إمكان نيابة الأمارات والأصول مقام القطع الموضوعي

الملخص

لا شك في نيابة الأمارات والأصول مقام القطع الطريقي المحض؛ وأما في نيابة الظنون مقام القطع الموضوعي، فيُطرح هذا التساؤل: هل يمكن إجراء تنزيلين بخطاب واحد؛ أي أن يُنزّل الظن منزلة القطع في آثاره، ويُنزّل المؤدّى منزلة الواقع في آنٍ واحد؟ الشيخ الأنصاري لا يجوّز تنزيل الأمارات والأصول مقام القطع الصفتي، ولكنه يعتقد بإمكان نيابتها عن القطع الموضوعي الطريقي. ويرى المحقق الخراساني استحالة نيابة الظنون والأمارات عن القطع الموضوعي الطريقي ثبوتاً. المحقق الأصفهاني، ضمن ردّه لرأي المحقق الخراساني، يخلص إلى استحالة إجراء تنزيلين بخطاب واحد مثل «الظن كالقطع»، متفقاً في ذلك مع المحقق الخراساني. ومن وجهة نظر الأستاذ اللاريجاني، يمكن للأمارات أن تنوب عن القطع الموضوعي إثباتاً وثبوتاً. تتناول هذه المقالة تبيين هذه الآراء ودراستها وتقييمها.

المقدمة

لا شك أن الأمارات والأصول تنوب عن القطع الطريقي المحض؛ لأن معنى حجية الظن والأصول ليس سوى أنها تحوز أثر القطع من أدلة الحجية؛ ولكن يبدو أن نيابة الأمارات والأصول عن القطع الموضوعي لا تمكن بمجرد أدلة الحجية؛ أي أن أدلة الحجية من حيث إنها تثبت حجية الأمارات والأصول، لا يمكنها إثبات نيابتها عن القطع الصفتي. بالطبع، هذا الإمكان ثابت ثبوتاً، فمثلاً يمكن للمولى أن يقول: «كلما قامت حجة على أمر، فكأنك تملك قطعاً موضوعياً صفةً»، ولكن الكلام هو أن مجرد أدلة حجية الأمارات والأصول لا تفي بهذا الغرض ولا يوجد دليل على أن الأمارات والأصول من حيث هي حجة، توجد هذه الخاصية للقطع أيضاً.

بالطبع، يجب الانتباه إلى أن هذا البحث يأتي بعد الفراغ عن وجود أحكام مترتبة على القطع الموضوعي، مثل «إذا قطعت بوجوب حكم فتصدق بدرهم»، ثم يبحث في أن الظنون عندما تكون حجة هل يمكنها أن تعمل عمل هذا القطع الموضوعي أم لا؟

من المباحث المطروحة في الاستصحاب هو ما إذا كانت الأمارات يمكنها أن تكون نائبة عن اليقين والشك اللذين يشكلان موضوع الاستصحاب، أم لا؟ إذا قامت الأمارات على حكم، فهل هذا كافٍ لكونه مستصحباً أم لا؟

إذا استطاعت الأمارات أن تنوب عن القطع الموضوعي، فعندما تقوم أمارة على وجود حكم ثم يحصل شك في بقائه، يكون هذا الأمر تماماً كاليقين السابق والشك اللاحق؛ أي أنه في حين لا يوجد يقين بالواقع حقيقةً، إلا أن الأمارة على الواقع تنوب عن اليقين السابق. وكما أن اليقين السابق قد حصل بأمارة، فمن الممكن أن يحصل اليقين اللاحق أيضاً بأمارة.

وعلى هذا، يبدو أن البحث في باب إمكان ووقوع نيابة الأمارات مقام القطع الموضوعي الطريقي، هو بحث ذو ثمرة.

