التحديات الفقهية لزراعة الرقائق العصبية الدماغية

الملخص: إن التقدم التكنولوجي بلغ حداً يجعل زراعة الرقائق العصبية الدماغية، بوصفها واجهة بين دماغ الإنسان والحاسوب والآلة، لا تقتصر على الاستخدامات العلاجية، بل ستشمل مجالات أخرى كالأمن والدفاع والترفيه. إن اتساع نطاق استخدامات هذه التكنولوجيا الناشئة سيثير تحديات فقهية جمة يستدعي حلها. إجمالاً، تبدو زراعة الرقائق بدوافع علاجية وأمنية وعسكرية مشروعة، والمخاطر المحتملة للعلاج وشبهة تغيير خلقة الإنسان لا تصلحان للمنع من تجويز زرع الرقاقة بدافع العلاج أو توفير أمن المجتمع الإسلامي. بالطبع، الضمان الناشئ عن الخسائر والجنايات الحاصلة من زرع الرقاقة أو اختراقها، يقع على عاتق من تُنسب إليه الجناية. أما زرع الرقاقة لمجرد الترفيه، فلا يبدو مشروعاً لمنافاته لمذاق الشارع. كذلك، لا يجوز للحكومة الإسلامية الوصول غير المصرح به إلى بيانات رقائق المواطنين المسلمين في المجتمع الإسلامي ؛ إلا في الأمور المرتبطة بالمصالح العامة والضرورية للمجتمع الإسلامي، والتي تُطبق ضمن إطار قوانين خاصة ومع الحفاظ على كرامة الأفراد الإنسانية.

مقدمة

بينما كان إيلون ماسك منشغلاً بشراء وتملك تويتر، كانت نيورالينك، شركته للاتصال بين الدماغ والحاسوب، تعمل على تطوير تقنيتها. هدف هذه الشركة هو زرع رقائق تتيح الاتصال المباشر بين دماغ الإنسان والحاسوب. هذه الأنظمة، التي تسمى واجهات الدماغ والحاسوب وتُختصر بـ BCI، تحتوي على أقطاب كهربائية صغيرة توضع في الدماغ لقراءة النبضات الكهربائية التي تستقبلها الخلايا العصبية المجاورة لها. بعد ذلك، يقوم برنامج بفك تشفير هذه النبضات الكهربائية وتحويلها إلى أوامر أو إجراءات مثل تحريك مؤشر أو ذراع روبوتية. في البداية، تم السعي لزرع مثل هذه الرقائق بدوافع علاجية، ولكن نطاق تطورها وتداعياتها لن ينحصر في مجال الطب والعلاج، وسيؤدي إلى مسائل وتحديات متنوعة. في تصنيف عام، ربما يمكن تنظيم هذه التحديات في عدة مجالات رئيسية:

أولاً: المجال الطبي: هل يُعتبر استخدام هذه الطريقة كنوع من العلاج – مع الأخذ في الاعتبار مخاطرها المحتملة – مقبولاً ومشروعاً من الناحية الفقهية؟ إن أهمية هذا السؤال تصل إلى حد أن المؤسسات الحكومية المسؤولة عن قطاع الصحة تعتبر الإجابة عليه ضرورية لإصدار الترخيص التشغيلي. ويُشار إلى هذا السؤال اصطلاحاً بـ “الكود الأخلاقي”. ثانياً: مجال المسؤولية المدنية أو الضمان: في حال حدوث مضاعفات طبية غير مرغوب فيها نتيجة لزرع هذه الرقائق، على من تقع المسؤولية المدنية، وربما الجنائية؟ ثالثاً: المجال الجنائي: في حال اختراق الرقاقة أو إحداث خلل متعمد فيها، وحدوث سلوك إجرامي من قبل عضو المريض أو ذراعه الروبوتية المرتبطة بالرقاقة، على من تقع المسؤولية الجنائية للجناية المرتكبة؟ رابعاً: مجال الحقوق العامة: في حال تركيب الرقائق العصبية الدماغية وربطها شبكياً، هل يجوز للحكومات المسلمة، بهدف السيطرة على الجرائم أو الوقاية منها أو لأهداف أمنية أخرى، الوصول إلى بيانات هذه الرقائق دون إذن؟ خامساً: المجال الأمني – العسكري: هل يجوز للحكومات المسلمة، بغرض تحسين أدائها الأمني، استخدام الرقائق في قواتها العسكرية؟ وهل اختراق رقائق القوات المعادية وإحداث خلل فيها مشروع لهذه الحكومات؟ سادساً: مجال الألعاب والترفيه: بالنظر إلى تغير العلاقات الإنسانية في سياق التفاعل القائم على الرقاقة العصبية والاعتبارات الفقهية المتعلقة بعلاقات غير المحارم، هل يجوز زرع الرقاقة لمجرد دافع اللعب والترفيه؟

السابقة البحثية

تُعدّ زراعة الرقائق العصبية الدماغية من المسائل المستجدة في العصر الحاضر، ولم يُعثر لها على سابقة دراسات فقهية اجتهادية. بالطبع، بعض التحديات الفقهية التي دُرست في هذا البحث، حظيت باهتمام وبحث بعض المفكرين ضمن مباحث أعمّ ؛ على سبيل المثال، في العديد من الأبحاث مثل مقالة “براءة الطبيب من الضمان”، تم تناول بحث المسؤولية المدنية (الضمان) للخسائر الناجمة عن الإجراءات العلاجية للطبيب. كذلك، بالنسبة لمسألة حرمة تغيير الخلقة الإلهية، أُجريت أبحاث عديدة مثل مقالة “نطاق حرمة تغيير خلق الله من منظور القرآن الكريم” ؛ ولكن وجه تميز البحث الحالي عن سائر الأعمال المشابهة، هو التركيز على خصوص موضوع زرع الرقاقة وتحدياته الفقهية. من هنا، فإن بحث ضمان الطبيب وحرمة تغيير الخلقة الإلهية مع البحث الحاضر، يجد نسبة العموم والخصوص من وجه ؛ إذ لا تحديات زرع الرقاقة الفقهية تنحصر في الضمان الناشئ عن الإجراء الطبي لزرع الرقاقة، ولا أبحاث ضمان الطبيب تنحصر في ضمان التبعات الطبية لزرع الرقاقة. كذلك فإن حرمة تغيير الخلقة الإلهية، هي أحد الأدلة المستند إليها في بحث مشروعية زرع الرقاقة، وفي المقابل فإن الاستناد إلى بحث تطبيق حرمة تغيير الخلقة الإلهية لا ينحصر في مسألة زرع الرقاقة، بل استُند إليه في مسائل أخرى مثل تغيير الجنس والتشبه.

توصيف الموضوع

تحتاج الكائنات متعددة الخلايا، بما في ذلك الإنسان، إلى عوامل وأجهزة اتصال لإيجاد التنسيق بين أعمال الخلايا والأعضاء المختلفة في الجسم، وكذلك للاستجابة المناسبة للبيئة. الجهاز العصبي هو شبكة من الأعصاب منتشرة في جميع أنحاء الجسم لتلبية هذه الحاجة. يُطلق على أصغر عضو في الشبكة العصبية اسم النيورون (الخلية العصبية)، والذي ينقسم إلى ثلاثة أنواع: حسي (مستقبل للمنبهات الحسية)، حركي (ناقل للأوامر الحركية)، ورابط (رابط بين النيورونات الحسية والحركية). على سبيل المثال، عندما يتعرض اليد لإصابة عرضية، فإن رد فعل الإنسان الفوري هو إبعاد اليد عن الشيء الذي تسبب في إصابتها ؛ هذا الرد يحدث لأن النيورون الحسي في الجلد يُنشئ إشارة (نبضة كهربائية) تحمل محتوى الشعور بالألم، والتي تنتقل عبر الأعصاب الحسية إلى الجهاز العصبي المركزي، أي إلى النخاع الشوكي ثم إلى الدماغ ؛ وينقل الدماغ عبر النيورونات الحركية نبضة كهربائية تحمل محتوى انقباض العضلات إلى اليد. الإشارة أو النبضة الكهربائية هي نفسها الرسائل الحسية والحركية للنيورونات، والتي تتولد عن طريق تغيير كمية أيوني الصوديوم والبوتاسيوم داخل وخارج النيورونات في شكل فرق جهد كهربائي. أهم جزء في الجهاز العصبي هو الدماغ، الذي يحتوي على أكثر من 100 مليار خلية. هذه الخلايا، المرتبطة بالمسارات الحسية والحركية، تراقب العمليات الداخلية للجسم وتستجيب للمنبهات البيئية الداخلية والخارجية.

