المقدمة
سواء شئنا أم أبينا، ترتوي المباحث الفقهية والأصولية في كثير من الموارد من المشارب الكلامية، إلى درجة أن حياتها ووجودها أحيانًا يكون مدينًا لتعاليم أو عقيدة كلامية.
في دراسة كلية، نصل إلى نتيجة مفادها أن كثيرًا من علماء الأصول، أكثر من استفادتهم من علم الكلام ومبانيه، قد وقعوا تحت تأثير هذه المباني، وأكثر من مشاركتهم الفعالة في العلاقة بين الكلام والأصول وتنظيم هذه العلاقة منطقيًا وتطبيقيًا، قد تعرضوا لانعكاساتها.
بعبارة أخرى، إن الكثير من استفادات علم الأصول من علم الكلام لا تتم في قوالب منهجية موجَّهة وواضحة؛ بل بصورة خفية وصامتة. ونتيجة لذلك، قد يُدخل علماء الأصول أحيانًا تأثير مبانيهم الكلامية في صميم الفكر الأصولي دون أن يعلموا أو يريدوا ذلك.
من الواضح أنه في ظل التأثر السلبي بالمباني الكلامية وتوظيفها غير الواعي، لا يوجد أي ضمان لئلا تطالب بعض المباني الكلامية في بعض الحالات بحصة أكبر من قدراتها، وفي حالات ومواضع أخرى، لا تجد بعض العقائد الكلامية – التي تمتلك أهلية ذاتية لتكون مبنى – مكانتها ودورها المؤثر.
مع ذلك، فإن القدرة على معرفة المباني الكلامية والتمكن من توظيفها بصورة واعية وعلمية ومنهجية في علم الأصول لم تؤخذ على محمل الجد بما فيه الكفاية. بالطبع، على نطاق أوسع، يجب الاعتراف بأن الدراسات المنسجمة والمنظمة في منهجية الفكر الأصولي قليلة، ومن الطبيعي أن يكون أحد هذه المجالات هو منهج وضوابط الاستفادة من المباني الكلامية في سياق الدراسات الأصولية. إن عدم توسيع الدراسات التي تركز بشكل تخصصي على الوصول إلى مسارات تأثير هذه المباني ومعرفة إجراءاتها وممراتها وأساليب دخول المباني الكلامية في الأصول، قد جعل العلاقة بين الأصول والكلام غير منسجمة.
إن ما تسعى إليه هذه الدراسة التخصصية هو أنها يمكن أن تكشف عن جزء من حقائق الدين، وتتيح لنا، من خلال الولوج إلى ممرات المباني الكلامية، أن نفتح مسارًا للتأثير في الأصول، وتنقيح وتصحيح الكثير من مباحثه، ومن هذا الطريق نصل إلى ضبط أكبر ونتائج أفضل في الحوار الفقهي الاستنباطي.
نقطة أخرى مهمة لا ينبغي إغفالها هي أن علم الكلام، على الرغم من كونه سندًا لعلم الأصول، إلا أنه ليس أداة شاملة للوصول إلى قواعده. بمعنى أن الأصولي لا يمكنه أبدًا، بالاعتماد على قضاياه الكلامية ومن خلال ممرات المعارف والأوصاف والتصورات الكلامية، تحديد جميع مضامين وأساسيات علم الأصول. من هنا، فإن ما هو موضع بحث هو الحجم المنطقي والمجاز للاستفادة من هذه المباني في الدراسات الأصولية.
يسعى هذا المقال، كخطوة في هذا المجال الحساس، إلى تتبع المحاور التالية:
أ) ضوابط توظيف المباني الكلامية في علم الأصول.
ب) نطاق تأثير المباني الكلامية في علم الأصول.
ج) فرط نشاط بعض المباني الكلامية في علم الأصول.
١. ضوابط الاستفادة من المباني الكلامية
إن الاستفادة من المباني الكلامية تخضع لقيود وشروط عدة، وبدون مراعاتها والالتزام بها، سيكون توظيف هذه المباني في إنتاج الفكر الأصولي غير صحيح ومخلًا.
القيد الأول: صحة المبنى
أحد أهم ضوابط الاستفادة من مبنى كلامي هو صحة ذلك المبنى. قبل كل شيء، عند الاستفادة من مبنى كلامي وتوظيفه، يجب التأكد من صحته.1
في هذا السياق، يمكن الاستشهاد بقاعدة اللطف كمثال. الكثيرون في نقدهم للإجماع اللطفي، الذي هو نظرية أصولية في الإجماع، يشيرون إلى عدم صحة أصل هذه القاعدة ويعتقدون أن هذه القاعدة من الناحية الكلامية غير صحيحة.2 وفي حال ثبوت عدم صحتها، فمن الطبيعي أن يكون توظيف هذه القاعدة في علم الأصول لإثبات الإجماع اللطفي غير صحيح وغير منطقي.
القيد الثاني: عدم وجود تصور مبهم عن العقيدة الكلامية
من الضروري عند الاستفادة من عقيدة كلامية، بالإضافة إلى التسليم بصحة أصلها، ألا يكون لدينا تصور مبهم عنها. نوضح هذه المسألة أدناه:
أحيانًا تحيط هالة من الغموض بعقيدة كلامية، بحيث تعجزنا عن تقديم صورة ذات معالم محددة لها. في هذه الحالة، لا يمكن إفساح المجال لعقيدة كلامية لتؤثر في الأفكار الأصولية بوصفها سندًا كلاميًا لها.