الامتناع الثبوتي عن نيابة الظنون مقام القطع الموضوعي

۱. رأي المحقق الخراساني

يعتقد المحقق الخراساني1 (خلافاً لرأي الشيخ الأنصاري2) أن الظنون والأمارات لا يمكنها ثبوتاً أن تنوب عن القطع الموضوعي الطريقي؛ لأنه إذا أرادت أدلة حجية الظنون والأمارات أن تجعلها نائبة عن القطع الطريقي المحض، فإن لحاظ القطع في هذا التنزيل هو لحاظ آلي. ومن الواضح أنه في القطع الطريقي المحض، لا يُرى القطع أصلاً، وفي تنزيل الظنون والأمارات مقام القطع الطريقي، يكون لحاظ القطع آلياً محضاً. أما إذا كان التنزيل في أدلة حجية الظنون والأمارات بهدف ترتيب آثار القطع الموضوعي عليها، فسيكون القطع ملحوظاً استقلالياً، وهذان النظران غير قابلين للجمع.3

بعبارة أخرى، إن دليل حجية الأمارة الذي هو عبارة وجعل واحد، إما أن يقوم بالتنزيل الأول أو بالتنزيل الثاني. وبما أن التنزيل الأول مسلم، فالتنزيل الثاني غير ممكن، ولا تستطيع أدلة حجية الظنون أن تثبت نيابة الظن والأمارة مقام القطع الموضوعي الطريقي.

الإشكال الأول للمحقق الخراساني

يضيف المحقق الخراساني4 أنه لو كان لدينا عنوان واحد وجامع ناظر إلى كل من القطع الطريقي والموضوعي وقال الشارع: «الظن، بذلك العنوان الجامع، هو قطع وعلم»، لكانت المسألة قابلة للحل، ولكن لا يوجد مثل هذا العنوان، ولا يمكن إيجاد عنوان يستطيع أن يجمع بين هذين اللحاظين. وعليه، لا يستطيع المولى أن يأتي بتنزيلين في موضع واحد. فالتنزيل إما أن يكون ناظراً إلى القطع الطريقي المحض الذي أثره التنجيز والحجية، وإما أن يكون ناظراً إلى القطع الموضوعي الذي أثره ترتب آثار القطع على الظن.5

الإشكال الثاني للمحقق الخراساني

يتابع المحقق الخراساني6 طرح إشكال آخر ناظر إلى رأي الشيخ الأنصاري7. فالشيخ الأنصاري لا يقبل تنزيل الأمارات والأصول في مقام القطع الصفتي، ولكنه يقبل التنزيل في القطع الموضوعي الطريقي، ويعتقد أن أدلة الحجية يمكنها أن تفي بالغرض، وبالتالي، فإن الأمارات والظنون تنوب عن القطع الموضوعي الطريقي.8

ولكن برأي المحقق الخراساني9، إذا كانت أدلة الحجية وافية لنيابة الظنون عن القطع الموضوعي، فيجب أن تكون قادرة على جعلها نائبة عن القطع الموضوعي الصفتي أيضاً. فإذا كانت نيابة الظنون عن القطع الموضوعي الطريقي مقبولة، فيجب قبول نيابتها عن القطع الموضوعي الصفتي أيضاً. فمشكلة الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي سارية في كل موضع، ونيابة الظنون عن القطع الموضوعي مطلقاً ستكون غير ممكنة.10

دراسة بيان المحقق الخراساني

الجواب الأولي على هذا الرأي هو أنه يبدو أن المحقق الخراساني11 قد خلط بين ما يحدث للجاعل وما يحدث للقاطع.

إن نظر الشارع إلى قطع المكلفين هو دائماً بنحو استقلالي، حتى أنه يرى قطعهم الطريقي بنحو استقلالي. وعليه، ففي كل من موارد لحاظ القطع الآلي وموارد لحاظه الاستقلالي، يكون المراد هو لحاظ القاطع نفسه. إذن، من الممكن أن يريد الشارع مثلاً في دليل «الظن كالقطع» كلا نوعي القطع.12 أي أن دليل «الظن كالقطع» يمكن أن يكون له إطلاق ويشمل القطع الطريقي والقطع الموضوعي كليهما. فلحاظ القطع بالنسبة للشارع هو دائماً استقلالي، وأدلة حجية الظنون والأمارات في تنزيل واحد، ترتب عليهما أثر كل من القطع الطريقي والموضوعي.

