدخول الخطأ في هذه النسخ؟ يجيب أحد شراح الكتاب المقدس على هذا السؤال المهم قائلاً: «يجب أن نعترف بأننا محدودون في معرفتنا وإدراكنا، ولا يمكننا دائماً فهم فكر الله. لقد خلق الله آدم كاملاً على صورته، لكن آدم أخطأ. لقد سمح الله بوقوع أخطاء أثناء النسخ، وذلك بسبب عدم كمال الإنسان الذي يقوم بهذا العمل. طبعاً، كل هذه الأخطاء المتعلقة بالأعداد وهجاء الحروف، وليس بالتعاليم الأساسية للكتاب، قليلة جداً. هذه الأخطاء تشير فقط إلى عدم عصمة الإنسان».
٢.٢. مدى سلامة نص العهدين من التناقض
بالتدقيق في مضامين الكتاب المقدس، نجد حالات كثيرة من التناقض، يمكن تقسيمها إلى عدة أنواع. يقول رحمة الله الهندي: «الاختلافات التي تكون بين سفرين أو بابين في سفر واحد، وأحياناً تكون هذه الاختلافات بين فقرتين في باب واحد، أو في فقرة واحدة بين نسختين… أغلب الاختلافات تعود إلى الألفاظ. أما الأخطاء، فالذي يقع فيه خطأ يعود إلى الفقرة نفسها ومعناها. ويمكن معرفة الأخطاء من خلال تناقضها مع الواقع أو العرف أو التاريخ أو العقل أو أقوال المحققين أو مع ما هو بديهي في الدين». تختلف الأناجيل فيما بينها اختلافاً كبيراً، ويكفي في هذا الاختلاف أن نسب المسيح (عليه السلام) ذُكر مختلفاً في هذه الكتب. الكتاب المقدس الذي في أيدي أهل الكتاب ليس مقبولاً لديهم جميعاً، بل توجد خلافات كثيرة في قبوله. ويعتقد ابن حزم الأندلسي أيضاً أن ما في أيدي اليهود ليس كتاباً وحيانياً؛ لأنه تُلاحظ فيه تعارضات كثيرة، في حين لا يوجد تعارض في وحي الله. ويضيف أن التوراة التي في أيدي السامرة غير التوراة التي عند اليهود. تزعم السامرة أن الكتاب الذي لديهم هو نفسه الذي نزل من عند الله، ويوقنون بتحريف توراة اليهود. واليهود أيضاً يعتبرون التوراة التي عند السامرة محرفة.
٢.٢.١. دراسة بيان التوراة الموجودة عن الله
من الأمور التي تخدش سلامة العهد القديم وصف الله بصفات غير لائقة أو أقوال متناقضة عنه؛ فالله في هذا الكتاب يُقدم أحياناً أدنى من الإنسان، وأحياناً هو الكمال المطلق. هذه الحالات كثيرة ونكتفي بذكر بعضها:
٢.٢.١.١. تشبيه الإنسان بالله أو تأليه الإنسان
قدمت التوراة خلق وشكل آدم على أنه شبيه بالله: «وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا… فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه» (التكوين ١: ٢٦-٢٧). في حين أن هذه التوراة نفسها تنفي أي شبه بين المخلوق والخالق، وتكتب على لسان الله: «أنا الله وليس آخر، الإله وليس مثلي» (إشعياء ٤٦: ٩). وبناءً على هذا التصور لتأليه الإنسان، نُسبت في التوراة الكثير من الأفعال البشرية إلى الله. وكما يقول “جان بوترو”، يمكن القول إن الله في التوراة يتدخل شخصياً كإنسان. فالتوراة تنسب إلى الله أفعالاً بشرية، بل وحتى أعضاء بشرية: يد الله في سفر الملوك الأول ١٨: ٤٦ والخروج ١٦: ٨ والتثنية ٩: ١٠، ورجل الله في سفر الخروج ٢٤: ١٠ و…).
لتفسير وتأويل مثل هذه التعابير التشبيهية، يستفيد اللاهوتيون، بالإضافة إلى الأدلة العقلية، من عبارات أخرى في التوراة ترسم لله أوصافاً فوق بشرية (الخروج ٣٠: ١٠؛ اللاويين ٢: ٣؛ أخبار الأيام الأول ١٦: ٢٥ و٢٩: ١١).