وجدير بالذكر أنه إذا بدت عقيدة ما، مع تقديمها لملامح وأطر كلية عن نفسها، متعددة الأوجه والجوانب، فهذا أيضًا نوع من الغموض وعدم الشفافية، ومن الطبيعي أنها لا يمكن أن تكون سندًا لبناء الفكر الأصولي.
نقدم مثالين:
أ) في بحث الخطابات، ردًا على سؤال «هل خطاب المعدوم والغائب جائز أم لا؟»، وقع الخلاف. ذهب البعض – ومنهم طائفة من الحنابلة – إلى جوازه، وفي إثبات دعواهم تمسكوا بمبنى كلامي.3
المبنى الكلامي الذي يقصدونه هو أن الله تعالى في عالم الذر قد خاطب جميع البشر. وبناءً على ذلك، يمكن القول إن خطاب المعدوم والغائب جائز.
إن استدلال الحنابلة بأن خطاب المعدوم صحيح بسبب خطاب الله للمعدومين في عالم الذر هو استدلال غير كافٍ وغير صحيح؛ لأنه من جهة، لا يُلحظ تصور شفاف ومقبول لنوع هذا الخطاب، وأصلاً لا يبدو أن هناك طريقًا لإثبات أن هذا الخطاب كان من جنس الخطابات المعاصرة أم لا. ومن جهة أخرى، فإن تحديد حظهم من الوجود مسألة تكتنفها الغموض. بالطبع، كل هذا في حال كنا نعتقد بأصل تحقق الخطاب في عالم الذر.
ب) يرى الأخباريون، خلافًا للأصوليين، أن:
الأصل في الأشياء الحظر، لا الإباحة.
لإثبات هذه الدعوى، قدموا أدلة. أحد هذه الأدلة هو مبنى كلامي استنتجوا منه النتيجة المذكورة أعلاه بالاستدلال به.
المبنى هو:
جميع الموجودات والكائنات ملك لله.
النتيجة المستخلصة هي:
التصرف في ملك الغير بدون إذنه غير جائز. بناءً على هذا، المكلَّف الذي هو نفسه مملوك لله لا ينبغي له أن يتصرف في موجودات العالم بدون إذن الله.
لا شك في صحة المبنى الكلامي المذكور. إنما الكلام في النتيجة المستخلصة منه. وقد انتقد الإمام الخميني هذا الاستنتاج قائلًا:
«أنه إن أريد من كون المكلف والعالم مملوكين لله، بالملكية الاعتبارية الدائرة في سوق العقلاء، فلا نسلمه، بل لا وجه لاعتبار ملكية اعتبارية لله عزّ وجلّ؛ فإن اعتبارها لابد، وأن يكون لأغراض حتى يقوم به المعيشة الاجتماعية، وهو سبحانه أعز وأعلى منه. وإن أريد منه المالكية التكوينية… فلا يمكن للعبد أن يتصرف في شيء إلا بإذنه التكويني وإرادته، وأن العالم تحت قدرته قبضًا وبسطًا تصرفًا ووجودًا فهو غير مربوط بالمقام ولا يفيد الأخباري شيئًا».4
خلاصة القول: ما المقصود بكون الإنسان مملوكًا؟ إن كان المراد به الملكية الاعتبارية – أي ما هو متداول في العرف والسوق – فهذا غير مقبول في حق الله تعالى؛ لأن هذا النوع من الملكية مسبوق ومبني على الحاجة، والله غني مطلق. وإن كان المقصود الملكية التكوينية، فمع أن هذا المبنى صحيح ولا غبار عليه، إلا أنه لا يمكن استنتاج أن التصرف في العالم ممنوع دون إذن من الله؛ بل النتيجة التي تترتب عليه هي أن جميع الأمور تتم بإذن الله التكويني. وهذه النتيجة – كما هو واضح – لا علاقة لها ببحث الإباحة والحظر، لأن مسألة الإباحة والحظر تتعلق بالتشريع لا التكوين.
نكتة حول القيد الثاني
فيما يتعلق بالقيد الثاني، لا ينبغي أن نغفل نقطة وهي أنه حتى في أكثر الوضعيات الاعتقادية تعقيدًا، تظهر أحيانًا أجزاء يمكن الاعتماد عليها ومطمئنة؛ أجزاء لا تظهر قوتها المطمئنة في إثبات وضعية ما، بل في سلب وضعية أخرى. في هذه الحالة، يمكن الاستفادة من ذلك الجزء من المبنى الكلامي الذي يتسم بوضوح.