بالنظر إلى ما تقدم، يتضح سبب القصور الحسي الحركي لدى الأفراد المصابين بإصابات النخاع الشوكي ؛ فبسبب الحادث، تتلف الخلايا العصبية الرابطة في النخاع الشوكي، وبالتالي لا تنتقل الرسائل والنبضات العصبية الحسية من الأعضاء إلى الدماغ، ولا تتمكن الرسائل العصبية الحركية من الدماغ من الوصول إلى الأعضاء والعضلات. هنا تبرز أهمية مسألة زرع الرقاقة العصبية. الرقاقة العصبية، التي يُطلق عليها أحيانًا واجهة الدماغ والآلة (BMI)، هي مسار اتصال مباشر بين الأنشطة الكهربائية للدماغ وجهاز خارجي، غالبًا ما يكون حاسوبًا أو عضوًا روبوتيًا. تم تصميم تقنية واجهة الدماغ والحاسوب للتفاعل مع الخلايا العصبية. في هذه التقنية، يمكن للرقاقة العصبية استقبال النشاط الكهربائي للنيورونات وترجمته إلى لغة الحاسوب ثم معالجته، وكذلك إصدار أوامر قابلة للتنفيذ للسلسلة العصبية أو الأعضاء الاصطناعية. على سبيل المثال، الشخص المصاب بإصابة في النخاع الشوكي الذي يزرع رقاقة عصبية دماغية، لم يعد بحاجة إلى استخدام يديه لاستخدام الحاسوب، ويمكنه نقل الأوامر الحركية اللازمة مباشرة من دماغه بواسطة الرقاقة المثبتة إلى الحاسوب (عبر البلوتوث).

في الوقت الحاضر، تُعد زراعة الرقائق العصبية طريقة فعالة في علاج الأمراض والاضطرابات العصبية مثل باركنسون، ألزهايمر، السكتة الدماغية، العمى، الصمم، شلل الأعضاء، والسيطرة على العديد من الأمراض مثل قصور القلب، السكري، مشاكل التنفس، واضطرابات التبول. تُنتج وتُستخدم الرقائق العصبية في ثلاثة أنواع: غير جراحية (تُركب على الرأس)، شبه جراحية (تُركب داخل الجمجمة وخارج غشاء الدماغ)، وجراحية (تُركب داخل غشاء الدماغ). النوعان الجراحي وشبه الجراحي من هذه الرقائق، على الرغم من كفاءتهما الأكبر، يصاحبهما مخاطر طبية ؛ لأن زراعتهما يتوقف على إجراء عملية جراحية وثقب الجمجمة وزرع أسلاك يبلغ قطرها حوالي خمسة ميكرونات في قشرة الدماغ. بالإضافة إلى المخاطر المحتملة لجراحة الجمجمة مثل التهاب الدماغ، هناك مخاطر أخرى محتملة مثل عدم توافق الرقاقة مع جسم المضيف، أو الإدمان، أو اضطراب نشاط خلايا الدماغ. كما قيل إن الأجسام الغريبة مثل الرقاقة تحفز خلايا الدماغ على الاستجابة كما لو كان هناك تلف في الأنسجة، وتنتج إشارات قد تغير شكل عمل دوائر الدماغ.

يُعدّ الاتصال المباشر وغير المتوسّط بين الأفراد من المزايا والوظائف الأخرى لزراعة الرقائق، مما يبشّر بانتشارها في مستقبل ليس ببعيد. على سبيل المثال، يمكن لشخصين في مكانين مختلفين تجربة حواس بعضهما البعض، مثل حاسة اللمس، عن طريق الاتصال العصبي المباشر دون تدخل الأعضاء الحسية. تُنشئ هذه التقنية شبكة من الأدمغة تسمح لمجموعات من الأفراد بالتعاون معًا وحل المهام. بالإضافة إلى قدرة الأدمغة على التشبيك، يُعتبر استخدام الأجهزة الخارجية مثل الكاميرات والميكروفونات وبطاقات الذاكرة لتعزيز قدرات السمع والبصر والذاكرة من مجالات الاهتمام البحثي في المجال الأمني-العسكري. يمكن تقسيم الاهتمام العسكري الأكبر بعلوم الأعصاب وزراعة الرقائق إلى فئتين رئيسيتين: زيادة قدرة القوات المقاتلة الصديقة، وتخريب أداء القوات المقاتلة المعادية. يتم السعي لزيادة قدرة القوات المقاتلة الصديقة من خلال تحسين القدرات المعرفية واليقظة، وتقليل الألم، وزيادة الجرأة والتحمل، والتواصل بين الجنود ؛ ويتم تحقيق تخريب أداء القوات المقاتلة المعادية باستخدام الأسلحة العصبية.

من الواضح أن إمكانية مشاركة تجربة الحواس مثل اللمس والبصر في علاقات غير المحارم ستكون من التحديات الفقهية لزراعة الرقائق، والتي تظهر بشكل أكبر في مجال الاتصالات والترفيه. كما أن تطوير القدرات المعرفية الحركية للعسكريين باستخدام هذه التقنيات يطرح أمامه التحدي الفقهي المتمثل في تغيير الخلقة الإلهية. وليس بخافٍ أن من التحديات الفقهية المعاصرة، وصول الحكومات أو الشركات إلى معلومات المستخدمين وخصوصيتهم في الفضاء الافتراضي دون إذن. ومن الطبيعي أن يبرز هذا التحدي بشكل أوضح في مسألة الوصول إلى معلومات الرقائق المزروعة في الدماغ. بالنظر إلى ما تقدم، يمكن دراسة مجموعة من هذه التحديات فقهياً على النحو التالي:

  1. المجال الطبي

يدعي مصنعو الرقائق العصبية الدماغية علاج بعض الأمراض المرتبطة بالجهاز العصبي للإنسان مثل باركنسون، الإعاقة والشلل العصبي، وحتى الاكتئاب. ولكن حداثة هذه التكنولوجيا وخطورة التدخل في بنية الدماغ والجهاز العصبي واحتمال حدوث مخاطر لا يمكن تداركها، يطرح هذا السؤال: هل يجوز للمرضى، وبالمقابل للأطباء، استخدام هذه التكنولوجيا للعلاج، أم يجب عليهم متابعة عملية العلاج بالطرق العلاجية المتبعة حتى يتم الحصول على اطمئنان قطعي بعدم وجود مضاعفات لهذه التكنولوجيا؟ أعلنت شركة نيورالينك التابعة لإيلون ماسك أنها حصلت على ترخيص من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) لأول دراسة سريرية بشرية لها في زراعة الرقائق الدماغية. أساساً، إن لزوم الحصول على مثل هذه التراخيص يهدف إلى معالجة هذا القلق الأخلاقي-الحقوقي (الفقهي).