هذا الجواب الأولي، مع ذلك، يواجه مشكلتين ونقطتين مهمتين وأساسيتين، لا يتضح البحث بدونهما:

الإشكال الأول: المشكلة المهمة التي يواجهها المحقق الخراساني13 أيضاً، هي أن أثر التنجيز بالنسبة للقطع أمر عقلي. وعليه، على فرض أن دليل «الظن كالقطع» لا يواجه مشكلة من حيث الإطلاق ويشمل هذا التنزيل كلا القطعين الطريقي والموضوعي، إلا أن التنزيل نفسه في ناحية القطع الطريقي غير معقول؛ لأن أثر المنجزية في القطع الطريقي محض. ففي القطع الطريقي المحض، يتم تنزيل الظن محل القطع أساساً بلحاظ التنجيز، ولا يوجد أثر مهم آخر في القطع الطريقي، والمنجزية أيضاً أمر عقلي. والسؤال هو، مع هذا الوضع، كيف يكون هذا التنزيل ممكناً؟ بعبارة أخرى، كيف يكون تنزيل الظن بمنزلة القطع الطريقي (الذي منجزية أثره) معقولاً؟

نعلم أنه في باب التنزيل، يُجعل مماثل حكم المنزَّل عليه للمنزَّل. وهذا الأمر يكون معقولاً في موضع يكون للمنزَّل عليه أثر شرعي مجعول. أما في الموارد التي لا يكون للمنزَّل عليه (= القطع) أثر مجعول، فلا يمكن فعل ذلك. وعليه، فإن دليل «الظن كالقطع» لا يمكن أن يكون بياناً تسبيبياً لمنجزية القطع الطريقي بالنسبة للظن. هذا الإشكال لا يقتصر على هذا البحث، وإيجاد التنجيز بالتنزيل يواجه هذا الإشكال في جميع الموارد.

جواب الأستاذ اللاريجاني

من البديهي في بحث التنزيل أن الجعل الابتدائي لحكم عقلي هو حكومة حاكم في حيطة حاكم آخر، وهو أمر لا معنى له. من وجهة نظر الأستاذ اللاريجاني، يمكن القيام بهذا العمل على نحو تبعي وتسبيبي وإيجاد موضوع للحكم العقلي. فمثلاً، بما أن استحقاق العقاب حكم عقلي، فيمكن للمولى بالتسبيب أن يجعل حكم استحقاق العقاب والمنجزية. وهل أن التنزيل في هذه الصورة صحيح وأن المولى يستطيع جعل «الظن كالقطع»؟ هذا بحث دقيق جداً وله تطبيقات في كثير من مواضع علم الأصول (مثل بحث الواجب المشروط). في موارد مثل دليل حجية الأمارات، كـ «الظن كالقطع»، لا يكون لظهور الكلام معنى إلا إذا كان المولى في مرتبة سابقة قد أوجد جعلاً آخر، أو أتى بتكليف آخر. فنفس وجود دليل «الظن كالقطع» دليل على أن المولى في مرتبة سابقة قد قام بذلك الفعل. فالمولى لا يقول ابتداءً: «الظن كالقطع»، لأن أثر العلم هو التنجيز، وتسري التنجيز من القطع إلى الظن ابتداءً غير معقول، إلا إذا كان المولى في مرتبة سابقة قد أوجد موضوعاً للحكم العقلي. وفي غير هذه الصورة، يكون هذا التنزيل بلا معنى. إذن، فإن تنزيل «الظن كالقطع» معقول بنحو تسبيبي.

وعليه، يمكن دفع الإشكال المذكور. فمفاد دليل حجية الأمارات له إطلاق، وبالتسبيب يُنزَّل الظن بلحاظ جميع الأحكام التي يكون القطع موضوعاً لها، محل القطع. إذن، يمكن تعميم التنزيل بهذه الطريقة.

الإشكال الثاني: نيابة الظن عن القطع الطريقي المحض هي من باب منجزية ذلك. فالقطع منجِّز والظن نائب عن القطع في التنجيز. ولكن يبدو أن رأي المحقق الخراساني14 في الكفاية لا يستند إلى هذا المبدأ، بل برأيه، مفاد أدلة حجية الأمارات هو جعل المؤدى.15

إذا لم يكن في نيابة الظن عن القطع الطريقي المحض تنزيل بين الظن والقطع على هذا النحو: «الظن قطع في جهة التنجيز»، بل كان تنزيل المؤدى بمنزلة الواقع؛ أي أنه في مقام جعل المنجزية للأمارات، يُنزَّل مؤدى الأمارة بمنزلة الواقع، لا أن الظن ينوب عن العلم والقطع في التنجيز، فعندئذ لا يمكن قبول الجواب السابق للمحقق الخراساني.