على سبيل المثال، الإمام الخميني، على الرغم من غموض ماهية الوحي – الذي نعتقد بأصله اعتقادًا قطعيًا – يستفيد منه في علم الأصول بطريقة ما. ما يتيح للإمام الاستفادة من مسألة معقدة إلى هذا الحد في علم الأصول هو الجزء القطعي وغير القابل للخلل منها. فهو يوضح أنه على الرغم من الغموض في حقيقة وكيفية الوحي، يجب التسليم بأن الخطاب الوحياني لم يكن على الأقل من جنس المسموعات والكلام المسموع. يؤكد الإمام على هذه الخاصية السلبية البارزة لعقيدة كلامية، ويصل إلى نتيجة أصولية. نتتبع هذا الموضوع بعرض عبارة الإمام:
«إن مشكلة الوحي وإن كانت عويصة عقيمة، قلما يتفق لبشر أن يكشف مغزاه، لكنا مهما شككنا في شيء لا نشك في أن خطابات الله تعالى النازل إلى رسوله لم تكن متوجهة إلى العباد؛ لا إلى الحاضرين في مجلس الوحي، ولا الغائبين عنه، ولا غيرهم؛ ضرورة أن الوحي بنص الذكر الحكيم: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾5 إنما نزل على شخص رسول الله، وكلام الله وخطاباته لم تكن مسموعة لأحد من الأمة. بل يمكن أن يقال بعدم وصول خطاب لفظي منه تعالى بلا واسطة إلى رسوله غالبًا».6
وفقًا لعبارته، مهما كنا نواجه من غموض وشك وتردد تجاه قضية الوحي، فإن هناك أمرًا واحدًا لا يمكننا الشك فيه؛ وهو أنه على الرغم من أن النبي ﷺ كان يعبر عن الوحي في قالب ألفاظ، فإن الوحي ليس من مقولة اللفظ، وجبريل لم يكن يوصل الألفاظ عبر الأذن المادية – كما في الكلام العادي – إلى النبي.7 هذا القدر من المعرفة هو في الواقع نوع من المعرفة بزاوية من زوايا الوحي. وهذا بحد ذاته مبنى كلامي أدى إلى إنتاج فكر أصولي.8
القيد الثالث: اقتضاء القاعدة الكلامية للفكرة الأصولية بصورة منطقية
إن التأكيد على صحة المبنى الكلامي من جهة، وعدم وجود تصور مبهم عنه من جهة أخرى – أي القيدان الأول والثاني – لا يعني تجاوز جميع الاحتمالات المانعة الممكنة في طريق توظيف القاعدة الكلامية. حتى بعد الحصول على الاطمئنان من هذين القيدين، يجب التعمق بدقة في مقتضيات القاعدة الكلامية في ساحة الأصول، وفقط بعد ذلك يمكن توظيف القاعدة في علم الأصول. بعبارة أخرى، يجب أن نجعل مقتضيات هذه القاعدة متوافقة مع نوع الاستخدام الذي نريد أن نقوم به.
بناءً على هذا القيد، يكون التأثر بالمعتقدات الكلامية غير صحيح في حالتين:
١. عندما لا تُستخدم القاعدة الكلامية في مقتضاها الأصلي وسياقها المنطقي، بل في فضاء نفسي.
تنقسم العقائد الكلامية إلى نوعين: بعضها لا يثير حالات مثل الخوف والأمل والشوق والرهبة، كالإيمان بالوحي، والإيمان بالملائكة، والإيمان بعدم وجود اختلاف في القرآن… إلخ.
قسم آخر من العقائد الكلامية يثير مثل هذه الحالات في الإنسان، كالعقائد المتعلقة بالآخرة؛ خاصة جهنم وعذاباتها، والجنة ونعيمها.
أحيانًا، يقوم العالم الأصولي في فضاء متأثر بهذه الحالات والانفعالات النفسية الخاصة، بالإدلاء برأي أو تأسيس أصل، أو يقوم الفقيه عند الفتوى والاستنباط باستخراج الحكم أو تقديمه بالشكل الذي لا ينبغي.9
من الطبيعي في مثل هذه الحالات أن النتائج التي يتم التوصل إليها إما أنها ليست قواعد أصولية أو نتائج فقهية منطقية، أو على الأقل لا يوجد ضمان بأن تكون منطقية. فالنتائج من هذا القبيل، بدلًا من أن تكون مقتضى للمباني الكلامية في إطار فكر منطقي، ستكون مقتضى لانفعالات تنتجها العقائد الكلامية في نفس الأصولي أو الفقيه.
بعبارة أخرى، في هذه الحالات، تنزلق العقائد الكلامية، بدلًا من أن تكون في البراهين، إلى حيز التأثيرات والتأثرات النفسية والأفعال والانفعالات الروحية. في مثل هذا الوضع، تكون النتائج فاقدة للقيمة العلمية. على سبيل المثال: إذا مال شخص متأثر بالإيمان بالمعاد والتوجه إليه إلى الاحتياط في علم الأصول كأصل، فإنه دون وعي يكون قد استخدم عقيدة كلامية ليس في مقتضاها الأصلي وسياقها المنطقي، بل في فضاء نفسي غير منطقي.
كشاهد على ذلك، نعرض أدناه كلامًا من الأخباريين نقلاً عن البهبهاني، وهو نفسه يصف هذا الكلام بالعجيب:
«هل يجوز لأحد أن يقف عبد من عباد الله فيقال له: بما كنت تعمل في الأحكام الشرعية؟ فيقول: كنت أعمل بقول المعصوم عليه السلام، وأقتفي أثره، وما يثبت من المعلوم فإن اشتبه عليّ شيء عملت بالاحتياط، أفيزل قدم هذا العبد عن الصراط، ويقابل بالإهانة والإحباط، ويؤمر به إلى النار ويحرم مرافقة الأخيار».10
كما هو واضح، فإن الميل إلى الاحتياط في العبارة المذكورة قد تشكل تحت تأثير التفكير في نار جهنم والخوف منها. ويتخذ الوحيد البهبهاني موقفًا منطقيًا في مقابل هذا الميل، ويتحدث عن الالتزام بمقتضى الدليل، فيقول:
«غير خفي أن المجتهدين – رضي الله عنهم – لا يمنعون عن الاحتياط، ولا يحرمون سلوك سبيل النجاة كيف وهم يحثون ويحرضون عليه ويوبخون تاركه، وديدنهم وطريقتهم العمل به مهما أمكن كما هو غير خفي على العارف برؤيتهم، المطلع بمذهبهم وطريقتهم. نعم، كلامهم معكم إنما هو في الإفتاء بوجوبه والقطع بلزومه. هلا تحتاطون عن الإفتاء من غير دليل تام، وكيف لا تخافون عن الإيجاب والإلزام من دون برهان خال عن الكلام».11
٢. عندما لا يكون الاستنتاج من المبنى الكلامي ذا مسار منطقي:
يتم انتقال الذهن من مبنى كلامي إلى فكرة أصولية عبر استدلال وتشكيل قياس. أحيانًا يتم هذا المسار بصورة أكثر تعقيدًا، ويتم عبر ترتيب قياسين أو عدة قياسات عملية. لذلك، من الضروري في القياس أو القياسات التي تُشكل، توخي الدقة اللازمة في اختيار الكبرى، أو في تطبيق الكبرى على الصغرى؛ وإلا، فإن الفشل في الوصول إلى عملية صحيحة في الاستفادة من المباني الكلامية أمر قطعي، ويؤدي إلى نتيجة خاطئة.