في الإجابة الفقهية على هذا الموضوع، يجب الانتباه في ناحية الحكم إلى أنه بمقتضى بعض الأدلة العقلية والنقلية، نحن مكلفون بحفظ النفس. بعض هذه الأدلة هي كالتالي: الحكم القطعي للعقل بحسن حفظ النفس وقبح الانتحار أو إلقاء النفس في المهالك، والذي يُستفاد منه بمقتضى قاعدة الملازمة بين حكم العقل والشرع، الحكم الشرعي بوجوب حفظ النفس. بالطبع، بعض الفقهاء امتنعوا عن قبولها بإيراد خدشة في كبرى قاعدة الملازمة. ولكن بعض الآيات مثل الآية الشريفة (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) وبعض الروايات مثل «إِنَّ المُؤْمِنَ يُبْتَلَى بِكُلِّ بَلِيَّةٍ وَيَمُوتُ بِكُلِّ مِيتَةٍ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَقْتُلُ نَفْسَهُ»، تفيد وجوب حفظ النفس وحرمة الانتحار. ولكن ما يجعل تطبيق حكم وجوب حفظ النفس على مسألة العلاج بزرع الرقاقة العصبية صعباً، هو أنه من ناحية يُدّعى أن هذه الطريقة هي نوع من العلاج الفعال لحفظ النفس من مخاطر المرض الموجود مثل الصرع، ومن ناحية أخرى هناك احتمال أن تؤدي هذه الطريقة نفسها إلى تفاقم المرض وتعريض النفس التي يجب حفظها للخطر. للإجابة على هذا التردد، بالإضافة إلى قاعدة الحل وأصالة البراءة اللتين تجيزان ارتكاب الشبهات البدوية التحريمية، يمكن أخذ الروايتين التاليتين في الاعتبار، حيث ورد فيهما ذكر علاجات تعرض المريض لخطر الموت المحتمل: الأولى: محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن محمد بن خالد عن محمد بن يحيى عن أخيه العلاء عن إسماعيل بن الحسن المتطبب قَالَ: «قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ وَ لِيَ بِالطَّبِّ بَصَرٌ وَ طِبِّي طِبٌّ عَرَبِيٌّ وَ لَسْتُ أَخُذُ عَلَيْهِ صَفَداً فَقَالَ لَا بَأْسَ قُلْتُ إِنَّا نَبطُ الْجُرْحَ وَ نَكْوِي بِالنَّارِ قَالَ لَا بَأْسَ قُلْتُ وَ نَسْقِي هَذِهِ السُّمُومَ الْأَسْمَحِيقُونَ وَ الْغَارِيقُونَ قَالَ لَا بَأْسَ قُلْتُ إِنَّهُ رُبَّمَا مَاتَ قَالَ وَ إِنْ مَاتَ….» ؛ يقول إسماعيل بن الحسن الطبيب: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إني رجل من العرب ولي بالطب بصر، وطبي طب عربي، ولست آخذ عليه صفداً (أجراً). فقال: لا بأس. قلت: إنا نبط الجرح ونكوي بالنار. قال: لا بأس. قلت: ونسقي هذه السموم الأسمحيقون والغاريقون. قال: لا بأس. قلت: إنه ربما مات. قال: وإن مات. الثانية: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن يونس بن يعقوب قال: «قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الرَّجُلُ يَشْرَبُ الدَّوَاءَ وَ يَقْطَعُ الْعِرْقَ وَ رُبَّمَا انْتَفَعَ بِهِ وَ رُبَّمَا قَتَلَهُ قَالَ يَقْطَعُ وَ يَشْرَبُ.» ؛ يقول يونس بن يعقوب: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يشرب الدواء ويقطع العرق (يفصد)، وربما انتفع به وربما قتله. قال: يقطع ويشرب. كلمة “ربما” في سؤال الراوي تُستخدم في كثير من الأحيان للكثرة وفي القليل من الأحيان للقلة. بالنظر إلى أن الراوي استخدم هذه الكلمة لكلا النتيجتين، الشفاء (رُبَّما انْتَفَعَ بِهِ) وموت المريض (رُبَّما قَتَلَهُ)، يتضح أنه سأل الإمام عن الحكم التكليفي للإقدام على علاجات تؤدي أحيانًا إلى الشفاء وأحيانًا إلى موت المريض. فبالنظر إلى إجابة الإمام، يتضح أن العلاج بالطرق التي تحمل مخاطر بالإضافة إلى إمكانية الشفاء، قد جُوّز. الرواية الأولى ليست معتبرة بسبب جهالة إسماعيل بن الحسن المتطبب ؛ أما الرواية الثانية فهي صحيحة ؛ لأن جميع رواتها موثقون.

بناءً على ما تقدم، فإن زرع الرقاقة بدافع علاج المرض وتأهيل المعاقين، حتى وإن كان مصحوبًا بمخاطر محتملة جدية، ليس جائزًا فحسب، بل واجب في الظروف التي يتوقف عليها حفظ نفس المريض. وذلك بمقتضى صحيحة يونس بن يعقوب، يمكن القول بأن الشارع المقدس لم يعتبر الإقدام على العلاجات الخطرة مصداقًا للعمل الحرام المتمثل في إلقاء النفس في التهلكة ؛ بل بتأييده لهذه الطرق العلاجية، أقرّ وأيّد كونها مصداقًا لوظيفة حفظ النفس وسلامتها الواجبة. إذن، صحيحة يونس بن يعقوب حاكمة على أدلة إلقاء النفس في التهلكة بشكل تضييقي، وعلى أدلة وجوب حفظ النفس بشكل توسيعي. وبالتالي، فإن المخاطر المحتملة لزرع الرقاقة مثل ثقب الجمجمة والتمزق المحتمل للأوعية الدموية أو مضاعفات التخدير أو عدم توافق الجسم مع الرقاقة كجسم غريب، لا يمكن أن تمنع من الإقدام على العلاج أو تحقيق تحسن نسبي في أمراض مثل الصرع، باركنسون، الاضطرابات النفسية، أو العجز الحسي أو الحركي.

  1. مجال المسؤولية المدنية – الجنائية لزرع الرقاقة

السؤال الآخر في هذا البحث هو: هل يتحمل الأطباء والمساعدون الطبيون مسؤولية مدنية أو ربما جنائية تجاه الأضرار التي تلحق بالمريض في عملية العلاج بزرع الرقاقة أم لا؟ المسؤولية المدنية هي الضمان تجاه الجناية والضرر الذي يلحق بالمريض في عملية زرع الرقاقة، فإن كان قد حُدد لها دية في الشريعة فالدية، وإن لم تُحدد لها دية فالأرش أو هو دفع قيمة المنافع المفقودة من المريض. والمسؤولية الجنائية هي العقوبات الشرعية التي هي الحدود للجرائم المحددة في الشريعة، والتعزيرات للجرائم التي لم يُحدد لها حد واضح. قبل متابعة الإجابة على هذا السؤال، يجب النظر في الصور المختلفة للمسألة: إما أن يباشر الطبيب بنفسه جراحة وزرع الرقاقة في دماغ المريض، أو يستخدم الفنيين أو مساعديه لهذا الغرض بإصدار الأمر الطبي اللازم، ولا يتدخل بنفسه مباشرة. في كلتا الحالتين، يُطرح هذا البحث: أي من المسؤوليات المدنية وربما الجنائية يتحملها الطبيب؟

أ) المسؤولية المدنية – الجنائية للطبيب في القانون

تتضح متابعة فرض مباشرة الطبيب لزرع الرقاقة بالرجوع إلى قانون العقوبات الإسلامي. يقول المشرع في المواد 60 و 322 من قانون العقوبات الإسلامي المصوت عليه عام 1370 والمادة 495 من نفس القانون المصوت عليه عام 1392 بشأن هذا الموضوع: “المادة 60: إذا حصل الطبيب قبل بدء العلاج أو العمليات الجراحية على براءة من المريض أو وليه، فإنه لا يضمن الخسارة في النفس أو المال أو نقص العضو، وفي الحالات الطارئة التي لا يمكن فيها أخذ الإذن، لا يكون الطبيب ضامنًا.” “المادة 322: إذا حصل الطبيب أو البيطار وما شابه ذلك قبل الشروع في العلاج على براءة من المريض أو وليه أو صاحب الحيوان، فلن يكون مسؤولاً عن الخسارة الناجمة.” “المادة 495: إذا تسبب الطبيب في علاجاته التي يقوم بها في تلف أو ضرر بدني، فإنه ضامن للدية؛ إلا أن يكون عمله مطابقًا للوائح الطبية والمعايير الفنية، أو أنه حصل على البراءة قبل العلاج ولم يرتكب تقصيرًا أيضًا.”