توضيح ذلك، أنه في نيابة الظن عن القطع، يُتصور نوعان من التنزيل: أحدهما أن يقال: «المؤدى هو الواقع»، والآخر أن يقال بلحاظ الآثار الموضوعية: «الظن كالقطع». السؤال هو: مع وجود دليل حجية الأمارات، وهو عبارة واحدة، هل يمكن للمولى بعبارة واحدة أن يُنزِّل المؤدى بمنزلة الواقع وأن يُنزِّل الظن بمنزلة القطع؟

فإذا كان مقصود المحقق الخراساني أن القطع في التنزيل الأول ملحوظ آلياً وفي التنزيل الثاني ملحوظ استقلالياً وأن هذين لا يجتمعان، فإن هذا

دراسة إمكانية نيابة الأمارات عن القطع الموضوعي

أورد المحقق الأصفهاني16 في بحث مستفيض إشكال المحقق الخراساني17 ودافع عنه، ثم طرح الإشكال بوجه آخر ولكنه في النهاية توصل إلى نفس النتيجة (أي استحالة أن يتم تنزيلان بخطاب واحد مثل «الظن كالقطع»)، متفقاً مع المحقق الخراساني.

إشكال المحقق الأصفهاني18 هو أن القطع عين لحاظ الشيء، ولا يكون هو نفسه ملحوظاً، لا بنحو آلي ولا بنحو استقلالي. بالطبع، بما أن الشارع ناظر إلى أذهان المكلفين، فإنه يلحظ القطع دائماً بشكل مستقل، ولكن القطع نفسه هو دائماً لحاظ لشيء، وليس هو نفسه ملحوظاً آلياً أو استقلالياً.19

بالطبع، يرد المحقق الأصفهاني20 على كلام المحقق الخراساني، نافياً إشكال الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي. ولكنه، مع ذلك، في بحث نيابة الأمارات مقام القطع الطريقي المأخوذ في الموضوع، يرى مثل المحقق الخراساني أن هذا الأمر محال. وبالطبع، استدلال المحقق الأصفهاني21 هو من طريق استحالة الجمع بين الصراحة والكناية في عبارة واحدة، ونبين ذلك الآن:

من وجهة نظر المحقق الأصفهاني22، إذا أراد دليل «الظن كالقطع» أن يتضمن تنزيلين مختلفين، فيجب تصور دلالته على هذا النحو: أن دليل «الظن كالقطع» بنحو «أصلي» ينوب عن الظن مقام القطع الموضوعي، وبنحو «كنايي» يدل على أن المؤدى هو الواقع. والكناية المذكورة هي لأن الظن ملازم لذات المظنون، والقطع ملازم لذات المقطوع. إذن، كأي كناية أخرى، من الممكن أن يأمر المولى بالأخذ بالملزوم ليصل من خلاله إلى حكم لازم له. إذن، في النهاية،

نقد الأستاذ اللاريجاني على رأي المحقق الأصفهاني

أولاً: الإنسان يملك علماً بلحاظ ذاته، ويمكنه النظر إلى قطعه، وحتى أن يطبق عنوان «القطع» عليه بنحو علم حضوري. إذن، يمكن لحاظ الذات التي هي عين القطع، كموضوع للحاظ. بالطبع، هذا القطع ارتكازي وليس تفصيلياً. إذن، لحاظ القطع ممكن، ويمكن أن يكون آلياً أو استقلالياً. وعليه، فإن نقد هذا الأستاذ للمحقق الخراساني غير وارد.

ثانياً: رد المحقق الأصفهاني23 على احتمال وجود دلالة مطابقة في دليل «الظن كالقطع» ترتب آثار القطع الموضوعي على الظن، ودلالة التزامية هي «المظنون كالمقطوع»؛ أي ذات المظنون (=المؤدى) كذات المقطوع (=الواقع)، بإنكار هذه الدلالة الالتزامية بهذا الاستدلال: «لا دليل لدينا على أنه إذا كان أحد المتلازمين محكوماً بحكم، فإن المتلازم الآخر يجب أن يكون محكوماً بنفس الحكم».