نستعرض أمثلة:
أ) المبنى الكلامي القائل بأن الله حكيم هو مبنى صحيح لا يمكن إنكاره. بناءً على هذا المبنى، يمكن تشكيل قياس على النحو التالي:
– الله حكيم؛
– والحكيم لا يقدم على إيجاد أسباب الفساد غير المصحوبة بمصلحة جابرة؛
– إذن، الله لا يوجد أسباب الفساد غير المصحوبة بمصلحة جابرة.
إلى هنا، الأمر صحيح ومنطقي تمامًا. ولكن إذا أردنا، بناءً على النتيجة المستخلصة (الله يجتنب إيجاد الفساد غير المصحوب بمصلحة جابرة)، أن نشكل قياسًا آخر ونستخلص نتائج أصولية، فنحن بحاجة إلى دقة أكبر لكي لا نقع في الخطأ. لقد وقع الأخباريون في هذا المجال (مجال الانتقال من الفكر الكلامي إلى الفكر الأصولي) في عدم الدقة، وبالتالي الخطأ، واستفادوا من قاعدة صحيحة استفادة خاطئة. لديهم قول بهذا المضمون:
بما أن الاجتهاد يؤدي إلى بروز الفساد (لأنه يؤدي إلى الاختلاف، والاختلاف مفسدة)، فإن تجويزه من قبل الشارع يعني إصدار حكم يوجد أسباب الفساد. النتيجة هي أن الاجتهاد ليس صحيحًا.12
كما هو واضح، أخطأ الأخباريون في مرحلة من مراحل الاستنتاج من المبنى الكلامي لحكمة الله؛ خطؤهم (بعد البناء على فرض أن الاجتهاد يسبب نوعًا من الفساد بسبب إيجاد الاختلاف) نابع من أنهم اعتبروا بروز أي فساد مشكلة؛ بينما كانت الكبرى هي أن الفساد الذي لا يكون مصحوبًا بمصالح جابرة لا يصدر عن الحكيم.
بناءً على ذلك، ما قام به الأخباريون معرض للنقد لأنهم وقعوا في التعميم، واعتبروا مجرد إيجاد الاختلاف منافيًا لحكمة الله دون أن يخضعوه للدراسة. ربما يمكن الادعاء بأن هذا الاختلاف ليس فقط غير منافٍ لحكمة الله، بل هو مظهر من مظاهرها أيضًا. في ظروف غيبة الأئمة، يعد اختلاف الفهم والذوق بين المجتهدين وسيلة لتهذيب الفكر الفقهي والوصول إلى الحقيقة بشكل أكبر. حتى لو اعتبرنا هذا الاختلاف بين الفقهاء والمكلفين مشكلة، فلا يمكن ببساطة اعتباره منافيًا للحكمة؛ لأن السلوك الحكيم يتشكل على أساس حساب الربح والخسارة. يبدو أن مقارنة سريعة وأقل تدقيقًا تكفي لإثبات أن مزايا انفتاح باب الاجتهاد تفوق مساوئ إغلاقه. لهذا السبب، تم قبول الاختلاف بين الفقهاء في مدرسة الأئمة. وقد ورد في الرواية: «إن الاختلاف منا وهو خير لنا ولكم وأبقى».13
من هنا، حتى مع قبول وجود مستوى من الفساد بسبب إيجاد الاختلاف في الاجتهاد، فإن مزايا توظيف الاجتهاد كثيرة لدرجة أنها يمكن أن تغطي نواقصه أو مضاره، وتجعل تجويزه من قبل شخص حكيم أمرًا مقبولًا، بل ضروريًا.
ب) مرّ معنا أن قاعدة اللطف الكلامية عند الكثيرين غير صحيحة في أساسها. وبالتالي، لا يمكن إثبات الإجماع اللطفي بناءً عليها. الآن، لو قبلنا أصل قاعدة اللطف – كما قبلها الكثيرون – فيجب علينا أن نتناول مقتضياتها بدقة في ارتباطها بالإجماع. بسبب هذا الوضع، فإن الكثير من الانتقادات الموجهة إلى الإجماع اللطفي من قبل بعض علماء الأصول هي نقد لمقتضيات القاعدة في إعطاء الاعتبار للإجماع. بمعنى أن البعض، على الرغم من قبول قاعدة اللطف أو على فرض قبولها، قد تحدثوا عن عدم صحة الإجماع اللطفي.14
نطاق تأثير المباني الكلامية
تترك المباني الكلامية، نظرًا لتنوعها واختلافها، طيفًا واسعًا من التأثيرات المتنوعة. بعبارة أخرى، يمكن ملاحظة بصمات المباني الكلامية في مجالات مختلفة.