النقاط المستفادة من خلال دراسة هذه المواد القانونية هي كالتالي: أولاً؛ افترض المشرع ضمان (المسؤولية المدنية) للطبيب المعالج، واستثنى منه حالة أخذ البراءة. بالنظر إلى هذه النقطة، يُعتبر ادعاء عدم مسؤولية الطبيب المدنية مخالفاً للفرض القانوني، ووفقاً لتفسير “المدعي هو من كان قوله مخالفاً للأصل أو الحجة”، فإن الطبيب هو المدعي ويجب عليه الدفاع عن عدم مسؤوليته المدنية بإقامة البينة. ثانياً؛ قد يُشكل على عنصر أخذ البراءة في هذه المواد القانونية بأنه إذا كانت للبراءة مدخلية في إسقاط المسؤولية المدنية عن الطبيب، فإن التقييد بمراعاة اللوائح الطبية والمعايير الفنية لتبرئة الطبيب يصبح بلا معنى ؛ لأنه في فرض مدخلية البراءة، حتى لو لم يكن عمل الطبيب مطابقاً للمعايير، فبما أنه أخذ البراءة، لا يكون ضامناً. وإذا لم يكن للبراءة مدخلية في الضمان، فإن تقييد القانون بها بلا معنى. في الرد على هذا الإشكال، يمكن القول بأن فائدة التقييد بالبراءة تظهر في فرض الشك ؛ أي في الحالة التي لا يكون فيها واضحاً هل رُوعيت المعايير أم وقع تقصير؟ هذا العنصر القانوني سيكون حاسماً ؛ أي إذا أخذ الطبيب البراءة، حتى لو لم يثبت أنه راعى المعايير الطبية ولم يصدر منه تقصير، فلن يكون ضامناً.

في فرض عدم مباشرة الطبيب لعملية زرع الرقاقة، بيّن المشرع في المادة 496 من قانون العقوبات الإسلامي أن الطبيب في العلاجات التي يأمر المريض أو الممرض أو ما شابه بتنفيذها، يكون ضامنًا في حالة التلف أو الضرر البدني. وفي التبصرة 1 من نفس المادة يضيف: “إذا علم المريض أو الممرض أن أمر الطبيب خاطئ ويؤدي إلى ضرر وتلف، وأقدم عليه مع ذلك، فلن يكون الطبيب ضامنًا”. هذه المادة وتبصرتها تشيران إلى بحث أقوى بودن السبب من المباشر بالنسبة لثبوت الضمان ، وتعلنان أنه إذا كان المريض أو الممرض في تنفيذ الأمر الطبي أضعف من الطبيب – باعتباره سبب صدور الوصفة – فإن الطبيب ضامن، وإذا كانا هما – باعتبارهما المباشر – أقوى من الطبيب (السبب)، فلن يتوجه ضمان إلى السبب. في الواقع، المعيار الرئيسي لتوجه المسؤولية المدنية أو الجنائية هو استناد الجرم أو الجناية الحاصلة إلى المحكوم عليه، وتُفسّر تعابير مثل “أقوى بودن السبب من المباشر” في سياق استناد الجناية إلى السبب. بالنسبة لنوع العقوبة الجنائية للخطأ الطبي، يقول المشرع في المادة 295 من قانون العقوبات الإسلامي المصوت عليه عام 1392: “كل من ترك فعلاً تعهد بأدائه، أو واجباً خاصاً ألقاه القانون على عاتقه، ووقعت بسبب ذلك جناية، فإن تمكن من أداء ذلك الفعل، تُسند الجناية الحاصلة إليه، وتكون حسب الحالة عمداً، شبه عمد، أو خطأ محضاً؛ مثل أن تمتنع الأم أو المرضعة التي تعهدت بالإرضاع عن إرضاع الطفل، أو أن يترك الطبيب أو الممرض واجبه القانوني”. بالطبع، أورد المشرع في التبصرة 3 من المادة 295 من قانون العقوبات الإسلامي المصوت عليه عام 1370، في هذا الشأن: “كلما وقع قتل أو ضرب أو جرح نتيجة الإهمال أو اللامبالاة أو عدم المهارة وعدم مراعاة الأنظمة المتعلقة بأمر ما، بحيث لو رُوعيت تلك الأنظمة لما وقع حادث، فإن القتل أو الضرب أو الجرح يكون في حكم شبه العمد”.

ب) المسؤولية المدنية – الجنائية للطبيب في الفقه

هاتان النقطتان متفق عليهما بين الفقهاء: لعدم ضمان الطبيب، يجب أن يكون قد استأذن للعلاج، وثانياً ألا يكون قد وقع تقصير أو قصور في العلاج. ويصرح المحقق الخوئي أيضاً بأن الطبيب ضامن ومسؤول عن المضاعفات العلاجية التي تولاها مباشرة ؛ مثلما لو عالج مجنوناً أو صغيراً دون إذن وليه، أو عالج بالغاً دون إذنه. وكذلك الحال عندما يقصر في أداء واجبه على الرغم من حصوله على إذن العلاج. الآن، حان وقت دراسة هذا السؤال الأساسي: ما هو المستند الفقهي لمدخلية عنصر أخذ البراءة من المريض في رفع المسؤولية المدنية عن الطبيب، كما أشار إليه المشرع؟ أفضل دليل لفظي تم تناوله من قبل الفقهاء في هذا الشأن هو كالتالي: علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «مَنْ تَطَبَّبَ أَوْ تَبَيْطَرَ فَلْيَأْخُذِ الْبَرَاءَةَ مِنْ وَلِيِّهِ وَ إِلَّا فَهُوَ لَهُ ضَامِنٌ». “من تطبب أو تبيطر فليأخذ البراءة من وليه وإلا فهو له ضامن.” هذه الرواية، على الرغم من توثيق جميع رواتها، إلا أنها موثقة ومعتبرة بسبب كون السكوني عامي المذهب. بالطبع، النوفلي ليس له توثيق خاص بشهادة علماء الرجال، ويمكن إثبات وثاقته عن طريق التوثيق العام لكثرة رواية أجلاء الإمامية عنه ؛ حيث نقل إبراهيم بن هاشم روايات كثيرة عنه، وادُّعي أن كثرة روايات راوٍ دليل على وثاقته عند الأصحاب. كما أنه ورد في سند روايات كتاب كامل الزيارات، الذي قال فقهاء مثل المحقق الخوئي بالتوثيق العام لجميع رواته ؛ بالطبع، بالإضافة إلى قصور شهادة ابن قولويه عن مثل هذا التوثيق، عدل المحقق الخوئي أيضاً عن هذا الرأي.أما بالنسبة للسكوني، فعلى الرغم من أنه يُعتبر عامياً في نظر المشهور، إلا أن علماء مثل المجلسي الأول والمحقق النوري قد طرحوا ادعاء تشيعه. بالطبع، كونُه عامياً، كما ظن البعض، لا يضر بوثاقته، ويمكن إثبات توثيقه بطرق مختلفة : أولاً، أنه في أحد طرق الشيخ الطوسي إلى كتاب السكوني يوجد ابن الوليد، والشيخ لا ينقل استثناءً من ابن الوليد. لقد جعل القميون الدقة أساس عملهم في نقل الرواية ؛ لذا فإن نقلهم عن راوٍ دليل وقرينة على كونه موثوقاً. وقد قبل فقهاء مثل وحيد البهبهاني هذا الشكل من التوثيق العام. وكان جريان هذا الأمر أكثر وضوحاً بالنسبة لثلاثة أشخاص هم: إبراهيم بن هاشم، وأحمد بن محمد بن عيسى، وابن الوليد. ثانياً، أن الشيخ الطوسي شهد على عمل الأصحاب بروايات السكوني. وبقبول هذه الشهادة، قيل إن توثيق النوفلي أيضاً يمكن إثباته ؛ لأن غالب روايات السكوني وصلتنا عن طريق النوفلي ؛ فعمل الأصحاب بروايات السكوني يدل على وثاقة راويه، أي النوفلي، عند الأصحاب. وفقًا لهذه الرواية، يُدّعى أن الأصل الأولي في الخسائر التي تحدث في العلاج الطبي هو الضمان ؛ إلا إذا تم أخذ البراءة من الضمان من ولي المريض قبل الشروع في العلاج. ونُسب هذا القول إلى مشهور فقهاء الإمامية. ويرى آخرون أنه حتى لو أخذ الطبيب براءة من الضمان من المريض، فإنه في حالة إيقاع جناية على المريض، يكون مسؤولًا وضامنًا بسبب شمول قاعدة الإتلاف (مَنْ أَتْلَفَ مَالَ الْغَيْرِ فَهُوَ لَهُ ضَامِنٌ) له.