٢.٢.١.٢. نسبة الكذب إلى الله
جاء في التوراة أن الله، لكي يمنع آدم من أكل الثمرة المحرمة، قال له: «وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت» (التكوين ٢: ١٧). فالتوراة من جهة تقدم الله بهذا الشكل، ومن جهة أخرى تسميه صادقاً: «وأنت بار في كل ما أتى علينا، لأنك بالحق عملت…» (نحميا ٩: ٣٣).
تحكي التوراة عن مصارعة الله مع إنسان، حيث يُهزم الله في هذه المبارزة؛ في حين أن الله في مواضع عدة من التوراة يوصف بأنه القادر المطلق (التكوين ٣٢: ٢٤-٣٢). وفي تبرير هذا الأمر، قيل أيضاً إن الذي صارعه يعقوب كان ملاكاً لا الله. فالمراد بـ “الله” هنا (ملاك) هو ملاك ظهر ليعقوب في هيئة إنسان (هوشع ١٢: ٤)، كما ظهر لهاجر و… (التكوين ١٦: ١٣). وبالرغم من هذا التبرير، فإن مصارعة الملاك مع النبي يعقوب تستدعي التأمل.
٢.٢.٢. دراسة توافق العهد الجديد مع العهد القديم
منذ أن أُلحق العهد الجديد بالعهد القديم وتشكل الكتاب المقدس المسيحي، وجد فريق من المفكرين المسيحيين أن بعض آيات العهد الجديد لا تتوافق مع آيات العهد العتيق، وشككوا في وحيانية الكتاب المقدس. لم يعتبر تولستوي التوراة والإنجيل وحياً إلهياً بسبب عدم التوافق بينهما، وكتب: «هذان الكتابان غير متوافقين. فالتوراة تقدم العدالة على أنها “عين بعين…”، أما في آيات الإنجيل، فقانون العدالة هو ألا تقاوموا الشر؛ وإن لطمك أحد على خدك الأيمن، فحوّل له الآخر أيضاً» (إنجيل متى ٥: ٣٨-٣٩؛ إنجيل لوقا ٦: ٢٩).
٢.٢.٣. دراسة توافق آيات العهد الجديد
في أقسام مختلفة من العهد الجديد، نصادف آيات تبدو غير متوافقة مع آيات أخرى؛ على سبيل المثال، في إنجيل متى ويوحنا، لا يوجد أي ذكر لصعود السيد المسيح إلى السماء؛ أما في إنجيل لوقا، فقد حدث الصعود في نفس اليوم الذي خرج فيه يسوع من القبر. وهذا الصعود نفسه في أعمال الرسل حدث بعد أربعين يوماً من قيامة يسوع وخروجه من القبر. وعلى عكس هذين الكتابين، لم يُحدد زمن الصعود في إنجيل مرقس (لوقا ٢٤: ٧؛ أعمال الرسل ١: ٣).
نموذج آخر هو اختلاف الأناجيل في نسب المسيح، ونشير إلى بعضها: ١. في إنجيل متى (١: ١-١٦)، يوسف النجار الذي يُنسب إليه المسيح هو ابن يعقوب، وفي لوقا (٣: ٢٣) حتى النهاية، يسميه ابن “هالي”. ٢. يوصل متى (١: ١-١٦) نسب يوسف النجار إلى سليمان بن داود، ولوقا (٣: ٣١) يوصله إلى ناثان بن داود. ٣. يعتبر متى بين يوسف وداود خمسة عشر أباً، ولوقا يعتبر واحداً وأربعين أباً.
٢.٢.٤. دراسة التوافق في التعاليم (الأحكام)
يرى بعض المحققين أنه نُقل في إنجيل متى عن المسيح قوله: «ما دام المسيح مع التلاميذ، فإن صومهم لا فائدة فيه ولا حسن، بل هو في غير محله، كنوح وبكاء بني العرس ما دام العريس بينهم، وكالرقعة الجديدة على الثوب العتيق، فتنفصل الرقعة عن الثوب وتكون الخرقة أردأ، وكوضع الخمر الجديدة في زقاق عتيقة، فتتمزق الزقاق وتتلف، وينسكب الخمر» (متى ٩: ١٤؛ مرقس ٢: ١٨-٢٣؛ لوقا ٥: ٢٢-٣٨). وهذا الكلام يتناقض مع قوله في خطابه لتلاميذه، حيث يقول: «إن الصوم من أركان الإيمان، وبعض الكرامات والمقامات العالية لا يمكن الوصول إليها إلا بالصلاة والصوم، وبعض الشياطين لا تخرج من الإنسان إلا بالصوم والصلاة، ولذا لم يقدر التلاميذ على إخراج الشيطان» (متى ١٧: ١٤-٢٢؛ مرقس ٩: ١٤-٣٠).