يبدو أن هذا الأستاذ يخلط هنا بين الدلالة الالتزامية العقلية واللفظية؛ إذ من الواضح أنه لا يمكن القول من خلال الدلالة الالتزامية العقلية إنه إذا كان أحد المتلازمين محكوماً بحكم ما، فإن المتلازم الآخر يجب أن يكون له نفس الحكم. ولكن من باب الدلالة الالتزامية اللفظية ومن باب الملازمة بين الظن والمظنون، يمكن القول إن دليل «الظن كالقطع» (رغم أنه بلحاظ الدلالة العقلية لا يستلزم «المظنون كالمقطوع»)

إثبات نيابة الظنون والأمارات مقام القطع الموضوعي

كان إشكال المحقق الخراساني24 في بحث نيابة الأمارات عن القطع الموضوعي في كتاب كفاية الأصول هو أن أدلة حجية الأمارة لا تستطيع أن تثبت حجية الأمارات ونيابتها عن القطع الموضوعي الطريقي في آن واحد. وهذا في حين أن

رأي المحقق الخراساني في حاشيته على الرسائل

قدم المحقق الخراساني25 في حاشيته على الرسائل حلاً لنيابة الأمارات والأصول عن القطع الموضوعي، وهو الحل الذي اعتبره في الكفاية تكلفاً بل تعسفاً. إن ماهية مراد المحقق الخراساني26 في حاشيته على الرسائل، ودراسة رده عليه في الكفاية، وما إذا كان هذا الرأي قابلاً للإصلاح أم لا، قد نوقشت بين الأصوليين، ونحن الآن بصدد شرحها.

رأي المحقق الخراساني في حاشيته على الرسائل هو كالتالي:

مفاد أدلة حجية الأمارات هو تنزيل المؤدى بمنزلة الواقع. بهذا التنزيل، يُخلق واقع جعلي، وذلك الواقع الجعلي والتنزيلي هو مورد يقيننا الوجداني والتكويني. ولكن الفرض هو أن موضوع الحكم الشرعي هو اليقين بالواقع الحقيقي، لا اليقين بهذا الواقع الجعلي. فمثلاً، في «إذا قطعت بوجوب صلاة الجمعة فتصدق»، ظاهر هذا القطع الموضوعي هو أنه كلما تعلق اليقين بوجوب صلاة الجمعة الواقعي، وجب التصدق. في هذا البحث أيضاً، لدينا يقين تكويني بالواقع التنزيلي الجعلي. ورغم أن هذا اليقين ليس موضوع الأثر، إلا أن المحقق الخراساني27 في حاشيته على الرسائل يقيم جسراً بين هذا اليقين بالواقع الجعلي واليقين بالواقع الواقعي، ويقول إن العرف بعد تنزيل المؤدى بمنزلة الواقع، يقوم بتنزيل آخر هو عبارة عن تنزيل القطع بالواقع الجعلي بمنزلة القطع بالواقع الواقعي. بعبارة أخرى، هناك ملازمة عرفية بين تنزيل المؤدى بمنزلة الواقع وهذا التنزيل الثاني (= تنزيل القطع بالواقع الجعلي بمنزلة القطع بالواقع الواقعي). فمن وجهة نظر العرف، مراد الشارع من تنزيل المؤدى بمنزلة الواقع هو أن القطع بذلك الواقع الجعلي هو أيضاً نازل منزلة القطع بالواقع الواقعي.28

باختصار، يرى المحقق الخراساني29 في حاشيته أن مفاد أدلة الحجية

نقد الكفاية على الحل المطروح في الحاشية على الرسائل

يصرح المحقق الخراساني30 في الكفاية بأن الحل الذي قدمه في حاشيته على الرسائل كان تكلفاً بل تعسفاً. وفي تفسير هذه العبارة في الكفاية، طُرحت آراء مختلفة. يبدو أن مراده هو أن الاستدلال المطروح في الحاشية على الرسائل يواجه نوعاً من الدور.