في المقابل، لم يشترط صاحب الجواهر أخذ البراءة لتبرئة الطبيب من الضمان الناشئ عن الخسارة الحاصلة من العلاج، وذكر ثلاثة أوجه فقهية لعدم ضمان الطبيب مطلقًا ولو لم يأخذ البراءة: الوجه الأول؛ كون الطبيب مأذونًا في المعالجة التي تكون عادةً معرضة للإتلاف وإيقاع الجناية على المريض يستلزم عدم ضمان الطبيب المأذون. الوجه الثاني؛ بما أن الطبيب محسنٌ بالنسبة للمريض، فهو مشمول بقاعدة الإحسان (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ)، وثبوت الضمان على عاتقه ينافي مفاد قاعدة الإحسان. الوجه الثالث؛ بما أن معالجة المريض جائزة وأحيانًا واجبة؛ لذا لا يجوز ثبوت الضمان بالنسبة لمثل هذا العمل. في الرد على وجوه صاحب الجواهر، يمكن القول: أولاً؛ كون الطبيب مأذوناً في المعالجة، لا يعني كونه مأذوناً في إيقاع الجناية، وهو منصرف عن هذه المسألة ؛ لأن المريض أذن للطبيب بالتصرف في بدنه بدافع العلاج والشفاء ؛ لا أن يترك الطبيب حراً في إيقاع الجناية الناشئة عن عدم المهارة. ثانياً؛ لا يصدق عنوان المحسن على الطبيب ؛ لأن المحسن هو من كان قصده وعمله يُعتبران إحساناً عرفاً، فإذا لحق بشخص ضرر غير مقصود من جراء إحسانه، لا يكون ضامناً. أما في الطبابة، فالمعالجة وحدها تُعتبر إحساناً، لا الخسارة الناشئة عن قصور أو تقصير الطبيب. بالإضافة إلى أن الطبيب، من حيث أنه يأخذ أجراً على المعالجة، فهو أجير، وصدق عنوان المحسن عليه مشكل ؛ لأن الإحسان لا يتوافق مع أخذ الأجرة. ثالثاً؛ جواز أو وجوب المعالجة يغطي الجانب التكليفي للمسألة، وثبوت الضمان يغطي الجانب الوضعي للمسألة، والجمع بين حكمين متضادين من جانبين مختلفين، تكليفي ووضعي، ليس فقط غير جائز، بل هو شائع في الفقه. أما بالنسبة للتمسك برواية السكوني، فقد يُقال إن أخذ البراءة قبل المعالجة مصداق لـ “إسقاط ما لم يجب”، أي إسقاط ضمان لم يثبت بعد، وإسقاط ما لم يجب باطل. بناءً على ذلك، فإن الرواية المذكورة، بمقتضى مفادها الذي يُبين إسقاط ضمان الطبيب والبيطار قبل ثبوته بأخذ البراءة، إما يجب طرحها جانبًا، أو بتقدير “فَأُتْلِفَ” قبل عبارة “فَلْيَأْخُذِ الْبَرَاءَةَ”، يكون المعنى أن الطبيب يجب عليه في حال وقوع جناية أن يأخذ البراءة من ولي المريض، وإلا فهو ضامن. فهذا الأخذ للبراءة ناظر إلى ما بعد المعالجة ولرفع الضمان، لا لدفعه قبل المعالجة ؛ بعبارة أخرى، ثبوت ضمان الطبيب في فرض حدوث مضاعفات للعلاج أمر مسلم به، وهو فقط يمكنه تبرئة نفسه من المسؤولية الحادثة بأخذ البراءة من ولي المريض. في الرد، يمكن القول إنه بالإضافة إلى أن تقدير عبارة “فَأُتْلِفَ” مخالف للأصل والقاعدة ، فبقرينة دخول حرف الفاء على فعل الأمر “لِيَأْخُذْ”، ظاهر “مَنْ” في عبارة “مَنْ تَطَبَّبَ أَوْ تَبَيْطَرَ فَلْيَأْخُذِ الْبَرَاءَةَ مِنْ وَلِيِّهِ وَ إِلَّا فَهُوَ لَهُ ضَامِنٌ”، هو “مَنْ” الشرطية، وظاهر “فَلْيَأْخُذْ الْبَرَاءَةَ” هو جواب شرطها ؛ وظاهر عبارة الاستثناء “وَ إِلَّا فَهُوَ ضَامِنٌ” (إِنْ لَمْ يَأْخُذِ الْبَرَاءَةَ فَهُوَ ضَامِنٌ) هو ثبوت الضمان في فرض عدم أخذ البراءة، لا مطلق تسليم ثبوت الضمان للطبيب والبيطار. بعبارة أخرى، بناءً على الرواية، إذا أخذ الطبيب البراءة، لا يثبت الضمان أساسًا (دفع الضمان)، لا أن الضمان الثابت بسبب الطبابة يُرفع بأخذ البراءة. حتى لو سُلّم بأن الرواية ناظرة إلى إسقاط الضمان الثابت، وطُرح إشكال كون أخذ البراءة قبل المعالجة إسقاطًا لما لم يجب، يمكن القول بأن هذه الرواية نفسها تكفي لصحة وجواز إسقاط ما لم يجب. بالإضافة إلى ذلك، يمكن اشتراط سقوط ضمان الطبيب ضمن عقد إجارة الطبيب على المريض أو وليه، ومثل هذا الشرط نافذ في حق المريض أو أوليائه من باب “الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ”.

قد يُشكل في فرض اشتراط سقوط الضمان ضمن عقد الإجارة بأن هذا الاشتراط إما أن يكون على شكل شرط نتيجة، أو على شكل شرط فعل؟ إذا كان على شكل شرط نتيجة، أي أن سقوط ثبوت الضمان يكون نتيجة قهرية لمثل هذا الاشتراط، ففي صحة شرط النتيجة إشكال. وإذا كان على شكل شرط فعل ، أي أن إسقاط الضمان على عاتق أولياء المريض في فرض وقوع الجناية مشروط، فمرة أخرى يثبت في النهاية الحكم التكليفي بالوفاء بالشرط على عاتق أولياء المريض، وهذا الحكم التكليفي في فرض تخلف أولياء المريض عن هذا الشرط لا ينافي ثبوت الضمان الذي هو حكم وضعي متوجه إلى الطبيب. في الرد، يمكن القول بأن الإشكال في شرط النتيجة مبنائي. ويبدو أن القائلين بهذا المبنى، حيث كانوا يعتبرون وجود سبب لكل أثر معاملاتي ضروريًا، اعتبروا الأثر المعاملاتي لعدم الضمان دون إبراء أولياء المريض مصداقًا لأثر بدون سبب. هذا في حين يمكن القول بأنه إذا لم يكن الشرط مخالفًا للكتاب والسنة، واعتبره العقلاء نافذًا، ولو كان على شكل شرط نتيجة، فهو مشروع، ولا يلزم مثل هذا التشدد في تأثير الشروط.