نستعرض أدناه نماذج من وظائف المباني الكلامية. هذه النماذج تظهر إلى حد ما تنوع هذه الوظائف:
صياغة مصادر التشريع
في هذا المجال نكتفي بتقديم نموذجين:
النموذج الأول: مبنى العصمة الذي أدى إلى إدراج سنة أهل البيت عليهم السلام ضمن مصادر التشريع.
النموذج الثاني: في أدبيات فترة المواجهة بين الأصوليين والأخباريين، تحول المبنى الكلامي لحكمة الله إلى مبنى لتجويز الاستفادة من القرآن لدى الأصوليين. فقد كانوا مدينين في اعتقادهم بالقرآن كمصدر قابل للاستفادة منه في الاجتهاد لمبنى الحكمة الكلامي، وعلى عكس الأخباريين الذين كانوا يرون عدم صحة الاستفادة من القرآن، أصروا على هذا الاعتقاد بأن الله تعالى لتمتعه بالحكمة وعدم الوقوع في اللغو، لن يتكلم بكلام لا يمكن فهم معناه، ولن يريد معنى خلاف الظاهر.
وبهذه الطريقة، وبالاعتماد على مبنى الحكمة الكلامي، أصروا أولاً على حجية القرآن وإمكانية الاستفادة منه، وثانيًا، أقروا حجية ظواهره. وكمثال على ذلك، نشير إلى كلام الوحيد البهبهاني في هذا المجال:
«ووجه الاحتياج إليه – أي علم الكلام – أن العلم بالأحكام يتوقف على أن الله تعالى لا يخاطب بما لا يفهم معناه، ولا بما يريد خلاف ظاهره».15
تبيين مفاهيم بعض المفردات الواردة في الأحاديث
إن مصير تبيين المفردات من حيث المعنى يُحسم عادةً بواسطة العرف واللغة، ولكن الاستخدام الملحوظ والحاسم للمباني الكلامية يؤدي أحيانًا إلى أن تتمكن هذه المباني، إلى جانب الاستفادة من العرف، من أداء دور مؤثر في مجال تبيين المفردات المستخدمة في الروايات.
على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى استدلال استفاد منه الإمام الخميني. كان يعتقد أنه بما أن فترة التشريع استمرت حتى انقطاع الوحي وبعد ذلك انتهت هذه الفترة، فإن روايات أهل البيت عليهم السلام التي صدرت بعد انقطاع الوحي هي مبينة وليست مشرعة. بناءً على هذا المبنى الكلامي، توصل الإمام إلى فكرة أن المقصود من ورود النهي في حديث: «كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي» ليس الورود الأولي من جانب الشارع؛ لأنه بعد زمن الانقطاع، لم يكن هناك تشريع لكي نفترض ورود النهي ورودًا تشريعيًا، بل المقصود من ورود النهي هو وصول النهي إلى المكلف. ومن الواضح أننا إذا فسرنا الورود بالوصول، فإن الحكم بالإطلاق والبراءة حتى قبل الوصول يُعتبر حكمًا ظاهريًا.
«ليس المراد من الورود هو الورود من جانب الشارع؛ لانقطاع الوحي في زمان صدور الرواية… إن كل ما يرد من العترة الطاهرة كلها حاكيات عن التشريع والورود الأولي، وعلى ذلك ينحصر المراد من قوله: «يرد على الورود على المكلف» أي الوصول إليه حتى يرتفع بذلك الحكم المجعول للشاك، وهذا عين الحكم الظاهري».16
وهكذا، توصل الإمام الخميني من مبنى كلامي إلى هذه الفكرة الأصولية بأن الحكم بالبراءة هو حكم ظاهري.
تعيين الموارد الخارجة عن دائرة جعل الشارع
يمكن رؤية الاستفادة في هذا المجال في كلام الإمام الخميني. يقول عن الأمارات العقلائية:
«اعلم أن الأمارات المتداولة على ألسنة أصحابنا المحققين، كلها من الأمارات العقلائية التي يعمل بها العقلاء؛ من معاملاتهم وسياساتهم وجميع أمورهم؛ بحيث لو ردع الشارع عن العمل بها لاختل نظام المجتمع ووقفت رحى الحياة الاجتماعية، وما هذا حاله لا معنى لجعل الحجية له وجعله كاشفًا محرزًا للواقع بعد كونه كذلك عند كافة العقلاء، وهاهي الطرق العقلائية – مثل الظواهر، وقول اللغوي، وخبر الثقة، واليد، وأصالة الصحة في فعل الغير – ترى أن العقلاء كافة يعملون بها من غير انتظار جعل وتنفيذ من الشارع، بل لا دليل على حجيتها؛ بحيث يمكن الركون إليه إلا بناء العقلاء، وإنما الشارع عمل بها كأنه أحد العقلاء».17
المبنى الكلامي له – كما هو واضح – على هذا النحو:
بما أن الشارع حكيم، فلا معنى لأن يرتكب عملاً، أو يصدر أمرًا يخل بأركان نظام المجتمع ويوقف عجلة الحياة عن الحركة والدوران. فالعقلاء يعتبرون صدور مثل هذا العمل موجبًا للهرج والمرج.
بناءً على هذا المبنى الكلامي، يطرح هذه الفكرة الأصولية القائلة بأن الأمارات العقلائية مثل الظواهر، وقول اللغوي، وخبر الثقة، وقاعدة اليد، وأصل الصحة، وغيرها، تشكل أساس الحفاظ على الروابط الاجتماعية في المجالات السياسية والاقتصادية وغيرها. وبالتالي، لا معنى لأن يجعل الشارع الحجية لهذه الأمارات؛ لأن فرض جعل الحجية لمورد ما مبني على هذا الافتراض المسبق بأن ذلك المورد قابل للجعل، وفرض كونه قابلاً للجعل يعتمد على إمكانية ردعه، بينما لا يمكن التسليم بمثل هذا الافتراض المسبق بالنسبة للأمارات المذكورة.