٢.٢.٥. دراسة توافق الكتاب المقدس مع العلوم
في بداية المسيحية، اعتبر كبار المسيحيين التوافق بين الكتاب المقدس والعلوم عنصراً ضرورياً لإثبات أصالة النص، وأقر القديس أوغسطين هذا المبدأ في رسالته الـ ٨٢. ولكن بعد أن توسعت العلوم بشكل كبير وتمكن البشر من اكتشاف المجهول؛ ظهرت التناقضات بين آيات الكتاب المقدس والمواضيع العلمية والاكتشافات الجديدة؛ فاضطر كبار الكنيسة إلى التخلي عن قرارهم السابق الذي كان يقضي بتطبيق ومقارنة آيات الكتاب المقدس بالعلوم. استمرت عملية اكتشاف تناقضات الكتاب المقدس مع المكتشفات العلمية، وكان المتدينون ينظرون إلى النظريات العلمية الجديدة على أنها نوع من المعارضة لوثاقة الكتاب المقدس. لكن “كالفن” و “لوثر” لم يكونا بهذه الصرامة؛ ففي اعتقادهما، لم تكن وثاقة الوحي ومنشأ اعتباره في النص الملفوظ للكتاب الصامت، بل في شخص المسيح ومخاطب الوحي. التحليل العلمي لنصوص الكتاب المقدس، أي الأبحاث التاريخية والأدبية التي أصبحت تعرف بالنقد الأعلى، قد شككت تدريجياً في عدم قابلية النصوص المقدسة للخطأ لأسباب مختلفة.
النتيجة
بمراجعة ما ورد في هذا المقال، يتضح ما يلي: ١. إن من المباني المهمة في الفهم الصحيح للقرآن والعهدين هو الاعتقاد بعصمتهما، وهو الرأي المشهور بين المسلمين واليهود، ولكن يوجد اختلاف في وجهات النظر بين المسيحيين. ٢. استناداً إلى أدلة عقلية ونقلية متعددة، وبناءً على مبدأ عدم تدخل أي قوة غير إلهية، فقد أُنكر بشدة من قبل مفكري الفريقين تسرب أي خطأ أو زلل أو تناقض إلى آيات القرآن. ٣. إذا تحدث القرآن الكريم في مسائل تتعلق بالطبيعة أو التكوين أو التشريع، فإنه يبين حقائق يعترف بها العقلاء، ولا يوجد فيه إلا الصدق والحقيقة. ٤. يعترف النقاد المسيحيون الجدد بوجود حالات مخالفة للواقع، أو أخطاء، أو تناقضات في قضايا النص المقدس، وهذا الأمر يعرض اعتبار ووثاقة هذه الكتب لمشكلة جدية. ٥. إن أي موقف يتخذه المفسر تجاه عصمة أو عدم عصمة النصوص المقدسة قد يؤثر في كيفية استخدامه للتأويل في فهم الكتاب المقدس بشكل أدق.
المصادر
- القرآن الكريم (د.ت)، ترجمة: محمد مهدي فولادوند، قم: دار القرآن الكريم.
- الكتاب المقدس (العهد القديم والعهد الجديد) (١٩٨٧)، جمعية نشر الكتب المقدسة.
- الكتاب المقدس (١٩٨٨)، الطبعة الثانية، دار المشرق، بيروت.
- آشتياني، جلال الدين (١٣٦٨ هـ.ش)، تحقیقي در دین یهود، طهران: نشر نكارش، الطبعة الثانية.
- ابن حزم الأندلسي، أبو محمد علي (١٤٢٢ هـ – ٢٠٠٢ م)، الفصل في الملل والأهواء والنحل، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
- ابن حزم الأندلسي، أبو محمد علي (١٤٢٥ هـ – ٢٠٠٣ م)، توراة اليهود، الطبعة الأولى، دمشق: دار القلم.