استدلال المحقق الخراساني31 في حاشية الرسائل هو أن التنزيل الثاني يأتي بعد التنزيل الأول. أي عندما يقول الشارع إن المؤدى هو الواقع، فإن لازمته العرفية هي أن القطع بهذا الواقع الجعلي هو القطع بالواقع الواقعي. ولكن هذا الأستاذ في الكفاية يرى أن التنزيل الأول ليس معقولاً حتى يأتي التنزيل الثاني بعده. وذلك لأنه في القضية التي أُخذ فيها القطع الموضوعي، يكون الموضوع مركباً من القطع والواقع. وفي جميع الموارد التي يكون فيها الموضوع مركباً، يجب أن يثبت جزآ الموضوع معاً، ولا يمكن أن يأتي جزء أولاً ثم يليه جزء آخر. فإما أن يثبت جزء بالأمارة والأصل والجزء الآخر بالوجدان، أو أن يثبت كلاهما بالمطابقة في عرض واحد. أما أن يثبت جزء في البداية ثم جزء آخر، فهذا غير ممكن، وهذا عدم الإمكان له وجهان:

الوجه الأول هو أن تنزيل المؤدى بمنزلة الواقع لا أثر له. فمثلاً، لنفرض أن الأثر مترتب على القطع بوجوب صلاة الجمعة (أي على مركب القطع والوجوب)

نقد على رأي الكفاية

في الرد على هذا الرأي للمحقق الخراساني، توجد ثلاثة حلول في كلمات الأصوليين، وسنتناولها الآن بالبيان والنقد والتحليل:

الجواب الأول: رأي المحقق الأصفهاني

رأي المحقق الأصفهاني32 وبعض الأصوليين الآخرين بشأن إشكال الدور في الكفاية بخصوص الحل المطروح في الحاشية على الرسائل هو أن تنزيل المؤدى بمنزلة الواقع له أثر بحد ذاته. على سبيل المثال، إذا قامت الأمارات على وجوب صلاة الجمعة، وتم تنزيل القطع بهذا الواقع التعبدي بمنزلة القطع بالواقع الواقعي، فإن هذا بحد ذاته له آثار. كل هذه المباحث كانت مبنية على فرض أن الأثر يترتب فقط على القطع، وأن التنزيل نفسه

نقد المحقق الأصفهاني على مسلك التعليقية

يعتقد المحقق الأصفهاني33 أن التعليقية وعدم التعليقية هما من أوصاف شخص الحكم. يجب أن نتحقق ما هو المقصود بالتعليق وعدم التعليق. هل الحكم التعليقي هو حكم وضعي في مقابل حكم تكليفي فعلي؟ أم أن الحكم التعليقي مرتبة من الحكم والحكم الفعلي مرتبة أخرى، أم أن الحكم التعليقي والفعلي متحدان، وفقط عندما يُسند هذا الحكم الواحد إلى تمام الموضوع نقول إنه فعلي، وعندما يُسند إلى بعض أجزاء الموضوع نقول إنه تعليقي؟

نتيجة البحث

نتيجة البحث حتى الآن هي أنه في الشريعة الإسلامية توجد موارد للقطع الطريقي الموضوعي. نريد أن نرى هل أدلة حجية خبر الواحد أو الأمارات، كما تجعل الأمارة حجة، تنوب أيضاً عن هذا القطع أم لا. هذه المسألة ذات ثمرة، ومن آثارها مسألة الاستصحاب. لأنه في موضوع الاستصحاب أُخذ اليقين والشك، فمثلاً إذا قامت الأمارات على وجوب صلاة الجمعة ثم شككنا في مفادها، فهل يقع مورد الاستصحاب أم لا، وهذه من ثمرات وضوح هذا البحث.

في هذا البحث، أحد الأجوبة هو أنه إذا كان الأثر المترتب على الحجية هو المنجزية أو

الهوامش

1 الأنصاري، فرائد الأصول، ص 6.

2 الخراساني، كفاية الأصول، ص 305.

3 الخراساني، كفاية الأصول، ص 305.

4 الأنصاري، فرائد الأصول، ص 6.

5 الخراساني، المصدر نفسه.

6 إذا قيل: في القطع الطريقي، يكون الواقع موضوع الأثر، فيمكن القول بأنه حتى في القطع الطريقي المحض، يكون القطع نفسه هو موضوع التنجيز لا الواقع. ورغم أن القاطع في القطع الطريقي لا يرى قطعه بل يرى الواقع فقط، إلا أن الأثر ليس من ذلك الواقع. فالتنجيز أثر القطع، والواقع هو المنجَّز. وهذا القطع الطريقي المحض هو الذي يوجب استحقاق العقاب. فالقطع من حيث هو طريق محض، يكون منجِّزاً، ومن حيث يمكن أن يكون موضوعاً لبعض الآثار، فهو قطع موضوعي.