يضيف صاحب الجواهر في تأييد رأي المشهور أنه لما كانت معالجة المرضى من احتياجات المجتمع، فإذا اعتبرنا الأطباء ضامنين في المعالجة، لزم ألا تنشأ رغبة في المعالجة لدى الأطباء، ولا تُلبى هذه الحاجة للمجتمع. يجب أن يُعلم أنه في هذا التبيين، ذُكر عنصر حاجة المجتمع، لا الضرورة والاضطرار ؛ لذا يعتبر صاحب الجواهر هذا البيان تأييدًا ولا يسميه دليلاً ؛ وذلك لأن اعتبار الحد الأوسط “لزوم تلبية احتياجات المجتمع” لم يكن مسلمًا لديه.

  1. المجال الجنائي

في حال اختراق أو إحداث خلل متعمد في الرقاقة وظهور سلوك إجرامي من قبل عضو أو ذراع روبوتية للمريض صاحب الرقاقة الدماغية، على من تقع المسؤولية الجنائية للجناية المرتكبة؟ بما أن هذه المسألة تتعلق ببحث ضمان السبب (المخترق أو محدث الخلل) والمباشر (الذراع الروبوتية أو العضو المطيع للرقاقة)، يجب الرجوع إلى هذا العنوان في كلام الفقهاء. يكتب المحقق الحلي عن جريان قاعدة التسبيب في الضمان: عندما يجتمع السبب والمباشر، يُقدم المباشر في الضمان على السبب ؛ مثل أن يحفر شخص بئراً في ملك آخر، ويقوم شخص آخر بإلقاء إنسان في تلك البئر، فإن ضمان سقوط الإنسان في البئر يتوجه إلى من ألقاه في البئر. بالطبع، إذا أُكره شخص على إتلاف مال آخر، فإنه لا يضمن، والشخص المكرِه، باعتباره سبب تحقق الإتلاف، هو الضامن ؛ لأن تأثير إكراهه أقوى من عمل المكرَه في تحقق الإتلاف. يعتبر المحقق الحلي الضمان متوجهاً بشكل طبيعي إلى مباشر الجناية ، ولكن بقرينة الحكم بعدم ضمان المباشر المكرَه وطرح مسألة أقوى بودن السبب (المكرِه) من المباشر (المكرَه)، يتضح أن توجه الضمان إلى المباشر ثابت حيث يكون المباشر فاعلاً مختاراً أوقع الجناية باختياره. وقد صرح الشهيد الصدر أيضاً بهذا المعنى، ولم يعتبر الحكم بالضمان شاملاً للفاعل غير المختار أو حتى المختار الذي خُدع. من بيانات هذين المحققين ومقتضى أدلة الضمان في أبواب القضاء في الفقه، يتضح أنه في فرض اجتماع السبب والمباشر، يتوجه الضمان بشكل طبيعي إلى من يكون انتساب الإتلاف إليه أقوى. وفي المسألة الحالية، بما أن الذراع الروبوتية فاقدة للاختيار، والعضو المطيع للرقاقة خاضع للقرارات المرسلة من الرقاقة المخترقة، فإن الضمان يتوجه حصراً إلى المخترق باعتباره السبب الأقوى الذي يُنسب إليه إيقاع الجناية عرفاً. وهذا المعنى هو ما اهتم به المشرع أيضاً، وقال في المادة 526 من قانون العقوبات الإسلامي: “إذا أثر عاملان أو أكثر، بعضهم بالمباشرة وبعضهم بالتسبيب، في وقوع جناية، فإن العامل الذي تُسند إليه الجناية هو الضامن”.

  1. مجال الحقوق العامة

في حالة تركيب الرقائق العصبية الدماغية وربطها شبكياً، هل يجوز للحكومات المسلمة بهدف السيطرة أو الوقاية من الجرائم أو لأهداف أمنية أخرى، الوصول إلى بيانات هذه الرقائق دون إذن أم لا؟ تُعدّ مسألة وجوب حفظ كرامة وأسرار المسلمين من المسائل الحيوية التي يجب إيلاؤها اهتماماً أعمق ؛ إذ يستند وجوبها إلى أدلة بديهية عقلية وشرعية. الأصل هو أنه لا ولاية ولا سلطة لأحد على شخص آخر ؛ في حين أن المراقبة السرية للآخرين والتفتيش عنهم، وكذلك فضح ونشر عيوبهم وأسرارهم، يُعتبر نوعاً من التصرف والتدخل في شؤون الآخرين. بناءً على ذلك، يقتضي الأصل الأولي العقلي عدم جواز الوصول إلى بيانات رقائق المواطنين دون إذن. وكذلك الآية الشريفة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَ لَا تَجَسَّسُوا)، والروايات الكثيرة التي يغنينا تواترها المعنوي عن البحث السندي، تنهى عن التجسس والفضول تجاه أسرار ومعلومات المسلمين المحرمة ، وتحذر من أن من يفعل ذلك، فإن الله سيتتبع زلاته، ومن تتبع الله زلاته، فسيُفضحه ويُهينه في النهاية ؛ حتى لو كان في عقر داره.

وقد نص المشرع أيضاً في المادة 23 من الدستور الأساسي (الأولي للجمهورية الإسلامية) على ما يلي: “تفتيش العقائد ممنوع، ولا يجوز التعرض لأحد أو مساءلته لمجرد اعتناقه عقيدة ما”. وكذلك جاء في المادة 25: “تفتيش الرسائل وعدم إيصالها، وتسجيل المكالمات الهاتفية وفضحها، وكشف المراسلات البرقية والتلكس، والرقابة، وعدم إرسالها وإيصالها، والتنصت، وأي نوع من أنواع التجسس ممنوع، إلا بحكم القانون”.

مع ذلك، بالتدقيق في مجموع الآيات والروايات المتعلقة بهذا الموضوع، يمكن استنتاج أن نطاق هذا التحريم يقتصر فقط على الأسرار والعيوب والزلات الشخصية والعائلية التي لا علاقة لها بالمصالح العامة للمجتمع. أما المسائل والأمور التي تتعلق بالمصالح العامة للمجتمع وحفظ نظام المسلمين، فيجب بالضرورة دراستها ومراقبتها ضمن إطار قوانين وأنظمة إسلامية خاصة ؛ لأن الدولة الإسلامية، المسؤولة عن الحفاظ على نظام المجتمع الإسلامي، تحتاج، للقيام برسالتها في هذا المجال، إلى الحصول على أخبار ومعلومات كافية عن أوضاع الدول والشعوب الأجنبية المعادية للإسلام والمسلمين. وتؤيد التقارير والروايات التاريخية الكثيرة عن المعصومين هذه الضرورة العقلية. ومن ذلك ما ورد في عهد مالك الأشتر: «وَ ابْعَثِ الْعُيُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَ الْوَفَاءِ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ تَعَاهُدَكَ فِي السِّرِّ لِأُمُورِهِمْ حَدْوَةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْأَمَانَةِ وَ الرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ». وفي مجال التجسس على المواطنين، يمكن التدقيق في حادثة اكتشاف رسالة حاطب بن أبي بلتعة الاستخباراتية، التي أرسلها عن طريق سفيرته سارة إلى مشركي مكة. بالطبع، كما ورد في وصايا أمير المؤمنين، لا ينبغي للحكومة الإسلامية أن تتخلى عن جانب التغاضي وحفظ كرامة مواطنيها فيما يتعلق بمسائلهم الشخصية ؛ بناءً على ذلك، لا ينبغي أن يكون غرض تأمين أمن المجتمع الإسلامي غطاءً للتجسس غير المشروع وغير المنضبط. وقد أقر المشرع في الجمهورية الإسلامية بهذا الأمر، بل وجرّم مخالفته ؛ كما نصت المادة 4 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أن “الدخول إلى حرمة الأفراد الخاصة لا يجوز إلا بحكم القانون ومراعاة الأنظمة وتحت إشراف السلطة القضائية، وفي جميع الأحوال، لا يجوز أن تلحق الإجراءات القضائية ضرراً بكرامة الأفراد وحيثيتهم”. على سبيل المثال، لا يجوز الدخول إلى حرمة المنزل الخاصة وتفتيشها من قبل السلطة القضائية المختصة إلا إذا وجدت، بناءً على أدلة، ظن قوي بوجود المتهم أو اكتشاف أدوات وأدلة الجريمة.