توضيح أكثر: إذا سلّمنا بجعل الحجية من قبل الشارع لهذه الأمارات، فهذا يعني أننا قبلنا بأن الشارع يمكنه أن يردعها، ومثل هذا البناء من الشارع غير صحيح؛ لأن عدم اعتبارها حجة أو ردعها يعني فرض الهرج والمرج في المجتمع والحياة، والشارع لا يبني أبدًا على ما يستلزم الهرج والمرج. من هنا، لا يمكن للشارع أن يردعها، وبالتالي لا يمكنه أن يجعل لها الحجية.
فرط نشاط بعض المباني الكلامية في علم الأصول
إن نطاق تأثير المباني الكلامية المتعددة على الأفكار الأصولية ليس متساويًا. من خلال دراسة الكتب الأصولية، نجد أن بعض المباني الكلامية لها تأثيرات أكثر أهمية وجديرة بالاهتمام في الأصول؛ تأثيرات تبلورت في المصير الكلي لعلم الأصول وتوجهاته.
إذا لم نعتبر المبنى الكلامي للحكمة أكثر المباني نشاطًا – وهو أمر غير مستبعد أن يكون هو الواقع – فهو على الأقل من بين المباني النشطة في الأصول. نتتبع هذا النشاط الزائد من خلال تقديم نقطتين:
النكتة الأولى: الاستفادة من مبنى الحكمة في مجالات متعددة
لقد استفاد الأصوليون من هذا المبنى في مجالات متعددة ومتنوعة.18 نستعرض أدناه نماذج:
أ) تحديد نوع الحكم: الإجابة على سؤال أي نوع من الأحكام جعلها الشارع، وبتعبير آخر، في أي إطار جُعلت الأحكام الشرعية، وما هي الروح والتوجهات التي تتمتع بها؟ هذه مقولة ذات سعة كبيرة لإنتاج الفكر في الأصول، حيث يجب ترك الكثير من نقاطها وأقوالها لمجال آخر. هنا نكتفي بالإشارة بشكل موجز ومن باب المثال إلى أنه في هذا المجال الهام، أثبت علماء، بالتوجه إلى المبنى الكلامي للحكمة، مقولات مثل:
– ضرورة عدم تفويت المصالح.19
– ضرورة مراعاة طاقة واستعداد البشر لتحمل الأحكام والعمل بها،20 وغيرها…
ب) تعيين نوع إنشاء الحكم: هل تم إنشاء الحكم من قبل الشارع بصورة أزلية أم بصورة قضية جزئية خارجية؟ لقد كان المبنى الكلامي للحكمة مرجعًا للإجابة على هذا السؤال. وقد تمسك المحقق النائيني بهذا المبنى لإثبات فكرة أزلية الأحكام، فيقول:
«… وهذا هو معنى كون إنشاء الأحكام أزلية، وأنه ليست الأحكام من قبيل القضايا الجزئية الخارجية بحيث يكون إنشاء الحكم بعد حصول الموضوع وتحقق القيود خارجًا فإنه… لا يمكن ذلك بعد ما كان الأمر الحكيم ملتفتًا أزلاً إلى أن الشيء الفلاني ذو مصلحة في موطن وجوده ولا يصبر ويسكت فعلاً عن الأمر إلى أن يتحقق موطن وجوده».21
ج) تعيين أساليب وقوالب عرض الحكم: لقد استُفيد من مبنى الحكمة بشكل كبير في تحديد القوالب التي استخدمها الشارع لعرض أحكامه. وقد تم هذا الاستخدام بصورتين: كلية وجزئية.
الأولى، بصورة كلية: لقد استنتج الكثيرون أن الشارع، بالتزامه بأطر المحاورات العرفية، قد عرض أحكامه. وكمثال على ذلك، نشير إلى كلام أحد العلماء:
«… أن في تكلمه بمقتضى عرفه إغراء بالجهل حيث أن المخاطب يحمله على عرف نفسه فلا يصدر من الحكيم».22
الثانية، بصورة جزئية: تم استخدام المبنى الكلامي بشكل جزئي في المجال المذكور بصورة واسعة. وكمثال، يمكن ذكر إثبات عدم إرادة المقيد من المطلق،23 أو إثبات حجية مفهوم الشرط،24 وهو ما قام به بعض علماء الأصول.
في وقت سابق، استعرضنا أيضًا حالات تظهر استفادة بعض العلماء الأصوليين من هذا المبنى في تعريف القرآن كمصدر قابل للفهم في مجال الاستنباط، وكذلك في تحديد نطاق جعل الشارع.
النكتة الثانية: اتخاذ الحكمة مبنىً لإنتاج القضايا الأصولية كبديل لبعض القواعد الفلسفية
مع توسع دور الفلسفة في الأصول وظهور ممارسات مفرطة في توظيف الفلسفة في الأصول، بدأت حركة، وإن كانت ناشئة وهادئة، تسعى إلى تقييد وعقلنة الاستفادة من الفلسفة في الأصول. المهتمون بتقليص دور الفلسفة في الأصول هم أولئك الذين يتمتعون في الوقت نفسه بمهارات فلسفية وأصولية. هذا التحول لم يجد بعد مكانه بالكامل في عمق الفكر الأصولي.25
يقترح منتقدو إسناد أدوار مهمة وواسعة للفلسفة في الأصول بدائل لهذا العلم، من أهمها يمكن الإشارة إلى العرف والمبنى الكلامي للحكمة. إن إسناد أدوار أكثر أهمية للمبنى الكلامي للحكمة في الأصول هو من الابتكارات التي قام بها هؤلاء المفكرون.