7 في باب مفاد أدلة حجية الأمارات مذاهب مختلفة، منها: جعل المنجزية، وجعل الإحراز، وجعل المؤدى بمنزلة الواقع، وجعل وجوب متابعة مؤدى الأمارة، أو الجمع بين وجوب الاتباع وجعل الإحراز والعلم. وقد تبنى المحقق الخراساني في بعض الموارد جعل المنجزية والحجية، وفي موارد أخرى، على غرار الشيخ الأنصاري، تبنى جعل المؤدى بمنزلة الواقع.

8 انظر: المحقق الأصفهاني، نهاية الدراية، ج 2، تعليقة 21، ص 60.

9 هذه النقطة تظهر أنه من وجهة نظر المحقق الأصفهاني والمحقق الخراساني، بناءً على أن أدلة حجية الظنون لا يمكنها إثبات نيابة الظن والأمارة مقام القطع الموضوعي الطريقي، فإن ذلك يمثل مشكلة إثباتية؛ أي أن المشكلة تكمن في أنه لا يمكن بعبارة واحدة إجراء تنزيلين، وإلا فإن إجراء تنزيلين بشكل منفصل لا إشكال فيه.

10 المحقق الأصفهاني، نهاية الدراية، ج 2، تعليقة 21، ص 61.

11 الخراساني، كفاية الأصول، ص 266.

12 الخراساني، درر الفوائد في الحاشية على الفرائد، ص 31.

13 الخراساني، كفاية الأصول، ص 305.

14 الأصفهاني، نهاية الدراية، ج 2، تعليقة 26، ص 73.

15 البروجردي، نهاية الأفكار، ج 3، ص 26.

16 الخراساني، كفاية الأصول، ص 266.

17 الخراساني، درر الفوائد في الحاشية على الفرائد، ص 31.

18 الخراساني، كفاية الأصول، ص 305.

19 الأصفهاني، نهاية الدراية، ج 2، تعليقة 21، ص 60.

20 المحقق الأصفهاني، نهاية الدراية، ج 2، تعليقة 21، ص 60.

21 المحقق الأصفهاني، نهاية الدراية، ج 2، تعليقة 21، ص 60.

22 المحقق الأصفهاني، نهاية الدراية، ج 2، تعليقة 21، ص 60.

23 المحقق الأصفهاني، نهاية الدراية، ج 2، تعليقة 21، ص 61.

24 الخراساني، كفاية الأصول، ج 1، ص 266.

25 الخراساني، كفاية الأصول، ص 266.

26 الخراساني، كفاية الأصول، ص 266.

27 الخراساني، درر الفوائد في الحاشية على الفرائد، ص 31.

28 الخراساني، درر الفوائد في الحاشية على الفرائد، ص 31.

29 الخراساني، درر الفوائد في الحاشية على الفرائد، ص 31.

30 الخراساني، كفاية الأصول، ص 266.

31 الخراساني، درر الفوائد في الحاشية على الفرائد، ص 31.

32 الأصفهاني، نهاية الدراية، ج 2، تعليقة 26، ص 73.

33 الأصفهاني، نهاية الدراية، ج 2، تعليقة 26، ص 73.

المصادر والمراجع

1. الأصفهاني، محمد حسين (1374ش)، نهاية الدراية في شرح الكفاية، قم، انتشارات سيدالشهداء.

2. الأنصاري، مرتضى (1375ش)، فرائد الأصول، قم، مطبعة اسماعيليان.

3. البروجردي، محمد تقي (1417)، نهاية الأفكار، قم، مؤسسة النشر الإسلامي.

4. الخراساني، محمد كاظم (1410)، درر الفوائد في الحاشية على الفرائد، طهران، مؤسسة الطبع و النشر التابعة لوزارة الثقافة و الإرشاد الإسلامي.

5. الخراساني، محمد كاظم (1414)، كفاية الأصول، قم، مؤسسة النشر الإسلامي.

6. الهاشمي الشاهرودي، السيد محمود (1417)، بحوث في علم الأصول، قم، مركز الغدير للدراسات الإسلامية.

Scroll to Top