- ابن ميمون، موسى (د.ت)، دلالة الحائرين، [د.م]: مكتبة الثقافة الدينية.
- أنس، جيمس (١٨٩٠ م)، كتاب نظام التعليم في علم اللاهوت القويم، بيروت: مطبعة الأميركان.
- إيماني لنكرودي، طاهرة (١٣٧٧ هـ.ش)، اثبات عدم وجود تناقض در قرآن کریم، قم: جامعة قم.
- باربور، إيان (١٣٧٤ هـ.ش)، علم ودین، ترجمة: بهاء الدين خرمشاهي، [د.م]: مركز النشر الجامعي، الطبعة الثانية.
- بطرس، عبد الملك (١٩٩٥ م)، قاموس الكتاب المقدس، الطبعة الأولى، القاهرة: دار الثقافة.
- البلاغي النجفي، محمد جواد (١٣٦٠ هـ.ش)، الهدى الى دین المصطفی، ترجمة: سيد أحمد صفائي، [د.م]: انتشارات آفاق.
- بوكاي، موريس (١٣٧٢ هـ.ش)، مقایسه ای میان تورات، انجیل، قرآن وعلم، ترجمة: ذبيح الله دبير، طهران: دفتر نشر فرهنگ اسلامي، الطبعة الخامسة.
- بيترز، ف. إ. (شتاء ١٣٨١ هـ.ش)، یهودیت، مسیحیت وإسلام، ترجمة: حسين توفيقي، قم: مركز دراسات وأبحاث الأديان والمذاهب، الطبعة الأولى.
- توفيقي، حسين (ربيع ١٣٨٢ هـ.ش)، تأویل کتاب آسمانی در ادیان ابراهیمی، هفت آسمان، العدد ١٧.
- جماعة من اللاهوتيين (١٩٨٦ م)، تفسير الكتاب المقدس، بيروت: دار منشورات النفير، الطبعة الثالثة.
- جوادي آملي، عبد الله (١٣٩٢ هـ.ش)، تفسیر موضوعی قرآن کریم، قم: مركز نشر إسراء، الطبعة الخامسة.
- حقي بروسوي، إسماعيل (١٤٠٥ هـ)، روح البيان، بيروت: دار إحياء التراث العربي، الطبعة السابعة.
- الخوئي، السيد أبو القاسم (١٣٦٤ هـ.ش)، البيان في تفسير القرآن، بيروت – لبنان: دار الزهراء، الطبعة الأولى.
- خلف الله، محمد أحمد (١٩٩٩ م)، الفن القصصي في القرآن، شرح وتعليق: خليل عبد الكريم، بيروت: مؤسسة الانتشار العربي.
- الديواني، طه (١٤١٢ هـ)، حول دعوى التناقض بين نصوص القرآن، فصلية رسالة القرآن.
- ربيع نتاج، علي أكبر (١٣٨١ هـ.ش)، نقدی بر ادعای تعارض در نصوص قرآن کریم، بابلسر: جامعة مازندران.
- رياض، يوسف (١٩٩٨ م)، وحي الكتاب المقدس، الإسكندرية: [د.ن]، الطبعة الثالثة.
- الزركشي، بدر الدين (١٤٢٥-١٤٢٦ هـ)، البرهان في علوم القرآن، بيروت – لبنان: دار الفكر.
- الزمخشري، محمود (١٤١٦ هـ)، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، قم: دفتر تبليغات إسلامي.
- السيوطي، جلال الدين (١٣٦٣ هـ.ش)، الإتقان في علوم القرآن، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، طهران: منشورات الرضي – بيدار، الطبعة الثانية.
- شاكر، محمد كاظم ومينا شمخي (١٣٨٧ هـ.ش)، الهی یا بشری بودن کتب مقدس در ادیان ابراهیمی، پژوهشنامه قرآن وحدیث، السنة الثانية، العدد ٤.
- الطباطبائي، محمد حسين (١٣٩١ هـ – ١٩٧٢ م)، الميزان في تفسير القرآن، بيروت: مؤسسة علمي للمطبوعات، الطبعة الثانية.
- الطبري، ابن جرير (١٤٢٠ هـ)، جامع البيان في تأويل القرآن، بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الثالثة.
- صبحي صالح، نهج البلاغة، بيروت: دار الهجرة.
- صموئيل، يوسف القس (١٩٩٣ م)، المدخل الى العهد القديم، القاهرة: دار الثقافة.