  1. المجال الأمني – العسكري

هل يجوز للحكومات المسلمة استخدام الرقائق في قواتها العسكرية بهدف تحسين أدائها الأمني؟ وهل اختراق رقائق القوات المعادية وإحداث خلل فيها مشروع لهذه الحكومات؟ ربما يُقال في إجابة أولية إنه بمقتضى الآية (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) ، فإن أي نشاط عسكري يؤدي إلى تقوية القدرة القتالية للقوات المسلمة وإضعاف أو ردع أعداء المجتمع الإسلامي، ليس فقط جائزًا بل ضروريًا ولازمًا. وبما أن هذا الأمر المهم يتحقق بسهولة عن طريق زرع الرقائق العصبية، فإن مشروعيته لا مجال للنقاش فيها. ولكن، كما هو ليس بخافٍ، بمقتضى ارتكاز المتشرعة، فإن الهدف المشروع لاكتساب الاقتدار القتالي للمجتمع الإسلامي لا يُطلق بالنسبة لتجويز كل وسيلة. والتمسك بهذه الآية لتجويز الوسائل التي تكون مشروعيتها محل تأمل وشبهة، هو من مصاديق التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. من هنا، فكما أن مشروعية استخدام أسلحة الدمار الشامل لا يمكن استفادتها من هذه الآية، فبالنسبة لزرع الرقائق أيضاً يجب الرد على شبهة تعتبر زرع الرقائق سبباً لتغيير الخلقة الإلهية ومن المحرمات في الإسلام. في الآية 119 من سورة النساء المباركة، بعد لعن الشيطان، صُرح: (وَ قَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا، وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ… وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ…). يرى البعض أن نطاق حرمة تغيير الخلقة يصل إلى حد يمكن استنباط قانون عام منه، وبناءً عليه تُعلن حرمة أي تغيير ؛ وهذه المجموعة تقول بأصالة حرمة التغيير، إلا في موارد الترخيص. وقد تعرضت هذه الفكرة لاعتراض شديد من المعاصرين ؛ فالبعض اعتبر لازمها تخصيص الأكثر المستهجن ؛ بهذا البيان أن أداء معظم أنشطة عموم الناس دون تصرف وتغيير في المأكل والملبس والمسكن والتنقل أمر صعب أو مستحيل. وتبرير أن هذه الموارد تُعتبر جزءًا من مخصصات ومرخصات ذلك القانون، هو مصداق واضح لتخصيص الأكثر القبيح، وهذا ليس من شأن المشرع الحكيم. الرد الآخر على أصل التخصيص هو أن الآية تحكي عن ظاهرة مشؤومة من صنع الشيطان ؛ لذا فإن لسان الآية يأبى التخصيص. يعتقد البعض أن المراد بـ “خلق الله” في الآية هو دين الله ؛ من هذا المنظور، يسعى الشيطان إلى تغيير المعتقدات الحقة والقوانين الشرعية المطابقة للفطرة، حتى يُستخدم من مخلوقات الله خلافاً لأمر الله ؛ مثل استحلال اللواط والمساحقة وخصاء العبيد، التي هي من مصاديق تغيير الشريعة. على الرغم من أن بعض الروايات الواردة في تفسير الآية تؤيد هذا الفهم ، إلا أن المسألة الرئيسية هي أن الآية المذكورة، بناءً على التفسير الأخير، عاجزة عن إثبات حرمة زرع الرقائق لتعزيز القدرات العسكرية ؛ إذ يجب أولاً إثبات أن زرع الرقائق تغيير مخالف لأغراض الشارع في الاستفادة من مخلوقاته ؛ ثم يثبت كون العمل شيطانياً وحرمته بمقتضى الآية.

  1. مجال الألعاب والترفيه

بالنظر إلى تغير العلاقات الإنسانية في سياق التفاعل القائم على الرقاقة العصبية والاعتبارات الفقهية المتعلقة بعلاقات غير المحارم، هل يجوز زرع الرقاقة لمجرد دافع اللعب والترفيه؟ من وجهة نظر مشهور الفقهاء المعاصرين، لا فرق في العلاقة مع غير المحرم بين البيئة الحقيقية والافتراضية، ويلزم الحفاظ على الحرمات والحدود الشرعية فيها. فالعلاقة الافتراضية مع غير المحرم، مثل مشاهدة صورة غير المحرم، إذا كانت مصحوبة بالتلذذ والريبة، أو ترتبت عليها مفسدة، فهي حرام ؛ لأن الآيات والروايات مطلقة ولا تنحصر في النظر واللمس الجسدي لغير المحرم. مثلاً، في مواجهة الآية (وَ قُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ)، لا يرى العرف فرقاً بين النظر المباشر إلى بدن غير المحرم والنظر عن طريق الفضاء الافتراضي ؛ وهذا هو ما يُشار إليه بعنوان مناسبة الحكم والموضوع. أما بشأن علاقة غير المحارم في سياق اتصال الرقائق الدماغية، فقد يُقال إن هذا الاتصال، خلافاً للاتصال الافتراضي، يتم بين الأدمغة ودون وساطة أعضاء الحس البصرية والسمعية والكلامية واللمسية، أي العين والأذن والفم والبدن، وشمول عناوين مثل السمع والبصر واللمس له غير ثابت. يبدو أن إمكانية تحقق التلذذ والريبة (خوف الوقوع في الذنب) في الاتصالات عبر الرقائق أشد منها في الاتصالات الحقيقية أو حتى الافتراضية ؛ لأن إدراك الدماغ أقوى من إدراك الأعضاء الحسية. بالطبع، شمول هذا التنقيح للمناط، أي جعل تحقق التلذذ والريبة معيارًا دون النظر إلى تدخل الأعضاء الحسية، بالنسبة لجميع أنواع الاتصالات عبر الرقائق، محل تأمل. مثلاً، يشهد ارتكاز المتشرعة على أن اثنين من غير المحارم إذا مارسا الجماع عن طريق الاتصال عبر الرقائق الدماغية وأدركاه وجرباه، فلن تشملهما حدود الزنا ؛ لأن تدخل الأعضاء الحسية في تحقق العلاقات الجنسية غير المشروعة أمر مسلم به. بالنظر إلى ما تقدم، وبالنظر إلى طبيعة اللهو في اللعب والترفيه، وما تُظهره استشرافات المستقبل للتكنولوجيات الناشئة مثل زرع الرقائق، يبدو أن تجويز زرع الرقائق لمجرد دافع اللعب والترفيه، خاصة في زمن تجاوزت فيه التكنولوجيات الناشئة الحدود الأخلاقية والجغرافية، ينافي مذاق وأغراض الشارع المقدس. على سبيل المثال، وصف الله تعالى إحدى صفات المؤمنين بالإعراض عن اللهو. كما اعتبر الشيخ الأنصاري الروايات الظاهرة في حرمة اللهو كثيرة جداً ؛ ولا ينبغي حصر اللهو المذموم في الروايات في مصاديقه الواضحة أي الغناء والقمار ؛ فحتى الصيد للترفيه يُعد من مصاديق اللهو ومن موجبات حرمة السفر وقصر الصلاة. وهذه المسألة جادة لدرجة أن في بعض الروايات، الصياد إذا أقدم على الصيد لمجرد الترفيه، يُعتبر من مصاديق الإنسان الباغي ؛ بحيث لم يُجوّز أكل لحم الصيد حتى في حالة الاضطرار لمثل هذا الشخص.