توضيح أكثر: على الرغم من أن تيار الاستفادة من المبنى الكلامي للحكمة والرؤى العرفية في الأصول كان مستمرًا دائمًا، فإن التأثير الأقوى لعلم الفلسفة في القرون الأخيرة على مصير القضايا الأصولية قد قلص من أدوار العرف (وربما إلى حد ما المبنى الكلامي للحكمة) في هذا العلم، وضيق من فضائه التنفسي. ما حدث في السنوات الأخيرة ويتجه نحو ترسيخ دور العرف والمبنى الكلامي المذكور في الأصول، هو ظهور علماء أدت مهاراتهم الفلسفية والأصولية المتزامنة إلى فتح آفاق جديدة في تحليل دور الفلسفة في الأصول. يعد أفراد مثل العلامة والإمام من رواد هذه الحركة التقدمية. هذان الشخصيتان، بتأكيدهما الأكبر على البناءات العقلائية وحكمة الله تعالى، وبتنحية عدد من المباني الفلسفية، قد تركا أكبر التأثيرات في هذا الصدد. نترك بحث العرف والبناءات العقلائية لفرصة أخرى، وهنا نقتصر على دور المبنى الكلامي للحكمة كبديل لكثير من القواعد الفلسفية من وجهة نظر هذين العالمين.
في هذا الصدد، يتناول العلامة الطباطبائي في بعض الحالات، متجاوزًا مجرد وضع منهجية مختلفة، موقفًا صريحًا في هذا الشأن، فيقول:
«إن المحذور الوحيد في باب الأمور الاعتبارية هو لزوم اللغو، أو ما يؤول إليه؛ وأما أمثال الدور، والتسلسل، واجتماع المثلين، أو الضدين، أو النقيضين فمحالات حقيقية لا تتعدى القضايا الحقيقية غير الاعتبارية».26
الإمام الخميني أيضًا، على الرغم من أنه لا يدخل في هذا الموضوع بصراحة العلامة، إلا أنه يبني منهجه الدراسي على أساس الاستفادة الأكبر من المبنى الكلامي للحكمة بدلًا من بعض المباني الفلسفية الشائعة بين الأصوليين. فهو في رده لفكرة التضاد بين الأحكام الخمسة يقول:
«إن الضدين هما الأمران الوجوديان وهذه الأحكام ليست من الأمور الوجودية بل من الاعتباريات».27
وهو في مسألة اجتماع الأمر والنهي يسير على منطق ما سبق (أي وضع قاعدة اجتناب الحكيم للغو محل قاعدة التضاد الفلسفي) ويقول:
«إن الأمر إنما يكون لغرض انبعاث المأمور نحو إيجاد المأمور به، والنهي لغرض امتناعه عنه وتركه إياه، ولما كان الجمع بينهما ممتنعًا يكون الجمع بين الأمر والنهي من أمر واحد مع العلم لغوًا باطلاً كما أن الأمر بشيء محال ممتنع فملاك الامتناع فيما نحن بصدده هو ملاك امتناع الأمر بالمحال من أمر عالم عاقل، لا أن الملاك هو لزوم اجتماع الضدين؛ حتى تكون الأوامر والنواهي مما يمتنع اجتماعها بنفسها».28
في الإجابة على سؤال كيف يمكن لقاعدة الحكمة أن تلعب دورًا فعالاً في علم الأصول، يجب القول: إن هذا المبحث من المباحث التي لم تُبحث بشكل محدد وفي إطار دراسة مستقلة، ولكن هنا نشير بشكل موجز إلى أن:
لقاعدة الحكمة الكلامية على الأقل ثلاثة ممرات محددة تؤثر من خلالها على الأصول وقضاياه. بعبارة أخرى، تطبيق الحكمة على الله لا يتم مباشرة على علم الأصول، بل يتم بعد المرور عبر وسائط ممكنة. هذه الوسائط التي هي على الأقل ثلاثة قد عُدت على النحو التالي. هذه المجالات الثلاثة للتنفس الكلامي في علم الأصول هي:
الأول: الحكيم لا يرتكب أبدًا أفعالاً لغوية.
الثاني: الحكيم لا ينقض غرضه أبدًا.
الثالث: الحكيم لا يقدم أبدًا على أفعال تؤدي إلى اختلال النظام.
الهوامش
- لا ينبغي أن ننسى أن عدم تنقيح بعض المباني الكلامية ينبع من أننا لم ندرس هذه المباني بشكل مستقل، وفي الواقع تحت تأثير تعاليم سطحية وغير مكتوبة وشفوية، دون أن ندرك ذلك بأنفسنا، قمنا بتضييق أو توسيع مجالات تفكيرنا الكلامي. هذا التأثر غير المرئي يسلبنا أحيانًا حتى إمكانية أن نكون واعين لوجوده في أذهاننا، وكجزء لا يمكن إنكاره أو مثير للتساؤل من أنفسنا، نقدمه في قالب صحيح.
- آية الله الخوئي (قده) من هؤلاء الأفراد حيث يقول: «…لعدم تمامية القاعدة في نفسها، إذ لا يجب اللطف عليه تعالى بحيث يكون تركه قبيحاً، يستحيل صدوره منه سبحانه، بل كل ما يصدر منه تعالى مجرد فضل ورحمة على عباده» (مصباح الأصول، ج ٢، ص ١٣٨).