- عزيز، فهيم (د.ت)، علم التفسير، القاهرة: دار الثقافة.
- الفغالي، بولس (د.ت)، المدخل الى الكتاب المقدس، بيروت: منشورات المكتبة البولسية، الطبعة الأولى.
- كمالي دزفولي، سيد علي (١٣٩٦ ق – ١٣٥٤ ش)، قانون تفسیر، طهران: كتابخانه صدر.
- كري ولف (١٣٨٤ هـ.ش)، مفهوم انجیل ها، ترجمة: محمد قاضي، طهران: انتشارات فرهنگ.
- غولدزيهر، أجنتس (د.ت)، العقيدة والشريعة في الإسلام، ترجمة: محمد يوسف مصطفى، القاهرة: دار الكتب المصرية.
- المجلسي، محمد باقر (١٣٥٨ ش)، بحار الأنوار، طهران: المكتبة الإسلامية.
- مجمع الكنائس في الشرق الأدنى (١٩٧٢ م)، السنن القويم في تفسير أسفار العهد القديم، بيروت.
- محمديان، بهرام وآخرون (١٣٨١ هـ.ش)، دائرة المعارف کتاب مقدس، انتشارات سرخدار، مكتبة ملي إيران.
- مرقص إبراهيم سعيد (٢٠٠٤ م)، تفسير كلمات المقدس (معجم الألفاظ العسرة)، القاهرة: المؤلف، الطبعة السادسة.
- مصطفوي، حسن (١٣٨٠ هـ.ش)، تفسیر روشن، طهران: مركز نشر كتاب، الطبعة الأولى.
- المطعني، عبد العظيم (١٤٢٦ هـ)، الاختلاف في الكتاب المقدس، القاهرة: مكتبة وهبة.
- المطهري، مرتضى (١٣٧٧ هـ.ش)، مجموعة آثار، طهران: انتشارات صدرا.
- معرفت، محمد هادي (١٤١٦ هـ)، التمهيد في علوم القرآن، قم: مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الثانية.
- معرفت، محمد هادي (١٣٨٩ هـ.ش/ ١٤٣٢ هـ)، التمهيد في علوم القرآن، الجزء السابع: شبهات وردود حول القرآن الكريم، قم: مؤسسة التمهيد، الطبعة الثانية.
- مك غراث، أليستر (١٣٨٤ هـ.ش)، درسنامه الهیات مسیحی: شاخصه ها، منابع وروشها، ترجمة: بهروز حدادي، قم: مركز مطالعات وتحقيقات أديان ومذاهب.
- مكنلد، وليم (١٩٩٨ م)، التفسير التطبيقي للكتاب المقدس، [د.م]: فريق الصلاة.
- مهاوش الأردني، عودة (١٤١٢ هـ)، الكتاب المقدس تحت المجهر، قم: مؤسسة أنصاريان.
- ميشيل، توماس (١٣٧٧ هـ.ش)، کلام مسیحی، ترجمة: حسين توفيقي، قم: مركز مطالعات أديان ومذاهب.
- ميلر، و.م. (١٩٤١/١٣١٩)، تفسير إنجيل يوحنا، طهران: انتشارات حيات ابدي.
- ناس، جان جي (١٣٧٥ هـ.ش)، تاریخ جامع ادیان، ترجمة: علي أصغر حكمت، طهران: شركة انتشارات علمي وفرهنكي، الطبعة السابعة.
- نصيري، علي (صيف ١٣٨٧ هـ.ش)، نقد نظریه راهیافت خطا در قرآن با عطف توجه به آیه (مس شیطان)، اندیشه دینی نوین، السنة الرابعة، العدد ١٣.
- هندي، رحمة الله (د.ت)، إظهار الحق، القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية.
- ولفسن، هري أوسترين (شتاء ١٣٨٦ هـ.ش)، فلسفه علم کلام، ترجمة: أحمد آرام، طهران: الهدى.
- Lofmark, Carl (1990). What is the Bible, London, Rational publication.
- Encyclopedia Judaica Jerusalem (1982). Israel.
- Metzger, Bruse. M, at all (1993). The oxford Companion to The Bible, Oxford uinversity press, New York.
- Browning, W.R.F (1997). Oxford Dictionery of the Bible, New York, Oxford University, Press.