الخلاصة والاستنتاج

تبدو زراعة الرقائق بدوافع علاجية وأمنية وعسكرية مشروعة، والمخاطر المحتملة للعلاج وشبهة تغيير خلقة الإنسان لا تصلحان كمانع من تجويز عملية زرع الرقاقة. أما مشروعية زرع الرقاقة لمجرد دافع اللعب والترفيه، فبما أنها تُقيّم على أنها منافية لمذاق الشارع، فهي غير ثابتة. في المجال الطبي، تقع المسؤولية المدنية للخسائر والجنايات الناجمة عن زرع الرقاقة على عاتق الطبيب ؛ إلا إذا أخذ البراءة من المريض قبل الإقدام على هذا العمل. كذلك، فإن الضمان الناشئ عن الجناية الحاصلة من اختراق الرقاقة وإحداث خلل فيها، يقع على عاتق المخترق ؛ لأن الجناية تُنسب إليه. بالنسبة للحكومة الإسلامية، يمكن القول بأن الحكومة لا يجوز لها الوصول غير المصرح به إلى بيانات رقائق المواطنين المسلمين في المجتمع الإسلامي ؛ إلا في الأمور المرتبطة بالمصالح العامة والضرورية للمجتمع الإسلامي، والتي تُطبق بشكل منضبط ومع الحفاظ على كرامة الأفراد الإنسانية.

المصادر والمراجع

  • القرآن الكريم.
  • نهج البلاغة، علم الهدى رضي، تحقيق صبحي صالح، بيروت: دار الكتب اللبناني، [د.ت].
  • ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات، النجف: دار المرتضوية، 1356ق.
  • الأنصاري، ابن هشام، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، قم: مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1404ق.
  • الأنصاري، مرتضى، المكاسب المحرمة، قم: المؤتمر العالمي لإحياء ذكرى الشيخ الأنصاري، [د.ت].
  • البجنوردي، محمد، قواعد فقهية، طهران: عروج، ط3، 1401ق.
  • البحراني، عبد علي، نور الثقلين، قم: إسماعيليان، ط3، 1415ق.
  • برونر وسودارث، التمريض الباطني والجراحي، طهران: جامعة نكر، ط2، 1402ش.
  • التبريزي، جواد، إرشاد الطالب إلى التعليق على المكاسب، قم: مهر، 1399ق.
  • التوني، عبد الله، الوافية في أصول الفقه، قم: مجمع الفكر الإسلامي، ج1، 1412ق.
  • الحائري، محمد بن إسماعيل، منتهى المقال في أحوال الرجال، [د.ن]، [د.ت].
  • الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، قم: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، 1414ق.
  • الحكيم، محسن، مستمسك العروة الوثقى، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1381ق.
  • الحلي، جعفر بن الحسن، شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، قم: إسماعيليان، ط2، 1408ق.
  • الحلي، جعفر بن الحسن، المعتبر في شرح المختصر، قم: سيد الشهداء، ج1، 1407ق.
  • الحلي، حسن بن يوسف، تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية، مشهد: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، ج1، د.ت.
  • الخرازي، محسن، “تغيير الجنسية”، فقه أهل البيت، السنة 6، العدد 23، ص 104-147.
  • الخميني، روح الله، توضيح المسائل (محشى)، قم: المنشورات الإسلامية، ط8، 1424ق.
  • الخوئي، أبو القاسم، مصباح الأصول، قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، ج1، 1422ق.
  • الخوئي، أبو القاسم، مباني تكملة المنهاج، قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، ج1، 1422ق.
  • موسوعة الإمام الخوئي، قم: مؤسسة الخوئي الإسلامية، ج1، د.ت.
  • معجم رجال الحديث، [د.م]: [د.ن]، 1413ق.
  • السيستاني، محمد رضا، قبسات من علم الرجال، بيروت: دار المؤرخ العربي، 1437ق.
  • الصدر، محمد باقر، بحوث في شرح العروة الوثقى، قم: مجمع الشهيد آية الله الصدر العلمي، ط2، 1408ق.
  • الطبسي، محمد رضا، المنية في حكم الشارب واللحية، قم: المطبعة العلمية، 1394ق.
  • الطوسي، محمد بن الحسن، رجال، قم: المنشورات الإسلامية، 1373ش.
  • الطوسي، محمد بن الحسن، النهاية في مجرد الفقه والفتاوى، بيروت: دار الكتب العربي، ج2، 1400ق.
  • الطوسي، محمد بن الحسن، الفهرست، [د.م]: نشر الفقاهة، ج1، 1417ق.
  • العدة في أصول الفقه، قم: تيزهوش، ط1، 1417ق.
  • عيلدوست، أبو القاسم، “گستره حرمت تغییر خلق الله از منظر قرآن کریم”، فقه وحقوق إسلامي، الدورة 3، العدد 3، مهر 1394ش.
  • العياشي، محمد بن مسعود، تفسير عياشي، طهران: المطبعة العلمية، 1380ق.
  • كرام الديني، محمد وآخرون، زيست شناسى وآزمايشگاه 2، طهران: شركة طباعة ونشر الكتب المدرسية الإيرانية، 1393ش.
  • الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، طهران: دار الكتب الإسلامية، ج4، 1407ق.
  • المامقاني، عبد الله، مقباس الهداية في علم الدراية، قم: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، 1351ق.
  • المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، بيروت: مؤسسة الوفاء، ط2، 1403ق.
  • المجلسي، محمد تقي، روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه، قم: مؤسسة فرهنگي إسلامي كوشانبور، ط2، 1406ق.
  • محمدي قائيني، محمد، “برائت پزشک از ضمان”، پژوهه هاى فقهى تا اجتهاد، السنة الأولى، العدد التمهيدي الثاني، ربيع 1391ش.
  • مكارم، ناصر، پيام قرآن، طهران: دار الكتب الإسلامية، 1386ش.
  • المنتظري، حسين علي، مباني فقهي حكومت إسلامي، قم: منشورات سرايي، 1379ش.
  • مهدي زاده، مهدي، نورو تكنولوژى در امنيت ملى ودفاع، طهران: إشراقية، ج1، 1398ش.
  • النوري، ميرزا حسين، خاتمة المستدرك، قم: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، ج1، 1417ق.
  • النجاشي، أحمد بن علي، رجال، قم: مؤسسة النشر الإسلامي، د.ت.
  • النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1362ش.
  • اليزدي، كاظم، العروة الوثقى، قم: مؤسسة النشر الإسلامي، ج1، 1417ق.
  • موقع نادي المراسلين الشباب، “کاشت تراشه مغزی ایلان ماسک؛ توهم یا واقعیت؟”، 13 دي 1402، yjc.ir/ZOJI.
  • موقع إيسنا، “با کاشت تراشه در مغز محقق شد؛ گام بلند دانشمندان در کنترل رایانه با ذهن!”، 19 دي 1402، isna.ir/xjPWn.
  • Jerry J. Shih,a, Dean J. Krusienski,b and Jonathan R. Wolpawc. Brain-Computer Interfaces in Medicine.
  • Rajesh P. N. Rao, Brain Co-Processors: Using AI to Restore and Augment Brain Function.
  • BERGER, THEODORE, Brain-Computer Interfaces An international assessment of research and development trends by Theodore W. Berger (2008-11-07).

Scroll to Top