- ولهذا السبب، انتقد بعض الأصوليين كلام الحنابلة وادعاءهم. يقول الإمام الخميني (قده) – وهو من بينهم – : «هذا ضروري البطلان» (تهذيب الأصول، ج ٢، ص ٤١). بالطبع، يجيز بعض الأصوليين خطاب المعدوم، ولإثبات دعواهم يذكرون أدلة أخرى، وهذا حديث آخر. من الواضح أن الإمام الخميني في نقده هذا لا يريد نفي عالم الذر. كلامه هو أنه في مسألة غامضة كقضية عالم الذر، لا يمكن استنتاج مثل هذه الاستنتاجات.
- تهذيب الأصول، ج ٢، ص ٢٧٤.
- سورة الشعراء (٢٦): ١٩٣ – ١٩٤.
- تهذيب الأصول، ج ٢ / بحث الخطابات: ص ٤٦.
- بالطبع، من الممكن أن تكون الخطابات في بعض الحالات قد تمت بنفس هذه الألفاظ؛ مثل مكالمة الله مع موسى (ع).
- بهذه الصورة، لأنه حتى بالنسبة للنبي نفسه لم يكن الوحي من سنخ الخطابات اللفظية، يمكن استنتاج أن: «خطابات الله تعالى لم تكن متوجهة إلى العباد؛ لا إلى الحاضرين في مجلس الوحي، ولا الغائبين عنه».
- ما ورد في الروايات حول الخوف والأمل وغيرهما يتعلق بالعمل؛ أي في مقام العمل، يجب الخوف وعدم ارتكاب المعصية، ولكن لا ينبغي أن ينشأ الفكر من الخوف على النحو المذكور. بعبارة أخرى، يجب أن يخضع أصل الإفتاء لتأثير الخوف؛ أي «من أفتى بغير علم…»؛ فالإفتاء بغير علم هو من نوع العمل وقد عُدّ ممنوعًا. ولكن إذا وجد الشخص أهلية الاستنباط وبرز في مقام الاستنباط، ففي هذه الحالة إذا أثر الخوف في استنتاجه العلمي في هذا المقام، فهذا خطأ، وإذا أفتى بالاحتياط على هذا الأساس، فهو مصداق للإفتاء بغير علم. لا يمكن بناء الفكر على أساس الخوف. الأخباريون (الذين يقولون بالاحتياط في الشبهات التحريمية البدوية) يواجهون هذه المشكلة الكبيرة. إذا كانوا لا يريدون الإفتاء بآراء الأصوليين، فيجب عليهم أن يخافوا من فتاواهم بنفس القدر وألا يفتوا أصلاً، ولهذا السبب، قال البعض: «الاحتياط في ترك الاحتياط».
- الرسائل الأصولية، ٣٧٧.
- الرسائل الأصولية، ٣٧٧.
- يقول المحقق الكركي العاملي: «…ومثل هذا لا يليق أن يجعله الحكيم مناطاً لأحكامه لما يترتب عليه من المفاسد الناشئة عن الاختلاف الصادر عن تفاوت الأفهام والعقول فيه كما تراه في زماننا هذا من الفتن والعداوات بين أهله ممن ينسب إلى العلم وتخطئة كل واحد صاحبه…» (هداية الأبرار، ص ١٩٨).
- أصول الكافي، ج ١: ص ٦٥؛ علل الشرائع، ص ٣٩٥.
- مباحث الأصول، ج ٢، ص ٢٨٣؛ بحوث في علم الأصول، ج ٤: ص ٣٠٦؛ فوائد الأصول، ج ٣، ص ١٥٠؛ مصباح الأصول، ج ٢، صص ١٣٨ و ١٣٩؛ الأصول العامة للفقه المقارن، ص ٢٦٥.
- الرسائل الأصولية، ص ١١١.
- تهذيب الأصول، ج ٢، ص ٢٤٩.
- أنوار الهداية، ج ١: ص ١٠٦.
- إذا كنا نتحدث هنا عن استفادة الأصوليين في مجالات متعددة ومتنوعة ونقدم نماذج وأمثلة في هذا المجال، فإننا لسنا في مقام تأييد إتقان جميع الاستدلالات التي تمت فيها؛ بل نسعى فقط إلى الإبلاغ عن هذه النقطة وهي أن مبنى الحكمة الكلامي كان له دور مؤثر في فكر الأصوليين.
- «إنه يقبح على الحكيم تفويت المصلحة على العباد» (فوائد الأصول، ج ١: ص ١٦١).
- «فإن الحكيم الشارع لابد له من ملاحظة طاقة الناس واستعدادهم في تحمل الأحكام والعمل بها» (تهذيب الأصول، ج ٢، ص ١٣٤).
- فوائد الأصول، ج ١: ص ١٩٠.
- هداية المسترشدين، ص ٧٣، طبعة حجرية.
- «إن إرادة المقيد من المطلق من دون بيان القيد وإهماله قبيح باعتبار إلقاء مخاطب في خلاف الواقع وكونه موجبًا لنقض الغرض ولا يصدر عن الجاهل فضلاً عن الحكيم العالم» (مشكيني: حاشية على كفاية الأصول، ج ١: ص ٥٤٥).
- «إنه لو لم يفد التعليق انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط لكان التعليق لغواً يجب تنزيه كلام الحكيم عنه» (القوانين، ص ١٧٦).
- بالطبع، أصل صحة هذا الادعاء أو دراسة أبعاده الأوسع يحتاج إلى مزيد من البحث.
- حاشية الكفاية، ص ١٨٦.
- أنوار الهداية، ج ١: ص ١٢٩.
- نفس المصدر السابق، صص ١٣٠ و ١٣١.